المرأة والعار

وفي الحقيقة، يمتلك كل مجتمع سلّمه الخاص الذي يوزع عليه فئاته الاجتماعية وطبقاته. سلّم الاعتبار والاحتقار، حيث يوزع مجتمع ما فئاته وطبقاته عليه، حسب ما تمتلكه كل فئة أو طبقة من ثروة مادية ورمزية، وحسب ما تمتلكه من سلطة وقدرة على إدارة هذه السلطة. ومن هنا فإن مصطلح الشرف، الذي يعني لغة الارتفاع والعلو، والذي تحدر إلينا من تشكيلة اجتماعية سابقة على التشكيلة الرأسمالية، كان حكراً على طبقة الإقطاعيين النبلاء، تمييزاً لها عن طبقات الفلاحين والصناع والحرفيين وغيرهم من الفئات، الذين يحتلون مكانة اجتماعية واطئة، لا شرف ولا شرفة ولا إشراف لها. وإذا تجرأ فلاح وتطاول على إقطاعي، فقد اقترف جريمة شرف، جريمة تطاول على مكانة الاقطاعي العالية، على شرفه، ولابد من إيقاع أشد العقوبة على الفلاح. أما في العصر الرأسمالي، الذي امتلك سلماً مغايراً، إذ أعلن “مساواة” الجميع، ذكوراً وإناثاً، في القيمة، ومساواتهم أمام القانون، فقد تلاشى فيه مفهوم الشرف بمعناه الاقطاعي تماما.

أما في بلادنا، اليوم، فإن مفهوم الشرف، غائم وغير محدد، إلا أنه يجد بعض تعريفة في مفهوم آخر، أي يجده في مفهوم العار، وتحديداً العار الذي يلحقه سلوك المرأة الجنسي “اللاشرعي”، بالعائلة أو العشيرة أو أي تكوين اجتماعي آخر. حتى بات معنى امرأة شريفة مطابقاً تماماً لامرأة عفيفة. وفي كل الأحوال، لا تعقد مجتمعاتنا أبداً، على جسد المرأة، أي شرف أياً كان تعريفه، سواء كان هذا الشرف شرف العائلة أو العشيرة أو شرف أي تكوين اجتماعي آخر، بل تعقد عليه العار، عارها الشخصي وعار العائلة أو العشيرة.

وإذا استعرنا عبارة أرسطو الشهيرة: الخشب نار بالقوة، ويغدو عند احتراقه ناراً بالفعل، فإن جسد المرأة، بنظر مجتمعاتنا، عار بالقوة، وقد يصبح عاراً يحرق “شرف” العائلة بالفعل في أي لحظة، لأن المرأة بفطرتها وتكوينها الجبلّي، لا تعرف العفة، كائن لا أخلاقي، ينبغي مراقبته والتحكم به والوصاية عليه.

وما زال قائماً، في اللاوعي المجتمعي في بلادنا، أن الفعل الجنسي بحد ذاته، هو فعل سبي، عار يلحق بالمرأة السبيّة وأهلها، هو فتح مبين ومتعة للرجل، وإهانة جارحة يفترعها الرجل في جسد المرأة، التي تتلقاه، بدورها، باستسلام ورضى، وربما بلذة (قبحها الله!)، لأنها كائن مُهان بالفطرة وعار بالقوة. ومن هذا التصور، تأتي كل الشتائم المهينة التي يتبادلها افراد المجتمع، ذكوراً وإناثاً، مطبوعة بطابع جنسي، ومحمّلة “بهتك” جسد المرأة، وتحويله لفظياً إلى عار بالفعل.

ولا شك أن هذا التصور، الذي يرى المرأة عار بالقوة، يستقي مكوناتها الاساسية من العادات الشائعة، ومن الدين الاسلامي، الذي يعلن أنه “رفع” مكانة المرأة، عندما عدها ناقصة عقل أولاً (شهادة رجل تعادل شهادة امرأتين)، وعدها ناقصة دين ثانياً (الحيض والولادة والنفاس، مع أن هذه الجرائم الثلاث، يتحمل مسؤوليتها الله الذي خلق المرأة على هذا النحو، وليس المرأة!) وعدها ناقصة حظ ثالثاً (للذكر مثل حظ الأنثيين). وحتى يكتمل هذا “الإعلاء” من شأن المرأة، عدها من متاع الرجل في هذه الدنيا، وعليه أن يدفع لها أجراً مقابل استمتاعه بها. وفي هذا أيضاً عدم اعتراف بشهوة المرأة، وحقها في إشباع هذه الشهوة. ولكن في المقابل، لا يلتزم الناس في مجتمعاتنا بالقران الكريم، الذي تعامل مع الزنا (الجسد الانثوي وهو متلبس بالعار) ضمن حد الجلد فقط، وذلك بعد التثبت بالبينة (أربعة شهود، أو التلاعن)، وتنفيذ هذا الحد من قبل سلطة عليا وليس بيد فرد من الاقارب. على الرغم من كل ذلك، وبالضد من القران الكريم، تقتل المرأة على الشبهة (قيل وقال)، وينفذ الحكم فرد من أقاربها، بتشجيع وحماية خفية من القانون والمجتمع وسلطاته.

ولكن لا العادات الشائعة، ولا الدين الاسلامي، رغم أنهما المكونان الرئيسان لهذا التصور، قادران لوحدهما على تفسير لِمَ يكون هذا التصور نشطاً وفاعلاً في حياتنا. فكل ما هو فاعل في الحاضر والان، هو من إنتاج الحاضر والآن، حتى لو بدا قديماً، آتياً من أزمنة عتيقة، كحال العادات والدين الإسلامي. وتكفي نظرة متأنية قليلاً، لتبين لنا أن مجتمعاتنا لا تتبنى هذه النظرة الاستعبادية للمرأة، لأن للعادات سطوة ولأن للتصور الإسلامي عن المرأة هيمنة، كما يقال لنا اليوم، بل لأنه استثمار مربح وفاعل الآن وهنا، لكل السلطات الراهنة المتشابكة في هذه المجتمعات، الان وهنا. وهذا هو سبب قوة واستمرار هذه التصور. فالسلطة السياسية، تستفيد من هذه النظرة وهذا التصور في شق المجتمع وتقسيمه إلى فئتين: فئة العبيد، الرجال، وفئة عبيد العبيد، النساء والأطفال، وبذلك تضمن هذه السلطة سيطرتها وتحكمها بالمجتمع بيسر وسهولة، فبعضه يستعبد بعضه الآخر، وبعضه يفرغ مهانته واستعباده في بعضه الآخر، أي خلق حالة من الحرب الاهلية الخفية بين الرجل والمرأة، بدلاً من تكاتفهما معا ضد هذه السلطات. وتضمن أن النساء، طوعاً أو كرهاً، سيساهمن في إعادة انتاج مجتمع العبودية، وهن اللاتي يكلفهن هذا المجتمع بتربية الأجيال الجديدة، عندما يمجد دورهن كأمهات وربات بيوت. وتتجلى هذه السياسة المربحة، بصورتها الفظة والمرعبة في الثورات، إذ تلجأ السلطة السياسية الى الفتك بجسد المرأة جنسياً، كوسيلة لقمع مشاركتهن، ولإلحاق العار بهن وبعوائلهن. كما أن السلطة الدينية (رجال الدين ومؤسساتهم الدينية، التي هي مؤسسات سياسية بامتياز) تتربح من هذه النظرة، فمعظم خطبهم ومواعظهم ودروسهم، ومحطاتهم الفضائية، الممولة من السلطات السياسية، وتحظى برعايتها، معظم عملهم هذا و”تقواهم” هذه، التي يتلقون عليها أجراً وسلطة، هي خطب تحط ببذاءة من شأن المرأة، وتكرسها أداة للمتعة والإنجاب، ناهيك عن ممارسة التهتك اللفظي علناً في خطبهم عن لذائذ الرجال الجنسية في هذه الدنيا وفي الجنة، إلخ. والتحريض الخفي والعلني على أذية المرأة.

كما تتربح السلطة الاقتصادية، بتبنيها هذا التصور، لأنه يوفر لها الأساس الذي تفرض بناء عليه، أجراً متدنياً للمرأة، واستغلالاً اقتصاديا، يحرمها من أبسط حقوق العامل، عدا عن الاستغلال الجنسي لها.

كما أن السلطة الحارسة للثقافة الكلية للمجتمع، وتأبيد هذه الثقافة، وإعادة إنتاجها، تتربح أيضاً من هذه النظرة الاستعبادية للمرأة.

وما يسمى بجريمة الشرف، وغسل العار، لحظة التجسيد الفظ والدموي لتشابك سلطات القمع على جسد المرأة، لا يرتكبها فرد، بل يرتكبها مجتمع بكامله وبكل سلطاته. ترتكبها السلطات السياسية (في بلادنا) التي اغتصب السلطة، وحولتها إلى قوة اغتصاب للمجتمع برمته، ترتكبها السلطات الاقتصادية، ترتكبها السلطات القانونية والحقوقية، ترتكبها السلطة الدينية، ترتكبها ثقافة العنف المعمم، والممجد كقيمة إيجابية، في كل زاويا المجتمع إلخ…كل هذه السلطات المرعبة التي تشابكت على جسد المرأة، تتربح من هذا التصور الذي يمسخها إلى أداة متعة، فرج، مفرخة، كائن قاصر، لابد من وضعه تحت وصاية الذكور في العائلة والمدرسة والشارع، وأيضاً، وعلى نحو مفارق، حاملة “شرف” العائلة والعشيرة، بل في الحقيقة السبيّة والعار الكامن. كما أن هذه السلطات قد مسخت الإناث، مسخت الذكور أيضاً، وجعلهم قتلة شرف عند الطلب، واجبهم غسل العار الذي يلحقه بهم “فرج ناشز” من العائلة. وعندما لا يفعلون سيطاردهم هذا العار طيلة حياتهم، على ألسنة الناس وفي نظراتهم.

من يرتكب جريمة الشرف، هو، وإلى حد كبير، ليس أكثر من أداة الجريمة التي تقتل. القاتل هو المجتمع كله، برجاله ونسائه، وبكل سلطاته. ولا فائدة ترتجى من تجريم أداة الجريمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This