حوار مع المؤلّف الموسيقي عبدالله المصري

أجرى الحوار وقدّم له: وسام جبران

 مقدمة

هو الذي يسرق القلوب بيدٍ خفيفةٍ، في موسيقى تؤاخي الذاكرة وتنطبع في الصدور دون عناء، تاركًا بصمةً أو أكثر على النّفس المُصغية بعد كلِّ مؤلَّفٍ موسيقيٍّ يتكشّف أمامها.  وهو الذي يسترق الزمن تحت وطأة الحياة والعمل، فيصل الليل بالنهار كي يُنهي عملًا موسيقيًّا واحدًا متكاملًا، لا يتكرّر.

متنقّلًا بين بيروت وموسكو والكويت في مثلّثٍ لا أضلاع له؛ ينفتح على العالمية لغةً، وعلى النفس الإنسانية في عمقها التراجيدي صدقًا وشعورًا. ويسافر بين التأليف لآلةٍ تناجي وحدتها تارةً، وتركيباتٍ آليّةٍ تبحث عن صوتها الأول تارةً، أو إلى مشاهد أوركسترالية تتراوح بين الأعمال السمفونية والكونشيرتو والمغناة. بين هذا كله، سيروراتٌ متأنيّة من البحث والإبداع والتواصل مع الذات، مُصغيًا إلى خصوصيتها الآتية من المستقبل، رائيًا مُستكشفًا، دون أن يتوسّل الموروث، ودون أن يلجأ إلى بهرجة التّجريب المبتذل؛ فلا استعراض، ولا شِعاراتٍ ولا ضجيج. بصدق الحالم، وعفوية الطفل، وعمق المؤلف الموسيقي يأتي عبد الله المصري إلى المتلقي الإنسان.

في عالم عربي يعيش مخاضاتٍ سياسية واجتماعية عصيبة، ربما، تكون “السوناتا” ذات الطبيعة الجدليّة التشكيكيّة الاحتدامية، خيارًا ملائمًا للتعبير عن الواقع الذي نعيشه، نؤثر فيه ونتأثر به. وربما تكون السوناتا، بمعناها الفلسفيّ المتحوّل، هي “الوسيلة/ القالب واللغة” الأقرب إلى هوى المصريّ منذ بداياته الأولى مع سوناتا الكمان وثلاثي البيانو والوتريات والقصيد الغنائي الثلاثي (إلى حسين مروة) وغيرها من الأعمال، مرورًا بالأعمال الأوركسترالية التي تتضمن “السوناتا” وتناور بين المشهديّات السمفونيّة المركبة وبين الكتابة الكونشرتيّة التي لا تخلو من تحدّي الكتابة لآلاتٍ “دخيلةٍ” على اللغة الأوركسترالية الأوروبية التقليدية (كالعود) أو الكتابة للبيانو، تلك الآلة التي استنفذتها المؤلفات الموسيقيّة عبر العالم والتاريخ، وصولًا إلى “سوناتا البيانو”، وهو آخر عملٍ له (حتى هذه اللحظة)، والذي أطلق عليه اسمًا (ظلاميًّا/ استناريًّا) في آنٍ معًا: “الجانب الآخر من القمر”. لكنه الجانب الذي يخفى علينا، وينتظر منا أن نستكشفه؛ سوناتا للبيانو، معنيّةٌ بمستقبلنا، ومهمومةٌ بما خفي عنا، لا بما تكشّف لنا؛ سوناتا مشغولة بالصّمت الذي لم يُفصح بعد.

*

لنبدأ من النهاية. كيف تحدّد ملامح الموسيقى التي ألَّفتها؟ أين أو كيف تموضعها في عالم اليوم؟

أظنها موسيقى إنسانية الطابع، فهي تحمل هموم ومسؤوليات الموسيقي بكل ما في ذلك من تفاصيل؛ حيث ينبغي للموسيقى أن تحمل الهموم الإنسانية، وتوصل انطباعها إلى المتلقي، دون أن يمتلك، بالضرورة، خلفية ثقافية أو موسيقية، فالأحاسيس هي موهبة الفطرة، وتلقائية الظهور والإعلان، إننا نكتب لتتحرك هذه المشاعر وحسب. ثانياً أن تحمل بطياتها الرموز والألغاز التي نصنعها من عجينة علوم الموسيقى؛ فهذه الرموز تشكل الوتر المشدود الذي تتنقل على متنه تفاصيل البناء، وهي في ظاهرها موسيقى، وفي مضمونها رموز تجعل المادة تنضح بالفكر والرغبة بالتأويل. قد تكون ملامح هذه الموسيقى مبهمة وغريبة للبعض، وقد تميل إلى البساطة إلى آخرين، أما أنا، فيصعب عليّ التكهّن بذلك. ولكن الأهم هو الصدق في سرد ما يجول في الذات. أما ما يتعلق بموقع هذه الموسيقى اليوم، فهي خانة أسلوبية مميزة، غير هامشية، في عالم يضج بكل التناقضات الفكرية والجمالية.

درست التأليف الموسيقي على يد أساتذة روس كبار من أمثال قنسطنطين باتاشوف ورومان ليدنيوف في كونسرفتوار تشايكوفسكي في موسكو، ما أهم البصمات التي طبعَتْها عليك تلك المرحلة (1982 – 1994)؟

أظنها الأهم في مسيرتي الموسيقية، هي مرحلة التفتيش وإيجاد الذات الموسيقية الجمالية. كانت فترة عظيمة من الحماس واكتشاف عالم الإبداع الموسيقي الحقيقي، حيث راودني الصراع لتأكيد ما أود سرده جمالياً بلغة الموسيقى اللامتناهية، فحظيت بأساتذة أناروا طريقي الغامض الذي تخبطت فيه بين ما اختزنته ذاكرة أذني؛ أي ما اقتصر على ما هو في متناول البسطاء من الناس (قليل من تسجيلات الراديو، أغاني المناسبات والفرق الفلكلورية التي كنّا نراها ونسمعها أحيانا، القليل من العلم الموسيقي) وهذا لا يكفي لأن تبني بداخلك المؤلِّف الموسيقى الذي عرفته في أعمال العظماء العالميين. ولكن ذلك لم يحبطني بل زادني تحدي وشوق لبلورة شيء ما. أساتذتي كانوا متنوعين في طبائعهم، فبتاشوف[1] كان دقيقًا إلى أقصى الحدود، وكان يستوقفني في كل لحظةٍ من عرضي لمؤلّفاتي بإسالاتٍ تهتمّ بكلِّ تفصيلٍ، من أين أتى، وإلى أين سيؤولوغير ذلك من التفاصيل التي تجبرك على التفكير البُنيويّ الصارم. كان صادمًا، بحيث يجعلك تعيد حساباتك في أسباب ما تبتغي تدوينه في فوق الورق. لم يكن يقبل الصُّدَف والعشوائية، فيؤكد باستمرار على التفكير المنطقي ثم التقني ثم عمق التعبير. لقد رسّخ ذلك في نفسي تلك الصخرة المتينة التي لم يهزمها كلّ ما واجهته لاحقاً من انتقادات أو تشكيك بجدوى ما أكتب. بتاشوف هو الأستاذ المؤسس الحقيقي لحرفيّة فكري الموسيقي التقني، إن صحّ التعبير. أما ليدينيوف فكان، بطبعه، على النقيض من ذلك تمامًا، كان ينتظر ليرى ما في مؤلّفاتي من ملامح غريبة وجديدة تحمل لكنة خاصة غير اجتراريّة، فكان مُقلًّا في الكلام والملاحظات؛ وأكاد لا أذكر سوى ملاحظة واحدة علقت في ذاكرتي، تتعلق برأيه في موقعٍ محدّدٍ في ثلاثيتي للبيانو، الكمان والتشيللو، بعنوان “مرثيّة” (ÉLÉGIE)، وكان لملاحظته الفضل في تنظيم بعض “الفوضى” وتهذيب العمل.

باختصار، فإن تلك فترة الدراسة في موسكو قد رسَمَت شخصيتي الموسيقية التي ما زالت ترجّع أصداءها، حتى في أعمالي الموسيقية الأخيرة.

كيف ترى اليوم إلى أثر النشأة الموسيقيّة (الضيعة والبيئة اللبنانية، بداياتك كعازف جيتار، دراستك في “حمانا”، تجربتك الموسيقية كعازفٍ مع مارسيل خليفة) على لغتك الموسيقية؟

أظنها تمثل حالةً من التلقائية بالنسبة لي، وأود الإشارة إلى أنه لم تنتابني فيها أية عقدة من عُقد الموسيقيّ الطلائعيّ avant-garde)) الذي يخجل بكل ما في ملامحه من لكنات موسيقية محلية أو قومية. فخلفيتي، كما ذكرت، هي خليطٌ من الحب لأعمال الأخوين رحباني وفيروز، وما تعلمته منهم من فن التنويع، والتناقض، والاختصار اللامع في بلورة أبسط الأفكار، مع حبٍّ لموسيقى مرسيل خليفة الذي كنت شاهدًا ومرافقًا له في بدايات ثورته الغنائيّة والفنيّة والموسيقيّة. ولكنني طورت لغتي الموسيقية بعيدًا عنهم جميعاً، وربما أتحدث عن ذلك لاحقاً من خلال توضيح التّقنيات التي وجدتها بنفسي، مثل: التعددية المقامية، الأسلوب الهارموني الخاص، طريق بناء القوالب، تفرّد البعد الدراماتيكي واستراتيجيات العمل الخاصّة بي.

دراستي في حمانا والعزف على آلة الغيتار، كانت مرحلة متواضعة جداً من مراحل صقل شخصيتي الموسيقية. دور أساسي لعبه أخي الكبير الذي زودني بكم ضخم من الإسطوانات والنوتات الكلاسيكية التي كان يأتي بها من الاتحاد السوفييتي أثناء دراسته هناك (١٩٦٩ – ١٩٨١)، ومن خلالها، تعرفت على مؤلفين موسيقيين، من أمثال دمتري شوستاكوفيتش وموريس رافيل وغيرهم من المؤلفين المؤثّرين. ومن ضمن التسجيلات أعمال ل eshpay وكثير من المؤلفين القوميين في جمهوريات السوفيات السابقة. أما والدي فقد أحاطني بتشجيعه ودعمه على قدر ما ملك من حب للموسيقى والمسرح والشعر.

كتبت عددًا من المؤلفات للأوركسترا، (3 سمفونيات 1991، 1994، 2016) كونشيرتو للكمان (2001) كونشيرتو للبيانو (2003) كونشيرتو للعود (2011) كونشيرتو للتشيلو (2012) “مطر” لميتسو سوبران، بيانو وأوركسترا، وأنت الموسيقي الذي نشأ في بيئة موسيقية شرقية (عربية) لا تعرف لغة الأوركسترا في أصولها ولغتها. فما معنى أن تكتب للأوركسترا؟ ما الذي تمثله بالنسبة لك؟

لا أعتقد أن الكتابة للأوركسترا مرتبطة بالنشأة الشرقية أو العربية. فالأوركسترا هي الورقة التي ندون فيها أفكارنا وننظمها بما نجده أفضل وأقوى. الزمن يتقدم إلى الأمام، واستخدام الوسائل العالمية للتعبير هو حتمية طبيعية، كاستخدامنا لكل التقنيات التي تحيطنا. ولكن الكارثة هي في الاستخدام السطحي والسخيف، وفي التقليد المبتذل.

تتميز أعمالي الأوركسترالية بفرادة البناء، بكل عناصره، وهذا يدركه الباحث والعالم الحقيقي بالموسيقى الذي يرى إلى مؤلفاتي بوصفها ثقافةً غربيةً دخيلةً على مجتمعاتنا وتقاليدنا الأصيلة. وبهذا الصدد لا بد من استحضار المدارس الكلاسيكية القومية العالمية من الفرنسية والألمانية والأمريكية وحتى اليابانية والروسية؛ جميعهم تكلموا بلغة الأوركسترا، بتكوينها الكلاسيكي الصارم، ولكنهم عبروا بلغتهم وأسلوبهم القومي المتميز. وبالمناسبة فإنني أجد، برأيي، أن الغرب هو أكثر من يحارب تجاربنا الموسيقية الجادة، إنهم يريدوننا قشورًا استعراضية بثياب فولكلورية وحسب. ومن هنا تتكاثر المهرجانات المتنوعة في أوروبا تحت مسمى “الأفانجارد” العربي الحديث، فيأتون بعازفين يعزفون على آلات شعبية شرقية، يهجّنوها بتوليفات أوركسترالية عبثية، تحت مسميات عاطفية أحيانًا، وسياسية أحياناً أخرى. إنها، بالعموم، مسوخ سطحية وسخيفة، وتطغى على الأعمال التي تعالج مضامين عميقة. إن أعمالي الموسيقية لا تحمل الاستعراضات الأفانجاردية السّطحية التي تمثّلت بالفوضى السمعية المطلقة، بل هي كتلة عنيفة من المشاعر والآلام التي تنطق بها كل جزئيات البناء؛ لغة منفردة يمكن تحليلها وضبطها بنسب علمية، وبنفس الوقت هي رؤيوية البناء والفكر. أما في النتيجة، فهي إنسانية أولاً وأخيرًا؛ تترك في قرارة النفس الكثير من الأسئلة والانطباعات.

ألا تقع هنا في فخ التعميم؟ هل الموسيقى “الطلائعيّة” هي بكلّيّتها سطحية؟ وكيف تعرفها لنا؟

مفهوم الأفانجارد الحقيقي هو النقيض للموضة، مبني على العلم والجماليات، لكنه أصبح موضة وذريعة تسويقية لا أكثر ولا أقل. وهذا النوع من الأفانجارد الذي انتشر في مهرجانات أوروبية كثيرة، تروج للابتذال والتجريب السطحي الاستعراضي. إنه نوع من أنواع تدمير الإبداع، وتضييع البوصلة، واستسهال وسير مع التيار الرائج. إنه أفانجارد مُضلّل؛ ليس رؤيويًّا بل مجرد مشاكس. فهل يعبر هذا الأفانجارد عن حالة إنسانية عميقة؟ أم أنه مجرد “خربشات” بدلًا من أن يكون بحثًا عميقًا في الخطوط والألوان.

هناك من يرى إلى “الأوركسترا” بوصفها شكلًا من أشكال الخطاب الغربي (الأوروبي)، لغةً وهيمنةً. كيف تنظر إلى العلاقة بين “الموروث” الموسيقي الشرقي وبين “نظام” الأوركسترا داخل علاقات القوى الحضارية غير المتكافئة؟

أظن أنني تكلمت قليلاً عن هذه الجزئية سابقاً ولا أود الاستطراد كثيرًا. لكن لو عدنا إلى تاريخ الآلات الموسيقية، فهي في كل العالم بدأت بآلات قديمة غير مثالية؛ ففي أوروبا كانت هناك فرق موسيقية تعزف في الشوارع على آلاتٍ متنوعة. وكان الأورغن حاضرًا في الكنيسة، وكانت الآلات القديمة من الوتريات كالـ “فيولا دا غامبا” أو “الكلافسين” أو “اللوت” منتشرةً في الحفلات الموسيقية البيتية وغيرها، وكل هذه الآلات لا نجدها ضمن آلات الأوركسترا الكلاسيكية، ناهيك عن تنوع الآلات الشعبية القومية، فالماندولين في ايطاليا والجيتار في إسبانيا والبلالايكا في روسيا الخ؛ هل هذه الآلات القومية أتت لتترجم أعمال المدارس القومية الكلاسيكية الأوروبية؟ طبعاً لا، لم يستخدم باخ المندولين أو آلات موسيقية ألمانية شعبية، ولا تشايكوفسكي قام بفرض البلالايكا على الأوركسترا وكذلك هو حال الإسبان الخ…

الغرب الحديث، لا يريد لنا، نحن المؤلفين الموسيقيين، أن “نتطاول” على الأوركسترا الكلاسيكية. (هي جهاز للتعبير، تمامًا مثل الكمبيوتر). أما ما يسمى بالأوركسترا الشرقية المكونة من آلات شرقية قديمة فقد تفي بغرض تقديم الموسيقى الشرقية التقليدية على مستوى الشكل، لكن دون كشف طبقات في العمق، بل أكثر من ذلك، فقد بتنا نشاهد ونسمع الكثير من الاستعراض المؤلم لآلات شرقية كالعود أو الناي أو القانون، ضمن أنواعٍ من الموسيقى، لا تستقيم مع الأبعاد الأصيلة والفنيّة الموجودة في الموسيقى الشرقية.

أخيراً، أود القول إن الكتابة للأوركسترا هي حالة ضرورية، يمكن من خلالها التخاطب مع العالم بانفتاح، ونقدم عبرها تفاصيل دقيقة لأحاسيسنا المعقدة، والتي تتوفر في لغة الأوركسترا وإمكانياتها.

من هنا فإنني أستخدم اللغةَ المقاميّة المنبثقة من مكنونات المقامات الشرقية، واللكنات الموسيقية المناطقية المحلية، أما السّرد القوالبي، فقد أتى تمثيلًا للارتجالات والسرد القصصي الاسترساليّ (طويل النّفس)، كما وقد استبدلت البناء الموتيفي بالكثير من العناصر التي تشكّل ذاكرتنا الفلكلورية الشعبية.

ليس هذا بالأمر البسيط، بل يحتاج هذا إلى جهد ومقارباتٍ موسيقيّةٍ وثقافيّةٍ دقيقة.

العود (الشرقي) في كونشيرتو العود/ صوت أميمة الخليل (اللا أوبرالي) في “مطر”/ مقابل “الكمان”، “البيانو” “التشليو” في الكونشرتات الخاصة بك؛ من هو السوليست (العازف/ المغني المنفرد) بالنسبة لك؟ وما هي الأسئلة التأليفيّة التي واجهتك عند استحضار عازف/ مغني “شرقي”، بالمقارنة مع عازفي آلات غربية تقليدية؟

كونشرتو العود أو (مطر)، مهمة التوظيف هنا اختلفت، بطبيعة الحال، عن مهمة توظيف الكمان أو التشيللو أو البيانو في أعمالي الأخرى.

لنبدأ بـ (مطر)، العمل الذي كتبه خصيصاً للمغنية أميمة الخليل، باستخدام نص شعري للشاعر بدر السياب، إنها مهمة مليئة بالتحدّيات، بدءًا من التعامل مع قصيدة لها مكان في وجدان متتبعي الأدب العربي، بكل ما فيها من رمزية وعراقة، وكذلك صوت وشخصية أميمة الخليل، بوصفها رمزًا غنائيًّا معاصرًا حاضرًا في ذاكرة مُحبّيها.

“مطر” ليس مجرد “تلحينٍ” لقصيدة شعرية، بل هو تأليف موسيقي صرف موازي للنصّ الشعري. ومن هنا فإن استخدامي للبيانو في هذا العمل، إنما يندرج تحت منطق هذا التوازي الذي يؤوّل القصيدةَ موسيقياً.

بالنسبة لي، يمثّل التعاطي مع الصوت الأوبرالي تجربة غامضة، وصوت أميمة الخليل الشاعري والرقيق، لا ينبغي أن يتحول إلى صرخة مؤلمة وصراع دراماتيكي يُزاحم الأوركسترا وحضورَ البيانو، بل أردت لصوتها أن يُحافظ على نقائه وعفويّته، دون صريخ أو انزياحٍ إلى التقنية الأوبرالية، ودون استجداء العاطفة على نحو دراماتيكيّ مبتذل، فأبقيت على صوتها ضمن مساحته المتواضعة، لكنني أفسحت له مساحات غير معهودة في الغناء العربي ليتحول إلى هَدْرٍ رصينٍ يخرق المشاعر مع التزام صارم في التعبير ضمن نصٍّ موسيقيّ مركبٍ من جهة، لكنه سلس وقريب من الشعور والتذوق من جهةٍ موازية.

هل نجحت أميمة الخليل في تحقيق تصوّرك “الصّوتيّ” كمؤلّف لهذا العمل؟

في هذا العمل ألوانٌ كثيرة متشابكة ضمن شرائح زمنية قصيرة، وفيه احتداماتٌ وتناقضاتٌ في المواد الموسيقيّة في بعض أجزائه؛ إنه ليس عملًا يسهل أداؤه، بالمعنى التقليديّ للكلمة. مع ذلك، فقد نجحت أميمة الخليل في أن تصل بأدائها إلى التمام من حيث التعبير عن الرؤية المنشودة لهذا العمل، كما أراها.  فظاهر هذا المؤلَّف هو لحنيّ، لكن في خباياه دهاليز معماريّة معقدة، وفسيفساء كثيفٌ من الأفكار التي تظهر وتختفي لتكوّن وحدة بنيويّة متماسكة على طول أجزائه الثلاث. هذا يتطلب قدرة غنائية وخبرة صوتيّة عالية. أعتقد أنها كانت تجربة فريدة لي ولأميمة الخليل.

وماذا عن كونشيرتو العود؟

كونشرتو العود حمل تحدي من نوعٍ آخر، فهو يستحضر هذه الالة المعهودة برنينها التقليدي وأسلوب أدائها المألوف، إلى آلة أساسيّة ومركزيّة داخل عمل تراجيدي بامتياز. التحديات التقنية تتمثل في شقين: الأول تأليفي محض؛ كيفية توظيف الآلة تقنياً، استنزافها بكل قدراتها السابقة وطرق آفاق جديدة فيها، دون تغليب الاستعراض التقني على الفكرة الموسيقية، ودون استسهال لغة الأوركسترا (وتاريخ الكونشيرتو) والاكتفاء بتسلسلات لحنيّة تُرافقها “توزيعات” أوركسترالية (تحت حجّة مُقاربة أسلوب “الوصلة الغنائية” المألوف عند العرب)، بل إلى تأليف موسيقي متين البناء مع رسم مُحكَمٍ لاستراتيجية معقدة كما يليق بالكونشرتو وتاريخه ومعناه. طبعاً، هذا يشكّل تحدّيًا للعازف أيضاً، والذي تقع عليه مهمّة تنفيذ النص المعقد جداً بحيث يبدو سهلًا، كما هو الحال عند أداء “فوجات” جوهان سبستيان باخ الشهيرة. وهنا، يجدر القول إن الحظ قد حالفني بتقديم العمل مع الصديق الأستاذ شربل روحانا الذي قدمه في موسكو وقطر، ثم مؤخراً تم تسجيله مع العازف سمير نصر الدين، الذي قدم العمل بأداء ساحر، ومهارة مدهشة.

كونشيرتو العود هو أطول أعمالي زمنًا وأصعبها أداءً، خاصّة بالنسبة للعود تحديدًا. وهو أشبه بقصيدٍ سيمفوني منيعٌ على الاستعراض المبتذل واستهلاك المشاعر؛ إنه يتحدث بلغةٍ إنسانيةٍ حميميّة بل حتى بكائيّة في بعض الأحيان. وهو، من منظورٍ تقليدي محافظ، قد يبدو مستفزًّا من حيث الاستخدام غير المألوف لآلة العود.

كونشيرتو البيانو؟

الكتابة لآلةٍ مألوفة في مصاحبتها للأوركسترا الكلاسيكية الأوروبية كالبيانو تشكل تحدٍّ لي كذلك، لكن من نوعٍ آخر. فكيف يمكن الكتابة لآلة تم البلوغ بها إلى آفاق خيالية في التأليف؟ لكن، أعتقد أنني توفّقت هنا في اجتراح لغة موسيقية متفرّدة وغير مسبوقة، أمكنني البناء عليها في تأليف هذا الكونشرتو للبيانو والأوركسترا عام 2002. يكفي دراسة وتحليل المقدمة أو الحركة الثانية، والتي تقوم في أساسها على فكرةٍ الانفرادية؛ بمعنى أنها تشكل حركةً منفردة للبيانو، خافتة، رمزية بتجرّد، عبثية ورومانسية بشيءٍ من التجديد. وكذلك هو شأن “الكادنزا” (Cadenza) في نهاية الكونشرتو التي تكشف بجلاء عن فرادة هذا العمل.

ماذا تقول عن أداء عازف البيانو رامي خليفة في هذا الكونشيرتو؟

في الحقيقة، هذا الكونشيرتو جاء بطلب من مارسيل خليفة، ومخصص لعازف البيانو القدير رامي خليفة، وقد عُزف للمرة الأولى في موسكو بقيادة المايسترو فيليكس كوروبييف، وصدر مُسجلًا في إسطوانة إلى جانب الكونشيرتو الخامس لسيرجي بروكوفييف. رامي خليفة، هو أحد أهم العازفين الذين تعاملت معهم في حياتي المهنية، وقد أضاف بموهبته ومهاراته وشخصيته الفريدة الكثير من النكهة والبريق على الكونشيرتو، ولهذا، قررت فيما بعد، مجددًا، أن أكتب له دورًا مميزًا خاصًّا به، ضمن مؤلفي “مطر”.

عُرض هذا الكونشيرتو في عدد من الدول، وبعد عرضه في لبنان بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، حاز على وسام درع وزارة الثقافة اللبنانية.

موسيقى الحجرة تأخذ حيزًا كبيرًا في مؤلّفاتك الموسيقية. كيف يختلف هذا النوع من الموسيقى عن غيره من الأنواع بالنسبة لموسيقي “هجين/ بينيّ” مثلك؟

موسيقى الحجرة شق أساسي في إنتاج المؤلفين الموسيقيين عمومًا، وهي تتوازى مع الكتابة لمجموعات أوركسترالية كبيرة من ناحية، ومع الأداء الانفرادي داخل المجموعة الصغيرة، من ناحية أخرى. الهدف لا يختلف من حيث المبدأ، والفارق هو في طريقة نقل الأفكار والتعبير عنها عبر الآلات. في موسيقى الحجرة تنوعٌ كبيرٌ، حيث تتميز المجموعات الآلية المختلفة بألوان صوتية منوعة وغنية، ولكن مهمة الكتابة لا تكون أكثر سهولةً، فيكون التركيز على عناصر البناء الأساسية في التأليف. أما درامية الأعمال ففيها الزّخم نفسه.

كتبت في مراحل التأليف المبكرة كمًّا من الأعمال التي كوّنت شخصيتي الموسيقية. ففيها تبلورت عناصر وأسلوب البناء اللحني والهارموني وتكوين القالب المنفرد. فيها تركيز على المضمون وابتعاد عن الحشو والاستعراضية، مثل ما جاء في سوناتا الكمان (1985) أو متتالية الفلوت (1986)، وجرأة في الأفكار، وقسوةٌ وغرابة، مثل رباعي الكلارينت (1986). في تلك الفترة كتبت كذلك أعمالًا غنائية فيها الملامح الأساسية لأفكار جاءت لاحقاً في (مطر).

لست غزيرًا في إنتاجك… أقصد من ناحية الكم. ما السبب؟

إنتاجي ليس غزيرًا، هذا صحيح، وذلك لأسباب وجيهة، منها ضيق الوقت للتفرغ الكامل للكتابة الإبداعية، أو عدم إلحاح المحيط على التأليف الموسيقي.  لكن، السبب الأهم هو أنني لا أجيد تكرار نفسي، ولا أكتب إلاّ كي أبوح بشيءٍ جديد.

نحن نعيش في عالمٍ (عالمنا العربي خاصةً) لا يهتم كثيرًا بهذا النوع من الإبداع الموسيقي الجادّ، ولا يوفّر الدعم المادّي اللازم لتوفير فرص التفرُّغ للمبدعين. في نهاية المطاف، فأنا أكتب الموسيقى حين أشعر بإلحاح أفكاري الموسيقية على ذهني. لكن، من جهةٍ ثانية فأنا أقوم باستمرار، وبحكم الطلب والحاجة، إلى إعداد توزيعات أوركسترالية، وهذا عمل يُجانب التأليف الموسيقي كثيرًا.

هل ألفت شيئًا في الفترة القريبة الماضية؟

منذ فترة قصيرة كتبت سوناتا البيانو “الوجه الآخر للقمر”، وتحمل أفكارًا مشاكسة لما هو دارج في التأليف الموسيقي المعاصر.

أفكار مُشاكسة، لكن “السوناتا” هو اسمٌ يأتي من التقليد الموسيقي الكلاسيكي. هل من مفارقة هنا؟

لا أبدًا. فالتسمية “سوناتا” تشير إلى إنتماء هذا النوع من التأليف إلى تقليد قديم في الكتابة للبيانو وغيره، لكن، وتحت سقف هذا الانتماء، أقدم خصوصيّتي، بل وخروجي عن التقليد السّوناتيّ المألوف كلاسيكيًّا؛ منذ زمن، توقف المؤلّفون عن الانصياع للسوناتا بوصفها قالبًا، والإبقاء على الاسم بتجرّدٍ من الشكل، وبما يُشير تحديدًا إلى فلسفة السوناتا بوصفها جدليّة موسيقيّة، هذا ما بقي لي من السوناتا التقليدية، وهو الجانب الذي يمنحني مساحةً حرّةً دون قيد قالبيّ. ورغم أن “السوناتا” اسمٌ يحرّر المؤلّف من التسميات “العاطفية” الأخرى، إلاّ أنني منحت هذه السوناتا اسمًا “أدبيًّا”؛ ربما أردت بذلك أن أعبر عن شغفٍ ما بداخلي يدفعني إلى هدفٍ بعيد مُضيء، لكنه، بقدر ما يُضيء، فهو يحجب.

بعد موسكو، انتقلت للعيش والعمل في الكويت، محاضرًا أكاديميًّا. ما هي أهم مفاصل هذه المرحلة بالنسبة لك؟ أين تعتقد أنك طبعت بصمتك في الكويت وأثرت في مشهدها الموسيقي؟

تشكل الكويت مرحلةً مهمةً في حياتي، حيث انتقلت إلى الاستقرار بكل معانيه، وتوفرت لي فرصٌ للعطاء عبر التعليم. حصل ذلك مع بداية عصر العولمة وسهولة التواصل الاجتماعي على مستوى العالم. فمن الكويت أسست لعلاقاتي العالمية وكتبت أهم أعمالي السيمفونية.

منذ بداية إقامتي في الكويت انغمست في العمل التعليمي الأكاديمي، بكلّ ما فيه من متاعب أو مردودٍ. هذه التجربة جعلتني، كمؤلّف موسيقي، أكثر واقعية في إنتاجي وفي علاقتي بالحياة العمليّة.  بدأت العمل في المعهد العالي للفنون الموسيقية، حيث مُنِحتُ الفرصةَ لوضع مناهج التأليف والتوزيع الأوركسترالي. عملت بحماس متبادل بيني وبين طلابي ومع الطاقم الإداريّ. تفاعلنا جميعًا في خلق نهضة حقيقية في مجال التأليف الموسيقي، وكانت المواد موضوعة تتماشى مع المناهج العالمية. في ما يتعلق بتدريس التأليف الموسيقي، فقد أصررت على جعل التأليف مرتكزًا على تدعيم الأسلوب الخاص للطالب، وتمتين الإبداع الفردي وصقل شخصية الطالب، عبر تقديمهم رسيتال فصلي يقدمون فيه أعمالهم. كان لهذا النهج نتائجه التي تكشّفت من خلال أجيالٍ من الطلاب المؤلفين المبدعين. ثم تكوين أوركسترا من طلبة وأساتذة الكلية. المهمة كانت شائكة، حيث قمت بتوزيع وإعداد كم كبير من الأعمال الغنائية الكويتية والعربية، وبعض الأعمال العالمية، بما يتناسب مع التكوين الآلي القائم.

في الكويت اهتممت، كذلك، بكتابة مناهج وكتب تعليمية، منها إصدار كتاب علم الآلات والتوزيع الموسيقي. ثم انتقلت إلى العمل في صرح جامعي (الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريس) وهنا مارست العمل الأكاديمي البحثي.

من الكويت، وبعد خوض تجربة القيادة الأوركسترالية، دُعيتُ إلى لبنان، حيث قدّمت مجموعة من الأمسيات مع الأوركسترا الشرق عربية في الكونسرفتوار. كل ذلك بفضل تواصل وتراكم العمل في مؤسسة أكاديمية محترمة. أما ما يخص البصمة فهذا يدعو للفخر والفرح وبهذه المناسبة كثيراً ما أسمع عن طلاب وأساتذة المعهد في الكويت العبارة اللطيفة: “هؤلاء أبناؤك وأحفادك في التأليف دكتور عبد الله!”

عام 2020، أصدرت أول كتاب جاد لتدريس علوم الهارموني باللغة العربية. ما هي ميزة هذا الإصدار عربيًّا؟

هذا الكتاب هو حصيلة خبرة تعليمية على مدى عشرين عام، عندما تبلورت لدي طريقة توصيل المعلومات بشكل مبسط وواقعي وموجه لطلاب لا يتمتعون بفرص التعليم الموسيقي المبكر. وهذا واقع لا أخشى الاعتراف به، فهذه المادة كانت وما زالت غامضة ومعقدة للبعض، وهذا ما لمسته بنفسي أثناء دراستي لهذه المادة في موسكو

الكتاب مكوّنٌ من جزأين، فيهما الكثير من الاختزال وعدم الحشو (مثل إدراج نماذج كثيرة ومعقدة)، بل توضيح تدريجي للمرحلة المؤسسة للهارموني التقليدي. ومعه جزء تطبيقي فيه تمارين متدرجة الصعوبة للمستوى الأول من هذه المادة. أظنه الكتاب الأول المبسط وغير المنسوخ أو المترجم باللغة العربية.

بالإضافة إلى مؤلّفاتك الموسيقية الكثيرة، فقد ألفت (مع زوجتك مارينا) ابنًا، هو الآخر مؤلّف موسيقي جاد. ماذا تقول عن يانيس المصري؟

سماع اسم يانيس المصري يحرك مشاعري التي تمتزج بالفرح والفخر، ابني يانس مؤلفٌ موسيقيٌ ما زال يناضل في بدايات مسيرته الموسيقية. مع ذلك أقول عنه، بحق، إنه مؤلِّفٌ لأنني ألامس انفرادية خاصة في لكنته الموسيقية وفي تتابع إنتاجه دون كلل.

بدء يانيس دراسة الموسيقى في السادسة من عمره، بالتوازي مع دراسته التقليدية. فدرس العزف على البيانو والنظريات في الكويت مع البروفسور وعازفة البيانو إلينا تسينكوفا، ثم حصل على شهادات عبر المتابعة عن بعد في القنصلية البريطانية من الأكاديمية الملكية البريطانية، وصولًا إلى أن أصبح طالبًا في كونسرفتوار تشايكوفسكي الذي درسنا فيه كلانا من قبل. تابع دراسته في تخصص التأليف الموسيقي وبعدها انتقل لمتابعة دراسة التأليف الموسيقي في البرتغال في جامعة أڤيرو.

كتب مجموعة كبيرة من الأعمال الجادة، تتراوح بين أعمالٍ لموسيقى الحجرة أخرى هي موسيقى سيمفونية. كتب موسيقى تصويرة، ومنها فاز بجائزة الأفلام القصيرة في مهرجان Annecy، إضافة إلى اهتمامه بالموسيقى الإلكترونية. وعلى هامش الموسيقى الكلاسيكية يتابع نشاطه في موسيقى الروك الجادّ، حيث يمزج في أعماله البعد الفلسفي وفكر الروك الرافض.

ربما يكون لنا معه لقاء موسّعٌ في المستقبل…

أعتقد أن ذلك سيسرّه كثيرًا.

المشهد الموسيقي الكلاسيكي العربي اليوم، كيف ترى إليه؟ وإلى أين برأيك؟

أرى إليه كما أرى إلى الواقع ذاته. كما أرى إلى الموسيقى عينها؛ كما هي الحياة في تناقضاتها واختلافها وتنوّعها.

يشهد العالم العربي في أيامنا نهضة موسيقية تقلّص الهُوّة بين الموسيقى الجادّة والمتلقي العادي (غير المتخصّص). نشهد حركة نشطة بريادة جيلٍ من الشباب المتطلّع إلى استقلالية لغة الموسيقى، وجعلها تنطق باسم ذاتها، بعيدًا عن ارتباطها التاريخيّ الملازم للغناء والشعر، أو بوطأة الموروث الشعبي بكلّ مكوّناته.

أما حكم القيمة على هذه الأعمال والإنتاجات، فالزمن كفيلٌ بذلك.

متفائل، وسعيد بنهوض الإبداع الموسيقي وإبحاره إلى مرافئ التعبير الإنساني، دون التذرّع بالظروف، غير الدّاعمة، أو انتظار اكتمال الوعي والنُّضج عند المتلقي؛ الفن هو الذي يقود الذائقة، وليس العكس.

******

[1] قنسطنطين باتاشوف، مؤلف موسيقي سوفييتي/ روسي، وأستاذ في كونسرفتوار تشايكوفسكي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This