رقص المضطهدين”.. حساسية الكتابة عن الرقص / علاء الدين العالم

يبدو سؤال الكتابة عن الرقص في اللغة العربية النقدية سؤالًا بحثيًا بامتياز، ولا يمكن إجمال غياب الكتابة النقدية عن الرقص بمقال أو أكثر، فعديد الأسباب والعلل تختفي وراء الشح البحثي الذي تعاني منه الثقافة العربية في هذا الحقل الفني. بالرغم من أن الرقص كان وما زال من الفنون الحاضرة في الثقافة والمجتمع العربي، إلا أنه بعيد عن أعين النقاد والباحثين، فإذا نظرنا إلى الإصدارات النقدية العربية حول الرقص لهذا العام؛ بكافة أنواعه، سنجد أنها لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة، كذلك الحال مع الأعوام الخمسة السابقة، وهذه الندرة تطرح أسئلة كثيرة حول إشكال حضور الرقص في العالم العربي، تطوره وأسئلة هويته.
أحد تلك الكتب القليلة الصادرة بالعربية عن الرقص لهذا العام كان كتاب “رقص المضطهدين” للممثلة والراقصة والكاتبة المسرحية المصرية نورا أمين الصادر عن دار الدليل للطباعة والنشر في برلين، وبدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق”. تحاول أمين في كتابها أن تبحث في أساسات ظهور هذا النوع من الرقص في المنطقة، والسياقات السياسية والتاريخانية المرتبطة بتطور الرقص الشرقي وتحول مساراته وتغيُّر أساليبه ونجومه. أول ما تبدأ به الباحثة هو محاولة صياغة تعريف للرقص “ما الرقص؟ هل هو الجسد المتحرك؟ هل هو الجسد المتحرك حركة إيقاعية؟ أم ربما هو الجسد المحتفي بنفسه؟ هل هو الجسد في كامل كينونته؟”. لا تجيب الكاتبة على أسئلتها تلك، وتنطلق بعدها إلى البحث في الاصطلاح، لكنها تصرح قبل نهاية فصلها الأول “إن الرقص يشمل أكثر بكثير من فيزقانية الجسد، فهو ممارسة لوجودنا وكينونتنا”.
الرقص الشرقي/ البلدي.. بحث في الاصطلاح والأسُس
رقص شرقي؟ رقص بلدي؟ رقص هز البطن؟ Oriental Dance؟ متعددة هي الأسماء التي تطلق على الرقص الشرقي اصطلاحًا، ولكل واحد منها دلالة مختلفة، ذلك ما تبحث فيه أمين في مطلع كتابها. تحمل عبارة “رقص شرقي” بعدًا كولونياليًا يحدد موقع الشرق بالنسبة للغرب المركز “بوصفه يحدد طبيعة الرقص جغرافيا من منظور الغرب” ولو أنه في استخدام بعض الراقصات لرقص شرقي Raqs Ahargi بدلا من Oriental Dance، واستخدام المفردة العربية بأحرف لاتينية “بمثابة قلب للانطباعات الاستشراقية والكولونيالية حيال هذا النوع من الرقص”. هناك مسمى آخر وهو الرقص البلدي “أي الرقص الذي يخص بلدي”، ويختلف هنا تأويل كلمة بلدي، لا سيما أنها تأخذ معنى (الشعبي) في الدارجة المصرية حاليا، بينما كانت في سياق الاستعمار “تعكس تمسكًا بالهوية المصرية وفعل مقاومة سياسية تجاه المحتل”. أما تسمية هذا النوع من الرقص بـ”رقص البطن/ Belly Dance” فهو اصطلاح قاصر يختصر الرقص بمنطقة واحدة من الجسد “لا سيما أن استخدام تلك المنطقة لم يكن محوريا في الرقص سوى في الأزمنة المبكرة له، وبعد ذلك انتقلت محورية الرقص إلى منطقة الحوض والأرداف”.

تعتني أمين في كتابتها عن الرقص بكل تفاصيله، من التأريخ إلى التصميم إلى الرموز والأيقونات، لكن ذات العناية لم تول للبحث، فالكتاب يخلو من منهجية بحثية واضحة، يتوه القارئ في توصيفه، أهو كتاب ذاتي عن الرقص؟ أم هو كتاب بحثي يتناول فن الرقص الشرقي/ البلدي؟
تحفر أمين في الجذور التاريخية للرقص البلدي، تتبع منابعه وتشكُّل مطالعه، وتجد أن هذا النوع من الرقص “هجين”، تتلاحم فيه أنواع رقص مختلفة وحركات جسدية متنوعة، بعضها من فارس والعراق والشام، وبعضها يعود جذوره إلى شبه القارة الهندية، تحديدا إلى جماعة الروماني Romani أو الروما Roma، وما يطلق عليه بالدارج مسمى “الغجر”. كذلك الحال مع جماعات مهاجرة أخرى أتت إلى مصر كـ”الحلَب، والنوَرَ”. كل تلك الجماعات كانت تقيم احتفالات في ترحالها الذي لا يتوقف ويمكننا القول إن “مجمل جماعة الدوم أو الروما المصري قد أسهمت في بناء تاريخ الرقص البلدي المصري من خلال تلك الاحتفاليات والأفراح أثناء تجوالهم”. كان يطلق على الراقصات في هذه الاحتفالات اسم “الغوازي” الذي ترجعه الكاتبة إلى اللغة الهندية الشمالية التي أطلقت كلمة Gowaar على فناني البونجاب الذين ضمتهم هجرة الروما إلى مصر. وتشير أمين إلى أنه بعد إصدار حاكم مصر محمد علي باشا مرسوما يمنع الغوازي من الرقص في شوارع القاهرة بحجة الآداب العامة، اضطرت الغوازي إلى تغيير هوياتهن و”استخدام مسمى عوالم على الرغم من ارتباط هذا المسمى بطائفة راقصات الحرملك”. وتظهر مع مرسوم محمد علي بوادر بناء نظام قانوني وتشريعي مصري سيتطابق في بنيته ونظرته للراقصة مع المجتمع المحافظ الذي ينظر إلى الرقص كمهنة غير شريفة.

الرقص الأنثوي كفعل سياسي
حاله حال الدراسات الثقافية ما بعد الحداثية التي تبحث في الفنون الشعبية الهامشية والأقليات المضطهدة، تدرس أمين الراقصات كأقلية مضطهدة، ومن هنا جاء عنوان كتابها “رقص المضطهدين” على اعتبار أن هذا الفن، بصيغته هذه، عانت صاحباته من اضطهاد سياسي مجتمعي، لطالما تحول وتطور مع تقادم الأيام، ولطالما كانت الراقصة تشكل برقصها رفضا لهذه المنظومة الأبوية السلطوية وتمردا عليها، تحديدا في مراحل الرقص الأولى، حيث كان الرقص يتم في الفضاء العمومي، في الشوارع والأزقة “ومما لا شك فيه أن صورة النساء الراقصات في الشارع تهز أسس السلطة الأبوية (..) ومن ناحية تملك هاتيك النساء أجسادهن دون خجل أو مواربة، فهن لا ينتظرن إذنا من أحد ولا يرقصن للرجل كمتعة سرية في الأماكن المغلقة”. إلا أن هذه الحالة الاحتفالية لن تبقى على ما هي عليه مع نهاية القرن التاسع عشر، وسيجاري الرقص التحولات السياسية التي ستعصف في مصر، وسينتقل الرقص الشرقي/البلدي في عصر الخديوية من الترحال والفضاء العام، إلى قصور النبلاء والباشوات، وبذلك سيتحول دور المتفرج أيضا، من “مجرد فرد واقف في الشارع أو فرد وسط جماعة كبيرة إلى عميل يطلب راقصة بعينها فتأتي إلى منزله وترقص لضيوفه”.
إن هذا التحول الكبير في دور الرقص في مصر سيتبعه تحول أكبر مع قدوم الاستعمار البريطاني، وهو نشوء مفهوم الملهى الليلي (الكباريه، الكازينو) المستعار من الثقافة الغربية، لم تعد الراقصة وحيدة الآن، أو ضمن جماعة راقصات رحالات كما في السابق، بل أصبحت جزءًا من منظومة الكباريه التي تحوي ندلاء وطباخين، بارًا ومشروبات، مقاعد وطاولات ومنصة للعرض. سرعان ما خرجت بعض الراقصات من هذا التكوين الجديد لتأسيس كباريه خاص، كما هو الحال مع الراقصة “شفيقة القبطية التي أسست كباريه خاصًا بها بين عامي 1875 ــ 1900”. حققت شفيقة نجاحا باهرا، واحتفت بها المسارح العالمية، وكانت أول راقصة مصرية ترقص في المحافل الغربية كما كان الحال في المعرض العالمي بباريس “ويمكننا أن نتخيل كيف كان لهذا الجسد الأنثوي الراقص أن ينهزم أحيانًا أمام آليات الكولونيالية والنظرات الاستشراقية والغرائبية للجسد المصري الراقص، وكيف كان له أن ينتصر أحيانا أخرى ببهائه وقدرته الإبداعية الراقصة التي تمتلك سلطتها الخاصة في الإخضاع” وكأن شفيقة كانت تحقق انتصارات سياسية كان وسيطها الوحيد فيها هو الرقص.

راقصات وفنون
“في كباريهات النصف الأول من القرن العشرين، تماهت الراقصة مع الصورة التي تم إسقاطها عليها. ذابت في مزيج الرقص والشرب والعملاء الأجانب والبيئة الاستهلاكية، ولم تكن هناك مساحة كافية للخروج من التصميمات المحكمة للحركة والأداء والصورة العامة”. إن هذا التسليع الذي تعرّض له جسد الراقصة وفنها سيتم تقويضه وتدميره على يد واحدة من أشهر الراقصات المؤسسات في العالم العربي، وهي الممثلة والمطربة والراقصة اللبنانية بديعة مصابني. شكلت مصابني حالة أيقونية في الرقص الشرقي، وتحول كازينو بديعة إلى منبع لفناني تلك المرحلة وراقصاتها (ببا عز الدين، نعيمة عاكف، سامية جمال، تحية كاريوكا). كما سعت بديعة إلى المزج بين حركات الرقص الشرقي وحركات الرقص الغربي كما في الباليه وغيره من أنواع الرقص، كما طال هذا المزج موسيقى الرقص التي دخل عليها الأكورديون الذي تمت إضافته إلى آلات شرقية أصيلة كالطبلة والرق والناي. ولعل أبرز مثال لهذا التحول “هو الاسم الذي لقبت به الراقصة تحية، ألا وهو “كاريوكا” بسبب تقديمها لرقصة الكارويوكا البرازيلية في كازينو بديعة”.
حاله حال الدراسات الثقافية ما بعد الحداثية التي تبحث في الفنون الشعبية الهامشية والأقليات المضطهدة، تدرس أمين الراقصات كأقلية مضطهدة، ومن هنا جاء عنوان كتابها “رقص المضطهدين” على اعتبار أن هذا الفن، بصيغته هذه، عانت صاحباته من اضطهاد سياسي مجتمعي
تكاد تقف تحية كاريوكا على هرم الرقص الشرقي، ليس لشهرتها واسعة الأفق، ولا لأسلوبها الخاص في الرقص وحسب، بل لأنها كانت ناشطة سياسية في مراحل مصر المختلفة، وكانت محورًا للدراسات النقدية التي كان أشهرها مقال إدوارد سعيد “تحية إلى تحية” الذي تناول فيه تحية بوصفها ظاهرة فنية وسياسية واجتماعية. كان ظهور كاريوكا متزامنا مع حضور السينما كوسيط جديد للرقص، ورغم أن هذا الوسيط السينمائي ابتلع الكثير من الراقصات وأحالهن إلى أجزاء من العمل السينمائي، كانت تحية “تتحدى برقصاتها في السينما أي سيناريو موضوع وأية شخصية خيالية قد تجسدها. فرقص تحية في الأفلام هو رقص تحية ولا شيء سوى ذلك. وعلى الرغم من مشاركتها في مائة وتسعين فيلما إلا أن المشاهدين ظلوا يشاهدون تحية فقط. كما لو كان الفيلم هو تحية الراقصة، وتحية الراقصة هي الفيلم”.
بعد كاريوكا، تستعرض أمين سريعا حيوات وتجارب قامات الرقص الشرقي، تروي حكاية الراقصة حكمت فهمي ودورها السياسي، وتفرد فصلا صغيرا لسعاد حسني وتقرأ تجربتها في الفيلم الشهير “خلي بالك من زوزو” التي شاركت فيه مع تحية كاريوكا، إذ قدمت فيه حسني صورة للراقصة المتمردة وكانت رقصتها الأشهر في الفيلم حينما يستهزئ الحاضرون الأغنياء بأمها كاريوكا، رقصة تقلب العار إلى كرامة “تقلب الإهانة والذل إلى انتصار وتحيل جسدها الموصوم إلى جسد نبيل وحر يتحدى النفاق الاجتماعي والاضطهاد والعنصرية”.

تصميم الرقص وتصميم البحث
تنحو أمين في نهاية كتابها نحو الكتابة عن تصميم الرقص، وتبدأ فيه بنقد الفكرة القائلة إن الرقص الشرقي سهل وبسيط، ولا يتطلب سوى “هز البطن” أو “هز الوسط”، وتشير إلى أن فنًا كهذا يتطلب من الراقصة الكثير من التدريب والتمرين كي تتمكن من تصميم رقصاتها. وتخصص الرقص الشرقي/ البلدي وتمايزه عن باقي أساليب الرقص الشرقي “فالأسلوب المصري في الرقص الشرقي/ البلدي يعتمد على الحركات الدقيقة التفصيلية، وعلى عزل كل جزء وتحريكه وحده ثم الدمج بين الحركات”. تناقش أمين تطور تصاميم الرقص الشرقي/ البلدي، وأثر السياق السياسي والاجتماعي على تكوين الرقصة وعلى جسد الراقصة، وتجد أن الرقصة المثالية “هي التي تبنى أمامنا أثناء تنفيذها، هي التي تأخذ وقتها وتصنع علاقتها ودينامايتها، هي التي تصدر كتعبير عن حالة شعورية وحسية داخلية وليست حركات أكروباتية آلية خالية من الشعور ومن البناء والتدفق والجمال”.
تعتني أمين في كتابتها عن الرقص بكل تفاصيله، من التأريخ إلى التصميم إلى الرموز والأيقونات، لكن ذات العناية لم تول للبحث، فالكتاب يخلو من منهجية بحثية واضحة، يتوه القارئ في توصيفه، أهو كتاب ذاتي عن الرقص؟ أم هو كتاب بحثي يتناول فن الرقص الشرقي/ البلدي؟ كذلك الحال مع المعلومات الكثيرة الواردة في الكتاب، خاصة تلك التاريخية، فليس هناك أي توثيق لها، اللهم باستثناء ذكر اسم بعض الكتب أو ذكر مرجع كالويكيبيديا (الموسوعة الحرة) لا يُعتد به بحثيا. يضاف إلى ذلك عدم فهرسة الكتاب أو تنظيم أبوابه وفصوله، وفوضى أحجامها وتسلسلها. قد تشكل نورا أمين حالة ملفتة على مستوى العمل على الرقص الشرقي عمليًا، آخرها كان عمل أمين لورشة رقص شرقي في برلين ساهمت فيه بعودة الرقص إلى الفضاء المفتوح وتحطيم الصورة الذكورية التقييمة للراقصة الشرقية، لكن على مستوى الكتابة النقدية، لم تتمكن أمين من صياغة كتاب نقدي عن الرقص الشرقي/ البلدي، كتاب ما زالت المكتبة العربية بأمس الحاجة له.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This