جعيّط هاربا من شبح المثقّف العضوي ومرتميا في أحضان المثقّف التّقليدي

مأساة التّعالي ودور الإعلام في التّغييب

نسعى في هذا المقال إلى تحليل “عوامل عزوف جعيط وآخرين عن المشهد الإعلامي ومن ثمة السياسي خصوصا” في تونس بين سردية التغييب وإقرارية الهروب من المبتذل.

ولا يسعنا قبل الخوض في هذه الثنائية سوي الإشارة إلى أن القارئ الذي ينتظر تحليلا أكاديميا، يفي شروط الدقة والصرامة الموضوعية والقولبة الصنادقية التقليدية الصارمة القائمة على شحن المقالات والدراسات بمطولات نظرية غدت ثقلا على المقال ومتقبله رغم ما تسهم به من “تنوير طريق المتقبل نحو القراءة الفعلية وشحذه بعدة أداتية مفهومية”، فلن يجده وهذه لا تعدو أن تكون مجرد قراءة سريعة، خاطفة في عوامل غياب المثقف ومن ثمة المفكر ” هشام جعيط ” في السياسة وخصوصا غياب شخصيته باعتباره “قارئا للوضع السياسي” أو كما نصطلح عليه ” جعيط المثقف العضوي” في علاقة بثلاثية المثقف، السياسة، والإعلام. إضافة إلى مثقفين آخرين وبالتالى لن نطرق جعيط المفكر أو الأكاديمي أو السياسي إلا إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك. ودائرة بحثنا تقتصر فقط على المقدمات والعوامل.

إن مفهوم “المثقف” أو “القائم بتوليد نتاج القرائح” متعدد تعدد الكتابات وتعدد التصورات والرؤى، وبالتالى سنقتصر هاهنا على استعراض بسيط للمثقف عند أنطونيو قرامشي، الذي ارتأينا أن مرونته المتمثلة في كونه مفهومان هو ماجعلنا نختاره لفرادته عن غيره في إمكانية تحليل عوامل الإعراض الإعلامي عند جعيط وآخرين والمتأرجحة بين ثنائية الهروب والتغيب، محوران تحكما فيها. يرى هذا الفيلسوف الإيطالي أن المثقف هو كل منتج لنشاط ذهني سواء كانت نتائجه ملموسة أم غير ذلك، وبذلك “فكل الناس مثقفون”، لكن المثقف الحقيقي لا يقتصر على هكذا نشاط بل يملأ هذا المفهوم ليطلق على أحدهم تبعا لوظيفته الاجتماعية، وبالتالى يعرف ” تحديدا بما يقدمه لمجتمعه من دور قيادي يوجهه – من خلاله – إلى الخلاص من هيمنة الدولة، والخلاص من هيمنة الدولة لا تعني أبدا الخروج على القانون أو العصيان والتمرد على النظام، وإنما تعني تحديدا عدم السماح للدولة بأجهزتها البيروقراطية القمعية بالتلاعب بمقدرات الشعب وتبديد ثرواته وحرمانه من حقه في حياة كريمة” وتبعا لذلك يقسم المثقف إلى مثقفين: أحدهما عضوي وآخر تقليدي، أما التقليدي فهو الذي يعيش في برجه العاجي، متعال عن شعبه وهمومه، ينظر دون تطبيق، وهو ” إله غائب ومحرك لا يتحرك، فقط داخل كومة الأوراق” بينما العضوي هو ذاك الذي يعيش همومه عصره، يلامسها، يتحسسها، ويحاول كبحها وكبح تسلط الدولة عليهم وهو بالتالى ” إله الفقراء والكادحين”. ولا سبيل في تونس لتحول المثقف التقليدي إلى عضوي سوى عبر السلطة الرابعة.

المثقّف والإعلام : عوامل التّقلص السّياسي

أ) سرديّة التّغييب: الباث والمتقبل

يبدو أن سردية التغييب و” تبذيل حضور المثقف” هو وسم عام طال عديد المثقفين التونسيين والمفكرين ولا يقتصر فقط على الأستاذ هشام جعيط، بل تعداه إلى آخرين منهم على سبيل الذكر لا الحصر ” محمد محجوب، أبو يعرب المرزوقي، وكمال عمران، هشام جعيط ومحمد الحاج سالم” وبناة آخرون للمدرسة الثقافية التونسية، وبالعودة إلى الجزء الأول المذكور وهو التغييب الممنهج نرى أن التلفزة التونسية والإعلام عموما لم يعد في حاجة إلى “مثقفين” بل تعداهم إلى “مهرجين” يشبعون رغبات الجمهور “المبتذل” وبالتالى فإن الباث والمتلقي هما في دائرة يعز على الأكاديمي المثقف الدخول فيها والانحدار من سفح الجبل الذي سواه على مر السنين، وهذه الدائرة تعكس علاقة تعاقدية “ربحية بالأساس” تقوم على ثنائية الطلب في اتجاهين مختلفين: الباث يطلب نسبة مشاهدة عالية، والمتقبل يطلب ” ما يتماشى مع مستواه ويشبع رغباته البحثية المبتذلة في نظر المثقفين” ولكي تتحقق هذه الطلبات وجب على المنتمين لهذه الدائرة القيام بوظيفتهم: وظيفة واعية يقوم بها الباث تتمثل أساسا في البحث عن متطلبات المتقبل، مع توجيهه شيئا فشيئا، وإصدار ما يتلاءم معها، بينما تكمن وظيفة الثاني الغير واعية في “تحقيق نسبة مشاهدة عالية” من خلال الإنخراط في التعاقد اللاهي الذي وقعه دون وعي وهو بالتي مسهم في تغييب المثقف بصورة لا واعية لأنه ببساطة لا يتماشي وأفق انتظاره وكلاهما إذن الباث والمتقبل مسهمان بدرجة متفاوتة في تغييب المثقف. وفي خضم هذا يجد المثقف نفسه مهملا أو متروكا ولا دائرة تستوعبه وتحتضن عمقه وجدته وفعله الإصلاحي سوى الجامعة التونسية وقاعة التدريس أو فضاءات النشر ومراكز البحوث والمجلات التي تستقبلهم والتي توجههم هي بدورها إلى ما ترتضيه وما يبحث عنه متقبلوها، إلا من أسعفه الحظ ليفرض اسمه في الساحة ويجد مجالا مرنا تتحرك فيه أفكاره وفق ما ترتضيه ذاته. أما إذا ما عدنا إلى الجزء الثاني وهو ” تبذيل حضور المثقف” فإنه يرتكز على موقعة السلطة الرابعة “لغير المختصين” أو ذوي سلطة “التبذيل والتقليل والحط من الشيء” في التلفاز أو الجرائد أو الإذاعات وجعلهم يتكالبون باختلاف أماكن حضورهم على المثقفين مما يدفع هذا الشق الأخير إلى العزوف عنهم والعودة إلى منطقة الراحة Comfort Zone الخاصة بهم. وخير مثال نسوقه في هذا الصدد هو الأستاذ محمد الطالبي الذي تعرض لسقطات أخلاقية في آخريات حياته نتيجة حضوره في برنامج ليدلي برأيه في أحد المواضيع، فكان من الجميع بصيغة المفرد الساكن في “الأسفل” الضحك على المفرد بصيغة الجمع الساكن في ” الأعلى” وهو ما خلق مفارقة جعلت المفرد في الأعلى أي الطالبي يعزف عن الإعلام، هذا إضافة إلي أن الجميع بصيغة المفرد هم غير قادرين على فهم ما يقدمه الطالبي أو ما يسعى إلى إيضاحه وفي الغالب سيصفقون لمجرد طلب لا استحسان قائم على الإعجاب وبالتالى لن تتحقق عملية الفهم والإفهام وستقتصر فقط على عملية الإفهام التي سيعسى إليها الطالبي. وعلى هذه الشاكلة كان جعيط الذي ستساء تحليلاته التي ستساق في التلفاز ويتسبب عدم فهمها في انسداد قناة التواصل مع الجمهور المتقبل وهو ما سيدفعه إلى الهروب.

المثقف هاربا من الإعلام

مما لا شك فيه أن المثقفين يتوارون عن أنظار الإعلام إما لعدم إيفاء الإعلامين حقهم أو إدعاء عدم فهمهم، أو ربط أسمائهم بما يمكن أن نصطلح عليه “نصف فهم” لمقولاتهم وتصوراتهم، في المنابر الإعلامية وهو ما يخلق عزوفا حتى لدى المتقبل العادي منهم نظرا لتصوره أن المثقف قد خرج عن مسار وعيه أو هدم مقومات حضارية وثقافية أنتجت شخصيته والسبب الرئيسي في ذلك كله هو الإعلام فمثلا يسعى مثقف ما إلى تجديد الخطاب الديني فيقتطف كتاب المقالات والإعلاميون أنصاف فكرة ويكتبونها بالخط العريض ” فلان يحلل ذا وذا” مما يجلب لهم سخط الجماهير العريضة الواسعة. وهو ما يمكن أن نتأوله في اتجاهين: الاتجاه الأول وهو مسار غايته تسويقية ربحية فيعتمدون هكذا عناوين وأفكار لغاية تسويق المنتوج وحث المتقبل القارئ على ابتياع الجريدة أو فتح المقال أو متابعة الإعلام البصري أو السمعي، أما الثاني فهو وقوع الإعلامي أو الصحفي في عملية عدم الفهم في حذ ذاتها نظرا لضعف مكتسباته أو معارفه مما لا يخول له محاورة هذا المثقف. وهذا كله يجعل المثقف متواريا عن الإعلام، لا يبتغي الظهور ولا حتي الإدلاء برأيه الذي يحتفظ به لنفسه أو في أحسن الأحوال يدلى به في قاعة الدرس أو في ثنايا مقالاته. ولعل ما حدث لمحمد الحاج سالم خير دليل على ما استفضنا الحديث عنه إذ رفض هذا الأخير أن يحاوره نوفل الورتاني.

وكلا هاتين السرديتين تجعلان المثقف بعيدا عن الإعلام الذي منه تنبثق الآراء السياسية باعتباره السلطة الرابعة التي تستقرأ من خلالها مشاهد وتمظهرات وتبشيرات الرؤى والمشاهد السياسية.

تقلص جعيط سياسيا: عودة من تخوم المثقّف العضوي إلى برج المثقّف التّقليدي

تتقلص آراء جعيط السياسية بتزايد “أسباب غيابه” في الإعلام، وهو ما يجعلنا نموقعه في خط الانحدار من المثقف العضوي المساهم في تبيان المسار السياسي، إلى المثقف القابع في برجه العاجي، بعيدا عن المهاترات السياسية وأحابيلها المتشابكة، ولعل جعيط في خلال المحاورة التي تولاها محمد اليوسفي رئيس تحرير موقع الكتيبة، كشف لا واعيا عن رغبته في المساهمة السياسية الفعالة في المشهد السياسي التونسي مشيرا إلى أن تغييب الإعلام له هو تغييب لشخصية جعيط السياسية وهذا الإعلام الذي يمثل في تونس القناة المركزية التي يتحول بمقتضاها المثقف التقليدي التونسي من مكتبه وكرسيه في الجامعة إلى كرسيه الإعلامي ليفضي لنا بتصوراته السياسية ويكون بذلك مثقفا فاعلا مساهما في بلورة الشأن العام. وبانتفاء الحضور انتفت الفاعلية الواقعية وعاد المثقف إلى برجه العاجي المتعالي. وهذا صراحة ما يحزن الكثيرين في بلادنا، إذ تمركز الذي ادعوا الاختصاص في كل شيء في المراكز الثقافية والمنابر الإعلامية، وهو ما زاد من حدة الهوة بين المثقف والقنوات التي تنتقل به من تقليديته إلى عضويته، وهو ما يدفعنا إلى القول أن المثقف لا هو من يختار في حد ذاته مكانته- رغم اختيار البعض لذلك- بل يسهم الإعلام في ذلك ومن ثمة المتقبلين بشكل أقل. وهذا أحد أهم أسباب غياب المثقف العضوي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Wahab Alansari

    الأخ الكاتب الكريم،، رجاء قطع الجمل بعلامات الترقيم (punctuation marks) لكي لا تكون فقرات ولتبقى جمل ليسهل للقارئ متابعة الفكرة..

    إن مفهوم “المثقف” أو “القائم بتوليد نتاج القرائح” متعدد تعدد الكتابات وتعدد التصورات والرؤى، وبالتالى سنقتصر هاهنا على استعراض بسيط للمثقف عند أنطونيو قرامشي، الذي ارتأينا أن مرونته المتمثلة في كونه مفهومان هو ماجعلنا نختاره لفرادته عن غيره في إمكانية تحليل عوامل الإعراض الإعلامي عند جعيط وآخرين والمتأرجحة بين ثنائية الهروب والتغيب

    “بينما تكمن وظيفة الثاني الغير واعية في “تحقيق نسبة مشاهدة عالية” من خلال الإنخراط في التعاقد اللاهي الذي وقعه دون وعي وهو بالتي مسهم في تغييب المثقف بصورة لا واعية لأنه ببساطة لا يتماشي وأفق انتظاره وكلاهما إذن الباث والمتقبل مسهمان بدرجة متفاوتة في تغييب المثقف”.

    مع الشكر

أضف تعليق

Share This