مقاومة الإرهاب تبدأ بمقاومة الجهل المقدّس

قراءة في كتاب: السلفيّة التكفيريّة العنيفة في تونس من شبكات الدّعوة إلى تفجير العقول

“السلفيّة التكفيريّة العنيفة في تونس من شبكات الدّعوة إلى تفجير العقول”، كتاب جديد صادر ضمن سلسلة وقائع الأيّام عن الدار التونسيّة للكتاب للأستاذ د.عبد اللّطيف الحنّاشي المؤرّخ التونسي المهتمّ بكتابات الرّاهن وتفسير الأحداث المعيشة ومتابعتها بعين المحلّل والمؤرّخ والمفسرّ. وقد ذكر المؤلّف بعض الكتابات التونسيّة السّابقة التي استفاد منها في مستهلّ عمله على موضوع السلفيّة والتّكفير والتنظيمات الإرهابية ولعلّ الإضافة الأهمّ في رأينا تتمثّل في الطّابع التوثيقي الجامع والذي جعل هذه الوثيقة توفّر على القرّاء مجهود البحث في الجرائد اليوميّة والأسبوعيّة والدوريّات والتقارير ومحاضر القضاء والأمن والمقالات الصحفيّة والكتب والموسوعات وغير ذلك ممّا كان مصدرا للمعلومات التي جمعها الأستاذ الحنّاشي في كتابه الجديد ونسج بينها في سرديّة تأريخيّة تبرز أكبر ما تبرز العلاقة الواضحة بين شبكات الدّعاة والإرهابيين وتنظِم الخيط الضّائع بين الكتائب والتنظيمات والأحزاب وتبرز للعيان كيف تنتظم العمليّات الإرهابيّة بدء بثقافة العنف في المساجد والخيم الدعويّة وصولا إلى تفجير النفس في عمليات انتحاريّة أو زرع لغم أو تفجير محلّ أو الهجوم على أمني بالسلاح الأبيض أو بوسائل أكثر تطوّرا.

ولقد أتى الكتاب في فصول ثلاثة عشر ومقدّمة نظريّة وخاتمة وصدّره تقديم للعميد المختار بن نصر ولحقته ملاحق وفهارس تخصّ بعض الوثائق المركزية لبعض التنظيمات السلفية التكفيرية وبعض الجداول المبيّنة للعمليّات الإرهابيّة وللضحايا وأعدادهم وتطوّر الظاهرة الإرهابيّة منذ الثّورة إلى حدّ صدور الكتاب سنة 2020.

لقد جمع هذا الكتاب بين المراحل التاريخيّة والجغرافيّة فقدّم لوحة متكاملة للنّاظر الذي يريد فهم ظاهرة الإرهاب في تونس وتاريخها وتجليّاتها ونوعيّة الحلول المناسبة لتقليل خطرها. فاستهلّ التّأريخ للظاهرة السلفيّة ببداية الدعوة السلفيّة في الدّاخل التونسي قبل الثّورة والإشارة إلى التيّار قبل تأسيسه منذ تأثر الحجاج التونسيين بالدعوة الوهابيّة في الحجاز ونقلها إلى بلادهم أواخر القرن الثّامن عشر ثم تكوّنهم في بداية السبعينات كجماعة إسلاميّة وانفصالهم عن الاتّجاه الإسلامي وبحثهم عن التغلغل في المجتمع عبر التربية ونشر الدعوة فتطرق إلى أنشطته وأشكال تنظّمه وارتباطه بسياق الألفيّة الجديدة وبأحداث الحرب على أفغانستان والممارسات العنيفة وتطوّرها قبل وبعد محاكمة مجموعة سليمان ثم النشاط في الخارج وبدء ذلك النشاط الخجول في تونس بعيد الثورة وتطوره نسبيا وتدريجيا بارتباط مع الأحداث التي عقبت الثورة والحرب السورية وتمدد داعش بين العراق وسوريا ومجيء حكومة الترويكا وانفجار الظاهرة السلفية التكفيرية حيث صارت مرئية للعيان تنشط في الفضاء العام وتمارس الاستقطاب بشكل علني عبر الخيمات الدعوية والمساجد والمدارس القرآنية والجمعيّات الخيرية والاختراق الأمني وفي الأحياء الشعبية. وتحولها إلى كتائب وتنظميات فرّختها الظروف الصّعبة في البلاد وجعلت تلك الخلايا تتزايد وتتوالد فمن أنصار الشريعة إلى كتيبة جند أسد بن الفرات وكتيبة عقبة بن نافع وكتيبة أو أنس وأبو بكر الصديق والموقّعون بالدّم والمتبايعون على الموت والبتار، والتوحيد والجهاد، وجنود التّوحيد والخطاب والفرقان وكمال القضقاضي وجند الخلافة وحركة الشباب وكتيبة انتحارية وكتيبة الدولة الإسلامية وكتيبة الدّهماني وكتيبة جند المغرب وكتيبة طارق بن زياد والخلايا المتوالدة في كلّ جبال البلاد وإحيائها الشعبية وجهاتها شرقا وغربا وذئاب منفردة، كل هذه الخلايا والكتائب حاول الحنّاشي التعريف بها وضبطها والكشف عن علاقتها بالقاعدة السلفية الآمنة للتكفيريين في ليبيا وخطر التدرج من الخطاب العنيف إلى القتل والتفجير في كل لحظة وثانية.

فهذه الخلايا تبدأ من الدعوة والخطاب وتصل بعد ذلك إلى العنف المادي والترهيب والإرهاب وعدد الكتاب مظاهر ذلك العنف خاصة في سياق مقاومة المجتمع التونسي لهم بعد سقوط النظام كالاعتداء على الناشطين والجامعيين ورجال الفكر والمبدعين ورجال الفكر  ورجال الأمن والجيش والمؤسسات الأمنيّة والعسكريّة والحكوميّة والتربويّة والفنيّة ولم يسلم من اعتدائهم حتى دور العبادة والزّوايا وسكان القرى والجبال وحرّاس الغابات.

وفي قراءتنا هذه خيّرنا أن نسلّط الضوء على ما بدا لنا فريدا في الكتاب وهو محاولة الجمع والرّبط والنّسج بين صيرورة العمليّة الإرهابيّة ومجمل أطرافها حتىّ أولئك الذين يبدون في الظّاهر متنافرين كالمهرّبين والإرهابييّن الذين يتعاونون رغم تنافرهم الظّاهري والنّهضة والسلفيين الذين تلتقي مصالحهم وايديولوجيّاتهم رغم تنافرهم وتخاصمهم وما يبدو من اختلافهم وعدم تشابههم.

إنّ ميزة هذا الكتاب أنه لا يطلق أحكاما بل ينسج سرديّة أسسها علمية تقوم على التّوثيق وجمع المصادر  لتضع أمامنا لوحة قاتمة تفسّر للقراء علاقة العنف باسم الدين بالخطاب الديني المتشدد وتضع المجتمع أمام مسؤوليّاته: فمن المدرسة والكتاب والمسجد والفضاء العام إلى ساحات القتال والفرّ والكرّ يرسم الباحث الخيط الناظم بين القول والفعل والتجنيد والتفجير ويبرهن على العلاقة التي تربط السياسة التربوية بالتنظيمات الإرهابية وبالتهريب وبالفقر وبالفساد. فكلما كانت التربية قائمة على التجنيد والتخويف والترهيب والانغلاق أدت إلى نتائج وخيمة إذ تغذي تلك التربية سطحية الفكر وهشاشة الشباب الذي أمام عجز الدولة عن التّأطير والتشغيل والإحاطة اللازمة يجد نفسه في هشاشة نفسية واقتصادية تقوده إلى مفاوز الإرهاب والترهيب الذين يديرهما أصحاب أموال وأعمال وايديولوجيات تلتقي مصالحهم على تدمير العقول والأرواح والأوطان.

يجمع الحناشي للتونسيين قطعا متناثرة من واقع ممتدّ منذ السبعينات ليكتشف كلّ من يرى المشهد مكتملا أو شبه مكتمل مخاطر الصمت عن تغلغل التربية الصحويّة في المجتمع تحت مسميات “الحفاظ على الهوية والذاكرة والدين” فهذه الصّحوة الإخوانيّة التي تقود حتما إلى ساحات الخراب والقتال كما يشرح الباحث بجداول ومعطيات واضحة ودقيقة تتمّ غالبا تحت شعار “الذّود عن التّوحيد” أو كما يحلو للناس أن يسموه “حفظ كلام الله ومعرفة دينه” وهو أمر لا يمثلّ خطرا في ذاته لو تمّ في سياق التّثقيف والتربية الدينية التي غايتها تهذيب النّفس والرّوح والسّلوك وإدماج الفرد في المجموعة قيميّا وأخلاقيّا ليكون فيها عنصرا صالحا ونافعا، لكن هذه الصّحوة التي تبدأ تحت شعار تعليم أساسيّات الدّين كحفظ القرآن والاطلاع على السّيرة والحديث تنتهي بغرس قيم الجهاد والتّكفير والدعوة الأمميّة التي توهم المسلم أنّه الإنسان الأرقى والأفضل وتعمّق فيه مشاعر الغضب والكراهيّة.

إن “السلفية التكفيرية العنيفة في تونس من شبكات الدعوة إلى تفجير العقول” وثيقة مهمة للباحثين المختصين ولكنه إلى جانب ذلك يضع كلّ مواطن تونسي أمام المسؤولية المجتمعيّة والتاريخيّة ويحمّله الأمانة ويفسّر له كيف تختفي وراء شعارات الدين والتّوحيد مخطّطات تدمير وتفجير للحياة وللبشر وللوطن وما على التونسيين حينئذ سوى التّمييز بين الصّحوة وغاياتها التدميرية والتربية الدينية الصّالحة لكل فرد ليكون جزء من مجموعة تحمل قيما ثقافيّة تحث على التعاون والمحبة والمعنى. كتاب يدفعنا إلى التفكير في الكيفية التي بها ننقذ ثقافتنا الإسلامية من براثن المتاجرين بالدين والإسلام ويحثّنا على الانتباه إلى مشاريع الاستعمار الجديد باسم الإسلام نفسه الذي يقدم لنا في شكل مغلّف بالدم والدمار ويهيأ لنا أنه هكذا يكون أو لا يكون كأنّ دعاة الدم والخراب أنبياء هذا الدين الجديد الذي باسمه تسفك الدماء والأرواح والأحلام. وعسى يكون لقراء هذا الكتاب الجديد كلمة صادحة بالدفاع عن الثقافة الإسلامية المعاصرة للحياة وللتطور والمعنى لا تلك التي يريدها باعة الأوهام. فمن الواضح أن العلاقة بين الجانب التربوي والدعوي والتنظيمي الحركي قائمة داخل النصوص التي يوظفها القائمون على هذا الفكر الظلامي وهو ما يضعنا أمام حتمية التنوير وتجديد القراءات الدينية للموروث حتى لا يستغله تجار الدم والدين في التلاعب بعقول الشباب ويكون عونا لنا لبناء الإنسان التونسي المسلم الحديث ذلك الذي لا يتناقض إسلامه مع مواطنته ولا مع قيمه الإنسانية ولا يتضارب انتماؤه الثقافي مع تطلعه للحداثة الفكرية العميقة بكل وجوهها بدء بالنسبية وانتهاء بالعقلانية والفصل بين الدين والسياسة.

يجيء هذا الكتاب- الوثيقة في سياق تونسيّ دقيق جدا حيث يضطرب المشهد السياسي وتختلط الأوراق لكنه يعيد ترتيب الأولويات فإذا بنا أمام مسؤولية جماعية لا مسؤولية أحزاب أو جماعات مدنية أو تنظيمات نقابية أو عائلة أو مؤسسات تربوية بل هؤلاء جميعا مورطون في المشكل ومورطون في المصير ومورطون أيضا في إيجاد حلّ للخروج من الأزمة الحالية والأزمة الدائمة التي يضعنا أمامها تحدي التحديث في علاقة بالثقافة الإسلاميّة. ولقد كشف الكتاب رهان الصحوة الدينية في جانبها الأكثر قتامة وعلاقتها بحروب أول القرن وآخره وعلاقتها بتفكيك الأوطان والاستعمار غير المباشر للقوى العالمية التي لا يهمّها ماذا تفكك أو كم روحا تزهق ولكن كل ما يهمها هو الحفاظ على هيمنتها على مصادر النفوذ والنفط والمال فهل من متعظ؟ وهل من هبة جماعية لرتق الجروح الذاتية القائمة في نقاط ضعفنا القوية أمام الموروث الديني خاصة من أجل أن يكون في مقاومة الجهل المقدس خطوة صحيحة في الاتجاه السليم؟

إن الحناشي لا يقدم لنا استنتاجات  للمشهد القاتم الذي رسمه على صفحات كتابه ولا يقترح حلولا ولكنّه يشهد أمام القراء بما جمعه من معطيات حتى يكون قد أدّى دوره كمؤرّخ ملتزم بقضايا الزمن الذي يعيش فيه. فكتابه هذا بمثابة شهادة تاريخية تحاول الإجابة عن سؤال طرحه الكاتب نفسه في مقدمته حول كمية العنف الذي اكتشفناه في التونسيين بعد الثورة والآلاف المؤلفة التي هاجرت للقتال منذ حروب منتصف القرن إلى اليوم وكأن لسان حاله يقول: لست هنا لأزين لكم صورة مثالية عن أنفسكم …ها قد وضعت لكم صورة الحال كما جمعتها من ثنايا المواقع والصحف والوثائق الإدارية والتقارير، فانظر أيها التونسي لوجهك في المرآة.. انظر لانفاعالاتك الدينية غير المدروسة بعين معاصرة وانظر إلى صمتك عن التجاوزات اللاقانونيّة وانظر إلى تهاونك مع المهربين والدعاة، وانظر إلى تهاونك مع التربية والتعليم وانظر إلى أسباب الفقر والفساد، وانظر إلى كل ذلك مجتمعا إلى أين يقود البلاد.. انظر مصيرا كمصير أفغانستان والباكستان وانظر حولك كيف دمر التكفيريون بلدانا كليبيا والعراق وسوريا..وافهم ما وراء الخطاب الديني من رهانات ومصالح قوى تحركها المطامع في حين لا زلت كما قال الشابي غرّا أيها الشعب.. يتلاعبون بمشاعرك الدينية فلتفق من السّبات ولتتحمّل أيها الشعب مسؤولياتك التاريخية ..هاقد لملمت لك التفاصيل فاستوت مشهدا مترابطا..فتعقل أسباب الخراب واستبق الكارثة ..بكثير من الحزم وكثير من العلم والتنوير وكثير من التعاون بين الجميع لحماية العقول قبل تفجيرها..وابدأ بمقاومة الجهل المقدّس حتى لا يخرب الإرهاب أرضك وحلمكَ.

فعسى يكون لهذه الشهادة التاريخية أثر في النفوس والعقول ولعلها تكون وخزة من وخزات تنبيه الغافلين والمتغافلين عن مخاطر “الصحوة” والسكوت عن تغلغل “الدعوة” في المجتمع والدولة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This