لحسن حظ العراقيات لم تمر التعديلات “الداعشية” في مجلس النواب. بقيت قوانين الأحوال الشخصية عالقة في عام 1959، وتحتاج إلى تحديثات كبيرة لمواكبة العصر، ولتأمين العدالة من تخلّف مواد قانونية وذكوريتها.
ماذا يحدث إذا استيقظت ذات يوم على صوت بابك وهو يقرع، وحينما تفتحين الباب، تجدين في الخارج شخصاً يقول لك إن هذا البيت بيع وقد باعه إياه زوجك وإن عليك المغادرة فوراً؟

هذا الأمر حدث مع حذام حسن (50 سنة)، حينما القى بها زوجها مع أولادها في الشارع، بعدما باع البيت وتزوج بسيدة أخرى ورحل إلى إيران عام 2007. بعد زواجٍ استمر 20 عاماً، ارتكبت حذام خطأً كبيراً بمنح زوجها توكيلاً عاماً لإدارة شؤونها المالية بشكل قانوني، ” باع كل ممتلكاتي لنفسه مستغلاً التوكيل، وهرب مع امرأةٍ أخرى، وكان واثقاً من أنني لن استطيع أخذ حقوقي كمطلّقة في حال طالبت بالطلاق”.

لا تثق حذام بقوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في العراق. تروي حكايتها لـ”درج”: “تزوجت في العشرين من عمري من رجل من الطائفة الشيعية، وقتها كانت معتقداته شيوعية، ولم يكن مبالياً بالدين والطائفة، فقد تزوجني وانا من الطائفة السنية، بعد 3 أعوام من الزواج عانينا من مشكلات مادية وأزمات، ما دفعنا للعيش في منزل والديّ وهناك عومل زوجي بشكل جيد جداً واعتبره أبي بمثابة ابن له”.
20 عاماً بقيت حذام وزوجها في بيت أهلها، وبعد سقوط نظام صدّام حسين ومجيء عائلة زوجها إلى العراق، تغيرت العلاقة بينهما: “مع سقوط صدّام ظهر تطرّف شيعي عند عائلة زوجي، الذي أصبح ملتزماً دينياً ومذهبياً، وفي كل تجمع أسريّ، كانت عائلته تحاول الانتقاص من طائفتي، ويحرضونه امامي على الزواج بثانية، تارة بطريقة جادة وطوراً بالمزاح”.

بعد وفاة والديها، فوجئت حذام بأنها وقعت ضحية ثقتها بزوجها: “اختفى زوجي، تركني في الشارع مع ثلاثة ابناء. فكّرت بالطلاق، لكنه أخبرني أنني لن أحصل على شيء بعد الطلاق”. قال لي بكل وقاحة: “سأقول في المحكمة إنني بلا عمل، وسأمنحكِ 750 ديناراً عراقيا كل شهر أي ما يعادل نصف دولار أميركي، إذا طلبتِ الطلاق!”. بعدها قيل لحذام إن زوجها أخذ زوجته الثانية وسافر إلى إيران للاستقرار هناك.

لم تطلب حذام الطلاق، لأنها على يقين من أن “القانون لن ينصفني، بسبب الفساد في القضاء والمحامين، كما أنني خشيت من المجتمع بأن يوصمني بالمطلقة بعد هذا السن، وأن تبقى ابنتيّ من دون زواج لأن امهما مطلّقة”.

حذام من الطائفة السنية، تزوجت وفقاً للمذهب الحنفي، الذي ينص على أن “المرأة تأخذ حقوقها من مؤخر المهر، والنفقة وما إلى ذلك بعد الطلاق”، على عكس ما ينص عليه القانون الجعفري المعتمد في الطائفة الشيعية بأن “للمرأة الحق بالمطالبة بالمؤخر من المهر أثناء الزواج وعلى الزوج سداد المؤخر خلال ثلاث سنوات من مطالبة المرأة به” بحسب القاضي هادي عزيز.
صراع ا لديني والمدني
يقول المحامي الحقوقي طارق عزيز يقول لـ”درج” “إن تشريع بعض الفقرات في قانون الأحوال الشخصية، أي المادة 41 من القانون والتي تنص على أن العراقي حر بأحواله الشخصية، أضرّت بالمادة 14 من الدستور والتي تنص على أن العراقيين متساوون بالحقوق والواجبات، فالمادة 41 تنص على محاسبة مختلفة بين أبناء الطوائف المختلفة، بما يتنافى مع مبدأ المساواة بين المواطنين في الدستور”.

يرى كثيرون أن مشروع الدولة الدينية بدأ في العراق بعد الاجتياح الأميركي عام 2003. وقوانين الأحوال الشخصية، وإن كانت لم تخضع لأي تعديلات منذ عام 1959، إلا أنها في نصوصها أكثر مدنية من التعديلات المقترحة عليها، والتي وصلت عام 2017 إلى حدّ تشريع زواج القاصرات، ووُصفت آنذاك بأنها تحمل “نكهة داعشية”. لحسن حظ العراقيات قبل العراقيين لم تمر التعديلات “الداعشية” في مجلس النواب. بقيت قوانين الأحوال الشخصية عالقة عام 1959، وتحتاج إلى تحديثات كبيرة لمواكبة العصر، ولتأمين عدالة جندرية وحماية الأطفال والنساء من تخلّف مواد قانونية وذكوريتها. ويعد القانون مسرحاً دائماً للصراع بين الإسلاميين والمنظمات الحقوقية المدنية والنسوية داخل مجلس النواب، فقد تم التصويت ضد مقترح قانون الأحوال الشخصية المدني عام 2006، الذي قدمته مجموعة من المنظمات النسوية، كما رفض مقترح لقانون الأحوال المدنية الجعفري عام 2013 الذي قدمته كتلة “الفضيلة”، ورفض مقترح مشابه تقدم به النائب حامد الخضري من “كتلة المواطن” عام 2018.

منظمات المجتمع المدني ترى أن العراق مُلزم باتفاقية سيداو التي تنص على حماية حقوق النساء كافة. تقول أمل كباشي، عضوة في “شبكة النساء العراقيات” وناشطة في مجال حقوق المرأة: “نحن لا نريد من الحكومة العراقية تغيير قانون الأحوال الشخصية أو تغييرها، في ظل وضع امني وسياسي غير مستقر، ومع وجود هؤلاء النواب الذين ينظرون للقرارات المدنية بشكل إسلامي بحت ويخرجونها عن مدنيتها بما لا يتناسب والمجتمع العراقي المتنوع”.

ثغرات القانون كثيرة لكن تفعيل مواد القانون هو العائق الأكبر وكذلك أساليب تنفيذه. برأي كباشي “هذه الثغرات ليست مؤثرة ولا تنسجم مع واقع حقوق المرأة فضلاً عن أن المشكلة الأكبر تكمن في انحياز القضاة للرجال على حساب النساء”.
لا مساواة في “الخيانة”
“عدتُ الى منزلي، لأجده في سريري مع امرأة اخرى”، تقول رند (29 سنة) لـ”درج”. ضربها زوجها بعد شجار طويل دار بينهما. شريكته في العلاقة، أما زوجته رند فأخذت ابنتها وغادرت المنزل. لم يحاول زوجها الاعتذار لها عن فعلته “لم يكن نادماً ولم يحاول إصلاح ما بيننا بل على العكس، بعث لي بأنه يريد الخلاص مني ومن ابنته، لكنه لن يطلق، وإن كنت أريد حريتي فعليّ أن أطلب الطلاق بنفسي، حتى لا يعطيني حقوقي، كان عمر ابنتنا وقتها قُرابة العام، ولم يمر على زواجنا سوى سنتين ونصف السنة”.

رفعت رند دعوى قضائية في المحكمة، للمطالبة بالنفقة لها ولابنتها، لكنها لم تحصل على شيء، لأن الزوج تمكن من أن يثبت من خلال بعض الشهود أنه لا يعمل، فحكمت المحكمة بنفقة رمزية تعادل 50 دولاراً شهرياً. قامت الزوجة برفع دعوى في محكمة التحقيقات للمطالبة بالتفريق والسبب هو الخيانة الزوجية، “لكن القاضي طلب 4 شهود معي يثبتون أن زوجي كان مع امرأة اخرى في سرير الزوجية”.

يبدو هذا الشرط سوريالياً. لكنه حاضر في قوانين الأحوال الشخصية العراقية. إذ يُعاقب كل من الزوجين، بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات في حال قيام أي منهما بفعل “الزنا” في فراش الزوجية، وفقاً للمادة 377 من قانون الأحوال الشخصية، لكنها تشترط للإدانة توفر 4 شهود. نص المادة واضح وصريح وينطبق على الزوج والزوجة بالتساوي، “لكن المشّرعين والقضاة في العراق، سيكتفون برسالة هاتفية، أو مكالمة صوتية، دليلاً على خيانة الزوجة، أما في حال خيانة الزوج فيطبقون الشرط التعجيزي المنصوص عليه في المادة 377 وهو توفر 4 شهود يؤكدون قيام الزوج بفعل الخيانة في فراش الزوجية”، بحسب المحامي علي سلام.

نالت رند الطلاق بعد معركة طويلة وبعد رشاوى اضطرت إلى دفعها لقضاة وتكاليف صرفتها على المحامين، وحكم لها بنفقة لا تتعدى الثلاثين دولاراً شهرياً لقاء “حريتها”. في قضيتها كما في قضية حذام، تفشل النساء في إثبات حقوقهن بالقانون، الذي يستخدم ضدهن. كما تنتهي حالات الخيانة الزوجية في العراق، إذا ارتكبتها امرأة، بحلولٍ عشائرية لا قانونية، تقوم المرأة خلالها بالتنازل عن حقوقها وحتى عن حضانة الأطفال، في سبيل عدم التشهير بها. أما إذا كان الخائن هو الرجل، فلا ينتهي الأمر بحسب سلام، لا قانونياً ولا عشائرياً: “في مجتمعنا لا يوصم الرجل، والقضاء صار يعد فعل الخيانة أشبه بالسرطان بسبب استفحاله وانتشاره لكنه يقتص من النساء المتزوجات اللاتي يقمن بهذا الفعل لأن المجتمع في العراق يحاسب المرأة لا الرجل، ويوصم أبناءها واسرتها وعشيرتها بـ”العار” في حال إثبات فعل الخيانة عليها”.
الوصاية للرجال
تزوجت شميران (30 سنة)، وهي من الديانة المسيحية، في السابعة عشرة: “لم أكن أملك الوعي الكافي حينذاك، كانت ظروفي العائلية صعبة للغاية”. قبلت شميران أن تعطي شهادتها لـ”درج”، مع عدم ذكر اسم عائلتها وأي تفاصيل أخرى تدلّ عليها، لكنها تودّ أن تصل قصتها لتكون عبرة لأخريات. بعد قرار الزواج، واتمامه، مرّت شميران بمشكلات زوجية، لم تتدخل بها لا أسرتها ولا اسرة زوجها.

انفصلت شميران عن زوجها بعد أقل من عامين وكانت أنجبت طفلاً، لكنها لم تنل طلاقاً رسمياً قانونياً. بقيت على “ذمّته”: “غيّر زوجي دينه. اعتنق الإسلام، وتزوج من امرأة ثانية بعد اربع سنواتٍ من انفصالنا لهذا قررت رفع شكوى طلاق ضده، لكن المحامين الذين أوكلتهم خذلوني بسبب الماديات والاموال، فتطلقت بعد اربع سنوات من رفع الدعوى من دون الحصول على أيّ من حقوقي”.

تركها زوجها وهاجر من دون أن يتخلى عن وصاية ابنه، “بقي ابني تحت وصايته، وأنا وابني نعيش هنا في ظروف صعبة، لكن لا يحق لي أخذ ابني والسفر به خارج العراق، لأنه يحتاج إلى إذن من أبيه الوصي عليه، وعليه أنا مضطرة للانتظار إلى حين بلوغ ابني السن القانونية (15 سنة) لأستطيع السفر معه بمفردنا من دون الحصول على موافقة أبيه”.

“المشرّع سمح للقاصرات بالزواج في المحكمة، بموافقة أولياء الأمور، وبذلك أصبح زواج القاصرات قانونياً من دون أي إشكال أو محاسبة، وهذا يعدّ ثغرة تشريعية للأسف”.

قصة شميران تشابه قصص نساء كثيرات يعانين مثلها من ذكورية القانون العراقي في مقاربته لمنطق الوصاية. يعتبر المحامي سلام حالة شميران “من أصعب الحالات وأكثرها تعقيداً، حين يترك الاب زوجته أو يطلقها ويتركها مع ابنه، محتفظاً بالوصاية، فلا يستطيع الابن السفر مع الأم أو الذهاب إلى أي مكان إلا بموافقة الأب قانونياً، هنا على الأم رفع دعوى للمطالبة بـ”حجة الوصاية” لتكون هي الوصية على ابنها”.

دعاوى “حجة الوصاية” تستغرق سنوات بحسب سلام “مثل هذه القضايا تحتاج إلى مراسلات بين العراق وسفارات الدول التي هاجر إليها الزوج، ومن ثم تقوم السفارة العراقية بمخاطبة الزوج والبحث معه في أسباب هجرته، والمحاولة معه لإعطاء موافقات لابنه بالسفر مع أمه، ومن ثم يتم التأكد مما إذا كان الأب قد هجر الابن وتخلى عن مسؤوليته تجاهه، لإسقاط الوصاية عنه ومنحها للأم”. هذا في حال كان مكان الزوج معروفاً. في حالات أخرى، يختفي الأزواج، وهنا تتعقّد المسألة، إذ تحتاج المرأة إلى حجة وصاية لابنها لتكون هي المسؤولة عنه في تسجيله في المدرسة ومتابعة شؤونه وتسفيره، وإذا كان الأب مفقوداً سيحتاج الأمر إلى وقت أطول وشهود ومخاطبات مع أمن الدولة لإثبات فقدانه بعد التحري عن ذلك، فتبقى الأم مقيدة تماماً لحين اكمال الاجراءات التي من شأنها ان تستمر لسنوات طويلة”.

كما ذكرنا في بداية هذا التحقيق، تدخل المادة 41 من قانون الاحوال الشخصية، القانون بمجمله في إشكالية الدين والمذهب والعشيرة، إذ تنصُ على أن “العراقيين أحرارٌ بأحوالهم الشخصية”، مع أن القوانين الوضعية للأحوال الشخصية لا تلحظ المذهب ولا تحكم بناء عليه. لكن تأويل هذه المادة بالذات، يسمح، مثلاً، للرجل الذي ينتمي إلى المذهب الجعفري بأن يتزوج بفتاة ما دون الـ15 من عمرها، من دون أن يعتبر ذلك جريمة، فيما يعاقب بالسجن من يتزوج فتاة دون سن الـ15 إذا كان قد تزوجها على المذهب الحنفي. أما القوانين المدنية العراقية فتحدد سن الزواج بـ19 سنة، ومع ذلك قوانين الأحوال الشخصية للطوائف تنسف القوانين المدنية”، بحسب القاضي عزيز.

المشرّعون في العراق، استطاعوا (تحايُلاً) إيجاد حلّ وسطي بين القانون المدني، وقوانين الأحوال الشخصية المذهبية: “المشرّع سمح للقاصرات بالزواج في المحكمة، بموافقة أولياء الأمور، وبذلك أصبح زواج القاصرات قانونياً من دون أي إشكال أو محاسبة، وهذا يعدّ ثغرة تشريعية للأسف”. المشكلةُ ذاتها في الطلاق، يشرح عزيز، “وفقاً للمذاهب الشيعية الطلاق الشفوي، والذي يحدث نتيجة انفعال عصبي، لا يُؤخذ به قانوناً”، لذا فإن الطلاق “يجب ألا يتم خارج حدود المحكمة، فهنا سيقوم القاضي والباحث الاجتماعي بدوره في محاولة إصلاح ذات البين بين الزوجين، ويمنحهما فرصة أخرى للتعايش من جديد وحل مشكلاتهما”.

تنص المادة 57 من قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 على إعطاء الأم الحق بحضانة الطفل وتربيته بعد التفرقة، ما لم يتضرر المحضون وبشروط تنص عليها المادة، على أن يخيّر الطفل في شأن الحضانة حين يبلغ الخامسة عشرة من عمره. وقد تكون هذه المادة الوحيدة المنصفة للمرأة صراحة في القوانين العراقية، لكنها في الغالب الأعمّ لا تنفّذ ولا يحكم بها القضاة لإنصاف النساء.

عن درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This