كتاب تديين البداوة

ترسخت فكرة “تعليل” أحكام الشريعة قبل الشاطبي في حقل علم أصول الفقه، ومعناها أن احكام الشريعة بنيت على أساس مراعاة “مصالح” المتعبدين بها، ويرجع ذلك إلى تشبع علم الأصول بأدبيات علم الكلام، غير أن الشاطبي عمل في كتابه على توجيه فكرة التعليل في الاتجاه المخالف لما تقررت به في علم أصول الفقه.

انعكس ذلك التوجيه على نظرته وتصوره لنتيجة “التعليل”، والتي سماها المعتزلة ب: “مصالح العباد”؛ وهي الفكرة التي حملت اسم “المصالح المرسلة” عند علماء أصول الفقه، وبعد ذلك اسم “مقاصد الشريعة”. يقارب الكتاب تصور الشاطبي لمقولة: “مقاصد الشريعة” كما يعكسه متن خطابه، ونصوص كتابه الموافقات، التي تشغل حيزا مهما في بنية الكتاب؛ إذ هي موضوع للدراسة والتحليل، وفي نفس الآن هي الدليل على خلاصات التحليل واستنتاجاته.

واعتمد الكتاب منهج التأسيس على نصوص الشاطبي حرصا على الوفاء بشرط الموضوعية في المقاربة قدر المستطاع. وتوصل الكتاب إلى أن الشاطبي خالف علماء الأصول قبله في مقولة “المصلحة” التي عللوا بها أحكام الشريعة. وهذه المخالفة هي التي تعكس منجز الرجل في مجال علم الأصول؛ إذ أصبحت “المصلحة” عنده مقيدة، بعد أن كانت عند الأصوليين قبله مطلقة، أو بعبارتهم “مصلحة مرسلة” أو مستحسنة بالعقل.

أصبحت “المصلحة” أو “مقاصد الشريعة” مقيدة بالعرف العربي؛ او بعبارته الأثيرة مقيدة ب: “معهود العرب” الذي يرى الرجل أن “الشريعة” مفصلة على مقاسه؛ فمقاصد “الشريعة” بناء على ذلك لم ولا تتجاوز ممكنات معهود العرب في نمط الحياة، وفي الفكر والثقافة، وفي العلم والمعرفة (…).

قد لا يعتبر تأصيل أحكام “الشريعة” في “معهود” العرب مشكلا، وقد ساق هو نفسه أمثلة لذلك منها احكام الإرث، والزواج والطلاق وطقوس الحج وغيرها، لكن الاشكال في فكر الرجل يعود إلى أنه ارتقى بالمعهود إلى درجة “الدليل” الملزم للمسلمين في جميع عصور حياتهم باسم الدين؛ فجعل أصحاب المعهود، وهم العرب الذين أصبحوا يحملون اسم “السلف”، الدليل على الشريعة، وعلى ما يجب المسلم الالتزام به، ويحرم عليه الخروج عنه او تجاوزه.

يمثل “معهود العرب” في أبعاده المشار إليها، في نظر الشاطبي، السقف الأعلى لمقاصد “الشريعة”، الذي يمنع على المسلم تجاوزه؛ وأي محاولة في هذا الاتجاه تسقط في “البدعة” والضلال. وبعدما أضفى على “الشريعة” الطابع العربي، أضفى عليها كذلك سمات العرب وخصائص ثقافتهم ومعهودهم، ويأتي في طليعتها سمة “الأمية”. فقرر أن: “هذه الشريعة المباركة أمية لأمة أمية”.

ووقف الكتاب عند مفهوم “الأمية” التي وسم بها “الشريعة”، وأمة الشريعة؛ أي المسلمون فحلل تأسيسا على نصوص الرجل ومتنه ما تعني “الأمية في سياق خطاب الرجل، وهو أن معناها هو الجهل، وليس بالمعنى الذي وردت به في العديد من آيات القرآن، حيث ترد بمعنى “من ليس له كتاب ديني”. فقد رجع الرجل في اثبات صفة “الأمية”، إلى الأصل وهو معهود العرب، فاستعرض الأنشطة “الفكرية” والثقافية للعرب قبل الإسلام، كالقيافة والعرافة والفراسة (…)، وخلص في النهاية إلى أن كل علم لم يكن معروفا عند العرب، وليس جزءا من معهودهم الثقافي فليس مطلوبا في “الشريعة” وباسمها، وأي محاولة في هذا الاتجاه هي ادعاء عليها، وحمل لها على لا تحتمل.

وساق أمثلة للعلوم التي عمل بعض المسلمين على تعاطيها، وبنوا مشروعية تلك العلوم على نصوص القرآن، وذكر منها بالاسم “العلوم الطبيعية”، حيث أدخلها ضمن قاعدة: “ما ليس تحته عمل”، والرياضيات والمنطق، ويفرد في السياقات التي يؤصل فيها لفكرة الأمية، وهي كثيرة، الفلسفة بموقف خاص، فقرر أنها ليست من جنس ما يتعبد به لله، وأنها لا تناسب العرب المجبولين على الأمية والأساليب الأمية في اللغة والتعبير، والأمية في مناهج التفكير.

ولم يقف عند صفة الأمية وحدها؛ بل فصل القول في الكثير من السمات المؤسسة عليها أو المولدة منها، فهي كلها في نظره ممنوعة في الحياة الإسلامية منها: البحث والتعمق، ومواجهة إشكالات الحياة بحثا عن حلولها، والسؤال والجدال (…) حيث يرى أن كل ذلك يتناقض مع ما وضعت له “الشريعة” في الأصل، وهو أنها وضعت: “لمقاصد التكليف بمقتضاها”، وما سبق كله ليس من مقتضاها.

رجع الشاطبي في تأسيس البعد العربي ل: “الشريعة” إلى الشافعي في كتاب: “الرسالة”، الذي يرى الشاطبي أنه اول من نبه إلى ذلك، وانتقد علماء الأصول بعده؛ إذ لم يلتفتوا إلى ما قرره الشافعي. حيث عمل هؤلاء، وأغلبهم فقهاء رأي وعلماء أصول متكلمون، على توسيع أفق الشريعة لتسع تعاليمها؛ أو لنقل لتسع مغانمها ومصالحها جميع القوميات التي كان يتشكل منها المجتمع العربي الإسلامي.

عمل الشاطبي على تجاوز منجز علماء الأصول، وفقهاء الرأي بعد الشافعي. ويبرز الكتاب الانعطاف إلى الخلف الذي قام به الرجل في مجال قراءة وفهم الشريعة، معانقا القراءة السلفية، التي هي قراءة عربية قرشية في جوهرها؛ أو بعبارة عبد الله العروي: “قراءة أسياد قريش”. وهي القراءة التي تمت شرعنتها؛ أو لنقل تم “تديينها” بالأحاديث والمرويات، التي تم تأسيسها “نصا” دينيا مضافا إلى النص التأسيسي للتجربة النبوية الإسلامية، وهو النص القرآني.

يفصل الكتاب مسار الانعطاف بالشريعة إلى معهود العرب الأميين، وتقييد أفقها بسقوفه وحدوده، والأدوات الحديثية و”السلفية” التي وظفها الرجل في ذلك، فأصبحت غاياتها ومقاصدها لا تتعدى تلك السقوف، وهو ما يجعل السلف العرب، وهم أصحاب المعهود، هم وحدهم المؤهلون لفهم “مقاصد الشريعة”، وتقديم النموذج الذي يسقط الخروج عنه ومخالفته في “البدعة”.

يبرز الكتاب كيف خاض الشاطبي غمار المعارف الإسلامية؛ المتعددة المذاهب والتيارات والتوجهات، فانتصر لمذهب أهل الحديث وللسلفية التي تولدت من رحم المقولة الحديثية، وحاول كما أشار في المقدمة إلى سبب تمية كتابه: “الموافقات”، أن يوفق بين المذاهب والتيارات، التي تأطرت تحت عنوانين رئيسين هما: الرأي والأثر، أو العقل والنقل.

أخذته مغامرة “التوفيق” إلى حيث يريد تارة، وإلى حيث لا يريد تارات كثيرة، بسبب انحيازه لأهل الأثر والنقل والسلفية، فاضطرب كثيرا، وتاه حيث حاول الجمع بين ما يستحيل الجمع بين مكوناته. لكن الخلاصة التي سيقف عليها القارئ في سياق تلك المغامرة، هي أن الرجل ضحى بالعقل وأهله، وهو المعبر عنه في الثقافة بالرأي، فأعلن بصريح العبارة أن العقل تابع للنقل السلفي، وأنه غير قادر على إدراك ما هي مصلحة صاحبه؛ أي الانسان المسلم، الملزم والحالة هذه باتباع رسوم الأحكام والتقيد بها، سواء تحققت له في ذلك مصلحة أو لم تتحقق. فهذه الرسوم هي عين “مقاصد الشريعة”، ولو ترتبت عليها مشاق، فهي مشاق متوهمة وليست حقيقية؛ فما عليه إلا تحملها فيدخلها، في حال حصول المشقة بها، في باب الابتلاء.

يقدم الكتاب للقارئ، الأدلة من متن خطاب الرجل، التي تحثه على إعادة قراءة فكر الشاطبي، وإعادة النظر في الصورة التي يُعرض بها اسم الرجل ومقولة: “مقاصد الشريعة” اللصيقة باسمه في الساحة الثقافية والفكرية العربية والإسلامية الحديثة والمعاصرة، حيث إن التصور السائد عن الرجل، وهو أنه “مجدد” في مجال الاجتهاد الأصولي والفقهي، وعن مقولة المقاصد، مخالفة لما عمله الرجل، حيث إن حقيقة عمله هو شحن المقولة بجميع أقسامها: الضروريات والحاجيات والتحسينيات بالمضامين السلفية، فهي لا تتجاوز “معهود العرب” وآفاقه الحياتية والفكرية والمعرفية.

يبدو أن الشاطبي أكثر وعيا ببنائه لمقولة “المقاصد” من الجهات الإسلامية التي توظفها اليوم بشكل مخالف لتصوره؛ إذ الرجل بنى “المقاصد” بما يخدم توجهه السلفي الحديثي، الذي أراد حماية رسوم معهود العرب” مما تتيحه فكرة “التعليل” الأصولية والكلامية من إمكانية التجاوز.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم جادالله

    عودة رائعة اليكم

أضف تعليق

Share This