الفلسفة في ظلّ النّازيّة

بعد الحرب العالمية الأولى، حاول أعضاء حلقة فيينا وضع الفكر الأوروبي على أساس منطقي صارم. ثم حاصرتهم الأزمنة.
تأثرت حلقة فيينا بفيتجنشتاين، حيث هدفت إلى جعل اللغة منطقية.
آدم كيرش

غالباً ما تزدهر الفلسفة في أعقاب الحروب، وخاصة الحروب الخاسرة. خدم سقراط في الجيش الأثيني الخاسر في الحرب البيلوبونيسية. كتب توماس هوبز “Leviathan” أثناء وجوده في المنفى في باريس بعد هزيمة الملكيين في الحرب الأهلية الإنجليزية. في لحظات الإذلال والاضطراب، عندما يحتاج الناس إلى إعادة بناء فهمهم للعالم، يكونون على استعداد لإعادة التفكير في الافتراضات التي تمر دون مواجهة في الأوقات العادية.

أدت هزيمة القوى المركزية في الحرب العالمية الأولى إلى ظهور واحدة من هذه الانفجارات التاريخية من التفكير الإبداعي. لودفيج فيتجنشتاين، الفيلسوف الأكثر نفوذاً في القرن العشرين ربما، خدم في الحرب كضابط مدفعية في الجيش النمساوي المجري. تم القبض عليه قبل أيام من الهدنة، في نوفمبر 1918، وقضى تسعة أشهر كأسير حرب في إيطاليا قبل أن يعود إلى وطنه في فيينا، العاصمة الإمبراطورية التي استحالت إلى دولة صغيرة ذات نزعة محلية.

أثناء إجازة في صيف عام 1918، أكمل فيتجنشتاين كتابه “الرسالة المنطقية الفلسفية”، الذي نُشر عام 1921. واليوم، فإن عمل فيتجنشتاين اللاحق هو الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام، لكن “الرسالة” – كتاب موجز كثيف، مثل أطروحة إقليدس في الهندسة، يتخذ شكل سلسلة من القضايا المرقمة لدرجة أنه يجذب القرّاء منذ البداية بطموحه الجذري. كان يهدف إلى تمزيق الفلسفة الغربية من جذورها، تماماً كما فعل الثوار من اليسار واليمين بالمجتمعات في جميع أنحاء أوروبا ما بعد الحرب.

بالنسبة لفيتجنشتاين، تجديد الفلسفة يجب أن يبدأ باللغة. منذ الإغريق، حاول المفكرون الغربيون فهم العالم باستخدام مصطلحات مثل “الكينونة” و “الصيرورة”، “الجوهر” و “الماهية”، “الواقع” و “المثال”. لكن هذه الأفكار التجريدية أدت إلى ظهور حجج معقدة تدور حول نفسها، ولم تصل قط إلى أي نتيجة محددة. الآن، في أوائل القرن العشرين، كانت النسبية ونظرية الكم تعيدان رسم خريطة الواقع بطرق يمكن التحقق منها من خلال التجربة والتعبيرات الرياضية الدقيقة المُعطاة. . في عصر الفيزياء المنتصرة، هل ما زالت الفلسفة بحاجة إلى الاهتمام بالميتافيزيقا؟

بإعلانه أن الإجابة هي “لا”، وضع فيتجنشتاين الفكر الحديث على مسار جديد. بالنسبة للفلسفة التحليلية التي ساعد في إلهامها، فإن العديد من المشكلات التقليدية لهذا الفرع المعرفي هي في الواقع مجرد سوء فهم، استناداً إلى استخدام خاطئ للغة. ما يحتاجه الفلاسفة ليس العمق بل الوضوح: كما يقول فيتجنشتاين في”الرسالة”، “كل شيء يمكن التفكير فيه على الإطلاق يمكن التفكير فيه بوضوح. كل ما يمكن قوله، يمكن أن يقال بوضوح”.

أصبحت طريقة التفكير هذه حول اللغة – ما تعنيه، ما يمكن أن تدركه، وكيف يجب استخدامها – هاجساً خاصاً لحلقة فيينا، وهي مجموعة من العلماء والرياضيين والفلاسفة الذين التقوا بانتظام منذ منتصف 1929 إلى منتصف الثلاثينيات، خاصة في معهد الرياضيات بجامعة فيينا. ومن أشهر أعضائها عشرات أو نحو ذلك مثل عالم المنطق رودولف كارناب، وعالم الاجتماع أوتو نيورات، وعالم الرياضيات كورت جودل، وموريتز شليك، الذين تحولوا إلى الفلسفة بعد حصولهم على الدكتوراه في الفيزياء تحت إشراف ماكس بلانك، رائد نظرية الكم. ساعد هؤلاء المفكرون وطلابهم في وضع جدول أعمال للفلسفة الأكاديمية لما بعد الحرب في بريطانيا وأمريكا، حيث انهى معظم أعضاء الحلقة التدريس بعد فرارهم من القارة في الثلاثينيات.

سعت حلقة فيينا، مستلهمة “الرسالة”، إلى جعل اللغة دقيقة وصارمة كبرهان رياضي.
الفيلسوف الإنجليزي أ.ج.آير، الذي درس في فيينا وساعد في نشر أفكار الحلقة، لخص تعريفها للغرض من الفلسفة : ” تبديد تلك الالتباسات التي تنشأ من فهمنا غير الكامل لأنماط معينة من الجمل في لغتنا” . إذا بدا هذا “المنعطف اللغوي”، كما أصبح يُعرف، غير ملهم أو حتى متشدد، فهذا أفضل بكثير ؛ لقد ضُلَّلت الفلسفة لفترة طويلة بسبب الأوهام العظيمة المغرية.

يقدم كتاب ديفيد إدموندز الجديد “جريمة قتل البروفيسور شليك”” (Princeton) مقدمة حيوية وسهلة للكثير مما كُتب حول هذه المجموعة. بدلاً من سبر عمل حلقة فيينا، والذي يعتبر أمراً تقنياً إلى حد كبير، يستكشف إدموندز بشكل أساسي كيف تعكس أفكارها الزمان والمكان المضطربين للحلقة. كشفت أبحاثه أيضاً معلومات جديدة مهمة تتعلق بالسير الذاتية، بما في ذلك معلومات عن أعضائها الأقل شهرة.

لم يحضر فتجنشتاين قط أي اجتماع لحلقة فيينا، لكنه كان يعرف شخصياتها الرئيسية، وكانت أفكاره تهيمن على مجرياتها. في كتاب إدموندز أيضاً، انتهى المطاف بفتجنشتاين إلى سرقة الأضواء، ببساطة لأنه لعب دور العبقري بشكل مثالي للغاية – بليغ وكارزميّ، روحاني ومتقلب المزاج، متعجرف بشكل صادم ولكنه قادر على التضحية بالنفس بشكل ملحوظ -. لم يضره أنه كان وسيماً وغنياً أيضاً، حيث وُلد لإحدى السلالات الصناعية الرائدة في النمسا والمجر.

في عام 1919، تخلى فيتجنشتاين عن نصيبه من ثروة العائلة. أمضى السنوات السبع التالية في التدريس في مدرسة ابتدائية في قرى نمساوية نائية، حيث جعل نفسه مكروهاً بضرب تلاميذه بانتظام وشد شعرهم. في عام 1926، بعد عودته إلى العاصمة، أجرى اتصالات مع حلقة فيينا، التي كان أعضاؤها يدرسون “الرسالة”. ذكرت زوجة شليك، زعيم الحلقة، أنه في المرة الأولى التي تناول فيها زوجها العشاء مع فيتجنشتاين، عاد “في حالة نشوة”. فيلسوف آخر، فريدريك وايزمان، “بدأ، لا شعورياً، بتقليد أنماط التحدث لفيتجنشتاين”.

يشير العنوان الفرعي لإدموندز، “صعود وسقوط حلقة فيينا”، إلى وجود علاقة أوثق بين عمل المجموعة والقتل الرمزي أكثر مما يؤسسه الكتاب بالفعل. لم يكن لوفاة شليك علاقة بأفكاره ؛ قُتل على يد الطالب السابق الذهاني يوهان نلبوك، الذي كان يلاحقه ويهدده منذ سنوات، ثم أطلق عليه النار أخيراً، في يونيو 1936، على درج مبنى جامعي. لكن ما حدث بعد ذلك، كما يوضح إدموندز، قد تشكل بالفعل من خلال ما أصبحت حلقة فيينا تمثله في الهياج الأيديولوجي للنمسا ما بين الحربين العالميتين.

ما إن شاعت أخبار الجريمة حتى بدأت الصحافة القومية المعادية للسامية في التخفيف منها وحتى مدحها باعتبارها ضربة للفكر اليهودي المنحط. اتُهم شليك بإلحاق الضرر بـ “خزف الشخصية القومية الفاخر” وتجسيد “المنطقية والرياضية والشكلانية” اليهودية، وهي صفات معادية لـ “دولة ألمانية مسيحية”. حث أحد الكتاب على أن جريمة القتل يجب أن “تسرع من الجهود لإيجاد حل مرضٍ للمسألة اليهودية”. لعب نلبوك، في محاكمته، على هذه العاطفة، مُدعياً أنه قتل شليك لأسباب أيديولوجية. لم يمنع هذا الدفاع من الحكم عليه بالسجن، ولكن بعد أن ضمت ألمانيا النازية النمسا، في عام 1938، تم إطلاق سراح نلبوك، بدعوى أن جريمته كانت مستوحاة من “الدوافع الوطنية القوية ومعاداة السامية الصريحة”.

في هذا الجو المشوش، لم يُردع أحد بحقيقة أن شليك لم يكن يهودياً، بل كان بروتستانتياً ألمانياً. بينما لم يعرف بعض القائمين على تشويه سمعته هذا، لكن البعض الآخر لم يهتم ببساطة ، إذ لم تكن اليهودية في عرفهم نوعاً من دين أو عرق فقط. كانت أيضاً عقلية تتميز بالحداثة والليبرالية التي اعتبروها مصادر للفساد الروحي.

بهذا المعنى، كان النازيون والفاشيون المسيحيون في النمسا محقين في رؤية حلقة فيينا كعدو. على حد تعبير إدموندز، كانت الحلقة “ازدراء للتفكير الخرافي”، بما في ذلك الأساطير حول العرق والدين. ضمت المجموعة مسيحيين ويهود، لكن العقيدة الحقيقية لأعضائها كانت ما يسمونه “التصور العلمي للعالم”.

كان هذا عنوان بيان عام 1929 أعلنت فيه الحلقة عن برنامجها الفكري. وكُتب كتقدير لشليك، الذي كان عائداً إلى فيينا بعد فترة قضاها في جامعة ستانفورد، أوضح المقال أن أعضاء الحلقة، رغم عدم اتفاقهم على كل شيء، كانوا ملتزمين بمبدأين أساسيين. أولاً، لا معرفة إلا بناء على التجربة التي تنهض بدورها على المعطيات المباشرة. هذا يضع حدوداً لمحتوى العلم الحقيقي. ثانياً، “المفهوم العلمي للعالم يتميز بتطبيق طريقة معينة، ألا وهي التحليل المنطقي”.

هذه الأفكار مجتمعةً أعطت المدرسة الفكرية الجديدة اسمها ” التجريبية المنطقية”. بالنسبة للتجريبيين المنطقيين، لا تتعامل الفلسفة مع الأفكار أو الأشياء ؛ بل تتعامل مع العبارات والجمل والقضايا. من خلال تجميع سلسلة من العبارات الصحيحة، من الممكن إنشاء ما أطلق عليه فيتجنشتاين، في “الرسالة”، “نموذج الواقع”، تمثيل للعالم في اللغة. يتم تحديد محتوى العبارات في كل مكان في العالم من خلال التجربة، بما في ذلك النمط المُكرر والمضبوط من التجربة الذي يأتي من التجربة العلمية.

يتمثل دور الفلسفة خلال بحثها عن الحقيقة في فحص شكل عباراتنا للتأكد من أنها صحيحة نحوياً ومنطقياً. ولهذه الغاية، اعتمدت حلقة فيينا على المنطق الرمزي الذي طوره الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل، والذي قدم طريقة لاختزال أي جملة إلى سلسلة من الرموز والصيغ. تبدو العديد من صفحات كتاب كارناب لعام 1934 “التركيب المنطقي للغة” كما لو كانت قد جاءت من كتاب رياضيات.

المنطق الرمزي مفيد لأن العبارات يمكن أن تنحو بشكل خاطئ و بطرق تجعل اكتشافها ممتنع بالنسبة للاستخدام العادي. في معظم الحالات، يكون تحديد ما إذا كانت العبارة صحيحة أم خاطئة من الناحية التجريبية أمرأً بسيطاً إلى حد ما. إذا قال شخص ما أن القمر مصنوع من الجبن الأخضر، فهناك طرق مختلفة للتحقق من هذه العبارة: يمكنك النظر إلى القمر من خلال التلسكوب، أو فحص صخرة القمر، أو حساب كيفية تصرف كرة من الجبن الأخضر بحجم القمر في الفضاء الخارجي. حتى لو كانت هذه العبارة خاطئة، فإن “القمر مصنوع من الجبن الأخضر” لا تزال تمثل اقتراحاً ذا مغزى، لأنها تقدم تأكيداً حول العالم يمكن اختباره.

ومع ذلك، لا يمكن إثبات صحة أو خطأ بعض العبارات، لأنها مركبة بطريقة تنتهك قواعد اللغة. كارناب وصفها ب “العبارات الزائفة” – “سلسلة من الكلمات [التي] تبدو وكأنها عبارة للوهلة الأولى”، لكن بناءها أو مفرداتها تجعلها بلا معنى. أعطى مثالاً “قيصر هو و”: إذا قال لك أحدهم هذه العبارة، فلن تقول إنه كان مصيباً أو مخطئاً، ذاك أنه لا يعرف تركيب الجملة في اللغة الإنجليزية.

بالنسبة لحلقة فيينا، كانت الميتافيزيقا أرضاً خصبة للبحث عن العبارات الزائفة . وهي فرع الفلسفة الذي يتعامل مع المفاهيم الأساسية مثل الكينونة والماهية والزمان والمكان. منذ أرسطو، الذي أطلق عليها اسم “الفلسفة الأولى”، كان يُنظر إلى الميتافيزيقيا على أنها أعلى أشكال الفكر وأكثرها لامبالاة. بالنسبة لإيمانويل كانت، كانت “ملكة كل العلوم”. ولكن، بالنسبة لأعضاء حلقة فيينا، كانت الميتافيزيقيا ملكة مثل ماري أنطوانيت – مستبدة، بعيدة المنال، وجاهزة للمقصلة.

تكمن مشكلة العبارات الميتافيزيقية في أنه لا يمكن التحقق منها عموماً، وهو ما يعني بالنسبة إلى التجريبيين المنطقيين أنها بلا معنى. في مقال كارناب عام 1932 “اقصاء الميتافيزيقيا من خلال التحليل المنطقي للغة”، يطلب منا أن نتخيل رجلًا يخترع صفة جديدة، “teavy”، وعندما نسأله كيف يعرف ما إذا كان شيء ما teavy أم لا، يجيب بأنه “لا توجد علامات تجريبية على كونه teavy “. في هذه الحالة، يقول كارناب، “سننكر صحة استخدام هذه الكلمة”.

يجادل بأن المبدأ نفسه يجب أن ينطبق على المصطلحات الميتافيزيقية، من “الفكرة” عند فلاطون إلى “الشيء في ذاته” عند كانط. كتب كارناب أن مثل هذه الكلمات المثيرة للإعجاب قد تثير “صوراً ومشاعر مرتبطة”، لكن ليس لها معنى حقيقي، لذا فإن أي تفسير يعتمد عليها لا يقول شيئاً على الإطلاق.

لم تكن الميتافيزيقيا مجرد شبح من الماضي ليصار إلى طرده ؛ كانت لا تزال في طريقها، وكانت لها عواقب مهمة على الفلسفة والسياسة. كان مقال كارناب بمثابة هجوم على مارتن هايدجر، الفيلسوف الكبير الآخر الناطق باللغة الألمانية والذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى. إذا كانت “الرسالة” لفيتجنشتاين عملاً أساسياً للفلسفة التحليلية، فإن كتاب هايدجر لعام 1927، “الكينونة والزمان”، له الأهمية نفسها بالنسبة للفلسفة “القارية” – وهو مصطلح شامل تستخدمه المدرسة التحليلية الأنجلو أمريكية للإشارة إلى كل هؤلاء الأوروبيين المتخلفين الذين ما زالوا يأخذون الميتافيزيقيا على محمل الجد.

تشارك هايدجر وفتجنشتاين القدرة على إلهام الرهبة والتفاني، ولكن كان الاثنان متناقضان في معظم النواحي. نشأ فتجنشتاين في حظوة في فيينا بينما نشأ هايدجر فقيراً في مسكيرش، وهي بلدة صغيرة في ريف ألمانيا، حيث كان والده أحد أعضاء الكنيسة الكاثوليكية. كان فيتجنشتاين متجولاً يتنقل ذهاباً وإياباً بين النمسا وإنجلترا، وبين الأوساط الأكاديمية وغيرها من المساعي ؛ في حين قضى هايدجر حياته المهنية بأكملها في الجامعة الألمانية حيث كان طالباً، وفكر في كوخ بعيد شيده في الغابة السوداء. (تلك المقصورة، أشهر مسكن في فلسفة القرن العشرين، هي موضوع كتاب آدم شار “كوخ هايدجر”).

بادئ ذي بدء اختلف الرجلان في رأيهما حول قيمة الميتافيزيقيا. في عام 1929، وهو العام الذي نشرت فيه حلقة فيينا بيانها، ألقى هايدجر محاضرة بعنوان “ما هي الميتافيزيقيا؟” كانت بمثابة انذار أشهره في وجه التجريبيين المنطقيين. في الواقع، بدأ بالإقرار بأن العلم الحديث لا فائدة له في الميتافيزيقيا. وفقاً للمفهوم العلمي للعالم، الأشياء التي يمكننا تجربتها مباشرة هي فقط الأشياء الحقيقية ؛ ميدان المعرفة هو “الكائن ذاته – وفيما عدا ذلك لاشيء”.

يجادل إن الجزء الثاني من هذه العبارة، بعيد كل البعد عن أن يكون جملة مجدية،ويكشف عن حقيقة أساسية: بالإضافة إلى الكائنات، ثمة العدم. لا نفهم العدم بالعقل بل من خلال تجربة القلق. في لحظات القلق الوجودي، “الكائن في كليته ينفلت ولأن اللا شيء يضيّق بذلك الخناق علينا” . فقط لأننا نواجه العدم بهذه الطريقة البدائية يمكننا أن نفهم المفاهيم المنطقية مثل النفي والعدم. على حد تعبير هايدجر “العدم هو ذاته يَعْدِم” – عبارة غريبة جعلها المترجمون الإنجليز على أنها ” the nothing itself nihilates”، أو حتى ” the nothing itself noths”.

بالنسبة للعديد من المعجبين بهايدجر، فإن إزاحته للغة أعادت للمفاهيم الميتافيزيقية القوة والغرابة التي فقدتها على مدى آلاف السنين. إن الطريقة التي يقوم بها بتجذير الفلسفة في الحالة الوجدانية، وليس في مجرد الفكر، تجعل عمله منخرطاً بشكل خيالي بطرق لا تستطيع التجريبية المنطقية تحقيقها. يمكن للمرء أن يقول إن هايدجر أراد أن يجعل الفلسفة أشبه بالشعر، بينما أرادت حلقة فيينا أن تكون أشبه بالرياضيات. بالنسبة لكارناب، كان البعد الشعري لفكر هايدجر هو مثار الخلاف تحديداً، لأنه اعتمد على إساءة استخدام اللغة لخلق وهم بالعمق.

يكتب في كتابه “إقصاء الميتافيزيقيا” أن المشكلة هي مشكلة نحوية: نظراً لأن الألمانية (مثل الإنجليزية) تتعامل مع كلمة “لا شيء” كاسم، فيمكن استخدامها كموضوع لجملة. على سبيل المثال، إذا سأل أحدهم، “ماذا في الخارج؟”، يمكنك الرد، “لا شيء في الخارج”، تماماً كما يمكنك أن تقول، “ثمة مطر في الخارج”. هذا يخلق الوهم بأن “اللا شيء” هو كائن مثل المطر، يمكن وصف خصائصه وأفعاله. من الناحية النحوية، يبدو أن عبارة “العدم يتكشف” هي من الضرب عينه لعبارة “المطر يسقط”.
هذا هو بالضبط نوع الخطأ الذي نحتاج إلى المنطق لإنقاذنا منه. يجادل كارناب بأنه عندما نقول “لا شيء في الخارج”، فإننا نستخدم نوعًا من الاختزال اللفظي. ما نعنيه حقًاً هو “لا يوجد أي شيء في الخارج”. إن صياغته بهذه الطريقة يوضح أن كلمة “لا” يمكن استخدامها بشكل صحيح فقط لنفي قضية. إن استخدامها كموضوع في قضية ما، كما يفعل هايدجر، هو في أفضل الأحوال علامة على الارتباك العقلي، وفي أسوأ الأحوال محاولة متعمدة للتشويش والتضليل.

في الواقع، في “ما هي الميتافيزيقيا؟”، يقول هايدجر صراحةً إنه يريد التخلص من التفكير المنطقي، بحيث “تذوب فكرة” المنطق ” ذاتها في دوامة التساؤل الأساسي. كان هذا هو الخلاف الأساسي الذي فصل هايدجر عن حلقة فيينا: فقد كان يعتقد أن اللغة يمكنها أن تسبر الحقائق أعمق من المنطق. اعتقدت الحلقة أن اللغة دون منطق يمكن أن تسفر فقط عن هراء. كما حذر فتجنشتاين في الجملة الأخيرة من “الرسالة”، “ما لا يُقال، يجب الصمت عنه”.

ومن ثم يمكن لحلقة فيينا أن تتحدث ولكن كان هناك الكثير مما يمكن قوله. أدى بيانها لعام 1929 إلى ظهور مجلة جديدة، وسلسلة من المؤتمرات للجمع بين القادة في مختلف المجالات العلمية، وموسوعة دولية للعلوم الموحدة، والتي تهدف إلى تلخيص كل المعارف العلمية في مائتي مجلد. وعلى نطاق أوسع، أعلن البيان أن التجريبية المنطقية تنطوي على مقاربة معينة “لقضايا الحياة”: “الجهود نحو تنظيم جديد للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، نحو توحيد الجنس البشري، نحو إصلاح المدرسة والتعليم، كلها تظهر الارتباط الداخلي مع التصور العلمي للعالم ؛ يبدو أن هذه المساعي تلقى الترحيب والنظر بتعاطف من قبل أعضاء الحلقة، وبعضهم يعززها بالفعل “.

كان هذا صحيحاً بالتأكيد بالنسبة ل أوتو نيورات، أحد المؤلفين الرئيسيين للبيان وأكثر الشخصيات حيوية في الحلقة. كان نيورات، وهو يساري ملتزم شارك في الثورة الفاشلة في ميونيخ عام 1919، وداعية بارع للأفكار. كان هو الشخص الذي أطلق على المجموعة اسمها، على أمل، على حد تعبير زميله، فيليب فرانك، أن يستحضر “أشياء أخرى على الجانب الممتع من الحياة”، مثل موسيقى الفالس الفيينية. عندما لم يكن يتفلسف، كان نيورات يعمل في الإسكان العام، وبرامج تعليم الكبار، وطريقة جديدة لتمثيل البيانات في الرسوم التوضيحية سهلة الفهم، والمعروفة باسم Isotype، والتي نتج عنها استخدام المفردات المرئية الآن في الرسوم البيانية في جميع أنحاء العالم.

ولكن لم يكن كل فرد في الحلقة سعيداً بانجراره إلى المناقشات السياسية – بما في ذلك شليك، الذي كان البيان يهدف إلى تكريمه. يعيد إدموندز الحياة إلى المشهد السياسي والثقافي المتقلب في النمسا في العشرينات من القرن الماضي، وهي دولة صغيرة نشأت بعد الحرب العالمية الأولى من الأراضي الناطقة بالألمانية في إمبراطورية هابسبورغ السابقة. كانت فيينا، المدينة التي يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، هي الحجم المناسب لعاصمة دولة نائية متعددة الجنسيات، لكنها وجدت نفسها الآن في بلد يبلغ عدد سكانه 6.5 مليون نسمة فقط.

“فيينا الحمراء”، كما كانت تلقب، كان لها حكومة اشتراكية، وثقافة عالمية، وعدد كبير من السكان اليهود. كل الجوانب الثلاثة جعلتها مكروهة تماماً من قبل بقية البلاد، التي كانت ريفية ومحافظة وكاثوليكية. كانت النمسا على شفا حرب أهلية في العشرينيات، وفي عام 1933 أصبحت ديكتاتورية فاشية تحت حكم جبهة الوطن. في ظل هذه الظروف، كان لزاماً على حلقة فيينا أن تخسر الكثير بعد أن أصبحت متماهية مع اليسار علانية.

في عام 1934، خضعت الحلقة للتحقيق من قبل الشرطة، مما دفع شليك لكتابة رسائل إلى وكالات الدولة مصراً على أنها “غير سياسية على الإطلاق”. الرسائل لم تساعد. تم حل المنظمة الراعية الرسمية للحلقة، وأجبر بعض الأعضاء على ترك وظائفهم تحت التهديد باعتقالهم. على الرغم من أن ضم النمسا من قبل ألمانيا النازية كان لا يزال بعيداً أربع سنوات، بدأ أعضاء الحلقة في البحث عن فرص للهجرة.

انتهى المطاف بالعديد منهم في أمريكا، حيث ساعدوا في تشكيل الجيل القادم من الفلاسفة الأكاديميين. ذهب هربرت فيجل إلى جامعة أيوا عام 1931 ؛ تم تعيين كارناب من قبل جامعة شيكاغو في عام 1936. لم يستيقظ كورت جودل، المشهور بـ”مبرهنات عدم الاكتمال” و بعقلانيته المفرطة ، على الخطر حتى بدأت الحرب العالمية الثانية. بعد تلقي عرض عمل من معهد الدراسات المتقدمة، في برينستون، في يناير 1940، كان عليه أن يقطع شوطاً طويلاً، وعبر الاتحاد السوفيتي بأكمله، والمحيط الهادئ، والولايات المتحدة للوصول إلى نيوجيرسي.

بالنسبة لأعضاء المجموعة الأقل شهرة، كانت الأمور أكثر صعوبة. يوثق إدموندز معاناة روز راند، وهي امرأة يهودية حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة فيينا عام 1938 لكنها لم تتمكن من العثور على وظيفة أكاديمية آمنة في إنجلترا، مما أجبرها على الاعتماد على الأعمال الخيرية المكروهة لمنظمات المهاجرين. فتجنشتاين تدخل نيابة عنها، لكنه وجدها متطلبة وصعبة المراس. ومع ذلك، بقيت على قيد الحياة وعاشت وعلمت حتى عام 1980. ومن اللافت للنظر أن النازيين لم يقتلوا أحداً من الحلقة.

في هذه الأثناء، مع هروب التجريبيين المنطقيين للنجاة بحياتهم، كان هايدجر إلى صعود. بعد استيلاء هتلر على ألمانيا في عام 1933، تم تعيين الفيلسوف رئيساً لجامعة فرايبورغ وتولى مسؤولية جعلها تتماشى مع النازية. كان هايدجر نازياً متحمساً، وقد رأى مهمته من منظور ميتافيزيقي، معلناً في خطابه الافتتاحي أن جوهر العلم هو “التشكيك في موقف المرء في خضم التستر الذاتي المتواصل لكليّة ما هو كائن”. كان كارناب سيسخر من هذه اللغة ؛ ولكن كما علمت حلقة فيينا، وكما كانت ألمانيا والعالم على وشك اكتشاف ذلك، فإن البيانات الزائفة يمكن أن يكون لها عواقب حقيقية للغاية.

******
نُشر في العدد المطبوع من عدد 19 أكتوبر 2020 بعنوان “اقتراحات خاسرة”.
آدم كيرش شاعر، ناقد وكاتب.
رابط المقال الأصلي:

https://www.newyorker.com/magazine/2020/10/19/philosophy-in-the-shadow-of-nazism

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This