المحرقة والنّكبة: نحو جديد للتّاريخ والذّاكرة والفكر السّياسيّ

تحرير بشير بشير وعاموس غولدبيرغ، دار نشر جامعة كولومبيا، 2018.

تصدير إلياس خوري، خاتمة جاكلين روز.

The Holocaust and the Nakba

A New Grammar of Trauma and History

Edited by Bashir Bashir and Amos Goldberg. Foreword by Elias Khoury. Afterword by Jacqueline Rose., Columbia University Press

هل تجوز المقارنة بين محرقة اليهود ونكبة الفلسطينيين بصفتهما حدثين تأسيسيّين يتصالبان وينحرفان الواحد عن الآخر في السياق التاريخيّ والنفسّي والاستعماريّ لدى الشّعبين اليهودي والفلسطينيّ؟ ما هي التقاطعات والمخاطر التي قد تسوقها هذه المقارنة باستكشافها للتقاطعات الكامنة في  الحدثين؟

يرتكز هذا الكتاب (الذي قام بتحريره كلّ من الباحث الفلسطيني بشير بشير والباحث الإسرائيليّ عاموس غولدبيرغ)، على مقاربة بنائيّة نحويّة جديدة تسعى إلى خلق خطاب جديد-بديل ينحرفُ عن تبنّي الخطاب المهيمن الذي يصوغ الحدثين، المحرقة والنكبة، كفكرتين متضادتين متقابلتين، وإنما كمفهومين متناسبين “العلاقات التي تتمتّع بطبيعة مجازية عوضًا عن العلاقات المجازيّة بينهما: لا تقمع إحداهما الأخرى، أو تنكران بعضهما، بل تعقّل كلّ منهما الأخرى، كجزء من أيّ قول تاريخيّ ذي معنىً”.

بالنسبة لليهود، تعتبر المحرقة (الهولوكوست) حدثًا تأسيسيًا كونيًا فريدًا من نوعه، وأي نقاش مشترك بينها وبين أي حدث آخر سيشكّل خطرا سياسيًا وأخلاقيًا على وجودها. من هنا يؤكّد  المحرران بشير وغولدبيرغ، اعتمادَا على أدبيّات المحرقة، بناء الرواية الصهيونيّة اليهوديّة وارتكازها على الرواية الفوقيّة للمحرقة والتي تؤكّد القتل الجماعيّ لليهود لأقسى تجليات معاداة الساميّة والشرّ في التاريخ الحديث، وهو ما لا يمكن، في نظر اليهود، أن تجد له نظيرًا يعادله في هذا التاريخ. هذه الرواية الصهيونية الفوقيّة للمحرقة، هي ما برر وجودَ إسرائيل وقيامها في فلسطين كحقّ يعترف به المجتمع الأوروبي المسيحيّ المسؤول عن كراهية اليهود والمحرقة، وواجبه تقديم الدعم كجزء بسيط من التعويض عن المأساة التي شاركَ فيها.

في الضفة الأخرى هناك النكبة،  والتي تُعتبر حدثًا تاريخيًا تأسيسيًا في وعي الفلسطينيين، وبما أن اليهود يستخدمون المحرقة لتبرير الصهيونية وقيام دولة إسرائيل، فإن الاعتراف بها بالنسبة للعديد من الفلسطينيين هو بمثابة إضفاء الشرعية على مظالم النكبة والظلم الذي ما زالت إسرائيل تلحقه بهم.

في هذا الكتاب يبحث مفكّرون عرب ويهود في الأسباب والعلل التي تربط بين  المحرقة والنكبة دون طمس أو تغييب الاختلافات الأساسية بينهما. في الوقت الذي تتم فيه مناقشة هاتين المأساتين التأسيسيتين بشكل منفصل، وفي تجريد من السياقات العالمية التاريخية التأسيسية للقومية والاستعمار، فإن المحرقة والنكبة تستكشفان التقاطعات التاريخية والسياسية والثقافية بينهما ويرى غالبية المساهمين في الكتاب أن هذه التقاطعات هي جزء لا يتجزأ من التصورات الثقافية، وعلاقات القوة الاستعمارية المنبنية على اللاتكافؤ، من هنا فإنّ التركيز على هذه التقاطعات يمهد الطريق لقواعد سياسية وتاريخية وأخلاقية جديدة تمكّن من إقامة حوار عربي يهودي مشترك وتدعم المصالحة التاريخية في إسرائيل / فلسطين. هكذا يصرّح المحرران بشير وغولدبرغ في مقدمتهما للكتاب والتي تصل إلى 42 صفحة نازعين السّجال الثنائيّ عن خطاب الروايتين والذي يصنّفه المحرران ضمن رؤية متصدّعة تاريخيًّا وضارة أخلاقيًّا وسياسيًّا، فيقولان:

“يهدف هذا الكتاب إلى التخفيف من حدّة الثنائيّة التي تنطوي عليها هاتان الروايتان الرئيستان، أو تحدّيها، ساعيًا إلى تجاوز الحدود الثنائيّة التي تفرضها هاتان الروايتان القوميتان على التاريخ والذاكرة والهويّة، بغية التأمل في الروايتيْن سويّةً. إنّنا نرتئي هنا سجلاً آخرَ للتاريخ والذاكرة؛ سجلاً يحتفي بفرادة كل حدث وظروفه وتبعاته، وكذلك اختلافاته، لكنّه يجمع بينهما في إطار تاريخي ومفاهيمي مشترك قادر على معالجة كلتا الروايتيْن. كذلك نقترح نحوًا مختلفًا تمامًا للتاريخ والذاكرة، يكون بموجبه المركّب (المحرقة والنكبة) أو (النكبة والمحرقة) ذا مغزى تاريخي وثقافي وسياسي”.

يعرض المحرران، وعلى نحو منظّم وواضح، في مقدّمتهما تعقيدات قراءة الروايتين المحرقة والنكبة في سياقهما التاريخيّ، النفسيّ والسياسيّ، وأثر إحداهما (المحرقة كحدث كوني) على الأخرى (النكبة كحدث محلّي). ويؤكدان على أنّ الصهيونيّة وُلدت من رحم الخطيئة الاستعماريّة لإعلان بلفور عام 1917، وتعزيز المحرقة كرواية فوقيّة بررت الخطاب الضحويّ اليهودي وأكّدت بذلك حاجة اليهود إلى دولة يهوديّة.

يُقسَم الكتاب، إلى جانب المقدّمة الطويلة والشاملة التي يقترحها المحرران بشير وغولدبيرغ، إلى أربعة أقسام يحاور كلّ منها التقاطعات بين المحرقة والنكبة. يُطلق المحرران على الفصل الأول عنوان “المحرقة والنكبة: تمكين الظروف لنحوٍ سياسيّ وتاريخيّ جديدين”، وقد احتوى هذا القسم على مقالات وتأملات مثقفين مساهمين من أمثال أمنون راز كركوتسكين، هنيدة غانم، نديم خوري وغيرهم، حول والتر بنيامين، المحرقة ومسألة فلسطين، مفردة “مسلمون” التي يتناولها غيل انيدجار في ظل أوشفيتس والنكبة، التقاطعات بين المحرقة والنكبة في ظل الصهيونية وهي مقالة لهنيدة غانم، والمحرقة والنكبة وفكرة الذاكرة الشعبية المضادة لنديم خوري. أما الفصل الثاني الموسوم بـ”المحرقة والنكبة: التاريخ والتاريخ المضاد”، فقد اشتمل على أربعة مقالات لكلّ من: ألون كونفينو، مصطفى كبها، يوخي فيشر وعومِر بار توف، والذي طرح أسئلة وتساؤلات وتأملات وتحديات في عملية الجمع-الربط بين المحرقة والنكبة مقابل أسئلة الروايتين الشهيرتين حولهما، وتناول الفصل مفهوم الضحية والمعاناة وأخلاقيات سرد الماضي كتاريخ سياسيّ شخصيّ، مفهوم المنفى والتحولات في الربط بين المحرقة والنكبة.

تناول الفصل الثالث الموسوم بـ”المحرقة والنكبة: بَسط الدلالات الصادمة في العلاقة بين المحرقة والنكبة”، والذي اشتمل على ثلاث مقالات لكل من طال بن تسفي، عمري بن يهودا وحنان حيفر، وتطرق فيها الباحثون إلى ثقافة الذاكرة، المحرقة والنكبة في الفن، المزراحيم بين المحرقة والنكبة. فيما كرّس الفصل الرابع مساحة خاصة لتناول رواية أولاد الغيتو لإلياس خوري بقراءة طباقية للعمل ومفهوم كتابة الصمت في هذه الرواية، مشاركًا فيه كلّ من رفقة أبو رميلة، رائف زريق ويهودا شنهاف مترجم العمل إلى العبرية.

يموضع المحرران بشير وغولدبيرغ صعوبة بحث هذا الموضوع ضمن الظروف الراهنة التي يعاني منها الشعبان إلى هذه اللحظة صدمة المحرقة والنكبة لكَونها جرحًا لم يلتئم بعد ويقترحان  ثلاثة سجلّات- ثقافيّة، وتاريخيّة، وسياسيّة-أخلاقيّة- تمثّل سوية قاعدة لبناء ونحو جديدين للتاريخ، والذاكرة، والهويّة، وتكون بدورها مؤهّلة لتحقيق شكل من أشكال المشاركة، وخلق حوار بين الروايتين يتّسم بالتوتر لكنه مُنتِج “قد يُرسي الحجر الأساس للغة المصالحة التاريخيّة بين الشعبيَن- لغة ثنائية القوميّة مبنيّة على مبادئ الأخلاق والمساواة، وتحمل إمكانية إنهاء الاستعمار، عبر تحويل وتفكيك الامتيازات الاستعماريّة اليهوديّة الراهنة، ووضع حدّ للهيمنة”.

لا يتناسى المحرران أو يتغافلان عن حقائق خلفها خطاب المحرقة ومسؤولية الاستعمار الأوروبيّ والصهيونيّة فيما آلت إليه فلسطين من معاناة شعبها حتى اللحظة الراهنة: فاليهود، رغم الندوب التي خلّفتها المحرقة، يعيشون وضعًا راهنا مختلفًا، إسرائيل تمتلك سلاحا نوويا، تتمتع بإنجازات معقولة، وحقق اليهود نجاحات بارزة في أوروبا والولايات المتحدة، وبالتالي لا يمكن النظر إليهم، على مستوى الأفراد وضمن المؤسسة الجماعيّة، كمغلوب على أمرهم، كما يقول المحرران. يبرز نقيضهم في ذل، الفلسطينيون أصحاب النكبة، والذين يرزحون تحت حكم الاحتلال، بلا سيادة، بلا استقلال، بلا حقوق، يدعم كلّ ذلك سياسات السلب والتجزئة والنهب والممارسات السياسية الشرسة التي أضعفت السيادة وضعضعت الوضع السياسي الفلسطيني، مما جعل النكبة “واقعًا راهنا مستمرًا بصورة جليّة”.

بالطّبع، ثمّة من سيرى في وضع المحرقة في صفّ النكبة والحديث عن قواسم مشتركة على مستوى “صدمة” الشعبين، شكلا من أشكال المقارنة الجائرة أو غير المعقولة، إن لم تكن مستحيلة. فالحدثان يختلفان تمامًا في حجمهما وفي طابعهما التاريخي، كما يقول ألون كونفينو،  الأول عبارة عن إبادة جماعية هدفها المسح أو القضاء التام، في حين أن الحدث الثاني الذي أعقبه، هو تطهير عرقي موجه نحو إزالة مجموعة عرقية وليس القضاء عليه، إلى جانب اختلاف الإيديولوجية، الرؤية، الغيتوهات، الهجرة، المنفى، اللجوء، والعواقب الأخرى للحدثين. كما أنّ مفهومَي المحرقة (يليها النكبة) ينبنيان على تصوّر قاسم مشترك قاعدته الصّدمة، وتناول مفهوم الصّدمة في الحدثين، أيضًا له خصوصيّاته لدى الطرفين، ونتائج ولّدت واقعين مختلفين لشعبَين كانت المحرقة عند الأول سببا في استقلاله وبناء مشروعه الاستيطاني الاستعماري، والنكبة سببا في تفسّخ وتفكك الدولة الفلسطينية المأمولة.

في تصدير الكتاب، الذي كان من نصيب الكاتب إلياس خوري، يؤكد خوري على مفهوم الكلمة وغموضها وأثرها في فهم الحقيقيّة التي تستثيرها، متناولا مفردتي “نكبة” و “محرقة”، وقد شدد خوري على فكرة دمج المحرقة مع المشروع الصهيوني الاستعماري  كأسطورة بنت عليها إسرائيل شرعية وجودها، بينما استخدم الفلسطينيون مفردة “نكبة” لتوصيف ما حصل لهم متحاشين كلمة “هولوكوست” وتأكيدا على الاختلاف بين هذين الحدثين التاريخيين.

بالنسبة لخوري تشترك النكبة مع المحرقة في كونهما حدثين يرتبطان بصراع البشرية الجوهري ضد العنصرية. وفيما تحولت المحرقة إلى ذاكرة إنسانية جمعية يجب حفظها وتذويت دروسها، سطرت النكبة بدماء التطهير العرقي للفلسطينيين وتواصلت كارثيتها مع اتفاقات أوسلو، وقد نفى خوري حدث النكبة كحدث تاريخي ماضوي انتهى عام 1949 مع إتفاقيات الهدنة.

يرى خوري أنه من الخطأ المطالبة بالاعتراف المتبادل بالمحرقة والنكبة، فالاعتراف بالمحرقة هو واجب إنساني وصرخة في وجع العنصرية البشرية، وهو أمر غير قابل للنقاش، وعلى النكبة المستمرة أن تتصرف كصرخة موقظة للوعي الجمعي العالمي بضرورة إنهاء آخر ظاهرة استعمارية في العالم. وقد أكّد خوري أنّ المحرقة والنكبة ليستا صورًا عاكسة، بل اليهود والفلسطينيون قد يمثلون بأنفسهم صورا عاكسة في حال أخرجوا أنفسهم من السياقات الإيديولوجية الوطنية.

لكن قبول فرضيّة صاحبَي الكتاب مرهونة بضرورة اعتبار هاتين اللحظتين جزءًا لا يتجزأ من قصّة واحدة، كما ترى جاكلين روز.

******

  • بشير بشير: أستاذ مشارك في قسم علم الاجتماع والعلوم السياسية والاتصال في الجامعة المفتوحة في إسرائيل وزميل باحث أول في معهد فان لير في القدس. يعمل محررًا مشاركًا في “سياسة المصالحة في المجتمعات متعددة الثقافات” (2008).
  • عاموس غولدبيرغ: أستاذ مشارك ورئيس قسم التاريخ اليهودي واليهود المعاصر في الجامعة العبرية في القدس. من مؤلفاته الصدمة بضمير المتكلم: كتابة اليوميات أثناء المحرقة (2017).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This