الواقعيّة الجديدة في (النّمر اللّيلي) ليانغشي شو

ترى باتريشيا شولثيس، في مقالتها عن رواية (نمر الليل) للكاتبة الشابة يانغشي شو، أنها من الأعمال المركبة والهجينة، ولكن المشوقة أيضا. فهي تخلو من المباشرة والبروباغاندا، وتعمد لتطوير الحبكة بعدة اتجآهات:  حكاية  نمر مسحور وأصابع مقطوعة وعلاقات قرابة معقدة وزوج أم شرير وأحلام واسعة النطاق وحب يذوب عنه الجليد وقاتل متسلسل وسرقة للمقابر. وتضيف: إن شو أتقنت  ترتيب هذه المحاور وما تفرع عنها من حكايات جانبية يخيم عليها ظل من التشاؤم والسحر والخرافات. وكانت تدور في الخلفية  مناقشة بطيئة لكن غنية بالمعلومات عن الدين  (كونفوشيوس)،  وعن رغبة الإنسان بإشباع عاطفته، مع استطرادات عن  دور ومعنى الانتماء والطاعة أو الولاء.

تجري أحداث الرواية في مالايو عام 1931  (والتي سيصبح اسمها ماليزيا)، وذلك عندما كانت جزءا من الإمبراطورية البريطانية. وتتطور لاحقا إلى صورة متكاملة عن عالم تتجول فيه الوحوش المفترسة التي تختطف ضحاياها في الليل،  حيث تلعب الميتافيزيقا والإلهيات  دورا أساسيا في صناعة القرار البشري، وحيث توجه صالات الرقص والبغاء  سلوك الرجال وتختار لهم نهاياتهم. ومثل هذه المقابلة بين الروحي والمادي، وحياة الليل ونشاط النهار، إنما يحاول دون كلل، أن يفصل الوعي عن الوعي الباطن، وأن يضعنا مباشرة أمام مشكلة الشرق، وهو في لحظة النهوض من ماضيه.

لكن أين هو المستقبل؟.

كانت مشكلة الرواية، ومشكلة العالم الذي تتكلم عنه، في البحث عن ذاكرة جديدة لتاريخ حافل بالأمجاد والإنجازات. وللأسف لا يمكن لميت تقديم خدماته لإنسان حي. ومن هنا بدأت الموازنة بين مختلف الانتماءات.  ذاكرة تحتضر وتكشف عن مباذل (ترمز لها الرواية بالنشاط الليلي) مع ذاكرة تستيقظ أو أنها تبدأ من العدم (وترمز لها الرواية بحياة عدة ساحات اجتماعية). تبدأ الحكاية مع رين، وهو صبي خدمة  يتيم، يحدد له مخدومه، الدكتور مكفارلين، مهمة، وهو على فراش الموت. وهي البحث عن أصبعه المبتورة والمفقودة. وذلك ليدفنها معه  بعد الوفاة.  وبهذه الطريقة فقط يمكن لروحه أن تستكمل وظيفتها في العالم ثم ترقد بسلام.  وللعلم بشاليء إن أساطير جنوب شرق آسيا تفترض أن الروح لا تغادر الأرض إن لم يتم دفن كامل الجسد الميت.  ولكن لدى أي إنسان مهلة تسعة وأربعين يوما ليرقد تحت التراب كله وفي حفرة واحدة. وتتخلل هذه الحبكة حكاية وليام أكتون، وهو طبيب جراح، تنتقل خدمات رين له. ثم حكاية جي لين المرأة الشابة التي تسقط ضحية ظروفها الخانقة وتتحول  لمساعدة خياطة. وتتناوب مشكلة  الأصبع المفقودة على كل هذه الشخصيات: وتظهر على سطح حياتهم المرتبكة أساسا، وتقودهم نحو مجموعة من المصادفات الغريبة إلى أن يتمكنوا في النهاية من إيداعها تحت التراب. ويصارع رين ووليام  وجي لين شياطينهم،  والتي  إن كانوا لا يرونها رؤية العين، فهم يشعرون بقوآها الخفية أو غير المفهومة.  وبالصدفة  كانت أسماء هذه الشخصيات تقابل بمعنآها فضيلة من فضائل كونفوشيوس الخمسة، وهي: الحكمة والإحسان والنظام. وكان عليهم في مرحلة لاحقة التطوع للبحث عن الفضيلتين الناقصتين، وهما: الاستقامة والحقيقة.  ويقودهم هذا البحث ،كما تقول شولثيس،  إلى فهم أفضل وأوضح لأنفسهم، ولعلاقتهم مع غيرهم. وفي النهاية لللمعنى الروحي للإيمان.

تتلخص مهارات شو في خلق عالم غير غربي وديناميكي ومسموع يمكن مقارنته بعالم الكاتبة النيجيرية الشابة شيماماندا نغوزي أديشي في روايتها  (نصف شمس صفراء). فكلا الكاتبتين تبدآن  في الحكاية من صبي خدمة لديه  مهمة بحث واستقصاء، وبعد ذلك تتطور القصة وتتراكم التفاصيل والأحداث. وكلا الروايتين أيضا تستعملان الأخين التوأم وانفصالهما بقوة القدر المشؤوم. وكلتآهما تختاران امرأة شابة وذكية لتلعب دور البطولة. والأول هو كسر دكتاتورية الرجل الأبيض في وضع أساس فني للمخيلة الواقعية. والثاني هو كشف عيوب وسقطات الواقع الذي يدبن بوجوده للمستعمر، سواء في الوسائط أو في الأمنيات والرغبات. وهو ليس أسلوب شو. فالشخصيات لديها تدخل  في دائرة حياة طبيعية دون أي فرز أو غطرسة. وتتجاور في الحبكة كل العناصر، منذ الوصف وحتى السرد، مع تقارب بين الكولونيالي والوطني.  وبهذه المساكنة تطور شخصياتها للتعبير عن مسألة الحدود السائلة بالمعنى الذي تكلم عنه زيغموند باومان. وآهم مثال على ذلك التضاد بين تفكير الدكتور مكفارلين الذي يؤمن بالأساطير المحلية، والدكتور وليام الوجودي والمادي الذي لا يفهم معنى العاطفة أو القلب.  ويبدو لي أن شو كاتبة  مستشرقة وليست  شرقية. ويمكن أن نفهم هذه الفكرة  نظرا لوجود شخصيات أنغلوساكسونية بيضاء تحتل حوالي نصف مساحة الأحداث. ونادرا ما تستعمل شو ضمير المتكلم. وفي  (نمر الليل) لا تستعمل غير جي لين صوتها الخاص لرواية الأحداث. واسمها أساسا يعني بالكونفشيوسية الحكمة. ولكن إذا كانت هذه المرأة ذكية فهي ليست حكيمة لأنها تتخبط بتصرفاتها وتضع نفسها  في مواقف خطيرة وتسيء فهم آهداف ومرامي الآخرين، وبالأخص زوج أمها. وبالتدريج تعترف  بمساهمتها في  زيادة مقدار الأخطاء في حياتها. وتضع في خاتمة المطاف مقياسا للمعرفة الذاتية.

تقول عن ذلك: “بصعوبة يمكن أن ترى في اختياراتي – العمل في صالة للرقص، والتورط بمشكلة أصبع رجل ميت، واختلاق الأكاذيب تلو الأكاذيب –   تصرفات حكيمة، على الرغم من الذكاء الذي كنت أبديه في المدرسة”.

وللأسف، هذه الرؤية تأتي بعد نهاية ثلثي الرواية حينما أصبح  قصور نظر جي لين  يشير  لحماقة متعمدة.  لكن تبدو شخصية رين أكثر مدعاة للتعاطف. جزئيا لأنه مستعد للثقة بحدسه. فحينما يموت توأمه يي يفقد “موهبته” أو “حاسته السادسة”. ولكن من خلال سلسلة من الأحلام المتتالية،  والتي  يلتقي بها مع يي، يستعيد ما يسميه “حاسة القطة”. ويبدأ باختبار العالم بوعي مستيقظ ومتأهب:

وعن ذلك تقول الرواية:  “الحلم يتراجع، مثل مياه مرتدة. والأروع استعادة حاسة الهرة، النبضة الكهربائية والخفية التي تخبره عن أحوال العالم. وها هي تهمس بهدوء في خلفية رأسه”.

وقدم إدراك الواقع النفوذ عند رين  (واستعمال شو الذكي لصيغة الحاضر البسيط)، بدوره  ديناميكية تلفت الانتباه وتحدد اتجاه الشخصيات. فرين لم يكن يعلم عما سيجري في الخطوة التالية، وكذلك القارئ. وبالعكس منه صورة جي لين. فهي تروي حكايتها بلسانها وبصيغة الماضي البسيط. ولكن لا هي ولا القارئ  يتعاطفان مع الماضي الذي نتعرف عليه عن طريق التذكر والنظر إلى الخلف. . وربما هذه هي ميزة الرواية . أنها تبدو أكثر تعاطفا مع المستقبل.

عن باتريشيا شولثيس / بتصرف.

****** 

صدرت ترجمة الرواية عن دار الرافدين (بيروت وبغداد)، بترجمة مشتركة مع رنيم العامري

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This