حوار مع المؤلّف الموسيقي (اللّبناني) هُتاف خوري (ج1)

أجرى الحوار وقدم له: وسام جبران

مقدمة

كارهًا للمباشرة والصُّراخ. هامسًا بزخمٍ أوركستراليّ مُزلزل. “الغرب” حجابُه الظاهر، و “الشرق” وجهه المُحتجب. يتململ مع أفكاره الصُّوريّة والكلاميّة الصّامتة بخجلٍ، وحين ينطق، تأتي موسيقاه واثقةً، متينة البُنية والعمران.

بدأ حياته في بيتٍ طرابلسيٍّ لبنانيٍّ اكتست جدرانه بريش الكتب، ومن هناك حلّق إلى فضاءات المعنى والشعور. بأجنحة الموسيقى التي يحرّكها وتحرّكه، يرسم مساراته بآلاتٍ موسيقيّةٍ أليفةٍ أو أخرى غريبةٍ ونادرة. بصيغة المُفرد، أو بصيغة الجمع الأوركسترالي، ينطق بلغة موسيقيّةٍ بليغةٍ فُصحى، غارسًا في مُنعرجاتها لكنةً عاميّةً لبنانيّة النّبرة، أو شرقية الهوى، دون أن ينظر إلى موروثه بوصفه جوازَ السفر الوحيد إلى المستقبل، ودون أن ينبذه بوصفه ماضويًّا آفلًا ونافلًا. هكذا يطير هُتاف خوري بجناحين؛ جناح الموروث وجناح الرؤية، ليتوازن في عالمٍ محتدمٍ مليءٍ بالتناقضات والتحدّياتِ والأسئلة.

من الفكر، ومن رفعة اللغة والتعبير، ومن رصانة الأسلوب وإحكام الهندسة التأليفيّة، ومن سِعة اللحظة الزمنية وزخمها الحركيّ المُضجّ بصمتِ الواثق، يأتي المؤلّف الموسيقيّ (اللبناني) هُتاف خوري إلى مشهدٍ موسيقيٍّ “عربيٍّ” حديثٍ رفيع؛ يأتي مُبدعًا لا تابعًا، ويُقدم باحثًا قلقًا، لا واعظًا مُستسهلًا.

نحاور فنانًا مثقّفًا متعاليًا على طوائف الوطن، وعلى “وطنيّة” الطوائف. مانحًا صوتَهُ وصمتَه للإنسان بوصفه إنسانًا.

ونحاور مؤلّفًا موسيقيًّا حاضرًا في مسارح العالم وصالاته الموقّرة بأعماله أولًا، قبل أن يحضر بجسده وشخصه. “عربيٌّ”، “شرقيٌّ”، يُخاطب العالم والإنسان بلغةٍ لا تحتاج إلى وساطاتٍ، ولا تتهافتُ أمام هجانةٍ عابرة أو تفاوضٍ غير ندِّيٍّ مع الآخر الحضاريّ. هو وحدُه صانعُ لغته الموسيقيّة التي يخاطب بها وجدان الإنسان، أينما كان، ومتى وُجد.

*

  1. لكل مكان صوته الخاص في ذاكرة الموسيقي. عندما أسألك عن طرابلس، مدينتك التي ولدت وتعيش فيها. ما الذي يحتل حيزًا منها في ذاكرتك الصوتيّة؟

طرابلس، مثلها مثل كثير من المدن العربية، تتمتّع بـ “فضائها الجغرافيّ الصّوتي”، والذي يتجسّد، أكثر ما يتجسّد، في “المشهد” الصّوتي الهتروفونيّ لأصوات الآذان. في طرابلس القديمة قلعةٌ فوق تلّةٍ مرتفعة، أحبُّ أن أستمع من موقعها الجليل المطلّ على المدينة بأكملها إلى لا تونالية (لا لحنيّة)، النسيج “الفضائي/ الكونيّ” الذي يتشكّل رُويدًا رويدا، بدءًا من المساجد البعيدة وصولًا إلى الأقرب، متداخلة، متواشجة، غير مكترثة لأي قانونٍ موسيقيٍّ أفقيٍّ أو عاموديٍّ صارمٍ. هذا “المشهد” الصّوتي الملازم لطرابلس، هو ما جعلني، في مرحلةٍ متقدمة من إنتاجي، أتخطّى الكتابةَ الموسيقية العامودية (الهوموفونية/ المتجانسة) إلى كتابةٍ هتروفونية قلقة ومتلوّنة. أعطي هنا مثالًا واحدًا من مؤلّفاتي، هو كونشيرتو البيانو الأول، الذي “استنطقت” فيه مجموعة الوتريات بلغة المفرد، عبر ما نُسميه في لغة الموسيقى division))، أي إن كل آلة لها “آذانها”، أو مقولتها الخاصّة بها. فهي، إذًا، جمْعٌ بصيغة المُفرد.

  1. ألفت عددًا كبيرًا من الأعمال الموسيقيّة المتنوعة: 5 سمفونيات، 15 كونشيرتو والعديد من المؤلفات لموسيقى الحجرة وغيرها مما سنأتي على ذكره لاحقًا. كيف تصف أسلوبك الموسيقي، وأين تضع مؤلفاتك في عالم الموسيقى اليوم؟

قياسًا للفترة الزمنيّة التي مارست فيها التأليف الموسيقي، فإنني لم أكتب عددًا كبيرًا من الأعمال مقارنةً مع مؤلفين موسيقيين عالميين كُثر. فأنا، بالعادة، لا أكتب أكثر من أربعة أعمال في السنة الواحدة. وهذه الكتابة، غالبًا ما تبدأ على هيئة فكرةٍ صُوَريّةٍ أو أدبيّة، قبل أن تأخذ شكلها الموسيقي. وقد أستغرق في البحث عن الفكرة أكثر مما أستغرق في تدوينها.

أعمالي متنوعة، هذا صحيح، وهي تتراوح بين الأعمال السمفونية والكونشرتات وموسيقى الحجرة والموسيقى الغنائية، بل وأحيانًا أكتب مؤلَّفاتٍ لآلاتٍ موسيقيّةٍ نادرة، كما فعلت مع آلة ” Theremin”، وآلة ” Corno Di Basset” وغيرها.

قد يبدو أسلوبي الموسيقي في ظاهره محض أكاديميّ، غير أنني أحاول، أحيانًا، التعديل في القوالب الموسيقيّة الغربيّة بما يتناسب مع أفكاري الموسيقيّة الخاصّة، فلا أخلص تمامًا للمعايير “الأكاديميّة” المألوفة في التأليف، وأخلط بين أساليب موسيقية عالمية متنوّعة، مع الحفاظ على “الهُويّة الشّرقيّة” (إن صح التعبير)، لكن بنوعٍ من التّجديد واستخدام تقنيّاتٍ، نادرًا ما تُستخدم في الموسيقى الكلاسيكيّة الغربية، لكنها حاضرة بقوة في الموسيقى الشرقية [الشرق أوسطية تحديدًا]. وأعتقد أن من يستمع إلى ما أكتبه، خاصةً في العقد الأخير، يمكنه أن يميّز أسلوبي دون أن يرتاب فيه.

من حيث الانتشار، فأعمالي تُعزف في معظم قارات العالم، وتحظى بحضور محترم، لكنها تُعزف بشكلٍ أقل في العالم العربي، ربما باستثناء بلدي لبنان.

  1. درست التأليف الموسيقي على يد الأستاذ (Yuri Ishenko) في الأكاديمية الوطنية للموسيقى في كييف (أوكراينا). ما هي أهمية هذه المرحلة، (1988 – 1997) في تطورك الموسيقي؟

مرحلة الدراسة تحت إشراف البروفيسور يوري إيشنكا تُقسم إلى قسمين: القسم العملي التأليفي، والقسم النظري الذي تتوّج بأطروحة الدكتوراة بإشراف بروفيسور كاتليريفسكي. فهذه المرحلة الممتدة بين عام 1988 إلى عام 1997، قد صقلتني كمؤلّف وكباحث موسيقي أكاديمي. هذا بالإضافة إلى أن أستاذي قد أذن لي، على غير العادة، أن أحضر دروس التأليف الموسيقي عند زملائه الآخرين في الأكاديميّة، الأمر الذي أضاف إلى علمي وتجربتي ثراءً وسعة نظر.

هذه هي المرحلة الأهم في حياتي الموسيقية. وهي بمثابة “الصّخرة” التي بنيت عليها مُستقبلي المهني. فعند وصولي إلى الأكاديمية الوطنية للموسيقى في كييف، كنت لا أزال مجرّدًا من أسلحة المعرفة الموسيقيّة التي توفرت لزملائي الطلاب الأوكرانيين، وأنا القادم من لبنان الحرب، ومن عالم عربيٍّ لا يأخذ الموسيقى على محمل الجدّ. لكنني وجدت حضنًا دافئًا مكنني من النهوض بنفسي شيئًا فشيئا، واللحاق بالمستوى الأكاديمي المطلوب. لم يحدث ذلك دون عناء وضغوط وقلق، بل ولحظات انكسارٍ نفسيّ، لكن هذا كلّه قد زادني صلابةً وقوةً على المستوى المهني.

  1.  ما هو المكون الذي ترك فيك الأثر الأكبر في مسيرتك التعليميّة هذه؟

ربما، المكون الدراماتيكي، هو الأكثر أثرًا. فأن تجد نفسك مع أساتذة، هم امتداد لحضارةٍ موسيقيّةٍ، بدأت مع ما يُسمى بـ “عُصبة الخمسة”، وصولًا إلى المؤلفين “السوفييت” الكبار؛ حضارة تنهل من تاريخٍ موسيقي دراماتيكيّ، يجعلك تتماهى مع هذه “الروح” وتتأثر بها أيما تأثير. هذا المفهوم، الذي له دلالاتٌ كثيرة في الموسيقى الكلاسيكيّة، هو غير متوفر، بعمق، في الموروث الموسيقي العربي.

  1. وماذا بقي من تلك المرحلة “الأوكرانية” في مؤلّفاتك اليوم؟

ليس الكثير. بقيت بعض الأعمال المُرقّمة والمُصنّفة ضمن سلسلة أعمالي، ولا أتحمس كثيرًا لأن تُعزف. هي تبقى، ربما، كوثيقة تُشير إلى سيرورتي، وكمرحلة ضروريّة من مراحل تطوري. لكن تطوري الموسيقي يجعلني اليوم على مسافةٍ بعيدةٍ منها.

  1. حدثنا عن نشأتك العائليّة الأولى، عوالم الصوت الأولى في هذه البيئة الحاضنة، كيف تصفها لنا؟

والدي (مارون عيسى خوري)، رحمه الله، كان كاتبًا وباحثًا ومترجمًا، ترك عددًا من الكتب في قضايا الفلسفة وتاريخ النهضة العربية والأركيولوجيا. إذن، فقد نشأت في بين يحتوي على مكتبة ضخمة، وكان بيتًا مُحبًّا للموسيقى الكلاسيكيّة، وربما يكون والدي قد ورث هذا الحب عن جدّي الذي عزف على آلة العود، ثم هجرها بحثًا عن لقمة العيش. ويبدو أنني ورثت هذه “البصمة الجينيّة” عنهما، كما اكتسبت حبّ الموسيقى عبر التربية السّمعيّة (لا التعليميّة) والاستماع الدائم للإسطوانات التي كنت أحبّ اقتناءها. يُضاف إلى هذا أننا في لبنان، ورغم مآسيه الكثيرة، كنا، كعائلةٍ، نرتاد الحفلات الموسيقيّة التي كانت تنظمها مؤسساتٌ أجنبيّة أو ملاحق ثقافية في سفاراتٍ متعددة، والتي تمكّنتُ، من خلالها، إلى الاستماع لعددٍ من العازفين المرموقين، فاعتادت أذني على تلقي الموسيقى من خلال أداءٍ وصوت شديد التّهذيب والصّقل منذ بدايات السّمع والتلقّي الموسيقي.

أما الوالدة، فقد أحبت الغناء، وتمتعت بصوتٍ جميلٍ متّعتنا به، لكنه ظلّ حبيس البيت والأسرة.

  1. ماذا تقول عن خيارك بأن تكون مؤلّفًا موسيقيًّا كلاسيكيًّا، في عالم “عربيّ” غير مُهيّأ تمامًا لمثل هذا النوع من الموسيقى؟ هل يمثل هذا الواقع عائقًا، أم إنه، ربما، تحديًّا مُفيدًا؟

أن تكون مؤلِّفًا موسيقيًّا في عالمنا هذا، هو أمرٌ إشكاليّ.  وأن تعيش، جغرافيًّا، في نطاق العالم الثالث، فهذا يزيد الإشكال، وأكثر من هذا كلّه أن تنتمي إلى “العالم العربي”. فعالمنا العربيّ ليس مُهيّئًا لأن تكون مؤلِّفًا موسيقيًّا، أو أن تنخرط فيه في مجالِ العمل الأكاديميّ الموسيقى.

لبنان تحديدًا، كان قادرًا أن يوفر لنا الثقافة الموسيقيّة أو فرص الاستماع لها، لكن القصّة كانت تنتهي عند هذا الحدّ. أما خَيارَ أن تكون مؤلّفًا، فلم يكن مُستحيلًا، لكنه لم يكن هيّنًا؛ بمعنى إنه كان عليّ أن أبحث عن حلٍّ بينيٍّ متوازنٍ ما يُرضي الأهل، الذين لم يتحمسوا لفكرة أن يُصبح ابنهم “مزّيكاتيّ”، من جهة، ويُرضي طموحي أنا من جهةٍ ثانية. لذلك، فإن دراستي الأكاديمية الأولى بدأت في مجال الاقتصاد، بعيدًا عن طموحي الموسيقي. وبعد عامين من الدراسة، ترسّخت قناعتي بأنني في المكان الخطأ، فتحدثت إلى والدي الذي تفهّم رغبتي بدراسة التأليف الموسيقي. تصادف ذلك مع مشاركتي بمسابقةٍ (متواضعةٍ) للتأليف الموسيقي في طرابلس (المدينة التي ولدتُ ونشأت فيها)، وحصلت من خلالها على نصف منحةٍ دراسية لدراسة التأليف الموسيقي في الاتحاد السوفييتي، حينها، وكان النصف الثاني المتبقي مبلغًا يكاد لا يُذكر، مما سهّل عليّ هذه الخطوة كثيرًا.

في مدينة “كييف” (أوكراينا)، يُمكنني القول بأنني صُقلتٌ كموسيقيٍّ وكإنسانٍ من جديد.

واقع النشأة، بقدر ما شكّل عائقًا، فقد كان سببًا لخلق هذا “التحدّي المُفيد” كما تسمّيه؛ بمعنى، أنه كان عليّ، أن أثبت جدارتي أضعافًا مُضاعفة لكي أثبّت مصداقيّة خياري، وأكون مدعاةً للفخر بين أهلي ومجتمعي.

  1. كتبت العديد من المؤلفات للأوركسترا “الكلاسيكية الغربية”، وأنت موسيقيٌّ نشأ في بيئة شرقية (عربية). فما معنى الكتابة للأوركسترا، لغةً، تلوينًا، وأسلوبًا؟ ما الذي تعبر عنه، أنت شخصيًّا، عبر الأوركسترا، ولا يمكن فعله عبر أداةٍ موسيقية أخرى؟

صحيح أنني كتبت الكثير للأوركسترا الكلاسيكية الغربية. وأنا لم أكتب أبدًا موسيقى للتخت الشرقي. ولم أكتب أعمالًا تتضمن آلاتٍ شرقية. ليس هذا تعبيرًا عن موقفٍ ما، وليس هو بقصد. وأعزو ذلك، ربما، إلى أنني لم ألتقِ في حياتي بعازفٍ شرقيّ أشعر معه بنديّة العلاقة المطلوبة بين المؤلف والعازف. ولكن هذا لا يعني أن عازفين من هذا النوع هم غير متوفّرين، فهناك شاهدٌ على ذلك مثلًا، في كونشيرتو العود للصديق المؤلف الموسيقي عبدالله المصري، الذي وجد في الأستاذ سمير نصر الدين براعةً وثقافةً تليق بمؤلَّفٍ موسيقيٍّ جادٍّ لآلة العود. وكذلك يمكننا ذكر تجارب الأستاذ مارسيل خليفة الكثيرة والهامة في مجال التأليف لآلة العود، وتجربة الأستاذ رفعت جرانة (مصر) وكونشيرتو القانون، وبشرى الترك (لبنان) وكونشيرتو القانون كذلك، وغيرهم من الزملاء…

لم أذهب بهذا الاتجاه، لكنني “عوّضته” بلغة الأوركسترا، وعبر تطويع “المساحة الجغرافيّة الشرقية” للغة الأوركسترا؛ هذا الإحساس بهذه “المساحة الجغرافية” [بمعنى الفضاء أو الاتساع] – كما كان يقول أستاذي بالروسية[1] – لا يتوفر لكل شعب في العالم.

  1. لكن ماذا تقصد تحديدًا بهذا التعبير: “الفضاء الجغرافي”؟

ربما ما أقصده ببساطة، هو منح المُستمع، عبر أسلوبي الخاص، ذلك المُتّسع من الاستمتاع والشعور بالارتياح، لكن، في الوقت نفسه، أمنحه مُتّسعًا للتفكير في اللحظة الموسيقيّة العينيّة وما يحدث فيها. فالأوركسترا الغربية هي، بالنسبة لي إذًا، الشكل، وليس المضمون أو “الرّوح”. وهذا لا يعني بالضرورة أن تستخدم المكوّنات الشرقية المباشرة، مثل نظام المقام أو الإيقاع الصّوتي، لكي نعبر، أو نستحضر، موروثنا في الموسيقى. وأعتقد أنني، بهذا الأسلوب، كنت أكثر إقناعًا، للغرب نفسِه، بلغتي الموسيقيّة من مؤلفين موسيقيين أوروبيين كبار حاولوا استحضار الشرق في أعمالهم على نحوٍ “استشراقيٍّ” أو آخر.

التّقنيّة لا تُترجم الإحساس بالضرورة. وثمة فارقٌ بين أن تمتلك “حسّ ما” غير قابل للترجمة، وبين أن تمتلك التّقنيّة وحسب.

  1. هل تُشير هنا، ضمنًا، إلى أن “إيقاع” أو “زمن” إحساس “الإنسان الشرقي” بـ “الفضاء الجغرافي”، هو مختلف عنه عند “الإنسان الأوروبي أو الغربي” عمومًا؟

الزمن في الموسيقى هو مكوِّنٌ عضويٌّ موجودٌ في صُلب اللغة الموسيقيّة. أعتقد أن الإحساس بالزمن هو مسألة تتعلق بعلاقة الإنسان بالنظام؛ أن تتحرّك في حياتك وفق نظامٍ وتتنقل وفق نظامٍ دقيقٍ من المواعيد، وتنظم أوقاتك ومهامك وحجم إنتاجك الخ… أو أن تتفلّت من النظام وتتحرّك “بحريّةٍ” دون قيدٍ صارم، ودون مواعيد دقيقة الخ… – هنا، ثمة فارق، في العموم، بين الإنسان “الغربيّ” والإنسان “الشرقيّ”، إن صح التعبير. بهذا المعنى، يصير الزمن، بوصفه نظامًا شعوريًّا، وثقافةً، يصير محكومًا بما أسميناه “الفضاء الجغرافي”. إذن، من حيث لا تدري، في لا وعيك، ربما، تنعكس علاقتك الحسيّة بالزمن في مرايا الموسيقى التي تنبثق منك، وترتدّ على المتلقّي على نحوٍ أو آخر.

  1. عدد من الأوركسترات العالمية، والعازفين من جنسيّاتٍ متعددة، عزفوا أعمالك الموسيقيّة. ماذا لديك لتقول عن هذه التجارب؟ كيف يتلقى العازفون مؤلّفاتك؟

هذا صحيح، وجميع هؤلاء تلقوا أعمالي بترحابٍ. لا أنكر أنه في البدايات، كان يراودني بعض الخجل، أو حتى الرهبة، عند شروع أوركسترا ما، اعتادت على عزف موسيقى كبار المؤلفين عبر التاريخ، على عزف مؤلَّفٍ لي، لكن تقبلهم لأعمالي واحتفاءهم بها، والنجاحات التي رافقت الكونسرتات والتسجيلات، جعلني أكثر ثقةٍ بما أكتب. صم يأتي ما كتبه النقاد عن أعمالي، ومثالًا لا حصرًا، فإن الكونشيرتو بعنوان “مرآة الأبديّة” (فلوت، وتريّات وآلات إيقاعية)، والذي ألفته للصديق العازف والمؤلّف وسام بُستانيّ، قد قُيّم بوصفه أحد أفضل الكونشرتات التي كتبت في العقدين الأخيرين.

نعم، هناك تجاوب كبير مع تجربتي من قبل “الغرب”، وأعزو ذلك إلى أن “الغرب”، في مكانٍ ما، قد أفلس، وكأن به يحتاج إلى دماءٍ جديدة وصياغاتٍ متجدّدة. وأشعر أن العازفين والأوركسترات في الغرب باتوا أكثر ثقةً وأكثر قناعةً بما نكتب، وكأن خصوصيّاتنا التي نستمدّها من نشأتنا المختلفة تُضيف إلى مخزونهم الكثير، وتُسعفهم في لحظة “الإفلاس” هذه.

نعم، بدأت هذه التجارب بنوع من الخجل، بسبب الاختلاف (أي أنني “العربي” القادم من جغرافيا أخرى)، إلى أن تبدد هذا الخجل وتحوّل إلى مصدر قوة وندّيّة في التعامل وطرح التصوّرات الموسيقية والرؤى بثقة. وهنا، لتسمح لي بأن أعطي مثالًا يعزز هذا النجاح: في السنوات الأخيرة عُزف مؤلّفي للفيولا والبيانو بعنوان ” Metamor-Frozen” أكثر من 250 مرة، وسُجّل في إسطوانة تضم عددًا من المؤلفات لكبار الموسيقيين العالميين. هذا مؤشّر موضوعي على جودة العمل وقيمته ودرجة قبوله.

اليوم، أنا أكتب الموسيقى بطلبٍ من الموسيقيين والأوركسترات التي باتت تثق بما أنتجه.

  1. حين تقول إن “الغرب” قد “أفلس”، أليس في هذا تجنّي ما، أو ربما مبالغة؟ كيف توضّح وجهة نظرك هذه للقارئ؟

مرّ “الغرب” الأوروبي بمراحل وتجارب متعددة، ولكلّ مرحلةٍ أسلوبها الموسيقيّ، رؤاها، طابعها، آلاتها، صوتها… وبين كلّ مرحلةٍ ومرحلة، يمكن القول إن هناك فترة من الإفلاس؛ إفلاس ما قبل الرينيسانس (النهضة)، ثم “الاعتماد” على الثقافة “العربية/ الإسلامية” في بدايات النهضة، وبين النهضة والباروك، ثمة علامات استفهامٍ كثيرة راودت تلك المرحلة والتغيّرات الجذرية التي شهدتها، والتي استمرت في العصر الكلاسيكي، على نحوٍ أو آخر، ثم “حفرة الضياع” التي دامت قرابة أربعين عامًا بين الكلاسيكي والرومنطيقي، ثم “ضياع” الرومنطيقية ذاتها في النهاية وتشتتها في مدارس متنوعة كالفاجنريّة [نسبةً إلى فاجنر[2]] والبروكنريّة [نسبةً إلى بروكنر[3]] والمالريّة [نسبةً إلى مالر[4]]، وصولًا إلى حداثة شوينبرغ[5] والمدرسة الدديجافونيّة[6] الإثني عشريّة، فيعود الزمن “ليتوقّف” خلال، وبعد المدرسة الفينّيّة الجديدة [7] [مطلع القرن العشرين]، بحثًا عن “دماءٍ” جديدة تعيد الحياة إلى المشهد الموسيقي.  ثم نجد تلك التوجهات الأوروبية نحو الشرق الأوسط، وإفريقيا، والشرق الأدنى، بحثًا عن “مواد” موسيقيّة جديدة تضخّ الحياة في الموسيقى، كما حدث عند عدد من المؤلفين الموسيقيين الفرنسيين والطليان وغيرهم، والذين نجحوا، ربما، في بعض الأحيان في استيعاب هذه المواد (إيقاعات، موتيفات لحنية، ميكروتوناليّة وغيرها) في موسيقاهم، ولكن، وبقدر ما هي دخيلة، هذه المكوّنات، على ثقافتهم، فقد استنفذت بدورها هي كذلك. وها هي أوروبا و “الغرب” عمومًا تقف على مفترق طرقٍ، اليوم، تتخبط دون رؤيةٍ واضحة، ومسارٍ جليّ. وربما هناك نوعٌ من الاستقرار ووضوح الرؤية عند الجيل القديم من المؤلفين السوفييت الذين ظلوا مثابرين على التأليف إلى ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، من أمثال أستاذك “ألفرد شنيتكي” و”كانتشيللي” وغيرهم. أما في الغرب، فقلّة قليلة تتمتع بخط موسيقي واضح في أيامنا.

  1. قد يختلف البعض معك، أستاذ هُتاف، بشأن التسمية “إفلاس”. ربما فيها “قسوة” ما أو حكم فيه “مُغالاة”! فقد يميل البعض، ربما، إلى استخدام مُسميّات أخرى مثل: “مخاضات”، أو “بحث” أو “رغبة لا تشبع” أو “قلق حضاري”… حيث تسعى الحضارات الحيّةُ، بدأبٍ مستمر، إلى التجديد وتجاوز الذات الثقافية؛ بمعنى، أنه قد يُرى إلى ذلك بوصفه علامةً صحيّةً في سيرورة الثقافات، وليس العكس. ماذا تقول؟

تمامًا. يمكن فهم الإفلاس بطرق مختلفة، وتخفيف حدته هنا أو هناك، ولكن هذا لا يُلغي أن أوروبا والغرب قد وصلت في مفاصل تاريخية كثيرة إلى طريق مسدود، وكان عليها البحث عن مخرج ما. وهذا الإفلاس، وأنا أصر على استخدام هذه التسمية، لم ينحصر في مجال الموسيقى فقط، بل نجده كذلك في المستوى الاجتماعي والسياسي. وربما أهم ما يمكن أن يتسبب بهذا الذي أسميه إفلاسًا، هو انعدام التنوّع أو انكماشه. بدون تنوع لا وجود للثقافة ولا للموسيقى؛ التنوع يعني بالضرورة حضور الآخر المختلف، وبدون هذا الآخر لا تتشكّل الهُويات، بل تنغلق وتموت.

******

[1] (براسترانستفا) Пространство

 [2] Richard Wagner (1813 – 1883)

[3]  Anton Bruckner   (1824 – 1896)

[4]  Gustav Mahler (1860 – 1911)

[5] Arnold Schönberg (1874 – 1951)

[6] dodecaphony, twelve-tone serialism

[7] Second Viennese School

******

موقع الموسيقار هتاف خوري

https://sites.google.com/view/houtaf-khoury-official-website/home?fbclid=IwAR0JvEVbfoGwfVHo_WWGfeG4O3zT6tuJsUIQujdf18HFvW1fDVhVsu6rIfU

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This