هل تستطيع أمريكا الثّورة؟

دراما الحضارة المسيحيّة

في عام 1992 حلّ البابا (يوحنّا بولس الثاني Johannes Paul II) ضيفا على جزيرة (غوري Gorée) السنغالية التي كان يُقتاد منها الزنوج إلى أمريكا، لـ “تكريم الضحايا المجهولين“. وصف البابا مآسي أولئك الضحايا بـ “دراما الحضارة التي يُسمّيها البعض مسيحية“.

في العام 2013 زار الجزيرة (باراك أوباما Barack Obama) حفيدُ أولئك الضحايا المجهولين. وقف أوباما مطلّا من بوّابة اللا عودة في النصب التذكاري (بيت العبيد)، ليُميد بنظره نحو الضفة الأخرى للأطلسي حيث تقع أمريكا التي يرأسها والتي استعبدت أجداده.

مناورة القيصر في الإصلاح وتحرير الرقّ

في العام 1856 خرجت روسيا من حربها مع العثمانيين في شبه جزيرة القرم وهي تعاني من المجاعة والفوضى، فكان على القيصر (ألكسندر الثاني) ضمان ولاء الجيش، ليلجأ لمناورة وخدعة تمثّلت في تحريم القنانة في العام 1861 وهو العام ذاته الذي بدأت فيه الحرب الأهلية الأمريكية.

لم تُغيّر خدعة القيصر من أوضاع الأقنان الروس، ولم تحرّر الحرب الأهلية الأمريكية العبيد بشكلٍ فعليّ لأنّ التحرير كان مجرّد قضيّة حزبية.

عن المقال المترجم وأهمّيته، وعن الكاتبة

سونيا مارغولينا Sonja Margolina، الكاتبة الروسية الأصل المولودة في موسكو عام 1951، تعيش في برلين منذ العام 1986 كصحفيّة مستقلّة، وتكتب باللغة الألمانية عن الشؤون الروسية. حاصلة على الدكتوراه في علم الأحياء والبيئة من الجامعات الروسية في عام 1981. حصلت في العام 1991 على جائزة الإعلام والصحافة الدولية لأفضل بحث من جامعة (كلاغنفورت Klagenfurt) النمساوية عن بحث لها عن “محاولة موسكو الانقلابية عام 1991 Moskauer Putschversuch 1991“.

لطالما أثارت كتبها الكثير من الجدالات والنقاشات وهو ما يوكّد أهمّية الموضوعات التي تناقشها. هنا تعريفٌ موجز ببعض كتبها.

كتاب “فهم روسيا Russland verstehen

صدر في العام 1991، وفيه تتساءل عمّا إذا كان العالم سيعود لرشده، لأنّ نهاية الحرب الباردة خلقت أرضية ثقة للتعاون بين وسط وشرقي أوروبا. القيم الغربية بدت وكأنّها انتصرت، فجاء الحديث عن “نهاية التاريخ” في أطروحة (فرنسيس فوكوياما Yoshihiro Francis Fukuyama) عن “نهاية التاريخ والانسان الأخير” في العام 1989.

تصيغ عبارة جميلة في الكتاب أترجمها هنا:

“أوروبا، موطن الشمولية، الدكتاتوريّات الأكثر توحّشا وماكينات الموت، بدت فجأة وكأنّها تصيغ سفينة جميلة، حيث يمكن لكلّ أحد امتلاك قُمرةٍ تخصّه، بل وحتّى الفقراء سيجدون مكانا لهم في القسم العلويّ من السفينة. ما من أحدٍ أراد أن يُصدّق أنّ هذه السفينة كانت تُدعى (تايتانيك Titanic) وأنّ المياه غمرتها ليبتلعها جبلٌ جليديٌّ مميت. الآن وبعد نصف عام ركنت السفينة في جانبٍ ما، ويسعى طاقم قيادتها بشكلٍ محموم لإعادة التوازن إليها”.

تؤكّد أنّ نهاية التاريخ لم تكن إلا استراحة بين زفيرين ومرحلة انتقالية نحو سياسةٍ كونيّة لا يمكن التنبّؤ بها، قبل أن تتساءل إن كانت روسيا تنتمي لأوروبا أم لا؟

والإجابة على هذا السؤال لم تتمّ بوضوحٍ كافٍ، بل هنالك سوء فهم عميق، خاصة مع مصطلح “أوراسيا Eurasien” الذي لطالما سمعناه من أولئك المثقّفين الروس الذين يتوجّهون بأنظارهم نحو الغرب على الدوام، ويسعون لنقل الثقافات الأجنبية إلى مجتمعاتهم المحلّية الغير مستنيرة بشكلٍ تعسّفيّ لإضفاء الشرعية على وجودهم.

تُشير لمصطلح “الولع بالسلافية Slawophile” الذي صاغه مفكّران ألمانيّان كانا متحمّسين للمثالية السلافية البطولية وهما: (يوهان جوتفريد هردر Johann Gottfried Herder) و(فريدريش فيلهيلم يوزف شيلنج Friedrich Wilhelm Joseph Schelling) في القرن التاسع عشر، بينما استخدمه أحد المثقّفين الروس وهو (پيوتر تشادايڤ Pjotr Jakowlewitsch Tschaadajew) بمعنى سلبي يُشير لروسيا كدولة رجعية.

هي لا تشير لأيّ من هؤلاء المفكّرين لكنّها توضّح أنّ روسيا وشعبها تمّ تقديسهما لدى المولعين بالسلافية، لتخلص إلى أن هذه الأيديولوجيّاتٍ خلقت حقيقةٍ مشوّهة تدّعي أن الإمبراطورية الروسية كانت بلدا متطوّرا حضاريا ولكنّها لم تمتلك ميكانيزما خاصّة بها نحو التحديث والحداثة.

ويبدو أنّها ترى أن تحديث روسيا قد وصل لطريقٍ مسدود، فـ (إصلاحات بطرس الأول petrinische Reformen) السياسية والإدارية قبل حوالي 300 عام، ونشاطات الامبراطورة (كاترين الثانية)، وانتفاضات الضبّاط الديسمبريين في العهد القيصري، وإصلاحات ألكسندر الثاني، وثورة عام 1905 وثورة أكتوبر 1917، وأخيرا البيريسترويكا، كلّها فشلت.

مازالت مارغولينا مشغولة بتفسير هذا الفشل والاستدلال على أسبابه، وهذا المقال نفسه جزءٌ من سعيها للعثور على إجابات شافية.

كتاب “نهاية الأكاذيب. روسيا واليهود في القرن العشرين”

وكان أوّل كتاب تكتبه باللغة الألمانية، والعنوان بالألمانية “Das Ende der Lügen. Russland und die Juden im 20. Jahrhundert“.

صدر في العام 1992، ويبحث في دور اليهود في ثورة أكتوبر عام 1917، فتنطلق من ملاحظة مهمّة أقرب لسفر خروج آخر لليهود الشرقيين من الاتّحاد السوفياتي، لتؤكّد على أنّ هنالك ما لا يقلّ عن 400 ألف يهوديّ غادروا الاتّحاد السوفياتي قبل انهياره بعامين.

تقول في كتابها عن اليهود (وهي منهم على كلّ حال):

كان اليهود توابل حساء الثقافة الأوروبية. في روسيا قاموا بتمليح هذا الحساء حتى غدا غير مُستساغ“.

وهو في ألمانيا، كما في كلّ أوروبا، كتابٌ يُعدّ معاديا للسامية، ولذلك يستصعب الألمان أنفسهم أن يكتبوا عن كتابٍ بهذه الصفة، لكن ما هو مؤكّد أنّ الكتابة عنه ليست جرما خاصة وأنه طُبع في العاصمة الألمانية برلين. والمؤرّخة الألمانية في مركز برلين لأبحاث معاداة السامية (جوليانا فيتزل Juliane Wetzel) انتقدت الكتاب بشدّة باعتباره يُسيء لليهود ويظهرهم جناة ومعادين للسامية حتى.

يُظهر الكتاب اليهود في الثورة الروسية جناة وضحايا في الوقت عينه، وأنّ الشمولية كانت مشروعا يهوديّا، وسقوط النظام الشيوعي فرصة للكتابة عن اليهودية في القرن العشرين برؤية جديدة.

الرأسمالية والليبرالية أودتا باليهود إلى العيش في غيتوات معزولة، مع أنّهم كانوا ركيزة ثقافية واقتصادية لمجتمعاتهم المحلّية في الدول القومية الحديثة. فاليهود لعبوا دورا في تطوير المجتمع البرجوازي بروسيا، وما أعاق ذلك كانت ثورة لينين، فتشير لدور تروتسكي وسلوكياته في معاداة الفلّاحين الروس، لكنّه لم يكن استثناء في ذلك.

تكشف مارغولينا أنّ اليهود المتعلّمين ارتقوا أثناء الثورة البلشفية حتى شكّلوا طبقة برجوازية معادية لليهودية كدين ولليهود من الطبقات الضعيفة، لكنّها تؤكّد أنّ حملات عديدة معادية للسامية نفّذها السوفييت لترسيخ حكمهم، بعدما قرّر ستالين تصفية النخبة اليهودية التي ساهمت في الثورة.

كان الخوف من اليهود ينال من البلاشفة مأخذا، فكان هنالك دوما تخوّفٌ من حمّام دم ومذابح قد تُقترفُ بحق اليهود الروس أثناء الحرب الأهلية، خاصة وأنّ اليهود لم تكن لهم خياراتٌ سياسية للانتقام من الظلم التاريخي الذي لحق بهم، سوى المساهمة في الثورة الشيوعية التي حفظتهم إلى حينٍ فقط، وهم وإن كانوا ضحيّة إبادة جماعية إلا إنهم كانوا جزءا من النظام القاتل لدى النازيين.

تحثُّ اليهود لكسر المرآة لأجل المستقبل، فالدفاع عن الشعوب الأخرى لا يقلّ سموّا وأخلاقا عمّا هو عليه الدفاع عن المصالح اليهودية، وحجّة (الهولوكوست) ستكون غير مقنعة حين تُستخدمُ في النزاعات السياسية لتنفيذ بعض المصالح التي تمتاز بقصر نظر.

تدعو اليهود إلى احترام ما قاله الفرنسي (مانس سبيربر Manès Sperber):

إنّكم تبالغون في تقديرنا نحن اليهود بهذه الطريقة الخطيرة التي تدفعكم لحبّ شعبنا كلّه. لا أُريد أن يحبّنا أحد أو يحبّ أي شعبٍ آخر بهذه الطريقة“.

كتاب “روسيا: المجتمع اللا مدني Russland: Die nichtzivile Gesellschaft

صدر عام 1994، وتنطلق فيه من الفوضى التي عاشتها روسيا منذ تسعينيّات القرن العشرين، لتبحث عن ذلك الخيط الذي يربط بين ماضيها وحاضرها، فتصل إلى أنّ عملية إرساء الحضارة في المجتمع الروسي سواء في العهد القيصري أو السوفياتي حالت دونها على الدوام سلطة الدولة التي لم تتسامح مع أي مصدر آخر لهويّة هذه الدولة سوى مع ذاتها السلطوية كمصدر وحيدٍ مطلق، لتتساءل إن كان بإمكان مجتمعٍ بهذا القدر من الضعف والهشاشة أن يشقّ بمفرده طريقه إلى الديمقراطية والرقيّ الحضاري.

– كتاب “النهاية الهادئة للعالم. الخروج عن هستيريا المناخ ونقاش حول الهجرة في ألمانيا Die gemütliche Apokalypse: Unbotmäßiges zu Klimahysterie und Einwanderungsdebatte in Deutschland

صدر في العام 1995، وتبدو فيه وكأنّها تشكّك بقدرة أوروبا على مواجهة التطوّرات السياسية والاقتصادية والبيئيّة، لتصفها بقولها “أوروبا غدت عجوزا متعبة“.

وتنتقد قوانين الهجرة في ألمانيا ولا سيما “مبدأ حقّ الدم Prinzip des ius sanguinis” المتعلّق بمنح الجنسية الألمانية، فتدعو أوربا لتتخلّص من تفكيرها الأحادي البعد.

– كتاب “الفودكا: الشُرب والسلطة في روسيا Wodka: Trinken und Macht in Russland

صدر في العام 2004، وهو عن العلاقة السرمدية بين الفودكا والسلطة في روسيا من بطرس الأكبر إلى غورباتشوف ثم بوتين، وفيه وجدت دورا كارثيّا للفودكا على مصير روسيا والسلطة فيها.

مارغولينا والرواية

أصدرت في العام 2011 رواية “رائحة الحريق Brandgeruch ” التي تنطلق من انهيار الاتحاد السوفياتي بعد “البيريسترويكا Die Perestroika” لتستكشف الصلات الوثيقة بين الكنيسة والنظام في روسيا والمخابرات السرّية، فتدور معظم أحداثها في دير أرثوذكسي.

وفي العام 2013 أصدرت رواية “العصر الجليدي Kaltzeit“، وتعالج فيه العلاقة بين المناخ والحب والجريمة، عبر التعمّق في انعكاسات المناخ على البشر، معتبرة أنّ التغيّر المناخي إنّما يحدث أوّلا في عقول البشر ووسائل الإعلام، وهذا يتسبّبُ في خلق أوهامٍ تنهار أمام الواقع الحقيقي، ويُعبّر عن مخاوف الناس من الهلاك وعن تفاهات البعض ممّن يبحثون عن مصالحهم الذاتية ويعشقون الغطرسة. تدور أحداثها في مناطق عديدة كالقوقاز والقطب الجنوبي وبرلين وغيرها.

هذا المقال أقرب لبانوراما عن روسيا بتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والأدبي قبل أن يصل للسؤال عن مستقبل أمريكا وعمّا إذا كان من الممكن أن تشهد ثورة كثورة البلاشفة في روسيا عام 1917، ولذلك حرصتُ على استكماله بهوامش وبهذه البيبلوغرافيا عن صاحبته وهو ما استلزم بحثا وحتى ترجمات أخرى متفرّقة، لتكتمل الصورة لدى القرّاء.

والمقال يُثير الكثير من التخوّفاتٍ والاحتمالات والتساؤلات، لكنّه يكشف كذلك الكثير من الخفايا والأسرار عن كتّاب وأدباء ومفكّرين روس قرأناهم ونظرنا لهم بعينٍ مغايرة عمّا يبدون عليه في هذا المقال، كبوشكين وتولستوي على وجه الخصوص.

الترجمة الكاملة للمقال

هل تستطيع أمريكا الثورة؟ كان في أمريكا العبيد السود، بينما في روسيا كان الأقنان. مقارنة تاريخية مع إطلالة على الحاضر.

ليس هنالك الكثير من التقاطعات التاريخيّة بين أمريكا وروسيا. واحدة من تلك التقاطعات تُعدّ الأقلّ حظوة بالاهتمام، وهي مشكلة القنانة والعبوديّة. هنا وهناك تم التغلّب على سوء الحال، لكن مع ذلك فقد ترك الأمر آثارا دائمة.

كان الشاعر القومي الروسي ألكسندر بوشكين Alexander Puschkin “رجلا ملوّنا”: بشرة داكنة، مع شعرٍ أسود أشعث مجعّد وشفاهٍ شهوانيّة ممتلئة بالكامل. “زنجي بطرس الأكبر([1]) إبراهام بتروفيتش هانيبال يُفترضُ أنّه وُلد كابن لأمير أفريقيّ محلّي إما في لوغون شيفان Logon بأريتيريا أو في لوغونه_ بريني Logone-Birni بالكاميرون، كان المبعوث الروسي الكونت تولستوي Tolstoi ([2]) قد اشتراه من تاجر رقيق عثماني، ليُقدّمه إلى بطرس الأكبر كهديّة. الأصل الغريب لم يمنع ذلك الأسود والابن الروحي لبطرس الأكبر من العمل في مهنةٍ رائعة كحاكم لمنطقة ريفال Reval (Tallinn) وقائد عام للحصن البحري لإنجاز بناء القناة.

الشاعر نفسه كان فخورا بنسبه في وقتٍ لم يفوّت فرصة إلا ومارس فيها التهكّم على ذاته ” وأنا الصفيق الأبديّ، حفيدٌ وقحٌ لزنجي، أحظى بالإعجاب لدى الفتيات اليافعات الجميلات بفضل الوقاحة في شهواتي الرائعة“. لكن في عام 1820 هاله كثيرا حال العبيد السود، حتى قارن حالهم تلك مع حال اليونانيين الذين كافحوا ضدّ الأتراك لنيل استقلالهم بدءا من عام 1821: “يُمكن الإمعان في تأمّل مصير اليونانيين كما في مصير أخوتي الزنوج“.

تقليد وحشي

لم تمتلك روسيا مستعمراتٍ فيما وراء البحار_ بينما بقيت ألاسكا استثناء من ذلك ([3])_ ولم تساهم في تجارة الرقيق التي تورّطت فيها القوى الأوروبية. مع ذلك فقد ساوى المعاصرون بين القنانة حيثُ كان المزارعون يُعتبرون قانونيا مِلكا شخصيّا لملّاكي الأراضي، وبين حالة الزنوج السود في مجتمعات العبيد والرقيق. وبناء على ذلك أصبحت العبودية الأمريكية نقطة مرجعيّة في نقد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في الإمبراطورية الروسيّة في نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.

ما يؤكّد هذا هو أنّ الأقنان لم يكونوا أقلّ عبودية من أخوة بوشكين، وهو ما سبق وأكّدته رواية “رحلة من سانت بطرسبورغ إلى موسكو” عام 1790 لـ “ألكسندر راديشيف Alexander Radischtschew” أحد أوائل الدّاعين إلى التحرّر من الرقّ والعبودية، فشجب وندّد فيها بفساد ووحشية وهمجية الطبقات المسيطرة ضدّ الأقنان. لقد أظهر استعباد واسترقاق إنسانٍ من آخر كـ “تقليدٍ وحشي eine bestialische Tradition“. بعد أن قرأت كاترين الثانية Katharina II كتاب راديشيف والقلم بيديها، علّقت أيضا على المشاهد المأساوية من المزاد العلني لعائلة فلّاحية، وقتل أحد ملّاكي الأراضي، ممن زُعم أنه قد قام باغتصاب ستين فتاة خلال انتفاضة الفلّاحين، فحُكم على راديشيف بالموت قبل أن يُعفى عنه أخيرا من قبل الامبراطورة المستنيرة، ليُنفى ويُبعد إلى سيبيريا لمدّة عشر سنوات.

في عام 1807 نُشرت مجموعة نصوص أدبية مختارة، وفيها مقال “تاليا Thalia” لـ ” فاسيلي بوبوغاييف Wassili Popugajew”، وكان قد كُتب فيه بالأسود على الأبيض: “لا يوجد أيّ قانون يُسمح فيه بأن يكون زنجيّ ما ملكا لرجلٍ أبيض“، وهو ما فهمه القرّاء دونما صعوبة بأنّه تلميحٌ إلى القنانة في بلاده. “الفلّاحون مازالوا حتى يومنا هذا عبيدا تحت أمرتنا“.

القنّ أندريه لوزماتوف Andrei Lozmanow الذي كان قد فكّر بتأسيس جمعية سرّية مناهضة للقنانة Leibeigenschaft، كتب قصّة بعنوان “زنوج، أو الحرّية المستعادة” وفيها يقوم شابٌّ أسود بفضح وحشية مالكي العبيد الذين يدوسون بأقدامهم الدين والمساواة الإنسانية. اقتُيد ذلك المزارع المنتفض إلى أحد السجون من قبل القيصر نيقولا الأول.

كوخ العمّ فانيا ([4])

ولكن مع ذلك التعاطف الكبير مع الأخوة السود([5]) وأقرانهم من البيض في تلك المعاناة، يغدو من السهل إخفاء حقيقة أنّ بوشكين فضلا عن جميع الشعراء والمفكّرين الروس في العصر الذهبي للثقافة الروسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر- وينبغي هنا أيضا ذكر الفيلسوف بيتر تشاداييف Petr Tschaadajew، وشعراء كما ميخائيل ليرمنتوف Michail Lermontow  وإيفان تورغنييف Iwan Turgenjew – والكتّاب المعارضين للنظام كألكسندر هيرزن Alexander Herzen، كلّهم كانوا مالكين (مستعبدين) لأرواحٍ بشرية ولأقنان، فهم كانوا يعيشون من إيرادات ومداخيل استغلالهم لأولئك الأقنان. قبل تحرير الفلاحين عام 1861 كان يوجد في الإمبراطورية الروسية خانعون وأتباع بصفة أقنان أكثر مما وُجد من العبيد السود في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يعيش هناك قبل الحرب الأهلية أربعة ملايين فقط من السود الأمريكان، وهو ما كان يشكّل ما نسبته 12 % فقط من مجموع الشعب آنذاك وهو 34,4 مليون، في وقت كان يبلغ فيه عدد الأقنان الروس 23 مليونا أي ما نسبته 34 %، أي ثلث الشعب الروسي الذي كان تعداده الكلّي آنذاك يبلغ 67 مليونا.

إضافة لذلك، كانت نسبة الأقنان بين الإثنية الروسية بالذات أعلى بكثير مما بين بقيّة الشعوب المنضوية تحت لواء الإمبراطورية الروسية، وأعلى بحوالي الضعف مما بين الأوكرانيين. في مناطق وسط روسيا كما في مدينة تولا Tulaer ومحافظة سمولينسك Smolensk وصلت نسبة أولئك الأقنان إلى 70 %. وبمقتضى ذلك تأثّرت الإثنية الروسية لدرجة أكبر من القوميات التي استعمرتها الإمبراطورية الروسية بالعنف والتجرّد من الإنسانية في استغلال نظام القنانة.

لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أنّ الأحداث في رواية نيقولاي غوغول Nikolai Gogols الشهيرة “الأرواح الميّتة Tote Seelen” عام 1842 وفي “مذكّرات صيّاد Aufzeichnungen eines Jägers ” لإيفان تورغنييف Iwan Turgenjews (1847–1852) كانت تدور في وسط روسيا. المؤرّخ الأدبي ألكسندر سكابيتشفسكي Alexander Skabitschewski قيّم وثمّن روايات تورغنييف سواء كـ “أثر تاريخيّ قيّمٍ عن زمنه” أو أهمّيتها في بُعدها الاحتجاجي على القنانة. أما “مذكّرات صيّاد” فبدت امتدادا لـ “الأرواح الميّتة”، لتعبّرا عن الروح الانسانيّة وحبّ خالصٍ لـ ” المزارع المسحوق”. هذه الروح ذاتها طبعت أيضا الرواية الداعية للتحرّر من العبودية والتي نُشرت في الوقت ذاته تقريبا ” كوخ العمّ توم Onkel Toms Hütte” لـ “هاريت بيتشر ستو Harriet Beecher Stowe”([6]) عام 1852.

تزداد رمزية المقارنة بين الأقنان الروس والعبيد الأمريكان أكثر فأكثر، إذا أخذنا بالاعتبار أنّ الدولتين كانتا مقبلتين على تطوّرات دراماتيكية في ذات الوقت: إصلاحات التحرير للقيصر الاسكندر الثاني Alexander II، وإلغاء العبودية في الحرب الأهلية الأمريكية. بعد وقت قصير من الإرادة الملكية في تحرير الأقنان، نُشرت في سانت بطرسبورغ Sankt Petersburg ترجمة “كوخ العمّ توم”. في العام اللاحق نشر الشاعر الشعبي نيكولاي نكراسوف Nikolai Nekrassow الرواية كملحق لمجلّته “المعاصر”. كتب في رسالته إلى إيفان تورغنييف: “بالنسبة للسؤال المتعلّق بزنوجنا المحلّيين فهو يحظى لدينا بأهمّية كبيرة في الوقت الحاضر“.

وُجدت نُسخٌ لا تُعدّ ولا تُحصى من “كوخ العمّ توم”، حتّى غدت في فترة ما قبل الثورة الروسيّة على قائمة القراءة الإلزامية المطلوبة لدى الأطفال. كتب المؤرّخ الأدبي المذكور أعلاه ألكسندر سكابيتشفسكي إنّ قصص العبيد السود والأقنان المحلّيين كانت “تتشابه في كثير من مشاهدها الوحشيّة، تلك التي وُجدت في ولايات العبيد وإقطاعيّات النبلاء الروس“.

لكن أيضا فيما يتعلّق بالمفكّرين الذين حاولوا تبرير القنانة بعد انتهائها، باعتبارها ضرورة تاريخية، فعددهم لم يكن قليلا في روسيا. كان أكثرهم أصالة الفيلسوف المحافظ قسطنطين ليونتيف Konstantin Leontjew الذي حظي بحمل لقب “نيتشه الروسي“. في عمله ” الشرق، روسيا والسلافية Der Orient, Russland und das Slawentum” الصادر في الفترة (1885/1886)، برّر بأنّه كان على ملايين البشر من الروس تحمّل أعباء الاستبداد والمعاناة في ظلّ القنانة لقرون، ليُنجز بوشكين ” اونيغين Onegin”([7]) و”بوريس غودونوف Boris Godunow”([8])، ولإنشاء “الكرملين وكاتدرائيّتها” اللتين “بُنيتا ليحقّق سوفوروف Suworow ([9])وكوتوزوف Kutusow ([10]) انتصاراتهما القومية”.

هكذا، بدون القمع الوحشي للخدم والأتباع في بلدٍ رجعيّ متخلّف، ما كان بمقدور ليونتيف Leontjew ([11]) تقديم خدماته الثقافية العظيمة للإمبراطورية. ينتمي للعبودية أيضا حقّ التصرّف بالفتيات من الأقنان كما لدى بوشكين وتولستوي Tolstoi، اللذين يُعتقدُ أنّهما قد تركا المئات من الأحفاد في ممتلكاتهما، كنتيجة لما مارساه من الفجور والبغاء.

“السؤال المتعلّق بزنوجنا المحلّيين”

برهن ألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville في كتابه “حول الديمقراطية في أمريكا Über die Demokratie in Amerika” على أنّ الحرية هي القوّة الدافعة للأمريكيين، بينما تشكّل العبودية قوة دافعة للروس. بسبب هذا الرأي القاطع يبدو من العبث تماما محاولة العثور على تقاطعاتٍ مشتركة بين حضارتين مختلفتين بهذا الشكل، في وقت يُفترض أنّهما تُديران وتوجّهان ” مصير نصف الكرة الأرضية” في القرن العشرين.

مما يبعث على الدهشة أن ليس هنالك من هو أقلّ سعيا لفعل ذلك بالضبط، من فلاديمير لينين Wladimir Lenin. في عام 1913 كتب لينين كرّاسة بعنوان ” الروس والزنوج Russen und Neger” لكنّها لم تُنشر لغاية وفاته. قارن فيها لينين بين التطوّر الاجتماعي لكلّ من الروس والأمريكيين السود بعد إلغاء العبودية عبر مثال الأمّية. كانت نسبة الأمّيين بروسيا في عام 1900 تبلغ 73 % وهي نسبة كانت أقلّ مما لدى السود في أمريكا حيث بلغت نسبتهم 44,5%. ينظر لينين لذلك العدد الهائل من الأمّيين في وطنه كمضاعفاتٍ متأخرة طويلة المدى للعبودية. “اليوم، وبعد خمسين عاما، ترتسم ملامح العبوديّة على الروس أكثر مما ترتسم على الزنوج. سيكون أكثر دقّة القول بإنها ليست مجرّد آثار، بل مؤسّسات“.

التقدّم النسبي للسود يفسّر حقيقة أنّ نظام العبودية قد تمّ تدميره بشكلٍ جذري في الحرب الأهلية الدموية، في وقتٍ ساهم فيه التحرير السلمي “من الأعلى” في روسيا، وإلى حدّ كبير، في الحفاظ على المؤسّسات الإقطاعية وما يتعلّق بها. يبدو واضحا أنّ لينين لا يتحدّث عن حقيقة دقيقة ويناور لاستكمال خطّه الأيديولوجي. ذلك أنه وبعد الحرب الأهلية الأمريكية لم يكن ممكنا الحديث عن مسألة المساواة في الحقوق المدنية. وسواء تعلّق الأمر بالسود أو الأقنان الروس، فقد تم تحريرهم وهم ” بلا أرض”، ليضطّروا بحكم الحاجة والعوز للعمل في السخرة لسداد الديون. عبر الفصل العنصري تم الحفاظ جزئيا على هياكل السلطة والقوّة في الولايات الجنوبية.

في روسيا مُنعت المجتمعات الزراعية التي تُدارُ ذاتيّا (مجتمع القرية Obschtschina) ([12])، والتي نظر إليها الثوريون القوميّون كنموذجٍ أولي مبدئيّ للمجتمع الاشتراكي، ناتج عن تطوّر العلاقات الرأسمالية في الريف.  في عُرف لينين شكّلت الحرب الأهلية الطريقة والإمكانية الوحيدة لتدمير ونسف البنية الطبقية في هرمية المجتمع الاقطاعي، لتعبيد الطريق لأحفاد الأقنان للانتقال من الإقطاعية إلى الاشتراكية “لتجاوز وتخطّي المرحلة الرأسمالية”.

كما هو معروف، فإن دكتاتورية البلاشفة لم تقتصر فقط على حلّ جميع الطبقات المالكة القديمة وتجريدها من كلّ ممتلكاتها واختصارها في طبقة “عظيمة”، بل إنّ كثيرين تمّت تصفية ذويهم وأقاربهم جسديا. وبشكل خاص فإن الزراعة الجماعية المشتركة في نهاية عشرينيات القرن العشرين وبداية الثلاثينيّات سارت جنبا إلى جنب مع إبادة جماعية وتدميرٍ لممتلكات الفلّاحين مع ترسيخ سلطة واستعباد الدولة. لقد تم تقييد الحقوق المدنية وحصرها لمزارعي المزارع الجماعية (مزارع الكولخوز Kolchosbauern)([13]) لغاية عام 1974. لم يمتلكوا بطاقة الهويّة الشخصية، وكانوا كأنما هم مقيّدون بالأرض لا يحقّ لهم مبارحتها.

للوصول إلى المساواة الكاملة بين السود والبيض في الولايات المتحدة الأمريكية كان يجب الانتظار لغاية ستّينيات القرن العشرين.

لينكولن13(lincolns 13) ([14])، تعديلٌ إضافي في عام 1865 ألغى العبودية على الورق، وصودق عليه في ولاية ميسيسيبي Mississippi في أوائل عام 1995. من جانب آخر فإن حركة الحقوق المدنية والإلغاء القانوني للفصل العنصري مثلها مثل إجراءات ” التمييز الإيجابي affirmative Action”([15]) التي يُفترضُ أنها ستعوّض عن أضرار ومساوئ التمييز الهيكلي ضدّ السود، لم تستطع التغلّب على إرث الفصل العنصري حتى اليوم. لقد بقيت آثار العبودية لدى الروس كما لدى السود الأمريكيين حتى ما بعد مائة عامٍ من التحرّر.

هل يعني هذا، حسبما تساءل المؤرّخ الثقافي الروسي- الأمريكي ألكساندر إتكيند Alexander Etkind ([16])، أن الحرب الأهلية الأمريكية يمكن خوضها الآن فقط بقوة أكثر لإيصالها لخواتيمها، ليتمّ حل المشاكل العالقة منذ أكثر من مائة وخمسين عاما؟

سُلالة عرقية بدلا عن طبقة

بالنسبة للمهاجرين الروس، كما لأولئك المثقّفين ذات التوجّه الغربي في روسيا بالذات، ولا سيما ممّن انخرطوا في النظام الشيوعي، فهذا عرضٌ يُثير القلق والجزع. أعمال الشغب العنيفة، ومطالب اليسار الراديكالي لحركة “حياة السود مهمّة Black Lives Matter“، و”الثورة الثقافية Kulturrevolution” في الجامعات ووسائل الإعلام المتصاعد دورها، يشعر معها كثيرون كما لو أنّها “وهم سبق الرؤية Déjà-vu” ([17]) بحيث تذكّرنا الأحداث الجارية حاليا في الولايات المتّحدة الأمريكية بالكثير من تلك الأجواء التي سبقت ورافقت ثورة أكتوبر.

الصحفي ميخائيل أناتوليفيتش تاراتوتا Michail Taratuta الذي كان مراسلا صحفيا بأمريكا في تسعينيّات القرن العشرين ([18])، حاول في مدوّنته لدى الإذاعة المستقلّة “صدى موسكو Echo Moskwy” التناغم والانسجام مع التحفّظات الروسيّة، ليكتب أنّ الجمهور الليبرالي في الولايات المتّحدة الأمريكية توّاقٌ متعطّش للتغيير والعدالة الاجتماعية والحدّ من وحشية الشرطة ومكافحة العنصرية بلا هوادة. هكذا بالضبط كان المثقّفون الروس (الأنتليجنسيا Intelligenzia)، قبل أكثر من مائة عام، متحمّسين للتغيير والمساواة والإخاء، ليساعدوا بذلك البلاشفة في الاستيلاء على السلطة.

وعلى غرار ما كان عليه الليبراليون الأمريكان فيما يتعلّق بالسود، كان المثقّفون الروس، آنذاك، ملؤهم الشعور بالذنب نحو البروليتاريا Proletariat و”الناس البسطاءeinfachen Menschen”. بعد الاستيلاء على السلطة سيدمّر البلاشفة المؤسّسات القديمة، لتنقلب موازين القوى رأسا على عقب. كلّ أولئك البشر ممن هم من أصولٍ غير بروليتارية، وكذلك المثقّفون، تم الحجر على حقوقهم المدنية. وعبر ما سُمّي بـ “التعيين والإخلاء الإلزامي القسري Zwangszuweisung ” تمّ تحويل بيوتهم إلى دُورٍ جماعية مشتركة لـيقطنها “المضطّهدون”، ولا سيما تلك الشقق الجماعية المشتركة ” Kommunalkas”([19]) سيّئة الصيت والسمعة، بعد تحويرها. كان ينبغي مؤازرة البروليتاريا عبر “التمييز الإيجابي positive Diskriminierung ” لتكون قادرة على النهوض بجهاز الدولة السوفياتية، وفقا لما جاء في سطور “نشيد الأممية”:

كونوا أنتم الوجود، بجموعٍ قويّة، هبّوا لاح الظفر([20])

في الولايات المتّحدة الأمريكية، وفقا لتاراتوتا، سيعثر “التقدّميون Progressisten”([21]) على جنودهم “جنود الثورة” في حركة “حياة السود مهمّة Black Lives Matter ” التي سعت تحت شعار “من أجل العدالة العرقية Für Rassengerechtigkeit” لهدف جليّ يتمثّل في القضاء على الرأسمالية – باللجوء لنزع الملكيّة وإعادة توزيعها. للأفكار اليسارية جذورٌ عميقة في أوساط السود كبيئة اجتماعية حاضنة، ما خلق خليطا متفجّرا من اشتراكية عرقية Rassensozialismus. “ينظر الروس برعب إلى فقاعة وحدة التفكير[22]. عار العنصريين يُذكّر بعار أعداء الشعب. والتنديد والشجب بات رائجا[23]“.

ردّ فعلٍ مبالغٍ فيه كهذا يبدو غير واقعيّ في الغرب، ويعطي انطباعا بأنّه نهجٌ يميني، لأنّ روسيا لا تصلح لتكون نموذجا للديمقراطية وحقوق الإنسان، بل إنّها على النقيض من ذلك. ولكن هذا هو بالضبط ما يهمّ أولئك الذين يئسوا من “الثورة الثقافية Kulturrevolution” في الولايات المتّحدة الأمريكية: ببساطة هو الخوف من “1917” أمريكية.

كانت ضريبة الدم كبيرة في الاشتراكية، وكانت هالة أمريكا وقدسيّتها جذّابة، تُضيء من خلف الستار الحديدي، كأرضٌ للشوق، صعبةُ المنال لا تُطال.

******

الهوامش

([1]). زنجي بطرس الأكبر هو عمل روائي للشاعر الروسي بوشكين، ويُوصف في الرواية بالحبشي.

([2]). أحد أشهر العسكريين الروس، لُقب بـ “الأمريكي” وسيء السمعة، عُد نموذجا للشخصيات الأدبية لدى الكتاب الروس.

([3]). استعمار روسيا لألاسكا بدأه “ألكسندر أندريفيتش بارانوف Alexander Andrejewitsch Baranow “.

([4]). لأنطون تشيخوف مسرحية بهذا العنوان.

([5]) . الأخوة السود رواية أطفال عالمية للكاتبة الألمانية ليزا تيتزنر Lisa Tetzner.

([6]). هاريت بيتشر ستو ناشطة أمريكية مناهضة للعبودية. كانت ملهمة حتى للرئيس الأمريكي (إبراهام لنكولن) نفسه.

([7]). Eugene Onegin رواية شعرية لبوشكين وحوّلها تشايكوفسكي Tschaikowski إلى أوبرا.

([8]). Boris Godunow أيضا مسرحية لبوشكين، تشير للقيصر الروسي (بوريس غودونوف) ذو الأصول التتارية الذي أصبح إمبراطورا بين العامين 1598 و1605. ارتبطت نشأة نظام القنانة باسمه. تمّ عرضها في موسكو في العام 2015 وكان من أهمّ إسقاطاتها أنّها أشارت لـ (فلاديمير بوتين) كمغتصبٍ للحكم.

([9]) . (ألكسندر سوفوروف Alexander Wassiljewitsch Suworow) أحد أشهر القادة العسكريين الروس..

([10]). (ميخائيل كوتوزوف Michail Illarionowitsch Kutusow) وهو أيضا من أهم القادة العسكريين الروس وأهمّ ما قام به هو انتصاره على نابليون بونابرت في عام 1812. يرد ذكره في رواية تولستوي الشهيرة (الحرب والسلام).

([11]) قسطنطين نيكولاييفيتش ليونتيف Konstantin Nikolajewitsch Leontjew مفكّر روسي قال بالتفرّد الثقافي الروسي المتوافق جماليا مع متطلّبات التنوّع. أوجد مصطلح “جماليات الإذعان Ästhetik der Unterwerfung”. اعتبر الإخلاص للعقيدة المسيحية ظاهرة جمالية تتعالى على الحياة اليومية، وأن الجماليات أفضل مقياس للحياة والتاريخ. عدّ ما كان يقوم به ديستوفسكي من خلط بين الفكر المسيحي والفكر الليبرالي خطرا على الشعب الروسي. طالب بردّ روسي على التنوير الأوربي.

([12]). كانت القرية مسؤولة بشكل جماعي أمام الإقطاعي في تحصيل الضرائب، وهي مستوطنة من منزل واحد وتُسمّى “خوتور”. ماركس مدح نظام توزيع الأراضي المعروف بـ ” Obschtschina”، أما “الكولخوز” السوفياتي فكان ذات التزام ضريبي مشترك.

([13]). الكولخوزات كانت ذات ملكية جماعية، والسوفخوز ملكية الدولة. كلا الشكلين ظهرا بالوجود بعملية تأميم قسري لممتلكات المواطنين الروس بدءا من عام 1928.

([14]). تُشير الكاتبة إلى التعديل الثالث عشر لإعلان الرئيس الأمريكي (أبراهام لينكون Abraham Lincoln) حول التحرّر من العبودية. سمح هذا التعديل بفرض التحرّر بالقوّة على الولايات.

([15]). مصطلح التمييز الإيجابي يُشير إلى آلية إنعاش تعتمدها الدولة لتشجيع الأقليّات التي تعرّضت للتمييز العرقي أو الجنسي، وإصلاح التمييز السابق عبر تقديم تسهيلات في التوظيف والتعليم والاقتصاد والأعمال.

([16]). ألكساندر إتكيند Alexander Markowitsch Etkind ومؤرّخ روسي معروف مختصّ بالتاريخ الثقافي للحضارات وبالتاريخ الاستعماري. حسب إتكيند فالأيديولوجيا السوفياتية كانت تتوجّه نحو المستقبل أما الأيديولوجيا الروسية اليوم فتتوجّه نحو الماضي بشكل مهووس وهستيري ومن يمثّل هذه الأيديولوجيا اليوم هو بوتين.

([17]). Déjà-vu هي كلمة فرنسية الأصل وتعني “شُوهد من قبل”، وأطلق عليها (فرويد) صفة “الظواهر الخارقة للطبيعة”.

([18]). ميخائيل أناتولوفيتش تاراتوتا Mikhail Anatolyevich Taratuta صحفي روسي ومحلّل ومؤرّخ للحياة الأمريكية. كان أول مراسل سوفييتي في أمريكا. يحمل الجنسية الأمريكية لكنه يُعرّف نفسه بأنّه روسي. في عام 2017 قال تاراتوتا: “إذا فاز ترامب، فكلّ شيء سيبدأ من الصفر”. وكان يعبّر عن رغبة في وصوله للحكم بدلا عن (هيلاري كلينتون) التي كانت تعتبر روسيا عدوّا خطيرا، أما ترامب فوصوله لحكم أمريكا فرصة لتحسين العلاقات الروسية الأمريكية. يرى أن شخصية ترامب ومؤهّلاته لا تناسب دور الرئيس ويمكن أن تودي بأمريكا إلى كارثة عظيمة لأنّه يفتقد للكفاءة.

([19]). هذا النمط المسمّى (Kommunalkas كومونالكاس) انتشر في الاتحاد السوفياتي مع العام 1917 ووصول البلاشفة للحكم، حيث زُجّ بأصحاب هذه الأبنية الأصليين في غرفة واحدة منها لإسكان العمّال والفلاحين فيها. اعتبرت الأيديولوجيا السوفياتية أن الشقّة السكنية من الكماليات، وكل ملكية خاصة معيبة وتتناقض مع المبادئ الشيوعية، فكانت المساحة التي يٌسمح بها لأيّة عائلة لا تتجاوز تسعة أمتارٍ مربّعة. الزعيم السوفياتي (نيكيتا خروتشوف Nikita Chruschtschow) أمر ببناء شقق جديدة معروفة باسم المساكن الخروتشوفية (خروتشيفكا). بدا خروتشوف كمن ينقلب على الإرث الستاليني محاولا ترك حيّز وهامش شخصيّ خاص للسكان ولذلك عُد سلوكه بمثابة الانقلاب وثورة برجوازية بطابع سوفياتي، ومعظم من سكن المساكن الخروتشوفية شكّلوا طبقة وسطى انبثقت منها الطبقة البرجوازية في روسيا بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي. قوانين الملكية في روسيا يشوبها الغموض حتى الآن. يمكن التعرّف على هذا النوع من الشقق عبر هذا الرابط  أو الرابط.

([20]). اعتمدتُ الترجمة العربية الدارجة ولم أحاول ترجمته من جديد. النشيد الأممي كُتبه الشاعر الفرنسي (أوجين بوتييه Eugene Pottier) في عام 1871 تخليدا لذكرى كومونة باريس. في عام 1917 اعتمده (لينين) كنشيد رسميّ للاتحاد السوفياتي. في عام 1943 لجأ ستالين لإسباغه بطابع قومي روسي، ليُصبح اسمه نشيد السوفييت. يمكن قراءة الترجمة العربية لكامل النشيد عبر هذا الرابط، أما باقي اللغات فعبر هذا الرابط.

([21]). الرئيس الأمريكي (ثيودور روزفلت Theodore Roosevelt) اعتُبر رمزا للحركة التقدمية بأمريكا مع أنّه كان مؤمنا بتفوّق العرق الأنجلوساكسوني الأبيض. متحف نيويورك قرّر إزالة تمثال روزفلت مع بدء الحراك المناهض للعنصرية بعد مقتل الأمريكي (جورج فلويد George Floyd) على يد الشرطة في 25 أيار 2020. دونالد ترامب رأى في إزالة تمثال روزفلت خطوة سخيفة. قُيل عن روزفلت إنّ توجّهاته كانت أكثر ميلا نحو اليسار. كثيرا ما يتم الربط بين التقدميّين والدولة العميقة في أمريكا. صدر في عام 1916 كتاب “الدولة العميقة The Deep State” للجمهوري (مايك وفغرين Mike Lofgren) وفيه ذهب إلى أن هنالك تكتّلا سياسيا بين اليساريين وأنصار العولمة والسياسيين لتشكيل حكومة ظل والاستيلاء على مراكز السلطة بأمريكا.

([22]) . يُقصد بوحدة التفكير هنا الليبرالية الجديدة التي تتحدث عن العدالة في أوروبا.

([23]). مصطلح Denunziation يُشير عادة إلى أن هنالك اتّهاما بوجود خطأ ما. وهو يُربط غالبا بالاتفاقيات وأسباب إلغائها أو تعديلها.

******

مصدر المقال الأصلي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This