المكتبة المفقودة

تعود إلى زمانٍ غير محدد وغير معروف حتى الآن، كل المعلومات التي وصلتنا أنها كانت مساحة هائلة من الأراضي على شكل متاهات، متاهات عملاقة، متاهات نشطّة، تتحول وتتبدل كلما تزايدت عدد الكتب، كانت المكتبة تضم موظفين متميزين، ذوي رؤى متفتحة، متمكنين لغوياً وحسياً حيث أن عملهم كان صياغة الأسلوب القصصي بشكل مفهوم ومقبول لجعل الخيال أنضج وأرحب، والهدف الوحيد لهذا التزوير المبهج هو جعل جميع السكان متفهمين للقصة (لا نملك أي وثائق عن حوارات الموظفين وطرق معالجتهم للنصوص)، وأن يضيف السكان على القصة وجعلها للجميع، لا توجد قصة منتهية في المكتبة، كل القصص كانت ذات نهايات مفتوحة لكي يضيف أي زائر عليها إذا رغب.

لم يُوجد كاتب محدد لكتاب محدد، السمّة المشتركة كانت أن الجميع يقرأ والجميع يكتب، لا تمجيد لكاتب معيّن ولا توقيع ولا جوائز ولا نجاحات، بهذه الطريقة تمكنت المكتبة بشكل لين بتذويب التفوق الأعمى، وإزالة السلالم النجاحية التي تقتل البراءات وتحول الإنسان إلى جهاز تذمر.

ساهمت المكتبة بجعل جميع أفراد المجتمع أدباء ومفكرين وأحرار بطرق مختلفة، كان للمكتبة قسم للزراعة، لكنها لم تضمّ أي مخطوط يوضح طرق جني القمح أو الشعير او تشذيب أشجار الكرز. وقسماً آخر للغات الحسيّة، اهتمت المكتبة بالجانب الروحي اهتمامها بالجانب الجسدي، ومن هنا كان البشر يدخلون هذا القسم بهدوء شديد ويجلسون في مكان هادئ، ويبدؤون بالاستماع إلى أصوات أرواحهم.

لم يتم التأكيد حتى الآن بأي لغة كانت المكتبة تنطق. على الأغلب كانت لغة روحية خالية من الكلمات، وحدها المشاعر والقلوب كانت تتأثر وتفهم.

لم يحصل في تاريخ المكتبة أن تعارك سُكانها، كان جميع سكان المكتبة، يمتلكون صفات نبيلة، ومن أهم الصفات التي تم التأكد منها، صفة الاستماع إلى الآخر، وتفهم الآخر مهما كان جنسه أو عمله اليومي.

كانت المكتبة وعياً، وعياً كاملاً، عجيبا بتغيراته واجتماعاته وطرق رؤيته لجوهر الحياة. اهتمت المكتبة بشكل كبير بالغناء والرقص والبنية الجسدية، وكانت العادة في أيام الاعياد، أن يلحن الشعراء قصائدهم بأنفسهم، حيث أن الجميع كان يمتلك خبرات عديدة، مواهب رائعة … ظهرت الرقصات الخاصة بالمطر والبرد وللنار وللأشجار وللموت وللحب

لم تكن للمكتبة مواعيد، كانت مفتوحة دائما، أبوابها ونوافذها مفتوحة للجميع، ولكنها كانت تحمّي نفسها بالاختفاء كليا عن وجه الأرض إذا تم تهديدها، وبهذه الطريقة حافظت على نفسها من هجمات اللصوص، والغزاة، ومن الحرائق والفيضانات والزلازل

عندما انهارت المكتبة لم يسمع صوت انهيارها سوى الإنسان. الإنسان وحده سمع صوت انهيار المكتبة الضخمة، لم تسمعه الحيوانات ولا النباتات ولا حتى النائمون، أرسلت المكتبة صوت انهيارها الهادئ جدا إلى الذين كانوا مستيقظين، هم وحدهم سمعوا الصوت، كان أشبه بسقوط أوراق الأشجار.

كانوا واقفين على أسطح منازلهم عندما انهارت، لم يرى أحد ما حدث، بل سمعوا صوت إنهيار المكتبة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This