أين الفكر النّقدي في برامجنا التّعليميّة أو حينما نصنع أجيالا ترتمي في أحضان الماضي؟

مثّل تزايد العمليات الإرهابية في السنوات الأخيرة وصعود الفكر المتطرف والعنيف بشتى أطيافه وعودة الديني في شكل ماضوي ورجعي وذلك في ظل انحسار الفكر التنويري والتحديثي، محور اهتمام العديد من الدراسات من قبل أكاديميين في مختلف الحقول المعرفية كالتاريخ والفلسفة   وعلم النفس وعلم الاجتماع.

ولئن تم إرجاع هذه الظواهر المتعلقة بالعنف والارهاب والتطرف  إلى أسباب اقتصادية واجتماعية (التهميش والفقر…) فإن الحديث عن البرامج التعليمية ومدى مساهمتها في خلق أجيال متوازنة، منفتحة على الآخر وتحس بالانتماء المواطني للمجتمع لم يحظ  بالاهتمام الكافي من لدن عديد الباحثين  على الرغم من أنه من الركائز الأساسية التي يجب البحث فيها لفهم تحول الشباب  نحو تساؤلات تأصيلية : فالمسألة التربوية لها وشائج عميقة تربطها بالأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية والنفسية،  ذلك أن التعليم ليس جزيرة معزولة وإنما هو جزء لا يتجزأ من كل اجتماعي.

لذلك نعتقد بأن البحث في المناهج التعليمية والبرامج التربوية كفيل بإظهار مواطن الخلل التي تسربت منذ عقود والتي أدت إلى خلق أجيال تبحث عن أنموذج اجتماعي تأصيلي، سرعان ما ترتمي في غياهب التشدد والقتل والعنف لتصبح قنابل موقوتة يتم الزج بها في بؤر التوتر. فلا ريب إذن  أننا أمام مفارقة كبرى: فالمدرسة  بما هي الفضاء الأمثل الذي  أوكلت إليه مهمة صنع أجيال  متشبعة بالقيم الانسانية والكونية وتسهم  في الدفع بمسيرة التقدم والتحديث في البلاد، أصبحت اليوم تخلق أجيال ترتمي  بقوة في أحضان الماضي وتتقبل بسرعة وبدون إعمال للفكر وللعقل الأفكار المرتبطة بالتطرف والعنف والنزعات الهووية، لذلك فمن الأهمية بمكان اليوم ضرورة  مراجعة مناهجنا التعليمية وتجديدها لإيجاد الحلول الممكنة لجعل التعليم سبب من أسباب نهضة المجتمعات الإنسانية وليس سببا من أسباب ركودها وتخلفها.

الفكر النقدي أساس تقدم الغرب الحديث

لا ضير في الإقرار بأن الفكر النقدي مثل أساس تقدم الغرب الحديث، فلئن تميزت فترة العصور الوسطى التي سادت فيها سيطرة الكنيسة على العقول وانتشار التخلف والركود في الثقافة والاقتصاد والمجتمع وذلك نتيجة غياب العقلانية فإن بداية العصور الحديثة وخروج أوروبا من بوتقة العصور المظلمة كان عبر إعمال الفكر النقدي في جل المجالات ومراجعة الأفكار السائدة ونقدها وإعادة قراءة الموروث الروماني – اليوناني قراءة جديدة تعلي من مكانة الانسان وتعتبره مركز الكون. وقد كان ذلك في البداية مع الحركة الانسانية التي مثلت البوادر الأولى للنهضة الأوروبية حيث عمل رواد هذه الحركة على نقد الماضي ومحاولة التخلص من هيمنة الكنسية على العقول والتحرر من القيود التقليدية التي تجذب المجتمع نحو التشدد والتضييق الفكري. فقد بدأت الحركة الإنسانية كحركة أدبية وعلمية قطعت مع التصورات الميتافزيقية وتفسيرات الكتب المقدسة فتكون بذلك قد وضعت الإطار الفكري الجديد الذي سيغير مسار الغرب ليتحرر من كل القيود. اذ ستعمل أوروبا في القرون الموالية على التحرر والانعتاق من كل الأنظمة العتيقة سياسيا وثقافيا ودينيا واقتصاديا وذلك من خلال زعزعة أركان الكنيسة عبر نقد المسلمات الايديولوجية التي كانت تعتمد عليها ولعل أفكار كوبرنيك وغاليلاي  كانت الإعلان  الحقيقي عن انبلاج عصر جديد  سيخرج أوروبا من العصر الاقطاعي الكنسي إلى العصر الحديث.

وقد أدت موجة النقد فيما بعد  إلى فصل الدين عن الدولة خاصة بعد  الثورة الفرنسية التي مثلت أهم حدث سياسي في تاريخ الغرب الحديث  ليتوسع بذلك الفكر النقدي في أوروبا في القرن التاسع عشر ليشمل مجالات أخرى وجل المعارف الإنسانية فأدى ذلك إلى تطور العلوم والتقنيات وتقدم الغرب علميا واقتصاديا  بعد الثورة الصناعية. إذن فمع نهاية القرن التاسع عشر أضحى التفكير النقدي    الملكة الوحيدة التي يتناول بها العلماء في أوروبا قضايا التفكير والمحرك الأساسي الذي سيدفع بمسيرة التقدم في الغرب فيما بعد.

أما في الحضارة العربية الاسلامية فقد ارتبطت عصور الازدهار بالفكر العقلاني والنقدي الذي شمل جل أصناف المعرفة من دين وفلسفة وتاريخ وعلوم طبيعية وفيزيائية كما اتسمت هذه العصور بالانفتاح والتسامح وقبول الآخر والاقبال على ترجمة علوم الفرس والاغريق والهند. لذلك   قامت النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر على ضرورة التسلح بالفكر النقدي وتقديم قراءة جديدة للتراث وتجديده من أجل مسايرة العصر وتحقيق التقدم والالتحاق بركب الأمم المتقدمة فكانت بذلك محاولات محمد عبده والافغاني وخير الدين التونسي و كثيرون من أجل تجديد الفكر في شتى المجالات والتسلح بالعقلانية ورفض التقليد. بيد أن القرن العشرين قد شهد انحسار الفكر النقدي وتراجعه أمام صعود التيارات الاسلامية التي قدمت قراءة مغايرة لقراءات المجددين مبنية على رؤية ماضوية للدين مغرقة في التزمت والتشدد  الأمر الذي أدى إلى انتشار الأفكار الكبرى لهذه التيارات خاصة خلال فترة السبعينات والثمانينات بعد الانتكاسات الكبرى التي شهدها العالم العربي وفشل المشاريع التنموية للدول الوطنية ولا ريب أننا أننا اليوم أما معضلة كبرى تتمثل في إنتاجنا لأجيال لم تعد متصالحة مع عصرها تعيش حالة انفصام حقيقي عن التاريخ وعن العصر و ترتمي في أحضان الماضي وتستجيب لكل الدعوات الأصولية

فأين المشكل في برامجنا التعليمية؟

برامجنا التعليمية هل هي برامج تكرس الفكر النقدي؟

لا شك أن التفكير النقدي يعد أهم ملكة تكتسبها الناشئة طوال فترات التكوين من المدرسة إلى الجامعة، فالنقد بما هو عملية ذهنية يقوم بها الانسان عندما يطلب إليه الحكم على قضية أو مناقشة موضوع أو إجراء تقويم يجعل فكر الانسان فكر مستقل وحر يخرجه من سلطة الأفكار الدخيلة ومن بوتقة الخضوع والانقياد.

فملكة النقد إذن تعتبر من أهم المكونات التي تنحت كيان الذات الانسانية وتسهم إسهاما فعالا في بناء الانسان المتوازن والمتسامح المتجذر في مجتمعه والمنفتح على عصره، لكن غياب هذه الملكة أو تجاهلها وتهميشها يؤدي إلى صنع أجيال متطرفة ومتزمتة تنقاد بكل سهولة رواء كل الأفكار والاتجاهات الأصولية.

وقد انخرطت المدرسة التونسية ومناهج التعليم منذ ثمانينات القرن الماضي في اتجاه تهميش الفكر النقدي، حيث أصبح التعليم على حد عبارة المؤرخ التونسي الهادي التيمومي “تعليما للجهل في عصر العولمة” فقد أشار في دراسة له متعلقة بالتعليم زمن العولمة إلى أن ربط المدرسة خاصة والاقتصاد عامة بالعولمة  وبالدول الرأسمالية أدى إلى سلعنة المدرسة وتحولها إلى دولاب اقتصادي نفعي خال من كل أبعاد إنسانية وثقافية.

ولا يرتبط الأمر بالجانب الاقتصادي فقط، بل يتوجب علينا الاشارة إلى فكرة مهمة تتمثل في   تهميش الجماليات والانسانيات والفنون بكل مراحل التعليم وقد بدأ ذلك   تقريبا مند الثمانينات واستفحل في بداية الألفينات إذ لم تعد أية أهمية لمواد العلوم الانسانية والاجتماعية داخل المنظومة التربوية بل إن كل الاهتمام أصبحت تحظى به المواد العلمية التي تم اعتمادها كمقياس لتفوق التلاميذ. ولا ريب أن ذلك قد أدى إلى قتل ملكة النقد لدى أغلب الناشئة وذلك بسبب ضعف ثقافتهم الاجتماعية والفكرية.

لذلك أصبحت الجامعات تنتج المتطرفين دينيا خاصة من خريجي الجامعات العلمية التي يكون فيها الفكر النقدي غائب تماما وهذا أمر على درجة كبيرة من الخطورة لأن العلوم الدقيقة التي لا تدرس بمنهجية نقدية من خلال إبراز تاريخ العلوم ونسبية الحقائق ستفضي إلى صنع آلات يغيب عندها التفكير والتمحيص والنقد كما تكون غير قادرة على الابداع والابتكار والتجديد لأن بناها الذهنية قائمة على المحاكاة والتقليد وتقديس الحقيقة الواحدة الأمر الذي يؤدي إلى انغلاق الفكر وبالتالي تقبل الأفكار المتطرفة والأوهام الزائفة.

المشكل الثاني الذي يتوجب علينا الاشارة إليه هو خلو البرامج التربوية الحديثة تقريبا في كل الاختصاصات من كل بعد نقدي حيث تم التركيز أكثر على المناهج التلقينية فجل المواد التي يتم تدريسها اليوم   من الابتدائي إلى الثانوي فالجامعي تقوم على تلقين التلميذ واعتباره وعاء للمعلومات حيث يتوجب على الأستاذ حشو ذلك الوعاء بكل ما أمكنه من الأفكار التي تكون عادة رتيبة ولا فائدة علمية لها.

فأساليب التقييم مثلا تقيس القدرة على الاستذكار والحفظ ليس إلا ولا تقوم على وضع التلميذ في وضعية مشكل أو وضعية يكون مطالب فيها بإعمال عقله ونقد المناهج وبذلك فنحن بصدد خلق أجيال سهلة الانقياد تكون عبارة عن قوالب جاهزة تجسد النمطية والتذويب الاجتماعي. أضف إلى ذلك، فالبرامج المدرسية لمادة التاريخ على سبيل المثال وهي من أهم المواد التي تكتسي من الأهمية بمكان في العلوم الإنسانية قائمة بالأساس على التلقين والاستذكار فعادة ما يتم تمثلها من قبل التلميذ كمادة للحفظ يسهل عليه اجتيازها وليست كمادة للتفكير والنقد. زيادة عن ذلك فإن أغلب الدروس المقترحة في الفترة الاعدادية والثانوية خالية من المناهج التي تشجع التلميذ على اعمال الفكر النقدي والتفكير في مسائل تاريخية مهمة ذلك أن جل المسائل التاريخية المدرسة تنتمي إلى التاريخ السياسي الذي يكون رتيبا ولا يجلب انتباه التلميذ.

فدروس التاريخ في المرحلة الاعدادية والثانوية خالية مثلا من درس يبرز مسار الحضارات وطريقة تشكلها وأسباب انهيارها وازدهارها إذ باستثناء بعض الشذرات الطفيفة لا نكاد نجد دروس من هذا الصنف. في حين أن التاريخ الحدثي يحتل مكانة جد مهمة في البرامج التعليمية لمادة التاريخ. ففي رأينا لا بد من تطعيم دروس التاريخ بأفكار جديدة تكون مستلهمة من التطورات الحديثة التي شهدها علم التاريخ في الغرب وخاصة   تلك المرتبطة بتاريخ الأفكار والذهنيات وتاريخ الثقافات وتاريخ الآخر وتاريخ الغيريات الأليفة والغيريات الغريبة، إذ لن يفيدنا شيئا التقوقع على الذات في عصر أصبح فيه العالم أشبه بالقرية الكونية الصغيرة. لا بد كذلك من الاشارة إلى مسألة مهمة تتمثل في الضوارب المخصصة للمواد في التعليم الاعدادي والثانوي اذ عادة ما تكون ضوارب المواد الانسانية خفيفة الأمر الذي يجعل التلميذ غير مهتم بها كما يجب. في حين أن المواد العلمية تحظى باهتمام كبير نظرا للضوارب القوية التي تتميز بها. ولا ريب أن ذلك يعكس نظرة تحط من شأن العلوم الانسانية والاجتماعية في مقابل الاعلاء من مكانة العلوم الصحيحة.

في إطار تهميش الإنسانيات يمكننا الإشارة كذلك إلى مادة الفلسفة وهي من أهم المواد  ومن أنجع اللقاحات ضد الانغلاق الفكري والتطرف الديني، بيد أننا ما نلاحظه اليوم يعكس تدني قيمة هذه المادة لدى الناشئة اذ لا يكاد   يهتم بها لا تلامذة الشعب الأدبية ولا تلامذة العلوم الصحيحة كما أن التوقيت المخصص لها يجب مراجعته لأنها لا تحظى بالاهتمام الكافي فمادة مثل الفلسفة كان الممكن الاهتمام بها أكثر وترغيب التلامذة فيها من خلال بعث نوادي فلسفية وثقافية بالمعاهد تكون مهمتها شرح الأفكار الكبرى التي أثرت في تاريخ العالم  فيتعرف التلميذ بذلك على الماركسية وأهم أفكار الفلاسفة الكبار فتتكون لديه ثقافة نقدية متينة تحصنه ضد الأفكار المتطرفة والمتعصبة.

إلى جانب كل هذه الاشكاليات من الأهمية بمكان ضرورة الإشارة إلى مسألة ما انفكت تطرح في السنوات الأخيرة وهي كيفية تدريس تاريخ الاسلام دينا وحضارة وتاريخا وهي مسألة في منتهى الحساسية، فهل سيقع تدريس تاريخ الاسلام المنتصر والفاتح وعهود الخلافة الراشدة وعهود الازدهار أم الاسلام المنكسر وعهود الانحطاط والتخلف؟ هل سيقع تدريس الفتن والحروب الدموية بين الصحابة أم اعتبار ذلك أحداث يتجنب الاشارة إليها؟ ألا يتوجب علينا تدريس تاريخ الاسلام بصفحاته البيضاء والسوداء حتى لا نسهم في صنع أجيال تعيش انفصام في الشخصية وغربة عن الواقع؟ أليس ما نعيشه اليوم يثبت أن هناك أزمات دينية دورية يتوجب علينا إيجاد حلول لها؟ كيف يمكننا تدريس تاريخ الاسلام بكل موضوعية علمية ونقدية؟ هذه بعض الاشكاليات المطروحة اليوم في علاقة بتدريس تاريخ الاسلام حيث لا يمكننا أبدا تجاهلها إذا كنا حقا نروم بناء أجيال متوازنة ومتسامحة مع الواقع ومع العصر.

هذا بخصوص المناهج والمواد المدرسة، أما الكتب المدرسية فيتوجب علينا إعادة مراجعتها لتكون مواكبة للتطورات السريعة التي يشهدها العالم فمن غير المعقول ترك بعض الإحصائيات التي تعود للتسعينات والثنمانينات مثلا في مادة الجغرافيا في حين أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولات سريعة بين السنة والأخرى. كما يتوجب علينا كذلك اعادة مراجعة النصوص والموارد المستعملة في بعض الكتب المدرسية فمن غير المعقول اليوم مثلا اعتبار الحركة الوهابية حركة إصلاحية في درس النهضة العربية الحديثة في السنة الثالثة آداب وتدريس محمد بن عبد الوهاب كمجدد في حين أن الوهابية حركة رجعية أسهمت في تخلف الفكر وإعطاء قراءة ماضوية جدا للنص وهي مسؤولة عن التطرف الديني الذي نعيشه اليوم (أنظر كتاب التاريخ للسنة الثالثة آداب الصفحة 272). ألم يجد الشرفي الذي كان على رأس وزارة التربية في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات كتب التربية الاسلامية وهي تعج بأفكار أصولية لا تتماشى وروح  مجلة الأحوال الشخصية: مثل ضرورة ضرب الزوجة، فكرة أن الديمقراطية منافية للإسلام، نظام الحكم الشرعي في الإسلام هو الخلافة… ولا ريب أن كل هذه الأفكار تؤسس لرؤية جهادية حربية تستعيد نماذج أصولية لذلك أفصح الشرفي في بيانه أمام مجلس النواب في نهاية ديسمبر 1992 بمناسبة مناقشة ميزانية وزارة التربية عن ملامح الفلسفة التربوية التي آمن بها ويطمح إلى تحقيقها حيث أكد على أن  “المدرسة سلاح  ذو حدين فإما أن تدرس المواد الحساسة كالتاريخ والجغرافيا والتربية الدينية والفلسفة بصفة عاطفية متشنجة ومتطرفة ومتزمتة وأحادية الجانب فيتكون جيل متوتر وغاضب على الوضع وعلى المجتمع وعلى الدنيا جمعاء وفي نفس الوقت يقع التخصص في الرياضيات والتقنية بصفة مبكرة ومفرطة أو مبالغ فيها فيتكون جيل دون ثقافة عامة جيل جاهل لمجرى التاريخ وبما يجري حوله في العالم وهكذا يتكون جيل عقله كالحاسوب ولكنه ليس عقلا بشريا اجتماعيا لأنه غير قادر على التفكير الذاتي وبالتالي يسهل عليه الإنقياد للشعارات الخلابة …فهذه تربية تعد إلى ظهور مجتمع عنيف كثير الاضطراب  عديم الاستقرار متخلف سياسيا …وإما أن تدرس المواد الحساسة كالتاريخ والجغرافيا والتربية الدينية والفلسفة إلى جانب التربية المدنية التي تعتبر مادة هامة بصفة معتدلة متزنة ومنفتحة على ما يجري في العالم وعلى نتاج الفكر البشري بثرائه وتنوعه وتدرس مواد العلوم الصحيحة بما يلزم من إلمام بتاريخ العلوم الذي برهن على النسبية… ويقع تأخير التخصص إلى ما بعد الحصول على ثقافة عامة واسعة وتكوين الفكر النقدي والقدرة على الرشد الذاتي …عندها تكون تربية لمجتمع متوازن ومتضامن …تربية لمواطن هادىء يقبل الاختلاف دون عنف فيكون المجتمع قادرا على ممارسة الديمقراطية لأنه مجتمع متقدم سياسيا (مقتطف من خطاب وزير التربية والتعليم العالي محمد الشرفي أمام أعضاء مجلس النواب بمناسبة مناقشة ميزانية 1993).

يتبين لنا من خلال خطاب الشرفي أهمية المدرسة ودورها في بناء العقليات ونحت ملامح المواطن السوي المنفتح على الثقافات الأخرى المتفاعل مع عصره والمؤمن بالحداثة فهل نجحنا حقا في خلق هذا الأنموذج الذي يتحدث عنه الشرفي أم أننا ندرس هذه المواد الحساسة كالتاريخ والفلسفة والمدنية والاسلامية بتشنج وتعصب فنسهم بذلك في خلق أجيال لا تعيش مستقبلها وإنما مرتمية في أحضان الماضي. ألم نلاحظ انفلات الأمور بعد الثورة حيث انتشر الفكر الداعشي والأصولي في المدارس والمعاهد وفي الجامعات؟ ألم يرفع علم الدولة الإسلامية فوق كلية الآداب بمنوبة؟

أعتقد أنه بتهميشنا للعلوم الانسانية والجماليات والفنون في البرامج التعليمية هذا مع ضعف الدولة وانعدام المراقبة للفضاء التربوي قد انحرفنا انحرافا خطيرا قد لا نعلم عواقبه في المستقبل فقد تنامى الفكر الأصولي وإزاداد حضور الفكر المتطرف داخل الوسط التربوي الأمر الذي سيؤدي إلى انخرام التوازن في المجتمع وخلخلة القيم الحديثة التي عملت على ترسيخها الدولة الوطنية. فماهي الحلول التي يمكن لنا أن نقترحها حتى نحاول الخروج من هذا الانحراف الخطير الذي يعصف بالمدرسة التونسية؟

لا ريب أن الحلول التي سنقترحها ستكون متعلقة بالمناهج التربوية والتعليمية التي يتوجب علينا مراجعتها وتحيينها كما ذكرت سلفا ففي مرحلة أولى يتوجب علينا تكريس قيم الاختلاف والتعدد واحترام الآخر اذ لا يمكن بناء مواطن الغد بدون احترام هذه القيم وتجذيرها. أما في مرحلة ثانية فإننا مطالبون بتحيين الكتب المدرسية ومراجعتها لحذف الدروس والموارد التي لا تتماشى وروح القيم الحديثة التي تأسست عليها الدولة الوطنية. كما يتوجب علينا كذلك إعادة الإهتمام بالعلوم الانسانية والجماليات والفنون وذلك بمراجعة التوقيت المخصص لها والضوارب وطرق تدريسها ومحتويات البرامج. زيادة إلى ذلك لا يمكننا أن ننكر أهمية النشاط الثقافي في المعاهد والمدارس   حيث يتوجب علينا تكثيف الانشطة الفكرية والثقافية من أندية وورشات تهم المسرح والفنون والسينما والأدب والقراءة والمطالعة. أما في جانب آخر فمن الضرورة القصوى جعل هدف المدرسة خلق الروح العلمية والنقدية لدى التلميذ وليس حشو الأدمغة بالمعارف التي لا تسمن ولا تغني من جوع فذلك لن يفيد شيئا. إذ لا يمكننا ان نتقدم في غياب ملكة الفكر النقدي التي تجعلنا نطرح الأسئلة الكفيلة بإخراجنا من الانحطاط الذي نرزح تحته منذ قرون.

******

المراجع

  • عيسى (لطفي)، أخبار التونسيين مراجعات في سرديات الانتماء والأصول، دار مسكلياني للنشر، 2019.
  • التيمومي (الهادي)، تعليم الجهل في عصر العولمة والاصلاح التربوي بتونس، دار محمد علي الحامي، صفاقس، 2016.
  • المبخوت (شكري)، تاريخ التكفير في تونس أبناء بورقيبة، دار مسكلياني للنشر، 2019.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This