عن إيفان كارامازوف وشيطانه

كل شيء مباح في عالم بلا إله. هذه هي الفكرة المحورية التي يتبناها إيفان كارامازوف، وهو واحد من ثلاثة إخوة يشكلون الشخصيات الرئيسة في رواية الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي. عبر الذكاء المتقد والثقافة الواسعة، تمكن إيفان من عرض حجج قوية تهز أركان الإيمان المسيحي. كما أن الهيبة التي يتمتع بها والقوة التي يعرض بها أفكاره جعلتا مناظراته العبقرية عصية على الخصوم، فلا نجد رداً وافياً عليها طول الرواية. في أحد أهم أجزاء الرواية، يعرض دوستويفسكي مشهداً يتحاور فيه إيفان كارامازوف مع الشيطان، وحيث أن رواية الأخوة كارامازوف هي آخر رواية كتبها دوستويفسكي، فإن هذا الجزء من الرواية هو بحق من أعظم ما كتب في تاريخ الأدب الروائي.

يبدأ المشهد بتنبيه من الراوي أن إيفان كارارمازوف “على أهبة أن يصاب غداً بنوبة حمى حارة”، وكان إيفان قد زار بالفعل طبيباً شخصه بأنه “مصاب باضطراب دماغي”، وحذره أنه “من الممكن أن توافيك هلوسات”. كان إيفان جالساً بغرفته، وحالته أقرب ما تكون للهذيان حين لاحظ وجود شخص ما بالغرفة، “على الكنبة المستندة إلى ذلك الجدار كان قد ظهر منذ هنيهة شخص دخل الغرفة لا يدري إلا الله كيف”. إن هذا الشخص هو الشيطان؛ جنتلمان روسي في الخمسينات من عمره تقريباً، ويبدو من وصف ثيابه أنه “ينتمي إلى فئة ملاكي الأراضي القدماء الذين كانت أوضاعهم مزدهرة في عهد القنانة”. إن العديد من أوصاف الشيطان تتشابه مع أوصاف فيودور بافلوفتش كارامازوف، والد إيفان. يصف الراوي الشيطان بكلمة “طفيلي” وهي كلمة استخدمها من قبل في وصف والد إيفان، كما أن إيفان نفسه يصف كلاً من الشيطان ووالده بصفة الغبي.

يبدأ الشيطان حواره مع إيفان بتذكيره بشيء ما نسي أن يفعله، ويصرّ إيفان أنه كان ليتذكر الشيء بنفسه، وبالتالي لا يثبت ما قاله الشيطان أنه الشيطان فعلاً بل هو جزء من مخيلة إيفان. وهنا يرد الشيطان: ” لك أن تعتقد بما تشاء. ما جدوى الإيمان الذي يتم بقسر وإكراه؟ ثم إن البراهين لا يمكن أبداً أن تصلح أساساً يقوم عليه الإيمان ولا سيما البراهين المادية”. ويضيف قائلاً: “إن القديس توما لم يؤمن لأنه رأى المسيح يبعث، بل لأنه كان ظامئاً إلى الإيمان قبل ذلك”. يكمل الشيطان حواره بتعجبه من الناس الذين يؤمنون بعالم الغيب ويسوقون براهين مادية على ذلك الإيمان، فيقول ساخراً: “تخيل أنهم يتصورون أنهم ينفعون الدين لأن الشيطان يظهر لهم قرونه من حين إلى حين”، وبالتالي لا يمكن أن تكون غاية الدين إثبات صحته بقرائن مادية. ويسأل الشيطان هنا سؤالاً محورياً: “هبهم برهنوا على وجود الشيطان، فهل يترتب على ذلك أن الله موجود أيضاً؟!”. يضعنا هذا السؤال أمام احتمالين؛ الأول أن الشيطان من مخلوقات الله، وبالتالي فإن إثبات وجود الله بوجود الشيطان كإثبات وجود الله بوجود البشر، وهو إثبات واهٍ. الاحتمال الثاني أن الشيطان هو جزء من الله، أو بعبارة أخرى أن الإله يحوي الجزء الخيّر والجزء الشرير (أفكار كارل يونغ على سبيل المثال)، وهذا بحد ذاته ضد التصور المسيحي للإله بأنه خير مطلق.

يستمر حوار إيفان مع الشيطان، ويحاول إيفان أن يقنع نفسه (أو الشيطان الماثل أمامه) بأنه هلوسة من دماغه المريض. بلحظة من عصبية إيفان يقول للشيطان: “اسكت وإلا هويت عليك ركلاً”. وهنا ينتهز الشيطان الفرصة ليضع إيفان في حيرة أكبر من الحيرة التي هو فيها أصلاً، فيقول: “إذا كنت تريد أن تركلني فمعناه أنك أصبحث تؤمن بوجودي واقعاً لا وهماً”، ولكن ما هو الواقع وما هي الحقيقة التي يتحدث عنها الشيطان؟ إيفان بطبيعة الحال لا يؤمن بوجود هذا الشيطان ككيان خارج عنه، حيث يقول: “ما أنت إلا أنا”، حيث أن الشيطان برأي إيفان يمارس ألاعيبه عن طريق التعبير عن أفكار إيفان والإفصاح عن خواطره في نفس اللحظة التي توافيه فيها هذه الأفكار والخواطر. يستفز الشيطان إيفان، فيقول له إيفان بلحظة غضب: “أنت غبي وسوقي”. لا بد أن يختلف القارئ مع هذا الوصف، حيث يبدو الشيطان ذكياً ومثقفاً ومحاوراً لبقاً.

يذكر الشيطان شيئاً عن الفكرة السائدة عنه في أذهان الناس، “من المسلّم به في المجتمع عامة، كبديهة من البديهيات أني ملاك سقط. شهد الله أنني لاأستطيع أن أتخيل كيف أمكن أن أكون في الماضي ملاكاً. وهبني كنت في الماضي ملاكاً، فإن ذلك يرجع إلى عهد بعيد إلى حد أنني أعذر إذا أنا نسيته”. في الحقيقة، يضعنا دوستويفسكي هنا في حيرة من أمرنا؛ هل نسي الشيطان أصله فعلاً؟ وإن كان قد نسي، فما الذي يترتب على ذلك؟ من الممكن أن نعثر على طرف خيط للإجابة بالعبارة التي يقولها الشيطان: “لا شيء مما هو إنساني غريب عني”. يفكر إيفان ملياً بهذه العبارة ولا يعتقد أنها قد خطرت على باله في يوم من الأيام، فهل يعني هذا أن الشيطان الماثل أمامه حقيقي؟ يجاوبه الشيطان نفسه: “مهما أكن مجرد هلوسة صادرة عن دماغك، فهذا لا ينفي أنني اقول أشياء فيها جدة وطرافة وأصالة لم تخطر ببالك حتى الآن”. وبهذا يربك الشيطان إيفان بأكثر الطرق مكراً، حيث إن هدفه أن يقنعه بأن له وجوداً واقعياً، ثم ها هو ذا يعلن أنه ليس إلا مخيلة إيفان وهلوساته.

يرى الشيطان أن الحياة بلا معاناة هي بحد ذاتها، بطريقة أو بأخرى، معاناة من نوع معين. إن حزن الشيطان نابع من إحساسه بالمعاناة على الرغم من عدم اختباره للعيش، فهو يغبط البشر لأنهم “يتعذبون عذاباً لا نهاية له.. هذا صحيح.. ولكنهم في مقابل ذلك يحيون.. يحيون حياة واقعية، لا وهمية. لأن العذاب هو الحياة”. الشيطان يتألم ومع ذلك لا يحيا. يقتنص إيفان الفرصة في هذا التوق والحنين عند الشيطان أن يكون بشراً ويسأله مباشرة إذا كان الله موجوداً أم لا، ويجيبه الشيطان بأنه ببساطة لا يعرف! ما الذي يعنيه كون الشيطان لا أدرياً؟ وإن كان الشيطان نفسه غير متأكد من وجود الإله فكيف لنا نحن البشر أن نتأكد؟ ويبدو أن الشيطان يعقد مقارنة ساخرة بين عدم تأكده من وجود إله وعدم تأكد إيفان من وجود الشيطان، وهذا بالذات انعكاس لأفكار دوستويفسكي؛ حيث يقول على لسان الشيطان: “لا بد لاندفاع البشر إلى شكر الله وحمده من أن يمر بحفرة الشكوك”، ويقول دوستويفسكي في مذكراته إنه لا يؤمن بالمسيح إيمان صبي ولا يعترف به اعتراف فتى غر، “إن تسبيحي قد مر بهوة من الشكوك كما يقول الشيطان في روايتي”.

يبقى مصير إيفان كارامازوف مجهولاً عند نهاية الرواية، كما تبقى معضلته بلا حل. لقد شهر إيفان سلاحه في وجه الدين بطريقة لا مثيل لها، إلا أن انغماسه في عالم الأفكار جعل العالم يلوح له معتركاً ظلالياً من الأشباح. وكما نثر الشيطان بذور الشك في ذهن إيفان كارامازوف، فإن دوستويفسكي يزرع الشك أيضاً في أذهاننا كقراء؛ فنحن أمام أدلة متناقضة على وجود الشيطان، وبالتالي علينا أن نقرر مثل إيفان إن كان الشيطان مجرد هلوسات أم لا. لا يقدم لنا دوستويفسكي في النهاية جواباً قاطعاً، ويتحول السؤال عن وجود الشيطان من سؤال إبستيمي إلى سؤال عن الإيمان والأخلاق. يحملنا دوستويفسكي في رحلة الشك هذه نحو عوالم الأخلاقيات والميتافيزيقا، ويحفزنا للبحث عن أجوبة لأكثر أسئلة وجودنا عمقاً.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. علي النقاش

    ألحوار بين الشيطان وايفان مؤكد انه يراود كل انسان له القدرة للخروج من سجن أفكاره ويتحرر من التعمد بتسييجها ذاتيا فعبور الأفكار يجعلها تدخل في عالم اخر لا يدري هل هو محاط أيضا بسياج يحتاج لاختراق مرة أخرى وهل بعد هذا الاختراق سنحس بفضاء لا حدود لتقمعه خوف المجهول من فضاءات نتوجس في الخوض في غمارها الغير المحدودة ام ان الفكر الاخر سيفرض اسيجة على انطلاق تصوراتنا بعوالم لم نكن نحلم بها او حتى نخاف التقرب منها ..

أضف تعليق

Share This