أفهوماتُ الفكر العربيّ الرّاهنِ أو مصطلحاتُه ومفرداتُه التّقنية (ج2)

– س –

1 – السعادة والإسعادُ قطبا الحياة العاطفية والعلائقية، الوجودية والتاريخية. هما الأنا والأنت، الانسان الفردُ والانسان غيره. هما معاً؛ في مَعِيّاوِيّة، في مَعْبَعْضية، في كما واحدية، في مشتركيةٍ أو وحدة، بنيةٍ أو نسقٍ (= نظام) أو كلّ… كلُّ انجراحٍ في إنِّيَّتي، في كينونتي، نقصٌ في إنِّيَّة وكينونة الآخرَ؛ والعكس صحيح.

2 – السعادة غايةٌ في حدّ ذاتها ما دامت تُطلب بعيداً عن أي نوعٍ من المصلحة.  إنّها لا ترتبط بالجسد فقط. فهي ليست إشباعا لِلَذة، وغير متوفّرة في عالم الحِسّ والشهادة. لا نولد سعداء، أو معدومي السعادة. فهي تكون في التفكير والفهم، والوعيِ المعرفي العميقِ للأشياء. يعني هذا أنّها ممارسةٌ للتفكير والتأمل، والاحتكام إلى المنطق، وتمييزٌ بين الصحيح والخاطئ. ” وقوة التمييز هذه مرتبطة بقوة الذهن على تحصيل الصواب الذي نأخذ به، ]و[ الباطل الذي نتجنّبه . ”

3 – السلوك السلبي كما الإيجابي مكتَسَبٌ، ونشاطٌ نتعلّمه. إنَّ السلوكانيّة تُعيِّن وتُفسِّر التّصرفات والتحرّكات اليومية المضطربة والسوية. يكون كلُّ سلوكٍ مكتسَباً نتعلّمه وفق قوانين التعلم المعروفة في علم النفس (قانون التكرار، قانون التجربة والخطأ…).

وكما أننا نستطيع أن ” نصنع ” من كلّ إنسان طبيباً أو مهندساً، قاضياً أو سياسياً أو جندياً، فكذلك نحن نستطيع تعلُّم التشاؤم أو القلق، والخوفَ أو الإكتئاب، والمرضَ والسلوكات المتنوعة إنِ المرغوبة وإنِ السقيمة الموعِّكة.

إنّ نقد السلوكانية سهل؛ وأسهل ما في ذلك قولُنا إنّ تلك المدرسة بالغت ْ حتى وقعتْ خارج العقلانية وحدودِ التجربة؛ ذاك كان حالها في ثقتها المفرطة بالإحساس والوعي، وبإمكان الإلغاء الكامل لما هو لا وعيٌ وذاتاني، وحريةٌ وإرادة مسؤولة، وسلطةٌ جبّارة للمتغيرات الخارجية والعوامل الاجتماعية الموضوعيةِ النزعةِ والرؤية أو المنهجيةِ والمعادلة.

4 – السلوكات الإيجابية:

1 – السلوكات الايجابية إبداع للذات المنتِجة والفاعلةِ والمظفَّرة

2 – ” صناعة المستقبل ” والإعداد لمقاومة المَرَضيّ والمُمرض.

3 – التشديد على تزخيم وتوكيدِ المهارات والكفاءات، أو الطاقات والإمكانات.

4 – إنجراح الصحة النفسية أو ميدان علم النفسِ المَرضي في جدلية ٍ وحوارية مع إرادة التكيفِ الإيجابي والإسهامي.

5 – التدريب على التفاؤل. تعلُّمُ التفاؤل ِ والتعويدُ على ممارسته باستمرار.

5 – السموأل  قيل أنّه نبي سامِيّ، وقيل إنّه الغوث بن مُرّ، وإنّ الغوث من بني صوفة،  وإنّ أم ّصوفة نذرتْ إنْ هي ولدت ذكَراً أنْ تتصدّق به على الكعبة عبداً لها يخدمها.

ومن المبالغات الأخرى في ” التخريف ” المبتدَع (!) أنّ ” مسرح أحداث التوراة يقع في منطقة عسير السعودية ” (محمد منصور، ص 33)، وأنّ الله جَعَل الكعبة بيت الله الحرام (م. ع، ص 190)، وأنّ سليمان دُفِن في مكة (ص 191).

قصة السموأل مع امرئ القيس لا نعرف خفاياها وجذورها. فالإسرائيليات أصلها عربي، ولن تُعرف جيّداً ما دام تاريخ المنطقة غامضاً يستدعي العقل الباحث والفضول العلمي المنقِّب.

6 – السَّيْنَوة فَلْطنةٌ ورَسْطلة. الرَّسْطَلة اللاتينية. سَيْنَوَةُ الفكرِ اللاتيني مَهمةٌ بقدر ما أنّ الفَلْطَنة والرَّسْطَلة مَهمةٌ ومُحفِّزة بل ومرقاةُ تطورٍ وانتهاضٍ واستيقاظ. إنّ ابن سينا  وابن رشد، وتماماً كما كان أفلاطون وأرسطو، طاقتان مفعمتان فجّرتا القدرات والمهارات الكامنة واللاواعية عند المفكِّر المؤرِّخ المعاصِر ثم الراهن .

– ش –

1 – شُبّه لهم أنّ الصوفي قد مات : أخفوه ظنّاً منهم أنّه سيعود للحياة. خبّأوه؛ ثم كشفوا أمره، وهربوا به.

– ص –

1 – الصوفي قد يقوم  من الموت، ولكنْ بعد أن يكون قد ظُنّ أنّه قد مات. وفي الحقيقة، إّنه يكون مؤجَّل الدفنِ، ثم ينهض من غيبوبته.

2 – الصحة النفسية الروحية كما الثقافية – الحضاريةُ للمهاجرين إلى دول أوروبية، مكتظّةِ السكّان، موضوعٌ محوره ” الهجرة والإسلام ” في بلدٍ كان مستعمِراً ظالماً وكثير الإدّعاء والتبجّج بأنّه نورٌ ومنوِّر، حضاريٌّ وراقٍ، ومرتفعُ الشأن والقيمة، والأمجادِ وما إلى ذلك ممّا قد يُنسب أيضاً إلى قيم ثورة حقوق الإنسان.

3 – صبوة المهاجِر والنظريةُ الصّراطية في محاكمة بلادٍ صناعوية مثوَّرة التكنولوجيا والإنتاج والأعمال: لا نبحث، هنا والآن، فيما يقال من تأثيرٍ للمسلمين المتفرنِسين في “الهوية ” أو على الذاتِ الفرنسية. إنّما الحديث الأهم، بالنسبة لموضوعنا الحاضر، هو الموقع والمكانة للمهاجِر أو القادمِ إلى فرنسا آتياً من بلدٍ عربي أو أفريقي، ومضطرّاً أو مرغَماً على الإقامة في ضواحي عاصمةٍ أوروبية إقامةً هي دونيةُ المرتبةِ أو المستوى الحضاري، وفاقدةُ الإحترام لذاتها، والمبخَّسة أو الممنوعة من العيش وفق حقوق الإنسان،  ومن التوق إلى الحرية واللقمة الشريفة، والعدالةِ كما المساواة. يَرفع المهاجر لواء القيم الدينية الإسلامية دفاعاً عن نفسه، واحتماءً من الفقر والجوع والظلم، وتَحصُّناً ضد العُنصرانية والعِرقانية؛ ولا سيما ضدّ المركزانية المفرِطة والمرعِبة الموصوفِ بها المستعمِرُ القديم وأحزابٌ محافِظة، وحركاتٌ يمينية تَرفض الأفكار التّحررية كما التّحريرية لأبناء الأقلية العربية، أو السمراء، المضطهَدة والمكدّسةِ في ” بيوت ” الصفيحِ أو أكواخ التّنَك. قد يهرب العقل الاستعماريُّ القديم إلى الزعم والإدّعاء بأنّ خصائص سلوكية كالعنف والتدمير، والتطرّف والمغالاة، هي خصائص كوّانةٌ للدين أو التربيةِ والسلوكِ في الإسلام. وفي الواقع، ليس علميّاً الزعمُ أنّ الإسلام، في طبيعته وصُلبه، مدمِّرُ وعنيف أي رافضٌ للآخر والديمقراطية، أو للعلمانية وشتّى القيم الإنسانية البُعدِ والمدى. لا يُفسَّر المسلم، مثَلاً، بالعامل الديني دون غيره… فالعوامل البنيوية أعجز من أن تُفسِّر الوعي أو الشخصية والعلائقية تفسيراً صائباً عامّاً، أو شمّالاً كافياً ونافياً.

4 – صفاء النفس أو استرداد الثقة بالذات مفسَّراً على ” الأَتَمّ والأكمَل أو الصراطي التفسير الصِّراطي للواقع والشخصيةِ والعلائقية، عند المهاجر أو ابن الأقلية، لا يكون أو يتكوّن إنِ اكتفى بتقديم عوامل ذاتية الاتجاهِ والنزعة والنموذج؛ فلا بُد من الأخذ بعين الإعتبار للعوامل الموضوعانية التي هي، في الحالة التي ندرسها، الواقعُ الاقتصادي، والظروفُ السياسية والاجتماعية، والمتغيّراتُ الخارجية أو الضغوط والأحوالُ للمجتمع  والحاكمية  وواقعِ المستويات المعيشية.

إنّ للتذكّر، تذكّرِ الظلم والنهب والغلوّ في التعذيب الذي مارسه المستعمِر القديم، تأثيراً على الوعي حين استعادة الذكريات الأليمة. يؤلم الإنسانَ تذكُّره للحوادث الاستعمارية الأليمة؛ فالتذكّر يُعيد إلى الوعي الألمَ القديم، الأول، المرعِبَ.

5 – صفوان. يَهمُّ المدرسة العربية في التحليل النفسي  شخصيةُ لاكان – صفوان  أكثر ممّا يهمّها فرويد ودغمائِيته المقفلة. فالأول هو عينه صفوان؛ إنّه صفوان العربي – الغَرْبي. ومع ذلك، فليست كل قسوةٍ على لاكان هي قسوة على صفوان. والعكس صدقُ وصواب. ليست المجلوباتُ أو المحمودات، المعزوّة أو المُناطةُ بأحدهما هي عينها المُناطةُ بالآخر.

المدرسة العربية في الفلسفة وفي الطبّ النفسي، وفي التحليل النفسي، أصلاً، لا تَنفي ولا تُنكِر ما هو إيجابي في مقولاتٍ أساسية شذّبتها وبلورتها الصفوانيةُ – اللاكانية، كالقول بأنّ اللاوعي بنية، أو هو بنيةٌ هي كما اللسان أو اللغة؛ وكالقول بالأهمية الكبيرة التي أُنيطت بالألسنية من أجل التفسير والفهم لِما هو تخومٌ بين ما هو عقلي وغير عقلي، واعٍ وغير واعٍ؛ وكالقول في أهمية وقيمة التمرّد والرفضِ في مجابهة القمع والكبت، والظّلم والفساد في الشخصية والمجتمع، وحِفاظاً على الصحة النفسية الفردية، وعلى الصحة الثقافية – الحضارية بوَجهٍ عام (را : الفلسفة الصراطية ).

– ط –

1 – الطبيعة البشرية تأرجحٌ بين الفكرَيْن الفلسفي والديني، والقيمَتَيْن المساواة والتفاضل (= التمرتُب أو التراتُب )، والعلائقيَّتيْن الأنا والأنت (الذات والذاتِ الأخرى اللصيقة المتآزرة، والمتذاوِتة المتبادَلة )، والرؤيَتَين النّدية والإستعلائية، والحِكمَتَيْن حُكمِ المتفرّد الواحد المستبدّ وحكْمِ الكثرةِ (الجماعة، الجمهور، الشعب، الأكثرية ). نَرى أنّه كان زهيداً  جداً القول بشَرّانية الطبيعة البشرية، في تاريخ الفكر الغربي (را : سلوكاته في الحروب، وفي استعماره للضعفاء… ).

لم تكن الأمبراطوريات الغَرْبية في تاريخ السيرة البشرية تؤمن، أو تُراعي، المحتاجَ إلى لقمة أو شعورٍ بالكرامة، والمحتاجِ إلى سلاحٍ أو قوةٍ للبقاء والاستمرار.

2 – الطفل (=الطّفلانية) يُرمزِن المرأة، والبراءة؛ وهو عواطف ومحبة؛ وهو اللطف (طَ، فَ، لَ )، والجدَّة والتجديد، الحياة والقيامة والاستمرار.  وقد يكون الطفل هو أنتَ نفسُك (في الحلم والحكاية، وما إليهما… ). أما الرغبة أو الحبّ الجنسي المرَضي للأطفال (pédophilie)فهو، في التحليل النفسي يُحال إلى علم الأمراض اللاسوية.  اشتقّت اللغةُ العربية اللّطف من كلمة طفل (را: ط – ل – ف)… من أبرز الخصائص عند الطفل هو اللّطف. واللطفانيةُ نظريةٌ رحومة في التسوية بين القضاء والقدر واللطف فيه والطّفلانية الفكرية عقدةٌ علاجها يكون عبر توجيه الدراسات العليا، والأكاديميين بعامة، نحو نقد الفكر الغربي، ونزعِ الإنبِهار أو هوسِ إتِّباعه أو التماهي فيه، أو تقليده والإتّكالية عليه.

– ظ –

1 – الظّلاميون، أعداءُ الصراطيين، هم الحَرْفانيون الذين ” ألهَنوا ” الحَرْف، أو قَدْسنوه وجَمّدوه. هم المظلِمون الظالِمون، والمتحرّكون في الدياجير… هم أهل سياسةِ الظلام، أو الفِكر المعتِم كما القاحِل والماحِل. ليسوا من ذوي الألباب. وهم لا يتفكّرون. هنا يقَع: السياسي الجبّار، المتفرّد المستبِد، الطاغية، ” الدكتاتوري “…؛ ويَقع أيضاً : البطل المشاكِس، المناهِض، الحاقد، المتعصِّب، العَنَتيّ أو المتعنِّت، العنصري النزعةِ، والعِرقاني، المتشدِّد الإنحرافي.

– ع –

1 – عاقبة الفرح والخوفُ من السعادة أو خاتمةُ الإبتهاج.  الخوف من مشاعر تلوح فيما بَعد السعادةِ حالةٌ نفسية مؤزِّمة وإنقباضية. يؤلمنا شعور بالذنْب، بالإثم وحتى بالعيب، بعد حالةِ سرورٍ أو إثر فرحٍ عامرٍأو سعادةٍ مسعِدة. هنا الخوف من العاقبة، ومن السعادة نفسِها، يفسَّر كنوعٍ من العقاب الذاتي غير الواعي أي المطمور أو المستتِر المحمول أو المتضمَّن.

2 – العالَمين. العالمينية هي فاتحةُ العقيدة  والشريعةِ في الإسلام، بحسب علمنة المدرسةِ الراهنة. مُرامها ومبتغاها هو : أ / إزالة الركام والأنقاض؛ أي موقفٌ رَفضيٌّ من الأزعومة والرذيلة، ومن النميمة والتكفير، والتعصّبِ والعنف وعبادة الأمّة أو ألْهَنتها. ب / والعالمينية، في ضلعها الإيجابي، إهتمامٌ بالبشري والجماعة، المجتمعِ والأمّة، السعادةِ الجماعية والإسعاد للكل، الإنفتاحِ على كل أمّةٍ أو طبقة أو لون، وعِرقٍ أو ثقافة أو دينٍ.

3 – المدرسة العربية في علم الإجتماع (راجع : زيعور، ” التحليل النفسي وعلوم النفس والفلسفات النفسانية… “، صص 343 – 346).

4 – علم البطولة والنرجسية والخلاص غرضُه الإنسانُ الكامل، الفيلسوف – الإمام (الفقيه، اللاهوتي )، البطل في السيرة الشعبية  (عنترة، الزّير سالم )، البطل في التأرخة، وفي الكرامة والمعجزةِ والأسطورة (را : قطاعات أو علوم اللاوعي الجماعي؛ البطل المحارب للأعداء الخارجِيّين)دراسةُ مناهج وحقولِ علم البطولة، في الفكر العربي الراهن، أسّستها المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة وعلوم النفس والإجتماع والألسنية.

5 – علم النفس الإيجابي، في وظيفته وغرضه، لا يختلف عن أي حقلٍ نفساني آخر يدرسه  الفكر الأميركي، ومن أجل خدمة المجتمع الأميركي ونظامه السياسي الإقتصادي، أو قيمِه ومبادئه التي من أشهرها عبادةُ العمل، واللحاقُ بالدولار، وألهَنةُ الآلةِ والسلعة أو الإستهلاكِ والإقتناء… وهنا ترسيخ وممارسةُ أيديولوجيا ” الأنا أمتلِك ”  وليس الأنا أكون.

يعلِّم علم النفس الإيجابي الإتكال على النفس، وحبَّ الذات واحترامها، والعناية بأمورها ونجاحها. إنّه ضد الإستسلام لِما هو حزنٌ أو ألم، خسارةٌ أو شعور بالضعف والإنجراحِ أو الدونية. يُريد من الفرد أن يكون ويبقى نشيطاً، إيجابياً، متفائلاً، ويخدم نفسَه ويمنعها من التوقّف أو التنكّر لقيم الفردانية المفرطة، ولمبادئ العيش والتعايش بل والتفكير على النمط الأميركي المتنرجِس والعدواني، والمولَه بذاته ومجتمعه، ونظامه السياسي الإقتصادي المسيطِر المهيمِن، الشاقولي وغير المهتم بما هو فاضلٌ وخُلقي، أو إنسانيُّ النزعةِ وحدثاني الصيغةِ كما النموذج بالمعنى الكينوني والروحاني.

6 – العِلم أكبر ” الأدوات ” التي طوّرت البشرية، وقادت الإنسان إلى الرقيّ والتقدّم متغلِّباً على المعيقات والعقبات، وعلى التخلّف في تفسير وتثويرِ العقل والتاريخ، الطبيعةِ والوجود، القيمِ والفنون، السعادةِ والأسرة، الأنتَ والحضارة ككلٍّ أو نسقٍ أو بنية.

طوّر العلمُ الفلسفةَ والنظرَ في الحياة، وطوّرته الفلسفة؛ وإذْ نحن لا ننسى قدرات جناحَيّ العلم، الطبيعي والإنسانيات الإجتماعيات (أي علوم العقل البشري نفسه)، فإنّه يجوز لنا ويحقّ علينا التأكيدُ أنّ العلم قد يقول للفلسفة نفسها: قومي فمكانك عائدٌ إليّ وحدي. أنتِ لا تكوني بمعزلٍ عنّي، ولا أكون إلّا منوِّراً مثوِّراً أو مغذّياً مطوِّراً إلّا لكِ.

7 – عودة الذات وعودة العقيدة الألوهية هي عودة الميتافيزيقا، والإنسان كلِّه؛  وعودةُ الوعيِ و الفلسفة، وعودة النظرِ والإهتمامِ بالأخلاق، وعودة النظرِ والإهتمام بالدين… هنا تكرار الموضوعات المعهودةِ لكنْ بتفسيراتٍ جديدة ضرامية ومنفتحة. وهنا تميُّزٌ وتحوّلٌ في تلك العوداتِ إلى الفلسفة، إلى الميتافيزيقا والحكمة العملية، أو إلى ” مضمون ” اللاوعي وعلومِ المتخيَّل، واللاعقلِ ومبحث الأنماط الأرخية.

8 – العودة المتعَبة المنهَكة إلى الإيماني – الفلسفي وإلى التفسيرِ والنظر الصوفي والروحاني. زمن العوداتِ خِصب. فالعودة الحاضرة إلى عالم ما بعدَ الطبيعة (الماورائيات، الميتافيزيقا) ظاهرةٌ غنية، ولافتةٌ ملفِتة. ذاك ما نقوله في صدد تَرجرجِ المعركة ضد الإيمان والاعتقادي، أو ضدّ اللاهوتيّ بل والفلسفةِ بخاصة. لم تَربح المعركةَ ثوراتُ الصورة والإعلام، والتِّقانة والتَّقننة، والذكاء الاصطناعي وعلوم البيولوجيا، ونظريات الفراغ أو الخواء، والصّدفةِ والتشظي… ذاك أنّ الثورات هذه لم تستطع إلغاء الفلسفة الصّراطيةِ أو الإيمانيات والحكمة كما الأخلاق؛ ولم تستطع تقديم جوابٍ عن إشكالاتٍ أو ألغازٍ في الأَيْسِيّات واللّيْسيات (= الوجوديات والعدَميات)، أو عن صلاتٍ بين المادة والوعي، المحسوسِ أو العياني والمعنوي أو الإعتباري. فكيف تُخرِج ثورات العلم والصورة والالكترونيات الميت من الحيّ والحَيَّ من الميت؟ أي ما العلاقة بين الدماغ والفكر، أو هل للمادة عقل؟ هل للخليّة فكر أو روحانية… وهل حقيقيٌّ هو أنَّ أنا كمبيوتر (= حاسوب) إذَن أنا موجود؟ وهل صحّ وصَلُح إلغاء السببية، ورفضُ المبادئ الأخلاقية  العالمية الموروثة ؟ وهل قضت تكنولوجيا الإعلام والتحوّلِ الرقمي على الفلسفة والنظرانية والإنسانويات؟

يَسهل على فلسفة الدين والتديُّنات نقدُ الفلسفاتِ البيولوجية، والعدمانية؛ فكلّها قادتْ إلى الإيمان والقولِ باللاإنسان؛ أو بالأنا الآلية الاصطناعية، أو بالحاسوب والشبكة العنكبوتية، وبالمختبرات، والآلة المفكّرة، والذكاء الإصطناعي (= الصُّنعي)، وبالأشرطةِ والشاشات والكبّاساتِ والأزرار (قا: الميميائية، الإستنساخ، صناعة الإعلام والإسعاد، مؤسسات ومنصّات المعلومات…).

يعود المقاتِل المحارب للماضي إلى احترام الماضي، وإعادة تفسيره أو فهمه. وكما جابَه الفلسفةَ الصراطيةَ محاربو الدين والشِّعر ومن ثم أعداءُ الإيمانِ والمتخيَّل، فكذلك فعلَ محاربو الماضي والتاريخي، والتراثِ كما الثقافة القديمة والمعهودات الفكرية الإنسانوية… هنا يَبرز القائلون بالحداثة الغَرْبية القتّالة، أي بقتل التاريخ، والتّنوُّر بالعقل والمعرفةِ العلمية، والإهتمامِ بالفكر الحداثيِّ النزعة، وبمعناه العَرَبي، وبالكينونيِّ والمستقبلاني…

– غ –

1 – الغَربي المولَه بالمستضعَف في السبعينيات. كنا نُبدي ونُعلِن الاحترام، لكنّ المخلوط بالحذر والريبة لِما هو، في مؤلَّف أ. كامو، كشاهد، إنسانيُّ النزعةِ والرؤية (=إنسانوي). كنّا نريد أنْ يكون ” الغريب “، الذائعُ الصيتِ المسيَّس آنذاك، كتاباً صادقاً مخلِصاً في إحقاق حقّ البشري التاريخي المستعمَر والمنغلِب، المظلومِ المقموع والمنجرحِ الجائع، الراغبِ المحتاج للحرية والعدالة، وللمساواةِ بين الأعراق أو الألوانِ أو الثقافات؛ وبين المجتمعاتِ أوالطبقات، بين المستعمَر والمستعمِر، الأبيض والأسمر…

2 – غيابُ اسمٍ للقصيدة أو الديوان  الشِّعري  يستجلب ظاهرةَ كثرةِ الكلمات الدّالّة على الحيّة أو الخمرة، وعلى الأسد كما السيف… تلك الإشكالية تَستحقّ الإهتمام والتدبّر… وربّما يكون أبو العلاء المعري أول من أعطى اسماً لعملٍ شعريّ محدّدٍ معيَّن.

هل هناك اسمٌ من الأسماء حملته القصائد المجموعة تحت عنوانٍ هو ” الحماسة “…؟ إنْ عند هذا، وإنْ عند ذاك؟ ثم لماذا لم يكن هناك عنوان أو اسم لقصائد عنترة؛ كشاهد؟

قد نعثر على الإجابة سريعاً حين التنقيب والاستكشاف في القواميس عند فقهاء اللغة (ابن منظور، الفيروز أبادي)؛ فهؤلاء يَنقلون الفكر من اللغة إلى الفلسفة. إنَّهم بالحق والحقيقة فلاسفة. هُم فلاسفة اللغة العربية. إنَّهم فلاسفة تاريخيّو الإرادة والمهارة اللغوية – الفلسفية.

3 – غِبَّ غياب التسمية للقصيدة أو الديوانِ الشِّعري. ما معنى أن يكون التنقيب، بغيةَ نزع الركامِ والأنقاضِ أو الأغبرة، تنقيباً هو في غوريات ظاهرةِ عدم تسميةِ القصيدة باسمٍ معروفٍ، مميَّزٍ أو مميِّز؟

ليست تلك الظاهرةُ بلا معنى، وبغير أهميةٍ أو قيمة! إنّ قصيدةً، أو أيّ شيء، بلا اسمٍ هي شأنٌ (شَغلة، أمر، قضية) ملتبسٌ ينتمي إلى عالم ما قبل اللغة، أي عالم ما قبل العقل أو الذكاءِ البشريِّ التاريخي… ومعنى ذلك كامنٌ مطمورٌ في قيعان الذاكرة الطِّفلية، واللاوعي، أو في دفائن تجارب السنوات الأولى من العُمر.

كشفت الأريكةُ العربية في التحليل النفسي روحاً صوفية موغِلة في جذور ومطموراتِ الظاهرة الشِّعرية. ومعنى هذه النظرة، وهي فرضية أو معرفةٌ ربّماوية، هو أنّ هذه الظاهرةَ الشعرية مرتبطةٌ بتقاليد وطقوسِ التسييب، والنذر، والتصوف،” والنبوة ” بمعناها الجاهلي أوالسّاميِّ، والأعراف أو المناسك، والسلوكات التعبّدية الخاصة بالتضحية، وبالشِّعر (را : ش – ع – ر وذاك كله  داخل التديّن المعتمَد في مكّة وعند أهل مكة والكعبةِ وتعليقِ الشِّعر المقدّس والمبارِك على جدرانها المقدَّسة الملهوَتة.

– ف –

1 – فلسفة الدين  ليست دفاعية؛ ولا هي تحصين أو تدعيم، وتعزيز أو حماية. لا تكون فلسفة الدين عبارةً عن علم الكلام بالمعنى الملطَّف المحَدثَن لذلك النشاط، وعن المناهج النقلية والموضوعات التقليدية. إنّما هي بحثٌ في المقدّس والمعتقد، والإلهياتِ أو اللاهوتيات المفلسَفة؛ وهي أيضاً تحليلٌ وتأويل للشعائر بغية حدثَنتها، وإعادةِ تقييمها أو صقلها. وهي النظر في الماهيات الدينية ومسلَّماتها اليقينية. وفلسفة الدين باتت إعادةَ نظرٍ في منطق الأديان، وطرائقها في المعرفة وإدراكِ الوجود والعقل، ولاسيما طرائق الحدسِ والمتخيَّل، والرمزي والأُخروي. وباتت أيضاً إعادةُ تفسيرِ التعصّبِ أو التدميريِّ المرتبط، في أذهاننا، بالدين والتديّن. ذاك أنّ الدين تبشيري، وغير قابلٍ أو قائلٍ بالمساواة بينه وبين غيره من أديان. وفي جميع الأحوال، ينظُر فيلسوفُ الدين في كون  الدين مولِّداً مسبِّباً للعنف وتقوقعِ أهله، أو تشرنقهم ورفضِهم لحقوقِ أناسٍ من دينهم هم بالذات (را : المذاهبية)، أو من سائر الأديان المشرِكة (الهندوسية والبوذية، كشاهد ). فلسفة المعتقَد الجديدةُ تُدعّم قيم المساواة والحرية، وتكافؤ الفرص والعدالة؛ وتعزِّز إيلاء العقل والتجربة الحسّية، والمختبريّة، مرتبةً أولى تعلو وتحكُم حتى في الفنّيات والجماليات، الحدسيات والإيمانيات (را : الصراطية في بُعدها الحِكْمويّ الرؤية ).

2 – الفلسفة الصراطية تدرِك ما في الإنسان من نقائص وأغوار، وتتدبَّر وتستوعِب ما فيه من غياهب وتلاطمات. لذا لم تُهمل هذه الفلسفةُ اعتبار الإنسان معقّداً بالغ التعقيد والتركيب. لم تُهمل العواطفي والفؤادية، أو المشاعر والرغبات في تفسير الإنسان وفهمه، وفي تأويل عالمه الداخلي وخصائصه النفسية وحياته البيولوجية. ليس الإنسان عقلاً فقط؛ فعلاوةً على ذلك، إنّه غرائز وأبعاد غورية ونشاطاتٌ جسدية، ومخاوف وإحباطات. وهو قطاعات عديدة، واسعة وعميقة، من المتخيَّل واللاوعي، ومن اللاعلمي أوغير العقل… ليس الإنسان حضوراً كاملاً. ليس هو مجرّد وعيٍ، أو إرادةٌ حرةٌ كاملة؛ وليس هو المعنى الظاهر البادي، المكشوفُ والعلني؛ ذاك أنّه، إلى جانب هذا المعروف المألوف، هناك معنى مستور ومطمور؛ وهو أيضاً قطاعات مُهمَّة مغيَّبة، وأخرى مطرودةٌ منفية ومبعَدة؛ مسحوقة ومهدورة، منجرحةٌ ومغدورة أو مقهورة ومظلومة.

3 – فلسفة العقيدة الدينية، في الفكر العربي الراهن، تتجلّى على نحوٍ مميَّزٍ عند محمد إقبال أي في ” النظرية الإقبالية ” في الدين، في الإسلام من حيث اعتباره ” بطلاً ” منقِذاً ومخلِّصاً ليس فقط لأتباعه؛ بل وللأمم المستضعَفة المستتبَعة… ثم إنّ المحوَرةَ العالمية للفكر الإسلامي، والتنظيرَ المعجَبَ جداً والإيجابي كلّه في طبيعته ومعناه أودعائمه وحقوله، غرضٌ كبير، وأكبر، عند مالك بن نبي كشاهدٍ ثان.

تشتمل فلسفة الدين والمعتقدات الإيمانية على النظر والبحث في حقولٍ مخصوصة أبرز صفاتها كونها ذات طبيعةٍ غيبية أو، بحسب معجم المصطلحات والمفاهيم اللاهوتية،  ذاتُ طبيعةٍ ودلالات أُخروية، نشورية. من موضوعات فلسفة الدين نذكر، أول ما نذكر، واجباً هو الإيمان باليوم بالله واليوم الآخرِ (را : أصول الدين ).

4 – الفلسفة العربية في القرن العشرين وما  بعد هي نأيٌ عن السير في خنادق وأدغال الفلسفة في بعض أوروبا؛ وذاك توقاً إلى (القَطْعِ – الوصل)ومن ثم إلى تشذيب وتعزيز المزيد أو الأكثر والأعمق من الإدراك والتفسير، ومن التطوير للمحليّ والواقعي، وللتاريخي والمادي أي للحقل المخصوص المحدَّد، أو للمجال النفسي الاجتماعي والصورةِ الإيجابية الإسهامية عن الذات والعلائقية، وعن الوعي والحقوقِ الفردية والجماعية، أي عن قيم الحقِّ والخير، والحكمةِ  والعدالة.

تلك هي خاصيةُ التمايز في  تقدير الذات؛ وبالتالي خاصية التميّزِ، أي الآخذةِ بالإنشقاق وأخذِ مسافةٍ وتباعدٍ بين ما هو لي وما هو خاصٌّ ببعضٍ مكتظٍّ بالسكّان داخل أوروبا. لقد صار غير دقيقٍ وغير نافعٍ لأوروبا التي استعمرَت الضعفاء  أنْ تَظهر مستعليةً مستعِزّة، متعنجِهةً و” مجلوقةً ” مدلوعة. كلّ فصلٍ هو، في الواقع وبمقتضى التفكير المنطقي، فصلٌ غير نهائي وغير قَطْعي. ذاك أنّه يكون فصلاً تَقطّعياً، وتواصلاً مستعادا، واستمراراً للطريق السائر إلى الأكمل والأقرب إلى الحقيقة (را : القَطعُوَصْلية؛ العلائقية الأفقية النّدّية بين الفلسفتَيْن العرَبية والغرْبية ).

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This