الدكتورة هاجر خنفير للأوان : الفاعلون الراهنون يحتكمون إلى منوال سلطة قديم متنكر بلبوس الثورة الكاذب !

في هذا الحوار الجديد، نلتقي بالدكتورة هاجر خنفير وهي وجه معروف في الساحة البحثية والأكاديمية التونسية وناشطة حقوقية مناصرة لقضايا الحرية والمساواة من خلال كتاباتها ومحاضراتها والندوات العديدة التي شاركت فيها وكانت صوتا عاليا مدافعا عن قيم الحداثة، بالإضافة إلى إسهاماتها المتنوعة في مجال الدراسات النسوية والمقاربات الجندرية.

والدكتورة هاجر خنفير متحصلة على الأستاذية في الآداب العربية منذ سنة 1993 قبل أن تتحصل على الماجستير سنة 2003 في كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة لتتوّج مسيرتها الجامعية بمناقشة رسالة دكتوراه حول إشكاليات الخطاب النسوي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين”.

وهي حاليا أستاذة مساعدة وباحثة في الحضارة العربية بالمعهد العالي للغات بتونس.

*******

كانت أطروحتكم، للحصول على الدكتوراه، حول “إشكاليات الخطاب النسوي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين” وكان ذلك منذ سنة 2012. كيف تنظرون اليوم إلى تلك الإشكاليات وهل عَبَرت الأسئلة التي طرحتموها فيها إلى بدايات هذا القرن من الألفية الثالثة ؟         

اِرتكز بحثي في تلك الإشكاليّات على ثلاث محاور كبرى، تتمثل الأولى في قضيّة المساواة بين الجنسين في الإسلام لا سيّما في نطاق الأسرة وتتعلّق الثانية بإشكاليّات الجسد الأنثوي بين الدين والقانون والعرف أمّا ركيزة البحث الثالثة فتتمثّل في ما يصطدم به الخطاب النسوي العربي نفسه من عقبات ذات طابع ثقافي (الدين/ العرف الاجتماعي) وسياسي (أنظمة حكم أبويّة رغم الواجهة الديمقراطيّة) ممّا يجعله عرضة للانقسام إلى حدّ الصراع ويضعف قدرته على المساهمة في رسم ملامح مستقبل المجتمعات العربيّة. وقد حاولنا من خلال هذه الإشكاليّات تحديد وضع الحراك النسوي العربي بخطاباته المختلفة في المعترك الثقافي ومدى قدرته على تمثّل كلّ شواغل النساء على اختلاف أوضاعهنّ.

المجتمعات العربيّة لم تحقّق تطوّرا في مستوى بنية العلاقات الاجتماعيّة فمنوال العلاقات المبنية على النظام الثنائي المكرّس للتمييز ومنه الهيمنة يؤدّي إلى تثبيت أشكال اللامساواة والعنف في شتّى المجالات.

ولئن كان بحثنا محدّدا بما وافتنا به مدوّنة المصادر النقديّة التي اخترناها حسب الاختلاف الإيديولوجي لصاحباتها فإنّها انطلقت من اهتمامات وأسئلة قديمة ولكنها ماتزال حاضرة فينا وبيننا بدءا من مسألة القوامة والميراث والفاعلية السياسية والنساء واللوغوس وصولا إلى ما تتعرّض له النساء إلى اليوم من أشكال العنف المادي والرمزي تحرشا واغتصابا وإهانة. وإنّ استمرار هذه الأسئلة وغيرها في طرح نفسها علينا يدلّ على أنّ المجتمعات العربيّة لم تحقّق تطوّرا في مستوى بنية العلاقات الاجتماعيّة فمنوال العلاقات المبنية على النظام الثنائي المكرّس للتمييز ومنه الهيمنة يؤدّي إلى تثبيت أشكال اللامساواة والعنف في شتّى المجالات.

نعتبر دائما أن لدينا في تونس مجتمعا مدنيا قويا وإرثا نضاليا مهمّا في مجال الدفاع عن الحريات وتدعيم حقوق المرأة. هل تجدون لهذا الصيت انعكاسا حقيقيا على مستوى الممارسات في الفضاء المجتمعي ؟

لدينا اعتداد بتاريخ الحركة النسويّة في تونس وبذاك المسار النضالي الذي خاضته جمعيات وائتلافات نسائيّة منذ زمن الاستعمار حتّى اليوم وإن تخلّلته محاولات احتواء من السلطة الحاكمة وتوظيف يدفع إليه الخيار الديمقراطي للدولة الحديثة.

إنّ البنى الرمزيّة للتسلّط والاستبداد الذكوريين تكتسب من الصلابة والعمق ما يجعلها منيعة لا يصيب التغيير منها إلّا القشور.

وكان لهذا النضال أثره على مستوى المنظومة القانونيّة لا سيّما ما خصّ مجلّة الأحوال الشخصيّة من إلغاء لتعدد الزوجات وحق التعليم وحق إبداء الرأي.. وكذلك حقّها في العمل والمساواة في الأجور لكن ذلك لم يقطع مع تعرّض النساء إلى اشكال من العنف المعلن حينا والرمزي حينا آخر ممّا يدفع إلى استمرار مكوّنات المجتمع المدني في خوض معركته الحقوقيّة من أجل إرساء قيم المواطنة. إنّ البنى الرمزيّة للتسلّط والاستبداد الذكوريين تكتسب من الصلابة والعمق ما يجعلها منيعة لا يصيب التغيير منها إلّا القشور ولذلك فالعمل على تغييرها ليس مسؤولية المجتمع المدني فحسب بل مؤسّسات التنشئة الاجتماعيّة المسؤولة عن فعل الضبط الاجتماعي إضافة إلى الخيارات السياسيّة ومدى استعدادها للتمثّل القانوني لتلك الحريّات، وهذا ما يفسّر لنا ردّة الفعل الشرسة التي لقيها تقرير لجنة الحريات والمساواة سنة 2018 برفع فيتو اجتماعي ضد ما ورد فيه من مقترحات مثل المساواة في الميراث وعدم تجريم المثليّة وزواج المسلمة من غير المسلم.. والحجّة في ذلك هي التعارض والنمط المجتمعي السائد.

شاركتم في عديد المؤلفات الجماعية بدراسات مهمة من بينها دراسة حول “الحالة الدينية بتونس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي”.  في الحقيقة، موضوع الدراسة يستمدّ أهميته، بالإضافة إلى متانة البنيان البحثي، من كونه غير مطروح سابقا بهذا الإسهاب ومن الحاجة اليوم إلى معرفة التشعّبات الافتراضية للجماعات والأفراد الذين يتبنون فكرا دينيا متشددا مثلا وما توفّره هذه الفضاءات لهم من سبل للانتشار والتأثير على المتلقي بمختلف مستوياته المعرفية. كيف تقدمون هذا العمل وهل أن الوضع الراهن يطرح ضرورة التعمق والاعتناء أكثر بمثل هذه الدراسات ؟

تتنزّل دراسة الحالة الدينيّة في تونس من 2010 إلى 2015 في نطاق المباحث الساعية إلى تقديم أهمّ مميّزات المشهد الديني بالبحث في أنماط التديّن وأشكال الممارسة الدينيّة واهمّ الفاعلين المؤثّرين فيه. علاوة على ذلك فإنّه يقدّم مؤشّرات على تأرجح تلك الحالة بين الاعتدال والتطرّف مثلما تبيّن لنا في دراستنا لمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي لا سيّما الفايسبوك واليوتيوب. واختيارنا ينطلق من قناعة أن هذه الوسائل صارت سلطة خامسة إن لم نقل أنّ خطورتها باتت أكبر من السلط التقليديّة وهي الكفيلة باستقطاب وتوجيه الرأي العام وتحديد الأولويّات السّياسيّة والاجتماعيّة وحتّى الاقتصاديّة. وينطبق ذلك حسب رأيي على الخطاب الديني الافتراضي الذي تقدّمه لنا مقاطع فيديو وصفحات فايسبوكيّة حقّقت انتشارا واسعا ومردوديّة هامّة فاقت فاعليّة المؤسّسات التقليدية وإن تنوعّت أغراض الخطاب بين الشحن الإيديولوجي والتحريض والدعوة إلى التسامح والتعايش. وقد بلغ نجاح تلك الخطابات في التحوّل إلى قوّة تأثير وتغيير حدّ التحوّل إلى واقع فائق Hyper réalité بتحديد محاور اهتمام جديدة وفرض شواغل عقديّة غير مطروحة في الواقع وهو ما يسحب البساط من الخطاب الديني التقليدي بفضح ضعف أدواته ووهن استراتيجيّاته.

وتبعا لذلك تتأكّد الحاجة إلى تسليط الاهتمام على كل العوامل الجديدة التي باتت فاعلة في تشكيل واقعنا وعلاقاتنا وتصوّراتنا والانتباه إلى انحسار فاعليّة الخطابات التقليدية وخطر الإغراق في اجترار مدارات البحث التقليدية وترديد المسلّمات الجاهزة التي لم تعد كفيلة بفهم هذا الواقع الفائق.

عاشت تونس،مؤخرا، جدلا مجتمعيا بخصوص عقوبة الإعدام والمطالبة الشعبية بتنفيذها كحد في الجرائم البشعة التي هزت المجتمع. باعتبارك حقوقية مؤمنة بحق الإنسان في الحياة، وكنتم قد كتبتم مقالا في الموضوع سنة 2018 تحت عنوان هل يتنافى الإعدام مع الحق العام في الحياة ؟” اعتبرتم فيه أن الإعدام هو “أبغض الحقوق التي تطالب بها الجماعة الانسانية”، هل تستشعرون الخشية اليوم من قدرة تنامي الشعبوية على الدفع باتجاه استئناف تنفيذ هذه العقوبة بشكل واسع خاصة مع تماهي القيادة السياسية مع هذه المطالبات الشعبية وكيف يمكن للحقوقيين مواجهة الأمر وكيف تفسرين موقفك ؟

لقد كتبت هذا المقال منذ سنتين إثر ارتفاع الأصوات بضرورة تطبيق الإعدام على فئة معيّنة من المجرمين الذين افتقدوا إلى أدنى شروط الإنسانيّة وهم ينكّلون بضحاياهم وينتهكون حرمة الجسد البشري (نهب واغتصاب وقتل..). وها نحن اليوم أمام تجدّد مطلب تنفيذ هذه العقوبة بعد وقوع جريمة قتل الفتاة مريم التي هزّت الرأي العام ممّا يؤكّد بأنّ المجتمع لا يبحث عن تنفيذ العقوبة بشكل واسع بل يعبّر عن مطلب يفرض نفسه في حالات الجرائم الوحشيّة التي تزعزع إحساس الأمن وتنتهك الكرامة الإنسانيّة وتهدّد الأفراد بحرمانهم من حقّ الحياة. ولذلك اعتبرته أبغض الحقوق التي تطالب به الجماعة الإنسانيّة لو صحّ أن نصف بعض الحقوق بالبغيضة لإمكانيّة تعارضها مع حقوق الآخر، فحقّ الحياة مطلب مشترك بين الجماعة والجاني غير أنّ تحققهما معا غير ممكن عندما يكون هذا الآخر المجرم قد تجرّد من أدنى مقّومات الإنسانيّة وعندما يكون تطبيق منظومة القوانين الجنائيّة محدودا باحتمالات العفو والإفراج وهو ما يهدّد أمن المجموعة بإمكانيّة ارتكاب الجريمة من جديد.

من الأسباب الجوهريّة لتفاقم الجريمة وضع الجهل والتجاهل لتلك الحقوق التي تنظّم العلاقات الإنسانيّة وضعف المؤسّسات الوسيطة التقليديّة.

يعني ذلك أنّ هذا الجدل ليس وليد حنين لعقوبة بدائيّة هي القصاص بل نتيجة اعتقاد جازم بضعف آليات تطبيق العقوبة وارتفاع منسوب الخوف من عجز الدولة عن تأمين الأمن والاستقرار الاجتماعيين. غير أنّنا ندرك في الآن نفسه أنّ هذا الاستثناء القانوني قد يتحوّل ككلّ الثغرات القانونيّة إلى أداة تستثمرها السلطة لمزيد من التحكّم في الرقاب وممارسة العنف بشكل شرعي، علاوة على ما شهدناه مؤخّرا من توظيف سياسي شعبوي لمشاعر الغضب العام بتبنّي إحدى القيادات العليا للمطلب الشعبي بتطبيق الإعدام وذلك في إطار توسيع قاعدة الدعم الشعبي متجاهلا بذلك أطراف أساسيّة معنيّة بهذا الجدل من ممثّلي السلط الثلاث والهياكل الحقوقيّة. ومثل تلك الحركة لا يمكن إلّا أن تثمر سوى الخوف من تبعات تحوّل الاستثناء إلى قاعدة والإعدام إلى أخذ بالثأر دون مراعاة الاختلاف في الدوافع والتفاصيل بين جريمة وأخرى. لذلك نرى أنّ من واجب كلّ المعنيّين بالشأن القانوني الوقوف بحزم في وجه التوظيف الشعبوي لهذا المطلب وذلك بإعادة النظر في منظومة العقوبات والسعي إلى تطوير المنظومة السجنيّة. وحسب اعتقادي فإنّ للحقوقيين دور رئيسي في الإعداد لمرحلة التخلّي نهائيّا عن استثناء الإعدام وذلك بالعمل على وضع استراتيجيّة تدريب على ثقافة حقوق الإنسان وذلك بالتعاون مع مكوّنات المجتمع المدني ومؤسّسات الدولة المهتمة بالثقافة والتربية والإعلام، فمن الأسباب الجوهريّة لتفاقم الجريمة وضع الجهل والتجاهل لتلك الحقوق التي تنظّم العلاقات الإنسانيّة وضعف المؤسّسات الوسيطة التقليديّة التي كانت بمثابة صمّامات الأمان للمجتمع على حدّ تعبير محمّد الجويلي. وليس يسيرا على الحقوقيّين النجاح في هذا الأمر إن لم يتمّ القطع مع أساليب العمل النخبوي المفصول عن المعترك الاجتماعي من جهة ومع تشتّت الجهود بين الهياكل الحقوقيّة التي تعمل بشكل منفصل بل وتنافسي ممّا يضعف مردودها وأثرها في المجتمع.

اندلعت في الفترة السابقة سجالات كبرى حول موضوع الحرية وحدودها وتزامنت مع أزمة الرسوم الكاريكاتورية في فرنسا حول الرموز الدينية وما أعقبها من عمليات إرهابية. يرى البعض أن الخطاب السياسي الغربي المتداخل مع الشأن الديني هو السبب بينما يعزو البعض ذلك إلى مسائل سياسية واجتماعية معقدة لم تحظ بالدراسة والطرح العقلاني الرصين. كيف تقيّمون ما حدث وما هو دور النخب في تفكيك هذه الأزمة وهل يوجد حقا حلّ توفيقي يجمع بين حرية التعبير و”حدودها” ؟

يحيلني هذا السؤال إلى الحديث عن وقوع المسلمين عامّة ومسلمي الغرب خاصّة في فخّ حرب الصور التي أكّدت انحسار مرجعيّة تمثّلهم للآخر في مقولات اعتقدنا زوالها مثل دار الإسلام ودار الحرب أي احتكامهم إلى منطق هوويّ صارم تحدّده معايير الانتماء العقدي ولكنّها تفصلهم في آن واحد عن مخالفيهم. فقد شكّل التمثّل الفنّي لصورة الرسول إساءة عميقة للمقدّس الإسلامي باعتبار تحريم تجسيد شخص الرسول ولكنّها كانت في الآن نفسه تجسيدا لصورة الرسول في المتخيّل الفني الذي لم يعرف شخص الرسول في الواقع ولكنّه عرف المصدّقين به وأسهم في تشكيله ذاك الخوف من تنامي خطر الإرهاب الديني  فكان الاسم “محمّد” تعبيرا عن جمع في صيغة المفرد، إنّه الآخر المسلم بشكل عام (الإرهابي والحالم بحور الجنّة والمبيح لتعدّد الزوجات والزواج بالقاصرات..).

وجب أن نفهم أنّ حرّيّة التعبير حقّ مكفول لكلّ فرد ولكنّه ككلّ الحقوق مشروط بضرورة احترام مشاعر الآخر لا سيّما منها الدينيّة.

وبذلك فإنّ الإشكاليّة في نظري تتعلّق بفوبيا متبادلة بين المسلمين والغرب وبانعكاسات ذلك على تمثّلات كل منهما للآخر. ولا يتيسّر لنا في سياق جيوسياسي وثقافي مشحون بهذا الحذر والعدائيّة المتبادلة إلى حدّ تداول القتل بين الطرفين (الاعتداء الإرهابي على مصلّين بمسجد في نيوزيلاندا سنة 2019) أن نتحدّث عمّا يكفل حرّيّة التعبير دون البحث في آليات تفكيك ومقاومة هذه الفوبيا والتي تقتضي جهودا من مختلف النخب الفكريّة في العالم على تنوّع مجالات بحثها (علم النفس والاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد..) وأن تنزّل جهودها ضمن برامج سياسيّة ومشاريع ثقافيّة تشرف عليها هياكل حقوقيّة غير منحازة فيكون فكر النخب قوّة تغيير حقيقيّة بعد فترات طويلة من انحباسه داخل قاعات المحاضرات وبين دفّات الكتب.. وحتّى ذاك الحين الذي يبدو ضربا من الحلم البعيد وجب أن نفهم أنّ حرّيّة التعبير حقّ مكفول لكلّ فرد ولكنّه ككلّ الحقوق مشروط بضرورة احترام مشاعر الآخر لا سيّما منها الدينيّة، ولكن من معضلات فلسفة الحقوق أنّها تنبني على هذا التلازم بين مختلف مكوّناتها وانّ لا ضامن لمراعاة الحدود واحترامها إذا صار العنف ديدن الطرفين فيكون الاعتداء على حق شرخا ممتدّا تتهاوى معه الحقوق والحرّيّات. ولذلك يدعو بعضهم إلى الشروع في نشر ثقافة المشترك الإنساني والتي ستمكّن من تكريس مثالي لمنظومة الحقوق في كنف السلم والاحترام والاعتراف بالآخر، وهو ما يضعنا أمام مفهوم المواطنة العالميّة الذي نادى به هابرماس. غير أنّنا نراها دعوة حالمة تحول دونها عقبات عديدة أهمّها إكراهات العولمة والنظام الاقتصادي العالمي الذي يتحكّم في موازين العلاقات بين الدول.

مضت أكثر من عشر سنوات على الثورة في تونس. إلى اليوم هنالك من يعتبر أن ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه مصطلح “ثورة” مادام المنوال الاقتصادي والاجتماعي لم يتغير إضافة إلى الحاجة إلى ثورة ثقافية حقيقية أولا. من جهة أخرى هنالك من يعتبر أن هذا الإنكار هو مجرد مدخل لتبرير “ردّة سياسية” وتهديد بعودة ممارسات النظام القديم أو “الحاجة إليها” لمنع “انهيار الدولة” بفعل “ضربات الديمقراطية المتلاحقة”. دكتورة هاجر، كيف يمكن التوفيق بين بناء دولة المواطنة والرفاهية مع الحفاظ على الديمقراطية برأيك وأين تكمن أخطاء المسار الحالي ؟

رغم رفع شعارات الكرامة والحرية والعدالة منذ عشر سنوات فإنّنا لم نر أثر تلك الهبّة الشّعبيّة التي كانت واعدة في مستوى المنجز السياسي والاقتصادي إلى حدّ الآن، ولم نشهد معنى الثورة بما هي استمرار لفعل تأسيسيّ لقيم المواطنة وجودة الحياة. وبالنظر إلى المشهد العامّ حاليّا يهيمن علينا شعور بالخيبة بل يندفع البعض للتحسّر على الماضي ويسخط على أحداث 14 جانفي لأنّها لم تكن سوى إطاحة بممثّل نظام استبدادي لتظهر وجوه سياسيّة سمتها الأساسيّة الفشل والعجز في تحويل الوعود إلى واقع وهمّها الصراعات الإيديولوجيّة من أجل مصالح ضيّقة. ورغم ذلك لم ينقطع أمل آخرين في تحقيق نهضة شاملة وأنّ هذه العقبات الكأداء هي جزء من المسار التاريخي الذي تشهده كلّ ثورة حقيقيّة. وبين الموقفين اللذين يقفان على طرفي نقيض ويقسّمان المجتمع إلى أنصار الثورة وأعدائها ويشغلان الدنيا بصراعهما في خطاب تشويه واتهام وتخوين يقع إهمال الممكنات التي أتاحها هذا النموذج الثوري الجديد بأن نتحرّر من مأزق الصراع الهووي الذي وضعنا فيه الفاعلون السياسيون العائدون بأحلام قديمة قمعتها الأنظمة السابقة. ومن تلك الممكنات الشروع في بناء مسار انتقال ديمقراطي غايته نحت ملامح مستقبل يتمثّل مقوّمات المواطنة من حرّيّة الجسد والفكر والتعبير.. وقبول المختلف واحترامه والقطع مع أشكال التمييز وما يترتّب عنها من عنف واعتبار الاختلاف عامل قوّة وثراء إنسانيين.. فالمطمح الأوّل في نظري ثقافي ويتمثّل في تحرير شعارات السلطة من ارتباطها بما هو ظرفي ومادي لتكون من أسس النموذج الذي نريد تحقيقه وتنزيله في إطار مشروع متكامل الأبعاد لا يخضع لإرادات إيديولوجيّة ضيّقة، فمعنى أن نريد الرغيف ليس رفضا لواقع جوع شريحة اجتماعيّة وفقرها فحسب بل هو إشارة إلى حقّ في حياة كريمة لا يطال فيها امرئا ضيم أو ظلم أو تهميش. ولا سبيل إلى الشروع في ذلك مادام الفاعلون الراهنون يحتكمون إلى منوال سلطة قديم متنكر بلبوس الثورة الكاذب ويغيب بينهم صوت المثقّف إذا كان معارضا والحقوقي إذا كان صادقا.

صدر مؤخرا كتاب جماعي عن منشورات “مختبر المجالات الترابية البيئة-التنمية” التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن طفيل بالمغرب الأقصى تحت عنوان جائحة كورونا والرهانات المعرفية الجديدة كنتم أحد المشاركين في تأليفه. ونحن ما نزال في فلك هذه الجائحة العالمية، هل ترون أننا كنا “بحاجة إليها” للتسريع بتغيير أساليبنا التربوية والاتصالية وتكييفها مع التطور العلمي والتكنولوجي ؟ ماهو مستقبل العمل والدراسة مثلا بعد “كورونا” وما هو مدى استعداداتنا، التقنية والبشرية، كشعوب تعاني أصلا من فداحة الفجوة الرقمية، للتأقلم مع هذا الوضع المستجدّ ؟

كتبت ذاك المقال وأنا أرصد ملامح المحنة التي يمرّ بها الإنسان لا بسبب خطورة هذا الدخيل اللامرئي المتربّص بجهاز المناعة فحسب بل جرّاء إكراهات الحفاظ على الجسد والمتمثّلة في الانعزالوالانفصال عن اللفيف الجسدي والممارسات الوقائيّة التي جعلتنا نشعر بالغربة عن أجسادنا.

وضع العزلة كان الضارّة النافعة لأنّها نبّهتنا جميعا إلى تلك الحاجة للسكن بشكل شاعريّ مثلما يقول هولدرلن وأن نبحث عن خلاص من عزلة الحداثة التي اعتقدنا أنّنا قد اخترناها.

وتوصّلت إلى أنّ وضع العزلة كان الضارّة النافعة لأنّها نبّهتنا جميعا إلى تلك الحاجة للسكن بشكل شاعريّ مثلما يقول هولدرلن وأن نبحث عن خلاص من عزلة الحداثة التي اعتقدنا أنّنا قد اخترناها بأن نجعل لكلّ لحظة نعيشها معنى عوض أن يكون المعنى معلّقا بغايات تختزل مسافات زمنيّة وتهمّش لحظة الآن التي نعيشها. أمّا على مستوى التغيير الاتصالي الذي كان ضرورة يفرضها خطر تعطّل المسار الإنتاجي في العالم وتوقّف مسالك التنميّة ويقتضيه انخراطنا في نظام العولمة فإنّ نجاعته كانت متفاوتة في تونس حسب القطاعات. ففي القطاع الخاصّ سجلت طريقة العمل عن بعد نجاحا في مواجهة إكراهات الجائحة بالاستمرار في العمل ولكنّها لم تكن مجدية بشكل تام في القطاع التربوي بمختلف مستوياته إذ لم يكن من الممكن تأمين التواصل في كل شبر من هذه الأرض لضعف البنية التحتيّة علاوة على غياب التكوين والإعداد المادي والمعرفي المسبق لخوض هذه التجربة. إنّها آثار الفجوة الرقميّة التي تعيشها جل البلدان النامية بغياب استراتيجيّات محكمة لتوفير ما يمكن أن يؤمّن للفرد المهارات الضروريّة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات، ونقصد بها ضعف شبكات التواصل وعدم القدرة على تحقيق التكافؤ في حق التعليم عن بعد بين المدن والأرياف وبين الأغنياء ومحدودي الدخل بل الفقراء ولا ننسى أيضا دور تدني مستوى التعليم في العقد الأخير ممّا يسهم في العجز عن تعلّم هذه المهارات بالسرعة المطلوبة في زمن الجائحة.

على أنّ هذه العوائق لم تمنع من شروع مؤسسات تربويّة في رقمنة التعليم ولو بشكل تدريجي يُعتمد فيه على المراوحة بين التدريس عن بعد والتدريس الحضوري وتنويع التطبيقات الرقميّة المستعملة مع الحرص على ضمان حق من لم يتمكّن من الاتصال في المعرفة بإرسال الدروس مدوّنة والعودة عليها في فترة الحضوري.. وككلّ البدايات لابد وأن تكون هناك عثرات لهذه المحاولات ولكنّها ضروريّة ونحن نشعر بخطر الأميّة الرقميّة على مستوى الفرد والمجتمع ونخجل من وقوفنا على هامش الثورة التكنولوجية الرابعة وكأنّنا خارج مسار التاريخ. ولعلّ هذه الجائحة كانت فعلا بمثابة الإنذار إلى أنّ الموت قريب جدا منا ونحن نسير ببطء شديد في طريق التنمية الرقميّة.

انطلاقا من مقاليكم “المرأة الزعيمة بين الحجاب السياسي والتاريخي” و”الداعيات الإسلاميّات وسلطة القوامة المعرفيّة” كيف يتحقق توجه “المرأة المسلمة نحو مسار تحرري فقهيا وواقعيا” ؟

شكرا على هذا السؤال الجامع لثلاثة عناوين مختلفة لكن ما يجمع بينها هو انشغالي بمحور بحث أساسي هو ما أنجزته الثقافة العالمة  من تنميط لصورة المرأة باعتبارها ضعيفة مفعولا بها عاطفيّة غير منتجة أو باختصار هي ناقصة عقل ممّا يجعلها قاصرة عن أن تكون في موقع سلطة. فما تروجه مصنفات التاريخ والعلوم والفقه القديمة تتقاطع في تأكيد أنّها عاجزة عن أن تكون في موقع سلطة مهما كان مجالها.

لا يكون التحرّر الفقهي إلا باستناد المثقفات إلى خلفيّة فلسفيّة تساعد على الفصل بين الديني والمدني وبين المادي والروحاني وبين النقلي والوضعي.

فتمّ تغييب صور النساء القائدات العسكريّات والحاكمات وأحيانا تشويههنّ لنقتنع بأنّهنّ كنّ أفضل تمثيل لمضمون الحدث النبوي: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” وسمعنا عبارات ندم عائشة بعد معركة الجمل وتخيلنا ضحكات سخرية الرجال من سجاح وهي تستسلم لإغراءات مسيلمة وتنسى دورها كزعيمة ومناسبة لقائها به كعدو وشعرنا بنبرة التشفي من الكاهنة عند هزيمتها أمام المسلمين.. وتبيّن لنا دور فئة من المسلمات في تثبيت تلك الصورة  في اللحظة الراهنة وهن يقمن بدور الداعيات ويتظاهرن بامتلاك سلطة المعرفة الدينيّة ولكنّهنّ لم يكنّ سوى تأنيثا للخطاب الدعوي الذكوري أي أنّهن لم يحظين بدور المفتية والواعظة والفقيهة إلّا لأنّهنّ تبنّين الخطاب الدعوي التقليدي المكرس للقوامة المعرفيةّ الذكوريّة والعاجز عن تمثّل إشكاليّة الحدود اللامرئيّة بين الجنسين أو الخوض في المحاذير الدينيّة.. وبالنظر إلى هذه الأمثلة التي تكشف عن ثبات التمثلات الذكوريّة التي يفرضها المنوال الثقافي الإسلامي تتجلّى لنا أهمّيّة مسار بحثي معاصر تخوضه مثقّفات مسلمات معاصرات من أجل تجديد الخطاب الديني وفكّ عزلتهنّ الفكريّة المفروضة عن هذا المجال. فلا حرّيّة إلا إذا امتلكن العدّة التأويليّة للنصّ الديني وتمكّنّ من الاستقلال بالرؤية والبحث عن المنظور الفقهي الذكوري، بل لا يكون التحرّر الفقهي إلا باستناد المثقفات إلى خلفيّة فلسفيّة تساعد على الفصل بين الديني والمدني وبين المادي والروحاني وبين النقلي والوضعي وتسمح بتناول موضوعي لمسائل تتّصل بعلاقة الدين بالحريات والحقوق.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This