موت الحقيقة

لا أعتقد أن الأستاذ ماجد الغرباوي باحث في الدين ولكنه مفكر إسلامي. وهناك فرق واسع بين الدروس والعظات الدينية وبين تحليل أساليب واتجاهات المعرفة. وهذا لا يعني أنه مفكر محايد. فأي إنسان مرتهن لمعتقدات معرفية جاهزة وهي على أنواع.

جزء منها ينتقل بالتلقين وأساليب التربية والبيئة أو كل ما يعرف عادة باسم القانون والسلطة. وغالبا ما يأخذ شكل رهاب يفرض نفسه على الوعي. ولهذا المستوى من المعتقدات عدة أسماء اقترحها الغرباوي خلال محطات مشواره الطويل مع تحليل النص ومنها: الأنساق الثقافية المضمرة، قبليات الكاتب، مخزونه الثقافي اللاواعي وسوى ذلك.

وما تبقى يتشكل بالاختيار والإرادة الذاتية. ويعبر بنفس الوقت عن متطلبات الوعي الباطن والرواسب التي تعمل فيه بتوجيه مباشر من صراع الرغبات والضرورة. وإذا كنت أفضل أن أسمي هذا الجانب بـ “الإدراك”، يسميه الغرباوي “ثقافة الفرد”. ويرى أنه تعبير عن نزاع بين الحياة وأساليب تجلياتها. ويقصد بذلك: اتصال المتشابهات في حقل الإدراك رغم الاختلاف بالجذور المعرفية. فالثقافة، برأيه، نتيجة معارف ميتافيزيقية وأحكام. (ص 22/ الفقيه والعقل التراثي).

ولطالما كنت أعتقد أن الغرباوي نموذج للمفكر الموضوعي الذي لا يخرج على دائرة وعيه بأهمية الروح. فهو يحاول بكل ما أوتي من عزم أن يتحرى حقائق الذهن البشري وطرق الاستجابة للواقع، وبشرط لا يحيد عنه وهو أن يكون داخل شبكة العلاقات الإسلامية. ويمكن أن تقول إنه ليس باحثا في المعرفة وفي أصول التشريعات التي تتحكم بسلوك الإنسان، وبالمسموح له أو بنطاق الحريات الوجودية المتاحة  كالحال عند عابد الجابري. ولا هو أيضا باحث لا ديني يتابع مشكلة المعرفة بالانطلاق من وظائفها أو أساليب عملها كشأن طيب تيزيني. وإنما يحمل هم العقيدة نفسها. ومن المعروف أن قراءة الإسلام تنطوي على تيارين.

بالإضافة للمبشرين بالشريعة (بمعنى قوانين تفسير وعينا بمفهوم وهوية الإيمان)، هناك محور تكويني يتابع ظواهر المعرفة بالمقدس من خلال الوعي بها. ومحور ديالكتيكي يطبق نتائج الوعي بالتاريخ على  تطوير أساليب وقوانين المعرفة. وربما لذلك هو ينظر بعين الشك للانتقائية في تأويل المعنى، وبالأخص بعد هذا الفاصل التاريخي بين أسباب النزول والواقع الراهن. ففقد بلغ ما يزيد على خمسة عشر قرنا تراكمت خلالها عمليات إلغاء وتثبيت، وعلى الأرجح أنها أدت في النهاية لعزل الأسباب عن النتائج وزيادة مساحة الإجبار أو الإكراه في الدين. ومن الطبيعي أن يسيء أنصار الظاهراتية فهم معنى الحرية أو ضرورته. فلا حرية في الاختيار أمام أوامر الخالق. لكن هذا لا يعني أن الخير مطلق والفضيلة ثابتة على الدوام. فالغايات هي الثابتة لكن أدواتها دائما تتعرض للتطوير والتعديل. وغني عن القول أنه لا يوجد معنى دون أساليب للتعبير عنه. وفي هذه المساحة يبدأ النزاع التقليدي بين النص وخطابه. وتجد تفصيلات وافية عن أهمية الحرية في الخطاب الديني عند برديائيف وكركيغور. فبالبديهة أنت تنحاز للخير، ولكن بملء إرادتك. لأن الخير هو العلة الأولى لاستمرار الحياة. ولا يمكن لأحد أن ينكر أنه يفضل البقاء على العدم. وهذا وحده يحسم مسألة الجهاد والسياق الطبيعي لاستعمال العنف في الإسلام كما وضح الغرباوي في كتابه “تحديات العنف” ثم في “مدارات عقائدية ساخنة”. فقد بذل في هذه المؤلفات ما بوسعه لينظر إلى الفكرة الإسلامية من خارج ثقافة الحداد والقطيعة مع الشريعة (بتعبير رجاء ابن سلامة)، ولكن من داخل شبكة العلاقات بين الإنسان و دينه الاجتماعي (هذا إذا قبلنا أن الدين موجود لكن بصور تشبه التخزين السحابي). بلغة أوضح ضمن تيار متصل خارج البنية الفردية.  ولقد رأى أن التحديات تتكاثر وتتوسع يوما بإثر يوم، ولا سيما بعد اتساع رقعة الاحتكاك مع بقية أرجاء العالم، وما يمثله ذلك من تحديات في تعيين مجال أشياء تبدو متشابهة، لكن لكل منها مساره الخاص كالضمير والوعي والروح والإحساس والعاطفة إلخ…

وهذا يعني أنه اهتم بالسياق والظواهر. وليكون لكلامنا معنى لا بد من أمثلة. لقد درس حروب الردة بالانطلاق من الأسئلة والمنغصات التالية:

ما هي الدواعي؟.

ومن أشعل الفتيل؟.

وكيف كانت طبيعة العلاقة بين الأطراف المتنازعة؟.

ووضع هذه المشكلة ضمن إطارين. داخل دورات التاريخ، وفي سياق أساليب التعبير. وقد أولى كل عنايته للمدونة وللنص. بتعبير آخر نظر للمشكلة كأزمة طرأت على علاقة الحاكم بالمجتمع، أو المركز بالأطراف. وخلص إلى نتيجة مفادها أنها فتنة عسكرية. وكانت الغاية منها أن يفرض الخليفة أبو بكر سطوته على كل أجزاء شبه الجزيرة العربية. بمعنى أنها حرب للسلطة ضد الشعب، ولإسكات أصوات المعارضة، ولإخضاع الجميع لتوجهات القيادة الجديدة. واستطاع الغرباوي بهذا المنهج أن يرسي الأساس لحدود أو معرّفات تفرز الإلحاد والكفر من الخلافات السياسية. واختار لهذه الحدود عنوانا عريضا هو (فعلية النص). وشرحه كما يلي: مادامت أسباب النزول قائمة النص واجب، وبزوالها يجب تعطيله، أو اعتباره في عداد المنسوخ بوجوب تبدل الأسباب. وأصلا إن فكرة إبطال الأحكام والأوامر الإلهية، التي جاء بها الوحي، كانت تهدف إلى الارتفاع بالواقع إلى واقع أفضل منه. وهذا يختلف عن الإلغاء والإزالة. وله معنى التكيف والتطوير كما قال أحمد عبدالرازق في كتابه (فلسفة المشروع الحضاري بين الإحياء الإسلامي والتحديث الغربي – ج2). فالنبوة وسيلة وليست غاية، والوحي أسلوب أو طريق كما يقول عبد الرازق أيضا (ص943)*.

وقد ناقش الغرباوي باقة من الأحكام التي تندرج في هذا المضمار. بالإضافة لحروب الردة (التي أنكرها في وقت مبكر الشيخ علي عبد الرازق) توقف عند الجزية والفتوحات الإسلامية. ثم أعاد التأمل في حدين من حدود المذهب الشيعي وهما فريضة الخمس والإمام الغائب. بالإضافة لدور الشفاعة وكيف انتشرت بين البسطاء حتى أنها سيطرت على أفكارهم، ولعبت دور قيد أو رباط بشري يحل محل العناية الإلهية. وبالتالي عطلت الثواب الذي يمكن أن يناله المؤمن من التفكير والاجتهاد. وكأن هؤلاء الوسطاء نسوا أن الإسلام هو دين معرفة وثقافة أولا. وأن العقيدة في عصر العلم وفلسفة التنوير لا تبنى بالتأويلات ومراكمة الخرافات والاستجارة بالتراث كما ورد بالحرف الواحد في كتابه الإشكالي (مدارات عقائدية ساخنة) (ص88)** والذي اتصف بقدر لا يستهان به من الشغب والممانعة. وأعتقد أن هذا الكتاب، الذي أصدره بالاشتراك مع طارق الكناني، مخصص بمعظمه لتفنيد الأساطير والخرافات التي دخلت على المذهب الشيعي، وتسببت له باختناقات اجتماعية. وكانت حجته الأساسية أن الإسلام جاء لينظم علاقة الإنسان بالله أولا (معرفة) ثم علاقة الفرد بالمجتمع (سياسة). والدين لم يأت ويبذل كل تلك التضحيات ليضع الإنسان المسلم في زاوية تمنعه من التفاهم مع واقعه ومع العالم الذي يحيط به. وقد استطرد لاحقا لموضوعة الصلاة، باعتبار أنها ركن أساسي من أركان التثبيت، أو العقيدة (إن استعملنا مفردات كاتب لاهوتي هو الشيخ علي الطنطاوي). و لا جدال بوجود فرق واسع بين المنهجين.

فالطنطاوي يوجب الأداء أولا ثم التفكير ثانيا. مثل القانون المعمول به في الجيش: نفذ ثم اعترض.

لكن الغرباوي يستحسن بيان حقائق الأشياء أولا قبل فرضها. ويؤكد أن خصائص الأشياء، وهي موضوع الإيمان، عبارة عن نشاط ذهني سواء كان للشيء وجود خارجي أم لا. ويترتب على ذلك أن مصادر الأحكام سابقة على النص. وأي نص لا يمكن أن تفسر مضمونه دون العودة لمصادره أو علته. وهذا لا يمكن أن ينطوي على أي شبهة بالممانعة لأن العلة شمولية والمصادر متحققة بالعلة الأولى وهو الخالق (كما ورد في موسوعته: متاهات الحقيقة/ فصل العبادات والأخلاق). ولا يوجد في الإسلام تشريع جامد. ويذكر مثالا عمليا وهو الصلاة. ويشترط أن تكون صلة روحية مع الخالق من طرف ومع جماهير المؤمنين من طرف آخر. بمعنى أنها ذات وجهين، روحي ومادي. أو أنها جسر للعبور من الذات الإلهية نحو الذات البشرية، وإلا لاكتفى الله بفرض حركات رياضة أو جمباز. والصلاة أيضا بتعبير القرآن “كتاب موقوت”. بمعنى أنها نشاط له علاقة بدورة التاريخ، أو كما يمكن أن تجد في معاجم اللغة: هي عمل تتصل به الحقيقة المكتوبة مع الحقيقة المطلقة. وبلغة أوضح: هي إسقاط للحقيقة على الكون (بلغة محمد شحرور). ففي كل نشاط ديني لا بد من أن يتصل الجسم وحركاته مع الذهن وتفكيره ثم مع الروح واستعداداتها. وهكذا تستكمل الروح دورتها الفطرية: بين الطبيعة والعقل والله.  أو المادة والوعي والذات الكلية. وكان بودي لو أضاف حسين مروة لكتابه (النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية) فصلا خاصا عن المعنى الدرامي للصلاة. فهي الفقرة الوحيدة من بين كل مدونات أركان الإسلام والتي يمكنها أن تتأقلم مع الواقع المعاش. ومن المؤكد أنها لم تكن في بواكير ولا فجر الإسلام تفرض نفسها على الواقع. بل العكس هو الصحيح. كانت تضطر للاستسلام لتيار الحياة الجارف في الحرب وفي السلم. ويمكن أن تقول كانت حريصة على تسهيل معاناة الإنسان وتخفيف درجة إحساسه بضغط الحياة من خلال إجراءات تطبيقية كالاختصار وتبديل الموعد لو أنك مسافر أو حتى بعدد الركعات ونوع التلاوة.

ويلاحظ على الغرباوي أن أمثلته بمعظمها تهتم بنفي الحدود الوضعية. وبرأيه إن معظم الممارسات في الوقت الحالي لا تكلف نفسها نفض غبار السنوات، من جهة، ولا تحاول التعالي على سياسة التبرير لخدمة مآرب الحكام. ويؤكد أن مبدأ ولاية الفقيه هو مبدأ إيديولوجي وضعي (بمعنى إجرائي)، ونجم عنه انحدار مستوى فهمنا للشورى، وعدم إمكانية تحويلها إلى ديمقراطية متطورة حسب سلم القيم والمعايير الغربية. وفيما أرى اشترط الغرباوي على الدولة الإسلامية والحاكم الصالح عدة شروط استمدها من أحكام وفقه الشريعة (الكتاب والسنة). وهي نشر روح التكافل الاجتماعي والنفسي بين كل الفئات. ونزع الفتيل من الشكل العسكري للدولة.  بمعنى آخر، على الحاكم أن يكون مدنيا، وعلى الحكومة أن تتحلى بالوعي الإداري. ودون هذين البندين كان لا بد من تفكك الدولة وانحدارها لشكل متخلف وبدائي من أشكال الهيمنة والتسلط. وعليه إن تعويم فكرة الجهاد واعتبارها فرضا والتمسك بمفهوم الجزية والنظر إليها كأنها ركن سادس في الدين قاد إلى تسريع تحويل الإسلام من دين إلى إدارة. ومن علاقة مع الوحي لعلاقة بين المركز والأطراف. ويبدو أن هذا الضرر بدأ من انقلاب السقيفة الذي تورط بعدة أخطاء.

الأول هو الاقتراع العلني على الخليفة وتشكيل لوبي ضاغط.

الثاني اقتصار التمثيل على حفنة من الصحابة.

والثالث هو إهمال الأقليات والتقليل من شأن الأنصار.

ولا يمكن لأحد أن ينكر غياب أي تمثيل للعشائر النائية، ومنها عشائر عسير ونجران بالإضافة لمناطق قريبة من الرياض (أو حجر اليمامة حسب الحفريات والتي تعود لأيام طسم وجديس). ولنأخذ مدينة اليمامة كمثال حيث انتشرت أولى حركات التمرد. أيضا لم يتم دعوة مراقبين عن الديانات الأخرى. فالدولة ليست خاصة بأكابر قريش، والشعب لم يكن كله من عرب الحجاز. إن عدم وجود مثل هذه الضمانات مهدت الجو لتقليص الاختيارات المتاحة أمام المسلمين، ثم لإقامة ثيوقراطية ملكية ظالمة، وانتهت بكونتونات هيمن عليها الجيش، وتبعها أوليغارشيات لا ترتبط بالخليفة. وقد رأى الباحث خليل أحمد خليل في كتابه الكلاسيكي (العرب والقيادة) أن معيار الولاء كان يقتصر على رفد خزينة الدولة بالنقود السائلة والثروات، ثم على بروتوكول شكلي بحت.

وأنا لهذه الساعة لا أفهم كيف تنازل الأنصار عن السلطة للمهاجرين. ناهيك عن غياب أي مؤسسة وطنية يشاركون بمجلس الإدارة فيها. ولنأخذ مخيمات الفلسطينيين في لبنان كمثال. لقد نجم عنها أكبر فتنة دمرت بيروت ورسمت خطين في أنحاء البلاد. خط بالطول قسم لبنان إلى دويلتين، وخط بالعرض أعاد رسم الخريطة الطبقية بين السكان. بمعنى آخر انطلقت الشرارة من الكامبات وأدت لتحول سياسي واقتصادي. والآن يواجه حزب الله نفس الحالة الوجودية بالرغم من التضحيات في حرب 1996. فهل كان مجتمع المدينة طوباويا ويعيش فوق المنطق الذي يقبل به البشر؟. بالمنطق إن تدفق المهاجرين على المدينة أدى إلى اختناقات يمكن أن تسميه اقتصاد الحرب. وإذا أضفت لذلك الزيادة غير المسبوقة باليد العاملة، تستطيع تصور الأزمة التي أتت، كما تشير المصادر، في فترة من الركود والبطالة. فكيف تسنى لهؤلاء الضعفاء أن يكسروا شوكة مكة؟..

حتى الجهاديين الذين تدفقوا على سوريا في أزمة الربيع العربي، تحولوا لقوة احتلال، واغتصبوا بيوت السكان الفارين من أذى الحرب. وقد تصرفوا لاحقا على أساس أن الأرض وما عليها هي غنيمة حرب. ويشمل ذلك المتعلقات المادية والمعنوية، يعني الممتلكات والنساء.

وأن تخلو كل السجلات من صورة واضحة للمدينة جعلها أشبه بفانتازيا لأنه لا يعقل أن لا تتبلور في تلك الفترة الحاسمة أية دائرة أو مؤسسة أو دار لفض النزاعات. ولو كانت موجودة ما هي هيكليتها؟. وبالأخص أننا نتكلم عن حكومة طوارئ تحارب على أكثر من جبهة.

في الداخل الأحياء اليهودية. وفي الخارج طبقة النبلاء ومن يواليهم من المشركين. حتى أن عثمان، أحد المبشرين بالجنة، لاقى حتفه لاتهامات طبقية، وتحول لاحقا لمنعطف أساسي بدّل وجه التاريخ. ناهيك عن دور أبي بكر الضعيف والذي أشبهه بدور محمد نجيب في ثورة يوليو. لقد دامت له مقاليد الحكم لسنتين ثم اضطر للتنحي، ولو لا وفاة أبي بكر لكبر سنه لأجبره الصحابة على التقاعد.

لم يناقش الغرباوي هذه الحلقات الضعيفة من التاريخ الاجتماعي لبواكير الإسلام، غير أنه أسهب في الولاية التكوينية (حسب المفهوم الذي استشرى في السنوات الأخيرة)، وأنها تعني التصرف بالكون. وأكد أن هذه المهمة ربانية صرف، وإلا دخلنا في الشرك (ص 300 / مدارات)، فالله ليس كمثله شيء، وهو متفرد بالوجود، ولا يقبل أية شراكة أو نيابة (المصدر السابق).

وبرأيي إن ما تعرضت له حركات التنوير والإصلاح، وبلغة أوضح: المذاهب والفرق الباطنية، من دس وتحوير وتحريف وإضافات، يحتاج لعمل شاق في سبيل التنقية وتقريب وجهات النظر. فقد تحولت هذه الاتجاهات إلى حضارة جريحة، ولا سيما بسبب الاستبعاد المقصود من المشاركة في بناء كيان الدولة. وتهمة التكفير والإشراك التي تعرضوا لها في عدة عهود، منذ تأسيس الدولة الأموية وليومنا الحالي، هي المسؤولة عن رابع أزمة عسكرية تعصف حاليا بالخليج (وهي حرب اليمن). ولدي شبهات أن الإبادة الجماعية التي طاردت حركات الإصلاح (كالشيعة والمتصوفة والأدباء المستنيرين)، في غضون حرب المائة عام، لا تختلف بشيء عن المحرقة النازية. ويمكنني أن أرى في عقوبة الصلب والحرق التي اتبعها الأمويون والعباسيون لتصفية خصومهم محرقة يندى لها الجبين. وقد وصل التشويه ذروته في عصر التنوير والنهضة، واتهم كل صاحب رأي جريء أو مستنير بتهم كاريكاتورية تدعو للهزء. وبهذا الخصوص تساوى المتنبي والحلاج والنفس الزكية وزرادشت وقرة العين الداعية لسفور المرأة.  وأقرب مثال على ذلك كتاب (العقائد) لعمر عنايت (صدر عن دارالعصور عام 1928). وكتاب (الدعاة) لوجيه فارس الكيلاني (صدر عن دار المطبعة العربية عام 1923). فقد اعتبر الكيلاني أن زرادشت (ص 38) ومسيلمة (ص 50) والحسين (ص 92) وجان دارك (ص 95) كانوا على قدم المساواة، ومن بين الشخصيات التاريخية الشاذة أو المارقة.

وطاردت تهمة مماثلة الإمام الأفغاني، وأدانته بالانحراف عن أصول الدين. ولا تزال كل الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية تطعن بتفسيره للقرآن وتشوه أهدافه السياسية، وترى أنه لا يجد فرقا بين مفهوم الوحدة ومفهوم الأمة، أو بين الجامعة الشرقية والجامعة الإسلامية، كما ورد في (الدرر السنية) بتحريرعلوي بن عبدالقادر السقاف.

وبناء على ذلك أصبحت أمام الغرباوي مهمة مزدوجة.

وهي الكشف عن المبالغات الدينية التي يرعاها الوعي الباطن، وإعادتها إلى مكانها في سياق تطور التاريخ والأحداث. وهكذا تطور أسلوبه من مجرد الوصف والتحليل إلى التفكيك وإعادة التركيب. ويتضح ذلك في كتابه الأخير (مضمرات العقل الفقهي، 2020)***. فقد واتته الجرأة ليقول عن كثير من العتبات الدينية  أنها رواسب من التخلف والجهل وسوء التربية. ثم ليردف إنها منحنيات أسطورية تثقل على وعي الإنسان المسلم وتخنقه وتكبت حرية السلوك والتصرف الإيماني النابع لديه من الفطرة والبديهة. ولا يسعني أن لا أرى أن جهود الغرباوي تشير بجلاء وبكل وضوح لموت وجه آخر من وجوه تاريخ المعرفة وهو الحقيقة. لقد تحولت لقطاع صامت نغتاله يوميا بإضافاتنا الأسطورية غير المنزهة عن أغراض الإيديولوجيا وأطماعها في السلطة. و تبدو لي أن هذه المشكلة تؤزم ذهنية الغرباوي مثلما أزمت سابقا تفكير رائد من رواد نقد المعرفة وهو جلال صادق العظم. فأن تموت الحقيقة على يد قطاع سبقها للموت و هو الإيديولوجيا السلطانية، يضعنا أمام عالم غامض لا يمكن التعامل معه إلا بمقاربة جرئية لا تخشلى من بنية الوعي الراهن و مقولات العقل الجماعي (كما ورد في كلمة الناشر على غلاف كتابه: مضمرات العقل الفقهي).

 

*المعهد العالمي للفكر الإسلامي. د. محمد أحمد جاد عبدالرازق. فرجينيا. الولايات المتحدة الأمريكية. 1981.

**دار الأمل الجديدة. ماجد الغرباوي وطارق الكناني. دمشق. 2017.

***دار الأمل الجديدة. ماجد الغرباوي. دمشق. 2020.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This