“المكان فكرة في عقل أحدهم”: عمران الكتابة وكتابة العمران /  عبدالله البياري

اذا جاز أن نعتبر العمارة ظاهرة اجتماعية (كما أورثنا الجادرجي)، فهل يمكننا قراءتها (وبالتالي كتابتها) نصيًّا؟ أي، هل يمكن للاجتماعي أن يولّد نصًّا؟ فبينما تبحث سوسيولوجيا النصّ، أي نص، عن المجتمع داخل – ذلك- النص، فإن مقاربتنا هنا تبحث عن حوار مع/ داخل العمارة بما هي نص، وتفكيك سياسات القوى داخل/ في النص بما هو مجتمع تاريخي له تحولاته وأشكال كتابته، وعمرانه وسياساته المكانية والجسدية والرمزية.
في ورقتنا هذه تنبني المقاربة الرئيسية للسؤال أعلاه من الحَفر في مسارين أساسيين، برغم ظاهر الانفصال بينهما، إلّا أن تقاطعهما حادثٌ أساسي، وهما: المسار اللغوي بكامل ماديته وفراغيته؛ والمسار العمراني/ المعماري بكامل رمزيته وسيميائيته. ما يدفعنا إلى فحص ثنائية الحجر والحرف معًا، وأثرهما على الجسد، باعتباره ديالكتيك بينيّ لهما، أو بالأصح، الجسد هنا هو أثر اللغة/ الحرف والعمارة/ الحجر، واستعارتهما الأساسية في آن!

 مارك ويغلي

لعلّ شاهدنا الأساسي هاهنا ما شهده القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي من نمو كبير في مهنة الطب، نتيجة حدثين أساسيين، منبثقين من المسار العمراني واللغوي، والجسد بينهما: الأول هو نمو المدن، بما هو حدث عمراني مديني؛ والثاني تطوّر نظريات المعرفة الطبية، نتيجة ما أسماه الدارسون المحدثون بحركة الترجمة، ضمن دراستهم للكتابة وأشكال التعبير في القرون الوسطى، وهو حدث لغوي. لعلنا هنا نتذكر مقولة أفلاطون: “المدينة حدث لغوي”، ونضيف، هل ثمة مدينة (حدث) وتمدّن (سيرورة) من دون جسد؟!
نسترشد في البداية بطرح اللغوي الفرنسي جان جاك لوسركل عن اللغة، والذي يجادل به (باختزالٍ من طرفنا) بأن اللغة مادية، ليس لأن هناك قوانين مادية للكلام، بل لأن الكلمات دائمًا تحمل التهديد بالتحول إلى صراخ، وبالتالي هي حاملة للأثر الجسدي؛ وأن اللغة بما هي نظام، هي شيء مجرد؛ أي أنها مستقلة عن الجسد (!)، بل هي جسد مقابل علينا أن ندخله لنصبح جسديًا أفرادًا من جماعة متجسدة؛ وأن الفرد، مستخدِم/ ة اللغة، يقول ما يعنيه هو بذاته (والإبداع هنا لتشومسكي الذي يطرح أن ما نقوله يعنينا نحن شخصيًا؛ فتلك الكلمات كلماتي أنا، لا تنفصل عن جسدي أنا، أي أننا نستولي على ما يفترض أن يكون ملكية عامة (اللغة) لأمور ذاتية، البعض يسمّي ذلك “أسلوبًا”)؛ وأن ما يقوم أحدنا بتملّكه من خلال اللغة، هو بالأساس ملكية عامة. بعبارة تاريخية نقول إن المتكلم باللغة لا يقول إلا ما يتيحه له الموقف والظرف التاريخي، وبالتالي “ما يحدث لنا يحدث لنا في لغتنا” (هايدغر) وأماكننا وأجسادنا.
إذن، كل حدثٍ لغوي يستلزم بجسديته مكانًا ما، أو بمكانيته يتطلب جسدًا ما يتفهّم حمولته، وهو ما خلص إليه الراحل حسين البرغوثي بالقول: “المكان فكرة في عقل أحدهم”. ولنا أن نضيف هنا أن تلك الفكرة، لتأخذ حيزًا تداوليًا واجتماعيًا تعبيريًا، تمر من خلال اللغة، وعليه، تكون اللغة قادرة على إنتاج أماكنها. لكن الفكرة أيضًا هي حضور جسد المتكلم في مقابل أجسادنا، لذا فاللغة فعل جسدي ومكاني.
حتى أن التحولات الأساسية للمنتج اللغوي (ونعني النصّ) كالحداثة وما بعد الحداثة، قد تمظهرت مكانيًا ومعماريًا (ليس الأمر بالمفاجأة!)، وهو ما جعل من نماذج معمارية بذاتها، تمظهرات نصية مادية على تلك التحولات الفكرية؛ منها نماذج حداثية مثل “مايس فان دير راو”، في برلين (جدير بالذكر أن هذا التصميم استخدم غلافًا لأحد أهم الكتب الفكرية في نقد الحداثة، وهو كتاب “كل ما هو صلب يتحول إلى أثير” لمارشال بيرمان، أحد أهم المنظرين ونقاد التيار الحداثي، والصادر عن دار فيرسو).

غلاف كتاب “كل ما هو صلب يتحول إلى أثير” لمارشال بيرمان

ومن شواهد العمارة ما بعد الحداثية، متحف غوغنهايم في مدينة بلباو الإسبانية، ومؤسسة “آشتون راجات ماك دوغال” في ملبورن في أستراليا، ومركز “تسوكوبا  لآرتا إيسوزاكي” باليابان. أيمكننا القول حينها إننا بوارد وجود مكان مادي بمعزل عن اجتماعيته وعمرانيته/ معماريته، أو بوصفٍ أدقّ، هل يمكن أن نتناول نصيًا (بالكتابة) ظاهرة اجتماعية بعيدًا عن وجودها وبنيتها المعمارية/ العمرانية؟ وفي مستوى أعمق قليلًا، هل يمكن أن نكتب نصًا دون أن تكون له معمارية وجسدية ما؟

“العمارة مليئة بالكلمات”
يقول مارك ويغلي: “ما أسهل أن نرى الأمر على هذا النحو: كلمات الفلاسفة ونصوصهم في مواجهة رسومات المعماريين. إلّا أن الأمر حقيقةً ليس بهذه السهولة؛ فالرسم المعماري، تقليديًا، يشغل مساحةً بين الفكرة وتجسّدها، وهو، في واقع الأمر، نصف شيء ونصف فكرة؛ إذ إن الرسم المعماري هو خريطةٌ لتحقّق فكرة ما، وهو أيضًا مادةٌ لاختمارها”. العمارة إذن، من خلال رسوماتها، مليئةٌ بالكلمات، بل تكاد تفيض بها. بالمقابل، فإن الفلسفة تفيض بالأشياء أيضًا. إلا أننا لا نقصد بـ”الأشياء” هنا الموضوعات التي تتناولها الفلسفة بالتمحيص والدراسة، بقدر ما نقصد الصور والمخططات والمنشآت المفاهيمية التي تستند إليها الفلسفة في تسيير التحليل. ربما في واقع الحال، تفيض الفلسفة بالرسومات بقدر ما تفيض العمارة بالكلمات!
ثمّة وظائف ثلاث منوطة بالنصّ في عملية التلقي/ القراءة؛ التجريبيّة، التواصليّة، النصيّة. وعلى التوالي، تعنى الوظيفة الأولى بمضمون استعمال لغة النصّ المكتوب على صعيد تجريبيتها من ناحية، أي تكون اللغة حول شيءٍ/حدثٍ/ذاتٍ/كيانٍ ما، في السياق الاجتماعي والثقافي المعيّن، ومن ناحيّة أخرى، قدرة اللغة على التعبير عنه، أيّ أنّ المنحى التجريبي له اتجاهان: للداخل والخارج. وأما الوظيفة الثانية (التواصليّة)، فتملأ المسافة بين الذات والآخر، أو الموضوعي والذاتي، بكلمات أخرى فإن الوظيفة الأولى تقدّم لنا المتكلم/ الذات في دور الملاحظ، بينما الوظيفة الثانية تقدّمه في دور المستعمِل للمعنى والفكرة. وأما الوظيفة الثالثة (النصيّة)، فتبيّن منحى العلاقة بين النصّ/ الكتابة والفكرة/ المعنى وواقعه/ سياقه، يمكن باختصار رسم نوع من التوازيات التاليّة لتلك الوظائف:

 متحف غوغنهايم في مدينة بلباو الإسبانية

– الوظيفة التجريبيّة: المجال: من/ ما؟
– الوظيفة التواصليّة: العلاقة: كيف/ لماذا؟
– الوظيفة النصيّة: المنحى: إلى أين؟
وتلك الوظائف كلها لها متطلبات مكانية وفراغية، تتحرك على/ ضمن مسار اجتماعي تداولي وتبادلي، ما يخلق لها معمارية/ عمرانية، تجعل من كلا الأمرين، الظاهرة والمكان، تبادلات نصية، قادرة على إنتاج المعنى والمعرفة، وتتطلب جسدًا (ما).
اللغة والنصّ والمكان هي أشكال إنتاج معرفي/ إبستيمي إذن. لعل هذا ما دفعت به مجموعة “تل كال” (Tel Quel) ممثلة بالأساس برولان بارت وجاك دريدا وفيليب سوليير وجوليا كريسطيفا، واهتمام الأخيرة تحديدًا في النص باعتباره إنتاجًا. لعل العلاقة بين الظاهر المادي البصري (العمران/ العمارة)، مرتبطة بالمخفي الرمزي المحكي/ المكتوب (اللغة/ النص)، من خلال تحوّلات الأفكار بين الحداثة وما بعدها. يستدعي الأمر، إذن، تربّصًا (ما) تأمليًا للنزعة المدينية التي وسمت حداثتنا، وما طرأ عليها؛ إذ انتهت السرديات الكبرى Grand Narratives إلى تفتت العالم إلى كتل غير محكية؛ أمم، وقبائل، وعشائر، وأحزاب، ولغات، وفرق، وشيع. وهو نفس الأمر الذي أصاب المدينة وابنتها، الرواية. ولعلّ هذا المسار بسيرورته تجاه التذرر والتشظّي، يتضح جليًا من مدينة بودلير الحداثية التي تعجّ بالحركة، إلى باريس بروست (جديرة بالذكر هنا الإشارة إلى تأملات فالتر بنيامين حول باريس) ودبلن جويس، ولندن إليوت، في مقابل يونابيتهوفا فوكنر وميدلاندز لورانس، تلك المدينتان اللتان تتعرفان على مدينيتهما بوصفهما تهديدًا متفشيًا، ثم بعد ذلك يأتي دور “مدن لا مرئية” لكالفينو، وهنا نشير – من دون معقوفين – إلى موقع نصوص كالفينو المدينية في مدارس العمارة والتصميم الحضري، لتأسيس العلاقة بين البصري والنصّي اجتماعيًا.

ما العلاقة بين الكتابة والنصّ والعمران والعمارة؟

يتجلى السؤال واضحًا للعيان، دون إشارات اختزالية، ولو كانت مدفوعة بلزوم الصنعة الكتابية إلى الاستسهال والاستخفاف والتخوّف، وحتى التعامي، وهو: ما العلاقة بين الكتابة والنصّ والعمران والعمارة؟ وهل لنا أن ننجو من اجتماعية الحَجَر، ومادية الحرف، وجسدانية المساحات؟ الإشارة إلى المادية والرمزية هنا افتتاح لموضوعة النزعة التكنولوجية/ التقنية، وامتداداتها في الرمزي في فعل الكتابة والعمارة. فالمدينة والآلة يصنعان (ويعيدان صنع) أحدهما الآخر، امتدادًا وانتشارًا واغترابًا. ومع ذلك، لا يمكننا اعتبار التكنولوجيا بوصفها موضوعًا للحداثة، ضمن شقّها المادي، دون أي اعتبار لمتخيلاتها الرمزية والفنية، كالتكعيبية والمستقبلية والدادائية، في مقابل ثنائية طرفية كالنزعة البدائية والزمن البرغسوني (نسبة إلى الفيلسوف هنري برغسون) وتفكك الحساسية. هذا الانتقال وتلك الثنائية، تتمثّل في النظر بعين النص واللغة المكتوبة إلى جسد الإنسان، بين شكلين بصريين: الأول، الإنسان الفيتروفي، نسبةً إلى صورة دافنشي الشهيرة للقياس الإنساني، والثاني هو الإنسان في أعمال بيكاسو والجسد فيها، والذي هو ليس أقل إنسانية، لكونه فكرة أخرى عن الإنسان.
حل مالارميه كل هذا الإشكال بقوله: “اللغة ليست أداة لتدوين الكتابة، بل هي أكثر من ذلك، هي التفكير ذاته”. وبالتالي تكون في ذاتها شكلًا من أشكال الكتابة، أو يمكننا على الأرجح أن نعتبر فضائية الكتابة الظاهرة رمزًا لفضائية اللغة العميقة. إذا كانت “مهمة المكان تنظيم الحدث دراميًا”، كما يقول ميشيل كريفل، فتلك هي أول دروس العمارة والتصميم لطلاب وطالبات هذا العلم والتخصص في الجامعات، فيمكننا القول أيضًا إن الكتابة من مهامها تنظيم الحدث والمعنى في الإدراك.

الهدم والبناء حدثان معماريان، إلا أنهما كذلك كتابيان لغويان؛ بالكتابة تمأسست
التجمعات فصارت مدنًا وقرى. ولعل أول الكتابة هو الموت، لما هو
تثبيت الجسد/ المعنى في مكانٍ ما؛ القبر/ الطمس/ الغياب.

كيف لنا أن نفصل بين الكتابة والعمارة، بذرائع – متهافتة في جلها – تعود بنا إلى بدائية الإدراك الإنساني للمكان، المرتبط والمعتمد على محسوسيته الجسدية فحسب، ما يجعل الفكر حينها عاجزًا عن استخلاص فكرة للمكان! تلك ادعاءات لا نرى التوقّف أمامها واجبًا، أو حتى مستحقًا، لكن لنا أن نتساءل متى حدث هذا الفصل، ومنى تمأسس، ولمَ؛ فذلك الفصل ليس حدثًا في ذاته، إنما سيرورة (Process) لها راهنيتها الجامعة في الحداثة وما بعدها، والتي ترتبط عضويًا بحداثة اللغة التي هي من حداثة الذات والوجود. هذه القطيعة الافتراضية تحدث على مستوى المكان، بأن تخرجه عن نصّيّته، فيصبح (لا)مكانًا (وليس فراغًا؛ فالفراغ مكان بكل الأحوال)، لكنها في شقّها الاجتماعي تدفعنا باعتبارها نصًا إلى التساؤل عما يمكن أن يكون “قولًا لا يقول شيئًا” (بحسب جاك بوفريس)، أو عمرانًا لا عمارة فيه، لتُكتب (تَكتُب) نصٌ.
“كل كتابة تقيم علاقة معينة بين مستخدميها والعالم” (كلاريس هيرينشميت). كذلك هي العمارة؛ حوّلت فكرة ما في “عقل أحدهم” إلى شكل علاقاتي مع العالم؛ فمن خلال التراسيم والمصنعات المادية العمرانية تتمأسس وتترسّم بنى وحدود علاقات البشر الفراغية والمكانية، الفردية منها والاجتماعية، على المستوى الوظيفي والرمزي؛ أي أن العمارة شكل خطابي عن الوجود، ذاتًا وجماعة.
هل يمكننا اعتبار الممارسات العمرانية والمعمارية دوالًا، أي نصًا اجتماعيًا؟  لنا أن ندّعي ذلك بعين سيميائية ونصّية، فالحركة الجسدية – كشكل من أشكال الوجود – في فراغ عمراني ومعماري ما (أي فراغ)، تحتكم إلى منظومات مركبة من القيم والمعاني (الصلاة في مسجد، سَجنُ مجرم في سِجن، البيت، المدرسة، بل حتى الحركة/ الارتحال في الصحراء؛ البداوة). وعليه، فإن البنية العمرانية المكانية هي جزء مُنظّم (غير مرادف) لتلك القيمة وما تنتج عنه؛ فالسياسات الحركية والمكانية في منظومة السجن مثلًا، والتي تتحقق على الجسد (القيد وإغلاق الفضاء وغيرها)، والمكان (الأسوار والمساحات وغيرها)، والحركة (المراقبة والسيطرة على الامتدادات الجسدية وغيرها)، والزمن (ساعة الشمس ومواعيد الغذاء والزيارات وتوقيتات الحركة وغيرها)، والترميز (الملبس والرقم وغيرها)، كلها ممارسات مكانية.

لعلّ أشكال الكتابة والخطاب في التاريخ العربي الاسلامي هي انعكاس لأشكال
المدن، فالكتابة والمدينة بنى سلطوية. ألم تبدأ بغداد كشعاع دائري
مركزه قصر الخليفة ومقر حكمه ووزرائه؟!

وعليه يتحول المكان ببعده العمراني (الإنساني والاجتماعي) والمعماري (التصميمي والفراغي والخدمي) إلى جزء أساسي من فكرة السجن، بل الناظم الرئيسي لها؛ فأي كتابة عن السجن لا تتناول بنيته المعمارية، هي كتابة قاصرة؛ إذ لا يمكنها أن تتجاهل المعمارية كنصّ ومقولة دلالية.
بالحفر قليلًا بشكل ارتجاعي، أو استعادي، أو رجعي (وكلها تنويعات كلامية على معنى يتضمن شكلًا من أشكال الحركة المكانية والزمنية: العودة/ الحفر) للمسافة بين الفكرة والتعبير عنها كتابيًا و/ أو معماريًا، علينا أن ننظر إلى “الفراغ” باعتباره “هَيولى”، المادة الأولى السابقة (وليس المتجاوزة) على اللغة التي انبثقت عنها خلقًا، أو صنعةً أشكال الموجودات.  صحيح أن الهيولى منه تخرج “الأشياء” إلى الوجود، “إلا أن ذلك يحدث من خلال اللغة التي تقوم بوظيفة سامية، وهي الكشف عن الوجود” (لوسركل). اللغة هي أداة “تسمي الكائنات وتشرحها للوجود من خارج وجودها” (هايدغر).
يثيرنا أمران هنا: الأول، إن الهيمنة على الانتقال من الفراغ إلى الوجود، هو سيطرة على الموجود وأشكال وجوده، والسيطرة على اللغة بما أنها ممر هذا الوجود، هي سيطرة على آلية الوجود. والعمارة كما اللغة؛ شكل كتابي دلالي للوجود، وبالتالي، خاضعة لما تخضع له اللغة. وهنا، ارتبطت العمارة بكل أشكال القمع، ولعلها أكثر أنماط القمع (آيال وايزمان)، ومنها تبدأ وحشية الوجود (أخيل مبيبي). كل هذا الحفر يحدث خارج الجسد المعماري للأشياء، هو بينيّ من حيث تناوله لها.
لنذهب إلى الطبقة الأولى من جسد الأشياء والأفكار المعماري/ العمراني، وهي الحدث اللغوي والدلالي لخروج الأشياء إلى الوجود من خلال اللغة. ونؤكد أن العمارة اللغوية هي كاللغة المعمارية، تعطي شكلًا آخر (تاليًا) من وجود الأشياء، وجود شاعري/ استعاري؛ فكما أن “المجازات في اللغة الطبيعية تنطوي على حقيقة” (لوسركل، ثانيةً!)، يمكننا أن نقول إن الحقيقة، وهي الوجه الأكثر مركزية من العمارة والعمران، ينطوي – في ذاته – على أشكال استعارية ومجازية. يدفعنا هذا للتساؤل: أيهما يحوي الآخر: اللغة والكلام، أم المكان والعمران؟ كلاهما نتاج لغوي خطابي قائم على الهدم والبناء كحال أي أداء لغوي ينتج مكانه الذي يقع/ يحدث بمجرد النطق به.
الهدم والبناء حدثان معماريان، إلا أنهما كذلك كتابيان لغويان؛ بالكتابة تمأسست التجمعات فصارت مدنًا وقرى. ولعل أول الكتابة هو الموت، لما هو تثبيت الجسد/ المعنى في مكانٍ ما؛ القبر/ الطمس/ الغياب. كتابة الموت كانت أولى أشكال الكتابة المعمارية. يقول لويس ممفورد في كتابه “المدينة على مر العصور” إن القبور هي أول اجتماع ثابت للبشر بأمواتهم قبل أحيائهم. فلم يكن من شأن الصيد أو الرعي أن يشجّع على الإقامة الدائمة في مكان واحد، بل الموتى هم أصحاب الفضل في ذلك؛ فالثابت أن مدينة الموتى سبقت مدينة الأحياء.

الكتابة والمدينة بنى سلطوية

ولعلّ أشكال الكتابة والخطاب في التاريخ العربي الاسلامي هي انعكاس لأشكال المدن، فالكتابة والمدينة بنى سلطوية. ألم تبدأ بغداد كشعاع دائري مركزه قصر الخليفة ومقر حكمه ووزرائه؟! بغداد المدينة/ المكان/ العمران/ المعمار، التي ارتبطت بعصور التدوين الكتاب/ اللغة/ الاستعارات. كان على كل دولةٍ، لتؤسس لنفسها شرعية وحكمًا، أن تبني خطابًا ما. لذا، لزم منبر (فضاءٌ) ما لهذا الخطاب. وقد كان الجامع الفاطمي في المهدية على الساحل التونسي هو أول منابر الدولة الفاطميّة في تونس، وكان إلى حدٍ كبير نسخة مصغرة عن جامع في القيروان التي كانت بؤرة المقاومة المالكية للحكم الفاطمي، والمسافة المكانية بين معمارين خطابيين للسلطة ومقاومتها هي مسافة استعارية، نتحرك خلالها لنفهم سياسات الخضوع والمقاومة ضمن نفس المقولات المكانية/ العمرانية/ المعمارية. ومع أن معماريي الفاطميين قلّدوا بناء جامع القيروان في أغلب تفاصيله، إلا أنهم استبدلوا البرج الضخم المقابل للمحراب ببوابة بارزة فخمة، كما هي الحال بالنسبة إلى الكثير من الجوامع في الفترات الشيعية من التاريخ الإسلامي، وصولًا إلى مساجد النجف ومشهد وتبريز وغيرها. تلك البوابات العالية التي يعود تاريخ تحوّلها من كلام ومكان، إلى حدثين كلاميين مؤسسين في ما نُسب إلى مولانا الإمام علي – كرم الله وجهه -: الأول، يوم قال إن المناداة إلى الصلاة (الأذان) لا يجب أن تكون من مكان أعلى من سطح الجامع، فدخلت المئذنة كعنصر معماري متأخرةً للدولة الشيعية، وتحديدًا مع الحاجة إلى نظام/ كلام/ خطاب مبني على السلطة الحاكمة أكثر مما هو على الشرعية الدينية القيمية، كما هي الحال مع الدولة الصفويّة. والحدث الثاني هو حديث منسوب للنبي الأكرم قال فيه: “أنا مدينة العلم وعليٌ بابها”، فامتازت أبواب وبوابات المساجد في العمارة “الشيعية” – لا أميل لهذا التصنيف – بالكبر والعلوّ والسموّ والفخامة والمهابة.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This