نقد “فنّ الشّعر” لأرسطو: مدخل إلى قراءة موسيقيّة

 نبذة

في مقالة سابقة لنا، تطرقنا إلى الفصل الثامن من كتاب أرسطو “السياسة”، والذي خصصه للحديث عن الموسيقى. ونسعى في هذه المقالة إلى تسليط المزيد من الضوء على “العقل الموسيقى الإغريقيّ”، إن جاز التعبير. وعند محاولتنا فهم مكوّنات الرؤية الفنيّة التي انفرد بها أرسطو، مستفيدًا مما سبقوه، وجدنا أن الخوض في بعض المفاهيم الهامة المفتاحيّة مثل: “المحاكاة”[1]، الوسيط، الموضوع، الأسلوب، وغيرها، تُشكّل مركزًا اصطلاحيًّا هامًّا ومدخلًا مفيدًا للموضوع، إضافةً للمحاور والمداخل التي سبق وكشفنا النقاب عنها في مقالتنا بعنوان “الموسيقى في كتاب السياسة لأرسطو. (جبران, وسام، 2020)

في هذه المقالة، وعبر المقارنة بين التنظير الشعري عند أرسطو والتنظير الشعري عند أدونيس، واللذين ينتميان إلى أزمانٍ وآفاقٍ معرفية متباعدة، مرورًا بالفارابي وابن سينا والشيرازي، ومرورًا بهايدجر، إضافةً إلى تقاطعاتٍ فكريّةٍ وفلسفيّةٍ هامّةٍ مع المعارف الطبيعيّة كأفكار روجر بينروز في الفيزياء حول مفهوم اللانهاية ودوائريّة الكون وتوالده من “عدم”، عبر هذا المسار الطويل والمتشابك والمتنوع في المعارف والمجادلات، نسعى إلى تأسيس مدماكٍ آخر في بُنيان التنظير الموسيقي العربي، بعد انقطاعه لقرونٍ من الزمن، بينما تطورت الموسيقى في حضاراتٍ أخرى، وتجاوزت الكثير من المفاهيم القديمة التي قامت عليها الموسيقى العربية بوصفها موسيقى غنائية بالدرجة الأولى.

“المحاكاة”: التحوّل والسؤال المفتوح

المحاكاة مصطلح نقدي استخدمه أفلاطون ومن قبله سقراط. وفي الفصل العاشر من كتابه “الجمهورية”، يوضح أفلاطون مفهومه للمحاكاة عبر مثال “السّرير” الشهير، حيث النجار يُحاكي بسريره الواقعي فكرة السرير (الإلهيّة) المثاليّة، ثم يُحاكي الرسام سرير النجار برسمه دون أن يخبر كيفية صنعه بالضرورة، مما يجعل الفنان بعيدًا عن الحقيقة بدرجتين. أما أرسطو الذي قام بدراسة مئات الأعمال الفنية، ووضع المحاكاة على مسافة درجةٍ واحدة من الحقيقة من حيث هي موجودة أولًا في الطبيعة لا في المُثل غير المرئية. من هنا، فإن وظيفة الفنان، مع أرسطو، لم تعد في محاكاة الحدث العيني أو الشخصية المحددة، بل في محاكاة أوجه الحياة في عالميتها وشموليتها، فالفن هو فعل خلق يُحاكي الانطباعات الذهنية وليس نَسْخًا للحياة بل تمثيلًا ذاتيًّا لها. هنا تكمن نقلة أرسطو النوعية في مسألة المحاكاة، بعد أن كانت تتأتى من موقفٍ (ترنسدنتيّ transedent) عابر للطبيعة عند سابقيه.

ولكي نلقي مزيدًا من الضوء حول هذه النزعة عند أرسطو، فربما من الضروري أن نلفت نظر القارئ إلى أن العلوم عند أرسطو قد انقسمت إلى ثلاثة أقسام: نظرية (الرياضيّات، الطبيعة وما وراء الطبيعة)، وهي علوم مستقلة عن إرادة الإنسان وخياراته، تُعنى بحقيقة “الأشياء” بذاتها ولذاتها. وعلوم عمليّة (السياسة والأخلاق)، تهدف إلى تطبيق المعرفة لإصلاح غاياتٍ بعينها. وعلومٌ إنتاجيّة تتقاطع مع العلوم العمليّة في مُداخلة العامل البشريّ لها، وفي افتقارها للحقائق النهائية المتحقِّقة في العلوم النظرية. لكن العلوم العملية والإنتاجية تفترق في أن المعرفة في العلوم العملية تمكِّن من استخدام المادة لتحقيق سلوكٍ مؤثّر، بينما المعرفة في العلوم الإنتاجية تخدم في صناعة الأشياء الجميلة والنافعة. من هنا فإن العلوم العمليّة والإنتاجية هي علوم “ما يمكن أن يكون غير ذاته”، وهدفها هو الفعل. بينما العلوم النظرية هي علوم “ما لا يمكن أن يكون غير ذاته”، وهدفه هو الحقيقة بذاتها ولذاتها. المهم، بعد ذلك، أن أرسطو يُدرج فن الشعر والخطابة في العلوم الإنتاجية جنبًا إلى جنب مع صناعة البيوت والحصون والملابس والزجاج وغير ذلك.

من المهم أن ننوه بأن حديث أرسطو عن المحاكاة جاء في سياق حديثه عن الشّعر أولًا، وفي كتابه “فن الشعر” تحديدًا، ورُغم الطروحات التي تشير إلى إمكانيّة تطبيق هذه الأفكار على أنواع أخرى من الفنون الجميلة والموسيقى، (حمادة, إبراهيم) لكنه لم يخُض في هذه القضايا من بوابة الموسيقى ولا بحال من الأحوال، رغم مُقارباته الموسيقيّة الهامّة.

إن إدراج أرسطو للفنون ضمن العلوم الإنتاجية يؤكد أنه لم يكن مهتمًّا بالفن من باب معرفة الفن لذاته وبذاته، ولا بوصفه حيّزًا يوفّر الحقائق الكونية الثابتة عن الأشياء، كما هو الحال في العلوم النظرية، بل هي تهدف، ومن خلال استنباط القوانين ووضعها، إلى صناعة شاعرٍ (فنّانٍ) أفضل، وهذه القوانين، برأيه، لا تدعي لنفسها صفة الجزم النهائي، بل هي متغيرة، ومرجعيّتها هي الطبيعة والإنسان، لا الميتافيزيقا. (حمادة، كتاب أرسطو فن الشعر، صفحة 59)

وهنا، يجدر بنا أن نفهم نظريّة أرسطو في الأدب بوصفها جزءًا من نظريّةٍ عامّةٍ للواقع، كما هو الحال عند أفلاطون، رغم الاختلافات الكثيرة في تفاصيل أخرى أهمها “أن جوهر الأشياء عند أرسطو ليس في عالم الأفكار الترنسدنتيّ، بل هو في الأشياء، وأن التحوّلات لا تعني الزّيف، بل إن للأشياءِ طبيعة، ولوحدتها مبدأ حيويّ يتشكّل عبر التّحولات، وسيرورة تنطلق من الإمكان إلى حيّز الفعل. فيرى أرسطو إلى التّحوّل بوصفه أساسًا جوهريًّا للطبيعة وقوّة خلاّقة تنبع من ذاتها وتُحدّد وُجهتَها”. (Landa, 2004, pp. I,2)

الموسيقى في مقاربات أرسطو

نستفيد من طروحات أرسطو التي جاء بها في معرض حديثه عن الشعر، لأسبابٍ عدة، أولها يكمن في أن الشعر والموسيقى يندرجان عنده تحت مُصنَّفٍ علميٍّ واحدٍ. وثانيًا، لأن أرسطو استفاض في الحديث عن الشعر ولم يوفر لنا استفاضة موازية في الموسيقى، وفهم إسقاطات هذه الأفكار الفلسفية الهامة على مكونات الموسيقى وموادها الأولى: الصمت والصوت والزمن. وثالثًا لأن الموسيقى التي تحدّث عنها أرسطو في زمنه هي موسيقى غنائية بالدرجة الأولى وليس موسيقى بالمعنى الصّرف، أي أن الكلام (وهنا هو الشعر بالدرجة الأولى) وما يفرضه من مرجعية وإملاءاتٍ موسيقيّة قائمة في صميم الشعر ذاته، هو ما يشكل المنطلق الأول في المُنتَج الموسيقي وليس الموسيقى ذاتها بوصفها لغةً مُستقلّةً عن الشعر والكلام.

لكن، من المهم بمكان أن ننوه، أن أرسطو لم يجعل من المركبات الموسيقيّة داخل الشّعر عنصرًا هامًّا يرتكز إليه في تقييم الشّعر وتحديد رؤيته لتعريف ما هو الشعر أو لتمييز الشعر الجيد عن الشعر الرديء، معتبرًا أن المركّب الموسيقي في الشعر هو في صميم التقنية والشكل، لا في صميم القيمة والرؤية. من هنا، فإن أرسطو لم يركن إلى الشكل والأوزان لتعريف الشعر، وفي معرض مقارنته بين هوميروس Homer[2] وأمبادوقليس [3]Empedocle، يوضّح موقفه حين أطلق على الأول اسم الشّاعر، وأطلق على الثاني اسم الفيزيائي، وأن شيئًا لا يجمع نصوصهما غير الأوزان (Landa, 2004). وكذلك نفى الاستعراض التّقنيّ كمكوِّنٍ يُعرّفُ به الشّعرُ الجيّد: “… وإن والفَ كاتبٌ في محاكاته الشّعرية بين عدّة أوزانٍ في آنٍ معًا، كما فعل كيريمان[4] (Chaeremon) في قصيدته الملحميّة السّنطور[5]“. (Landa, 2004, pp. I, 9-10)

في الباب الأول، يُحدّد أرسطو المُكوّنات التي تُشكّل في نظره وسائط المحاكاة وهي: الإيقاع، الصّوت/ النغم والأوزان (الزمن). وفي الباب الثاني، يشرح فَهمه الخاص للمُكَوِّن الثاني، والذي حدّده بـ المواضيع. وهنا، نجده يؤكّد على البُعد الأخلاقي والخُلُقيّ الذي يُعبّر عنه بمُفردات “الخير” و “الشّر”، والصّنف الأسمى من البشر والصّنف الأدنى، وكل هذا لأنّ الفاعل في موضوع المحاكاة هو الإنسان، “فمنذ كانت مواضيع المُحاكاة عبارة عن رجالٍ (بشر) فاعلين (Landa, 2004, pp. I, 13). وهو يأتي بأمثلة توضّح فكرته، حيث “لوحات بوليغنوتوس[6] تجعل من الرجال أكثر نُبلًا مما هم عليه في واقع الحال” (Landa, 2004, pp. I, 11)وكذلك هو الحال مع نصوص هوميروس، ويجعلهم ديونيسيوس Dionysius أكثر صدقًا في الحياة، ويُصوّرهم كليوفون[7] كما هم في الواقع، وهيجيمون الثاسيّ[8] يسخر منهم، ويعرضهم نيكوكاريس[9] على نحو أسوأ مما هم. وهكذا يستعرض أرسطو، عبر أمثلته، الإسقاطات الخُلقيّة الممكنة على المُنتَج الفنيّ على اختلافاتها، ويُميّز من خلالها الفارق الأساسيّ بين النوع التراجيدي الذي يعتمد على بناء شخصيّاتٍ مثاليّةٍ رفيعة الأخلاق، وبين النوع الكوميديّ الذي يستند إلى الهزء من الشخصيات وتسفيههم وإبراز عللهم ومساوئهم والحطّ من أخلاقهم. بعد هذا العرض، يُسقط أرسطو هذه الاختلافات على الرقص والعزف على المزمار والليرة (الموسيقى الآليّة)، كما يُسقِطها على الأنواع الأدبيّة النثريّة والشّعرية غير المصحوبة بالموسيقى على حدٍّ سواء، وفي هذا إشارةٌ لما يراه مُشتركًا بين الأنواع؛ المُشترك الذي لا تؤثّر فيه اللغة الكلاميّة ومقولاتها. (Landa, 2004, pp. I, 11)

وفي الباب الثالث، يتعرض أرسطو إلى المُكوّن الثالث، والذي يُعنى بـ الأساليب التي تتم من خلالها مُحاكاة هذه الموضوعات التي سبق ذكرها. وهنا، بحسب أرسطو، فإن سؤال الأسلوب يُجيب عن السؤال: “من يتكلّم؟”، فإما عبر انتحال شخصيّة ما (كما يفعل هوميروس) أو عبر التحدث بشخصه الحقيقيّ ولسان حاله، أو عبر شخصياتٍ متعددةٍ تؤدي الأدوار المنوطة بها على مرأى ومسمع الجمهور. وفي هذا الباب، يغيب ذكر الموسيقى كموازٍ موضوعيّ، كما حدث في الأبواب السابقة.

الموسيقى وتمثيلاتها عند أرسطو

ادّعى أرسطو أن الفنون عمومًا، ومن ضمنها الموسيقى الآليّة تحديدًا، هي صيغٌ من المُحاكاة (modes of imitation)[10]، وأن المقطوعات الموسيقيّة ما هي إلاّ تمثيلاتٌ لحالاتٍ مزاجيّة أو نفسيّة. والمحاكاة الأرسطيّة اتّخذت معنى جديد عن تلك السُّقراطيّة، وهي على كلّ حال ليست نَسْخًا حرفيًّا أو تقليدًا، بل “هي رؤية إبداعيّة يستطيع الشاعر [أو الموسيقيّ] بمُقتضاها أن يخلقَ عملًا جديدًا من مادّة الحياة والواقع، طبقًا لما كان، أو ما هو كائن، أو لما يُمكن أن يكون، أو كما يعتقد أنه كان كذلك. وبهذا، تكون دلالة المحاكاة، ليست إلاّ “إعادة خلق (حمادة، كتاب أرسطو فن الشعر، صفحة 25). وفي هذا يتشارك في مع نظرة أستاذه أفلاطون: “نحن نؤكّد، ألسنا كذلك، أن الموسيقى تمثيليّة (eikastiken) وإيمائيّة (mimetiken)؟”[11]  لكنه يفترق مع أفلاطون في رؤيته العامة ومنهجه، فالأول صوفيّ غائيّ والثاني علميّ تجريبيّ، مما سمح للفن عند أرسطو بأن يبقى متحررًا من قيود الفلسفة وبعيدًا عن نظريّة المُثل الأفلاطونيّة. ولو أردنا أن نضع إصبعنا على نظرة أفلاطون للموسيقى، التي يعتبرها في “فايدو” الشكل الأسمى للفلسفة: “يا سُقراط، اصنع الموسيقى وأنتِج فيها […] لذلك كان الحلم يُشجعني على فعل ما كنت أفعله، وهو الاشتغال بالموسيقى، ذلك أن الفلسفة هي أعلى أنواع الموسيقى مرتبةً، وهذا ما كنت أمارسه. لكن الآن، بعد المحاكمة، وبعد أن أجّل مهرجان الإله إعدامي، فكرت، في حال كان الحلم المتكرر قد تقصّد إخباري فعلًا بأن أمارس ما اعتدنا أن نسميه موسيقى، فمن الواجب عليّ ألا أعصيه، لأنه من الأوثق ألا أمضي قبل أن أفعل ما توجّب عليّ فعله بطاعة الحلم ونظم القصائد، لذا فقد ألفت نشيدًا لمهرجان الإله الحاليّ”. (Lamb, 1966)

هنا، نرى بوضوح أن أفلاطون قد تحدث، كما فعل أرسطو من بعده، عن الموسيقى بوصفها غناءً، وليس الموسيقى بمعزل عن النص الكلامي الشعري، لكنه، وبحسب تأويله لسقراط في حوار فايدو هذا، فإنه يرى إلى صنعة الموسيقى في عمقها على أنها فعل تفلسفٍ، بمعنى أن التحليل والمعالجات الموسيقية ترقى إلى التحليل الفلسفي وأسئلة الفلسفة ذاتها. (Plato, 2005, p. 1) لكنه افترق مع أرسطو في مسألة المحاكاة ومرجعيّتها. فإن الشعر، بنظر أرسطو، محاكاة للطبيعة، ولكن الطبيعة ذاتها ليست محاكاة لعالم عقليّ، والشاعر أو الموسيقيّ أو الرّاقص إنما يحاكون ما يمكن أن يكون بالضرورة أو بالاحتمال، لا ما هو كائن؛ أي إلى التفريق بين الدّلالة والماهيّة.

في بداية كتابه، يستعرض أرسطو، أنواع الشّعر التي تندرج في مفهومها العام تحت ما يُشكّل صيغةً من صيغ المُحاكاة، وإلى جانب هذه الأنواع (التراجيديّ، الكوميديّ والذيثرامبيّ Dithyrambic) يُدرج الموسيقى الآليّة، التي تُقارب التفكير المجرّد، دون سواها، ولهذا دلالة خاصّة. يقول: “… الشعر وموسيقى المزمار والليرة (Lyre) في معظم صيغها، هي جميعًا في التصوّر العام أنساقٌ من المحاكاة” (Landa, 2004, pp. I,7)

وربما ينطلق هذا الدّمج من تعريف أرسطو لما هو الفنّ، كما ورد في كتابه “الأخلاق”، حيث أنّ الشّعر ليس ما يقولُه، وليس سؤال الشّعر هو فيما يريد قوله، بل ما هو عليه الشّعر في ذاته؛ أي إن الشّعرَ موجودٌ في السؤال: ما هو الشّعر؟ وقيمة الشّعر لا تنتهي عند كتابة القصيدة، بل عند قيمة النّقد من حيث هو قادرٌ أن يكون عِلمًا، لا مجرّد توهُّمٍ للمعاني ورجمٍ في الغَيْب.

حداثة الشعر العربي التي تصطدم بثقافة “الوحي” السائدة. فمن “متحوّل” أرسطو لا يسهل القفز إلى “متحوّل” أدونيس الشّعري مثلًا، فبينما يصل “متحوّل” أرسطو إلى جدار “المُحرّك الذي لا يتحرّك” (والذي تم تأويله لاحقًا، في الفكر الإسلامي، على أنه المعادل الإلهي)، فإن أدونيس يعرّف متحوّله (في صدامٍ، هنا، مع التأويل الإسلامي السائد) بأنه: “إما الفكر الذي ينهض، هو أيضًا، على النصّ، لكن بتأويلٍ يجعل النصَّ قابلًا للتكيّف مع الواقع وتجدّده، وإما أنه الفكر الذي لا يرى في النصّ أية مرجعيّة، ويعتمد أساسًا على العقل لا على النقل (أدونيس، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والاتباع عند العرب، 2002، صفحة 13). بهذا، فإن العلاقة بين “المحاكاة” و “التحوّل” تُقيم في فعل التأويل، وفي إعمال العقل، وليس في اتخاذ ثبات النصّ حُجّةً لثبات المُنتَج الفنّي ذاته، الأمر الذي يزيح النّقل عن “المحاكاة” ويُحرّرها من أي نزعةٍ ترانسندنتيّة أو غيبيّة، فيؤرضنُ المحاكاةَ ويؤنسنها ويُحيلها إلى منطق السيرورات، خارج أيّ سلطةٍ معرفيّةٍ جاهزة.

هنا نتساءل: متى يكون الفنّ، بحسب أرسطو، سؤالًا متحرّكًا، وما هي حدود هذه الحركيّة، ومتى تصطدم بجدار “المتحرّك الذي لا يتحرّك” الذي ينتظر جميع تحوّلاته في نهاية السلسلة عنده؟ برأينا، فإن سؤال الفن والموسيقى تحديدًا، بما هي لغة في ذاتها، عند أرسطو هو سؤال يظلُّ خاضعًا لأفق مفاهيم ذلك العصر ومحدوديات معارفه؛ هو، بالتالي، أفق المعنى والدلالة، لا ظلال المعنى أو الماهيّة في ذاتها، وربما هو أفق الفارق الدّقيق والمُلتبس في النظر إلى العلاقة المعقّدة بين فكر أرسطو وفكر أستاذه من قبله (أي أفلاطون) من جهة نظريّة الوجود، والتي تتجاوز التبسيط الذي يرسم أفلاطون بخطوط “أصدقاء الصّور” (في السّفسطائيّ) من جهة، ويرسم أرسطو بوصفه نقيضًا له وصديقًا للأرض. هذا الاختزال الذي يتلخّص في نهاية المطاف بالتقابل بين فلسفة “الماهيّات” وفلسفة “الجوهريّات”، مع التأكيد على أن مركز الثقل في الفلسفة الأرسطية للجوهر (الـ أوسيا، Ousia ) هو للجوهر المحسوس والمتحرك، والذي هو عبارة عن المؤشّر الأنطولوجي للوجود عنده، بحيث تكون، وفقًا لذلك، “موجوديّة” “الموجود” هي صورته (“الأيدوس eidos)، والتي تُترجَم، على نحوٍ مُلتبس، إلى “المثال” عند أفلاطون، وإلى “الصورة” عند أرسطو، في آنٍ معًا، بينما، يكمن الافتراق الخفيّ في هذا التقاطع عينه بين الإثنين. ولفهم هذا التعقيد والالتباس ينبغي البحث عن مفاتيح أقفال “الماهَويّة” (essentialism) الأفلاطونية، ومفاتيح أقفال “الجوهريّة” (substantivism) الأرسطيّة.

وفي عودٍ إلى مسألة الشّعر، ومادّته اللغة، فإن التّفكّر باللغة قد أفضى بأفلاطون إلى أنطولوجيا المُثُل بوصفها وجودًا (متعدّدًا) أو مَوْجوداتٍ. وهي التي تفجّر السؤال: ما هو، أو كيف يتعيّن هذا الوجود؛ وجود المُثل التي هي موجودة؟ هذا الوجود الذي استحال إشكالًا في “البرمانيدس”، وصار إلى جدلٍ في “السفسطائيّ، كما هو حال نقيضه “الغير”. هنا، فإن أرسطو لم يتخذ من واقعيّة المعاني مبتدأهُ، ولم يتوقف عند الطور الأوسط لـ “الوجود الحقّ”، بل اتجه مباشرةً إلى فلسفة في الوجود من حيث هو وجود، ولكن، نتساءل هنا، وبإغفال أرسطو لفرديّة الأشخاص، ألا يجعل ذلك منه فيلسوف “المعقوليّة” لا فيلسوف الوجود (existence)؟ هذا السؤال سيحيلنا إلى سؤال سوف يهمنا في بحثنا لاحقًا، وهو إن كانت الأنطولوجيا الخاصّة بـ “الإلهيّ” أو “الثيولوجيّ، والتي نجد لها جذور عند فلاسفة سابقين، كمفهوم “الأبيرون”، مثلًا، عند أناكسيماندر[12]، وهو اللامتناهي أو الشيء اللامتعيِّن، أو “الخليط من كلّ شيء” عند تلميذه أنكسيمنس[13]، هي عينها إنجازٌ للأنطولوجيا العامة “للوجود من حيث هو موجود”؟

 بين أرسطو وأدونيس

لقد أشار الشاعر أدونيس إلى أن محاكاة أرسطو هي في “أن الشّعرَ يُمثّل، أي “يبتكر” شيئًا يُمثّل الشيء الذي يُحاكيه، بديلًا له، “يعكسه”. وهو، إذن، يُصوّر، ويرسم، ويُجسّد، ويُشخّص، ويَعرض، ويُبيّن، ويشرح، ويُبرز… الخ”. (أدونيس، موسيقى الحوت الأزرق، الهُوية، الكتابة، العنف، 2002، صفحة 34) وبالتالي فإن النصّ هنا عالمٌ عينيّ، أكثر مما هو عالمٌ تخيُّليّ، والطبيعة هنا منفصلة عن الفنان أو الشاعر. “. (أدونيس، موسيقى الحوت الأزرق، الهُوية، الكتابة، العنف، 2002، صفحة 34) بينما، يميل أدونيس، مثلًا، إلى أن ينطوي التّصوير (التمثيل) في الشعر على رؤية العين الخفيّة، حيث يبدو النصّ الشّعري كأنه تفتُّحٌ لكُمونٍ، أكثر مما هو رصدٌ لظاهرٍ، “. (أدونيس، موسيقى الحوت الأزرق، الهُوية، الكتابة، العنف، 2002، صفحة 35) وأن الشاعر هو ذاك الباحث عن علاقاتٍ جديدةٍ بين اللغة والواقع”. (أدونيس، موسيقى الحوت الأزرق، الهُوية، الكتابة، العنف، 2002، صفحة 38) وهنا، من المهم بمكان الإشارة إلى أن استخدام أدونيس لمفهوم “اللغة” ليس بالمعنى “البلاغي”، فهي “لا تقدّم الشيء بوصفه يقينًا، بل بوصفه احتمالًا”. (أدونيس، موسيقى الحوت الأزرق، الهُوية، الكتابة، العنف، 2002، صفحة 38) ، هو يتقاطع هنا مع الفهم الفيزيائي الحديث للوجود؛ الفهم الهايزنبرغي (مبدأ اللايقين) في فيزياء الكم، هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية، فإن نظرة أدونيس إلى الشعر لا بوصفه “سؤالًا مطروحًا على الخارج وحسب، وإنما هو سؤال مطروح على الداخل، وعلى الشعر نفسه. إنه بحثٌ عن الضوء حيث كان…” “. (أدونيس، موسيقى الحوت الأزرق، الهُوية، الكتابة، العنف، 2002، صفحة 39) تتقاطع، أي هذه النظرة، مع أفكار هايدجر الذي يرى في كتابه “أصل العمل الفني” (هايدجر، 2003) إلى أن الفنَّ هو طريق الفنّ: “الفنان والعمل الفني هما دائمًا في ذاتهما وفي علاقتهما المتبادلة موجودان عن طريقٍ ثالث، هو الأول، أي ذلك الذي اتّخذ منه الفنان والعمل الفني اسميهما، وهو طريق الفن (هايدجر، 2003، صفحة 58) ، كما ويُجادل، بأن العمل الفني ليس موضوعًا، بل هو ينتصب في ذاته، وبانتصابه في ذاته فإنه لا ينتمي إلى عالمه فقط، وإنما عالمُه حاضرٌ فيه، حيث يكشف العمل الفنيُّ عالمَه الخاص به، وهو عالمٌ مُنحل. (غادامير، 2007)وهذه النظرة، تؤكدها وتتقاطع معها بعض الأفكار الحديثة جدًا في علوم الفيزياء، وخاصة نظرة بينروز[14] حول مفهومه لـ “اللانهاية”[15] حيث الولادة (ولادة الكون/ نقطة “الصفر”) هي ذاتها نقطة الانحلال (نقطة الاتساع والتسارع الأكبر/ نقطة اللانهاية) (Penrose, Roger ;, 2010 (UK), 2011 (US)). وهذه النظرة، تتعارض مع فكرة “المحرك الذي لا يتحرك” عند أرسطو، والتي تم تأويلها، في الثقافة الإسلامية، على أنها هي المقابل الفكري لفكرة “الله”، مع إغفال مسألتين أساسيّتين برأيي الشخصيّ: الأولى في تغليب مبدأ “الهيراركيّة (أو التّراتبيّة التصاعديّة)” عند أرسطو على مفهوم “التّناسُج” (أو الوجود المتعدّد) الذي يُفسّر إمكان الوجود في عالم الطبيعة وعالم الفن في آنٍ معًا عن أرسطو. والثانية في تغليب صفة “الثّبات” على صفة “الحركة” في جوهر مبدأ “المحرّك الذي لا يتحرّك”.

من المهم بمكان، الإشارة إلى أن فكر أرسطو، (بوصفه منظرًا للشعر في عصره)، قد أسس لكثيرٍ من خصائص الشعر “الغربي”، بينما ينطلق أدونيس، (بوصفه أهم منظّرٍ للشعر في عصرنا)، في كل تنظيراته الشعرية من خصوصيّة الشعر العربي وتاريخه الطويل.

كموميّة المحاكاة

ثمة منطق كموميّ فيزيائيّ في استخدام أرسطو لمفهوم المحاكاة، إذا صحّ التعبير. حيث تكون العلاقة بين العمل الفني والطبيعة، عبر المحاكاة، فعلًا تكامليًّا أشبه بمعادلات فريدهولم وفولتيرا[16] التكامليّة، التي تكون فيها النهايات تكامليّة متغيّرة، أو “تحويلات فورييه” (Fourier Transform)[17] التي تُستخدَم لتحويل “دالّة” ذات متغيّر حقيقي إلى “دالة” أخرى من الطراز ذاته؛ والأمرُ شبيهٌ بتدوين تآلُفاتٍ موسيقيّةٍ عبر تحليل وتفكيك النغمات التي تتكون منها تلك التآلُفات، فإنّ التحويل يقوم بتحليل الدالّة الأصل إلى مركّباتها من الدوال التوافقية المركّبة. إننا هنا إزاء عملية يكون الناتج فيها شكلًا من أشكال “التّمثيل” ضمن إطار حركيّة المثال الأصل، الذي هو ليس مثالًا ثابتًا بل متحولًا في ذاته.

وفي تقابلٍ مع مثالنا المُستوحى من علم الرياضيات، لو نظرنا إلى مارتن هايدجر و “أصل العمل الفني” تحديدًا، فإن “الطبيعة ليست بالنسبة إلى المثالية مجرد موضوع للعلم المُغرض في العصر الحديث، وإنما هو هيمنة قوة عالمية خلاقة عظيمة، تتم في العقل الواعي لذاته، كذلك فإن العمل الفني في عينيّ هذا المفكر المتأمل هو إسقاطُ الفكر _ ليس مفهومه الكامل عن نفسه، وإنما ظهوره في الطريقة، التي ينظر بها إلى العالم. الفن نظرة إلى الحياة Welt-Anschauung بأتمّ معنى للكلمة (هايدجر، 2003، صفحة 40). في هذا المثال التطابقيّ، نضيف إلى بُعد التحليل والتفكيك والإزاحة الحادث في تحويلات فورييه ومعادلات فريدهولم وفولتيرا التكامليّة، نضيف عامل الوعي والإسقاط الفكري عند هايدجر لنعمق فهمنا تجاه أحد أهم المفاهيم التي يستخدمها أرسطو في جدالاته حول الشعر والفن والموسيقى، وهو “التمثيل” أو “المحاكاة”.

إن الربط بين البُعد الرياضي الكامن في معاني “المحاكاة” أو “التمثيل”، وبين أبعاد الإسقاطات الفكرية وظلال الوعي، هو ليس إشارة إلى ضرورة الحبك بين البُعدين وحسب، بل هو مؤشّر لقصور كلّ بُعدٍ عن “تمثيل” حقيقة “المحاكاة” وحده دون الآخر. كما أن الحقائق المؤكّدة هي صعبة المنال، وهي لا تتعادل بالضرورة مع إمكانية برهانها رياضيًّا، كما يقول فيلسوف العلوم الطبيعية والاجتماعية ميشيل ريدهيد، الذي يؤكد أن عقول البشر قادرة على فعل ما لا تستطيع أجهزة الحواسيب الرقمية فعله (Redhead, 2004).

لقد تناول سالم العيادي هذه المسألة حيث يرى الفارابي إلى علم الكَمّ بوصفه علمَ علاقاتٍ وعلمَ نِسَبٍ، هذا من جهة، لكن، جهة ثانية مُكمّلة فهو يُشير إلى أن “الموجود الموسيقي “معقولٌ” ما دام مُستعدًّا للنسبة العدديّة التي بها يكون التفسير وبها يتم إدراك القوة التي بها تفعل النغم والألحان فعلها الخاص، والموجود الموسيقي “ينطق” إذا أمكن تقديره بجزءٍ منه” (العيّادي، 2001، صفحة 131). وإلى جانب ذلك، يتابع حول نظرة الفارابي إلى الموسيقى بوصفها تأليفًا وائتلافًا؛ بمعنى أن الشيء المركب يقتضي وجود أجزاء يتألف منها ووجود علاقة تأليفيّة (نِسَب ما) يتألّف منها. “فصورة الائتلاف موجودةٌ في الألحان بالفعل وهي منطبعة فيها كصورةٍ وجوديّة، وبها يكون فعل الألحان، ولكنّها غير محسوسة في ذاتها [بوصفها علاقات محض كميّة] ولا يصح وجودها عندنا إلا بالقياس. إن صورة الائتلاف إذن صورة معقولة، وهي من جهة ما هي كذلك موجودة في الألحان بالقوة والاستعداد حتى إذا أخرجها الإدراك العقلي صارت معقولة بالفعل” (العيّادي، 2001، صفحة 130)

لقد سبق لهيجل وتحدث عن أن الأعداد النقيّة لا يمكنها أن تمثل العلاقات الملموسة التي تدخل فيها الأفكار بكل ما فيها من ثراء. علاوة على ذلك، فإن المنطق، وليس الرياضيات، هو الذي يوفر التبرير والمعنى والقيمة للأشكال الرياضية المختلفة التي تقترب من التعبير عن السِّعة اللامتناهية بشكل صحيح (Hegel & Miller, 1969, p. 37). ومع ذلك، لا يزال هناك متسع للرياضيات بقدر ما تتلاقى التعيينات الكمّية مع التّعيينات النوعيّة في بعض المفاهيم، أي عندما يكون هناك معنى أو دلالة تنشأ، وجهًا إلى وجه، في العلاقة القائمة بين العناصر. ينقلنا هذا إلى فهم الطرق المعقدة والمتميزة لـ “تمثيل” اللانهائي، لنصل بذلك إلى فهم أهمية العلاقة النسبية (ratio). إذ نجد في المتسلسلة اللانهائية نوعًا زائفًا ومموهًا من اللانهاية، من حيث أن التعبير يظلّ مثقلًا بعبء يصعب تبسيطه، لأنه لا يمكن لأي قيمة كميّة أن تمثّل القيمة النوعيّة على نحو كامل. بحسب هيجل، فإن العلاقة النسبية (ratio)[y=k/x] (، (حيث “k” هو ثابت)، تمثل اللانهاية، لكن على نحوٍ يجري فيه احتواء ما وراء اللانهاية داخل التعبير بشكل أكثر ملاءمة؛ أي أن كل لحظة (moment) من اللحظات تحتوي على اللحظات الأخرى، لأن قيمة اللحظات الأخرى تشكل عاملًا لا غنى عنه في قيمة كلِّ واحدةٍ منها، وبالتالي فهي لا تنفصل عنها (Hegel & Miller, 1969, p. 319).

استطرادًا، توفر لنا معارفنا المعاصرة نظرياتٍ واجتهاداتٍ علميّة ومُقارباتٍ تضع رأي أرسطو حول “المحرك الذي لا يتحرك”، والذي ينعكس بشكلٍ كبير على مفهومه للتمثيل والمحاكاة، تضعه أمام مرآة النقد، أو ربما إعادة التأويل. ولأعطي مثالًا، كي لا نستفيض في أمثلةٍ كثيرة، من أفكار عالم الفيزياء روجر بينروز الذي يُشير إلى أن صورة الكون التي نمتلكها حتى الآن وفقًا لعلم الكون الدوريّ المُطابق (CCC)، تمثّل دهرًا (aeon) واحدًا (أو فترة لا نهائيّة واحدة) فقط من تعاقُبٍ تسلسلي من الدهور المُتّسِعة التي يحمل كلٌّ منها “نقطة” بدئه (انفجاره العظيم الخاص به) التي تشكل تطابقًا استمراريًّا (conformal continuation) للاتساع المتباعد للدهر السابق. (Penrose, 2018). هذه المُقاربة الفيزيائية/ الرياضيّة تلقي بظلالها على مفهوم الزمن بقوة كذلك، حيث لا يمكننا تصور معنى التمثيل أو المحاكاة عند أرسطو، بوصفهما حركة وإحالات تسلسلية لانهائية، مع إغفال عامل الزمن ومفهومه، الذي سنعرض إليه لاحقًا بوصفه مُعضلة.

يحتاج هذا الموضوع إلى تفصيل أوسع لفهم الطبيعة اللانهائية لـ “المحرك الذي يتحرك” بوصفه محركًا يُعيد إنتاج ذاته باستمرار دون أن يكرّر ذاتَه في التفصيلات الدقيقة بالضرورة، لكن بمعنى أن جميع التفصيلات التي يُنتجها ويُعيد إنتاجها إنما تخضع لقانون إعادة إنتاج الذات، أو قانون اللانهاية على شاكلة الرمز (∞) الذي ابتدعه عالم الرياضيات الإنجليزي جون واليس (John Wallis) عام 1655. لكن الانشغال بهذا الهم قد بدأ قبل أرسطو (ربما، إغريقيًّا، منذ زينون الإيلي[18])، وما زال يشغل كبار علماء الرياضيات والفيزياء والفلاسفة في عصرنا الراهن. وقد نُفرد لهذا الموضوع وتقاطعاته أو انعكاساته في الموسيقى بحثًا خاصًّا مُستقلًّا.

لكن، ما يهمنا هنا، هو السؤال: ما الذي يحصل داخل هذه الحركة قبل أن تصطدم بجدار “اللاحركة” عند أرسطو، إن صحّ تقديره؟

ما يحصل في حركية سيرورة “التمثيل أو المحاكاة”، هو أن “الفن/ الفنان” ينظر إلى موضوعه، وبينما هو ينظر إلى موضوعه، فهو يُغيّره، يرصده، يتدخّل ويؤثّر فيه، فلا يعود الموضوعُ هو ذاته كما كان قبل أن ينظر الفنُّ إليه في البدء؛ إذن، فالمحاكاة هنا ليست فعلًا محايدًا، بل هي سيرورة تكاملية نستعيدُ من خلالها إنتاج الموضوع (في الحِرَف)/ الطبيعة (في الفنون التشكيليّة البصريّة)/ الصمت (في الموسيقى) الخ… والمحاكاة فعلٌ مكانُه في وعي الفنان. وبلغة الفيزياء الكمومية، فإن الموضوع الذي يُحاكيه الفن، يتحوّل، بفعل هذا “الرّصد/ التدخّل/ الإسقاط”، من وضعية فائقة (superposition) ذات طابع احتماليّ لا يقينيّ، إلى انهيارٍ (collaps) يتمظهر عبره الموضوعُ بوصفه احتمالًا واحدًا متكشّفًا ومتحقّقًا لا غير.

لكن، في هذا التّمظهر تحديدًا، ثمة انكشافٌ لطبائع ما “سكت” عنه هذا الكشف وأخفاه. وبمقدار وكيفيّة تكتّم المُفصِح عن صمته الفائق، ذي الطبيعة غير اليقينيّة، يتجلّى قانون الجمال.

هنا أعطي مثالًا تبسيطيًّا لتقريب الموضوع إلى القارئ، رغم أن هذا المثال، هو ذاته يمكن أن يخضع لتعقيدات الموضوع، أو لنقل، إلى لانهائية احتمالات تحقّقه، لكننا سنبسّط الأمر للتوضيح. فلو أخذنا صخرةً من الرّخام الخام، فإن احتمالات ما يُمكن استخراجه منها من منحوتاتٍ هو رقمٌ “لا نهائيّ” (أو ضخم جدًّا)، يخضع لمخيالات الفنانين الذين سيعالجون هذه القطعة الرخامية، لكن عندما يُباشر أحدهم في نحتها، فإن احتمالًا واحدًا من بين لانهائية الاحتمالات هو الذي سيظهر وحده في النهاية، وعندما يكون الفنان قد أظهر موضوعَهُ على نحوٍ “نقيٍّ” مباشرٍ، فلا يُبقي أيّ “شائبةٍ”، ويعرضه في مكانٍ منفصلٍ عن فتاته وغباره (في احتجاب سيرورة العمل)، ستكون قراءة ما سكت عنه (أخفاه) المنحوت أقل حظًّا مما لو أبقى الفنان، هنا وهناك، بعض “الشّوائب” (وهي من بصمات السيرورة) من الصّخرة الخام، دون مسّها أو دون استكمال نحتها، فإن حظّ قراءة ما سكت عنه المنحوت يكون أكبر. ليس الأمر بهذه البساطة والمُباشرة، كما سبق وألمحت، لكنه مثالٌ لتقريب الفكرة. لكن، أسئلة كثيرة تترافق وتتلازم مع هذا المثال وأي مثالٍ قد نأتي به؛ أسئلة لا تنتهي إلا بفتح الأقواس نحو أسئلةٍ جديدة، ذلك لأن سيرورات إنتاج العمل الفني وسياقات عرضه هي كثيرة التعقيد.

إن إسقاطات هذه النظرة اللايقينيّة الهايزنبرغيّة،[19] التي لا تؤسّس لأيّة مرجعيّةٍ يقينيّةٍ، كثيرة ومثيرة في الممارسات الفنيّة ومركباتها. وهي، إذا تعيننا على فهم أرسطو فهمًا أعمق وأكثر حداثةً، فهي كذلك تشير إلى الجدران التي اصطدمت بها أفكار أرسطو، بحسب فهمنا، وهنا نشير إلى أمرين:

الأول، هو انعدام العشوائية في “حركة” أرسطو واعتمادها مبدأ الانجذاب إلى أن تصطدم هذه الحركة بجدار “المحرك الذي لا يتحرك”.

ثانيًا: تحميل أرسطو الحركةَ صفة “الإرجاع إلى…” (أي أن كل موضوع يحاكي مرجعًا ما سابقًا له، عبر سلسلة مرجعيّة خطيّة متتالية، وصولًا إلى منتهى لا يُمكن إرجاعه إلى سابقٍ له.

لكن، تتقاطع النظرات الحديثة للمحاكاة والتمثيل مع أرسطو عند وجوب الحركة بوصفها سيرورة، ولو اختلفت معه في طبيعة هذه السيرورات وكيفيّة فهمها وحدود مساراتها. لكن، في الحديث عن المحاكاة بوصفها سيرورة، ينبثق بالضرورة سؤال الزمن بوصفه مُعضلة.

معضلة الزمن

في حديثنا عن الموسيقى، ربما يكون مكوّن الزّمن هو المكوّن الأكثر إثارة، لكن ليس في الموسيقى وحدها بوصفها لغة الزمن، بل في الرواية والشعر وغيرها من أنواع الفنون.

فكيف يمكن فهم التمثيل الأرسطي بوصفه حركة تصطدم في “لحظةٍ” ما بجدار اللاحركة والتوقف الأبدي أو الانتهاء الكلّيّ؟ وكيف نرى إلى هذه الحركيّة في علاقتها مع محورها الزمني؟ فهل هو يتوقف كذلك أو ينتهي؟ هل يصطدم بجدار “اللازمن” في طورٍ ما؟

بالنسبة إلى عالم الإغريق، المعلم الأول، فإن عملية التمثيل في الفن تنتهي بالضرورة وتتوقف عن الحركة في طورها الأخير. بينما نجد لدى عالم الفيزياء، ابن زماننا، روجر بينروز، مقاربة أخرى، لا نجزم بأنها تتناقض مع منطق أرسطو، وهذا ممكن، بل راجح للوهلة الأولى، لكن، بنظرةٍ أكثر إبداعية، يمكن أن تشكّل مُقاربة (أو نظرية) بينروز فرصةً لتأويلٍ جديدٍ لفكرة أرسطو وحدسه القديم.

في كتابه “دوائر الزمن: نظرة استثنائية جديدة للكون”، يتفحص بينروز الآثار المترتبة على قانون الديناميكا الحرارية الثاني (Thermodynamics) في سيرورته الحتمية نحو حالة الإنتروبيا القصوى في الكون؛ متعاملًا مع مفهوم الأنتروبيا من حيث حالة معلومات فضاء الطور (phase space)،[20] حيث ينتهي المطاف، عبر الزمن، بالجسيمات بأن تتحرّك عبر حُبيباتٍ أكثر اتّساعًا من فضاء الطور، بدءًا من حبيباتٍ أصغر بسبب الحركة العشوائية. وهذا يتنافى مع ما يُسمى بالمسار الخلفي (back-track) للفيزيائي ستيفن هوكينج، الذي يتناول المعلومات التي قد دُمّرت عند دخول المادة إلى ثقبٍ أسود، حيث يقلل هذا الفَقد من الأنتروبيا[21] الكلية في الكون، فتذبل الثقوب السوداء بسبب إشعاع هوكينغ، مما يؤدي إلى فقدان في درجات حرية فضاء الطور. وهنا يأتي الجزء الذي يعنينا، حيث يذهب بينروز في كتابه ليقول إنه على مدى المقاييس الزمنية الهائلة (أكثر من 10100  من السنين)، تفقد المسافات مغزاها، حيث تنقسم الكتلة بكاملها إلى طاقة فوتونية شديدة الانزياح باللون الأحمر، وعندها لا يكون للوقت أي تأثير، ويستمر الكون في التوسّع بدون حدث (∞→). ويعرف بينروز هذه الفترة الممتدة بين الانفجار العظيم والتوسع اللامتناهي بأنها دهر (aeon). هنا، يصبح “النسيان” الأملس واللامتناهي للدهر السابق هو حالة الانفجار العظيم ذات الأنتروبيا المنخفضة لدورة الدهر التالية؛ بمعنى أن الهندسة المطابقة (conformal geometry) تحافظ على الزوايا، ولكن ليس على أبعاد (مسافات) الدهر السابق، مما يسمح لكون الدهر الجديد بالظهور على نحوٍ صغيرٍ جدًا عند انبلاجه، حيث يولد فضاء طوره من جديد (Penrose, Roger ;, 2010 (UK), 2011 (US)).

على ضوء هذه المُقاربة، التي تتحدث عن طورٍ في دائريّة الزمان والمكان، ودائريّة الكون وتوالداته اللامتناهية، حيث يفقد الكون صفة الوجود الديناميكي مع فقدان المكان والزمان مغزاهما، فيصير الكون “مملّاً” “راكدًا” “خاملًا”، في انتظار حدوث “خطأ” ما يُعيد له الحياة الحركيّة من جديد؛ ألا يمكن هنا، جدلًا، أن يكون هذا “الكون الممل” عند بينروز هو ذاته “المحرك الذي لا يتحرك” الذي سبق وحدسَه المعلم الأول؟

لكن، ثمة مداخل مختلفة لتعالقات الفنون المتنوعة مع مفهوم الزمن. فعندما يتصادف نشوء الرواية في الغرب، مثلًا، مع ولادة البرجوازية في القرن السابع عشر، من الطبيعي أن تكون، في قرنها الأول، “معنيّة بالولادة، وإمكان اليُتم، واكتشاف الجذور وخلق عالم جديد ومهنة جديدة ومجتمع جديد.” (سعيد، أفكار حول الأسلوب الأخير، 2004، صفحة 35)بينما تتجلى “جدليّات التجسّد” (بلغة فرنسوا جاكوب)[22] في أعمال بتهوفن الأخيرة عبر تشظّي الزمن. وفي مدخل آخر لأدونيس، في ثابته ومتحوّله، ومن خلال مثال “جميل وبُثينة”،[23] يستعرض التّنافر الزمني بدل التوافق[24]، حيث لا يُوفّر المَرْبَعُ الواحدُ [قريبان مرْبَعُنا واحدٌ] شرطًا زمنيًّا واحدًا لـ [القريبان]، فواحدهما يكبر (يتقدم به الزمن)، وآخر لا يكبر (يتوقف/يتباطأ به الزمن): [فكيف كبرْتُ ولم تكبُري؟]، فيقول أدونيس: “زمن جميل [بثينة] هو الزّمن القاهر المفروض من خارج، والذي يُفتّت ويغيّر. وهو زمنٌ يتساوق مع الآلام […]، إنه الزمن العبء. إنه الماضي. أمّا زمن بُثينة فلم يأتِ بعد [لم يتحقق أو يتمظهر بعد] كأنه يتحرّك متّجهًا إليها من نقطةٍ بعيدةٍ في المُستقبل”.[25] موسيقيًّا، تتعدّى هذه الفكرةُ فكرةَ تعدُّد الأزمنة (molto tempo) إلى فكرة انتفاء الزمن بوصفه معيارًا موضوعيًّا خارجيًّا؛ إننا هنا أمام “تكاملاتٍ مُعتلّة” (بلغة الرياضيّات)، حيث القسمة تكون على زمن لا وجود له في الواقعي، أي على صِفْر، فلا يبقى للزمن من وجود إلا في العقل الإنساني منضبطًا وفق إيقاع الوعي وشروطه النّفسيّة، وهذا ما ينقلنا إلى فكرة “انتشار الروح” (distention animi)، حيث أن الانتشار (أو التبدّد) (distentio)، بالمعنى الأغسطينيّ، يتعارض مع القصد أو الابتغاء (intentio). هذه الفكرة تتّفق مع أفلاطون في تفريقه بين مفهوميْ المكان والزمان من جهة، وفي اعتباره المكان قائم بذاته يشكّل إطارًا للأشياء داخل نظام معيّن، أما الزمان فهو “صفة” لهذا النظام. وبالتالي فإن الزمن هو مظهر التغيير الذي يربط بين الكون الحقيقي والنموذج الظاهر. وهنا، لا ينفكّ الرابط بين الزمان والكون عند أفلاطون. وهذا يختلف عن نظرة أرسطو الذي رفض فكرة تطابق الزمن مع الحركة والتغيير، وجعل الحركة والتغيير يُعرّفان عن طريق الزمن، دون إمكان تعريف الزمن بنفسه. لكن أرسطو أكد الاعتبار هنا لمسألة تدخّل “الوعي”؛ وعي الحالة “قبل” التغيير و “بعد” التغيير، هو شرط وعينا للزمن. وهنا يصبح الزمن مجرد “ترقيم (numbering) لظاهرة الحركة والتغيير عند أرسطو. الحركة والزمن يُقاسان أحدهما بالآخر عند أرسطو، ولا وجود لأحدهما دون الآخر “في وعينا”. فالزمن يُرقّم الحركة، والحركة ترقّم الزمن.[26] ما الذي يعنيه هذا، خاصّة عندما نحتاج إلى فحصه وتجريبه موسيقيًّا؟ الحركة يمكن أن تتوقف، أما الزمن فلا. لا حركة العازفين وحدهم، ولا أصابع المايسترو، بل توقّف الصّوت ذاته، بعد لحظة تلاشي الاهتزازات الأخيرة (smorzando). في وعينا، عندما “تتوقف” الموسيقى مُستقرّةً على نغمةٍ واحدة، فإننا نفقد إحساسنا بالزمن، لأننا، بحسب أرسطو، نفقد وعي “القبل” و”البعد”، لكن الزمن لا يتوقف. هنا تميّز الموسيقى بين الزمن المُرقم الإيقاعي الخاضع لوعي القبل والبعد، وبين الزمن الانتشاري (الأوغسطيني) الذي هو حضورٌ نفسيٌّ يقوم على نفي الشعور بالماقبل والمابعد. إنه بلغتي التي أستعيرها من علوم الرياضيات: الزمن التكامليّ المُعتل.

كما في الموسيقى كذلك عند أرسطو، فالصّمت الذي يسبق العمل الموسيقي (وهو نقطة البدء لكل عمل فني) ليس هو ذاته السكون (توقف الصوت) داخل حركة الموسيقى. فقد ركز أرسطو على “الحالة الساكنة أكثر من تركيزه على الحركة، فكان المكان عنده مفهومًا أساسيًّا أكثر من الزمن. في الموسيقى “السكون” هو جزء لا يتجزأ من حركة الموسيقى وبُنيتها السّرديّة. أما الصّمت السابق لكل بدء عينيّ، فهو خزائن الاحتمالات الممكنة قبل تحقّقها في احتمالاتٍ بعينها وانهيار الصّمت بوصفه “وضعيّة فائقة” لا يقينيّة.

الأعمال الفنيّة إذًا، هي تعييناتٌ للكون/ الوعي (الكون ضمن شروط الوعي) تهدم الكون بوصفه “وضعًا فائقًا” بينما تكتشفه وتُعرّيه، فتُغيّره. الكون/ الوعي بعد كل عملٍ فنيٍّ أصيل، ليس كما كان قبله.

إذن، كيف نفهم الفن بوصفه محاكاة على ضوء الفهم الكمومي، إن صح التعبير؟

هنا، نستخلص مسألة هامة من بين مسائل كثيرة تفصيلية، وهي أن المحاكاة، على ضوء الفهم الكمومي، تأخذ منحى أبعد من مجرد تجاوز التقليد إلى التأويل والكشف، وهو منحى التغيير. فالفن فيما هو يُحاكي “الطبيعة” إنما يغيّرها، يؤثّر فيها. بهذه الطريقة فقط تتعالق المحاكاة مع مفهوم الحّبْك، وهذا ما حاول بول ريكور توضيحه، على نحو متواضع برأيي، مفتقرًا لأدوات الفهم الكمومي الذي استعنّا به. لذلك، فإن مقاربة بول ريكور لم تتجاوز طاقة التأويل لتمر إلى طاقة التغيير، كما جاء في فصله الثاني من الجزء الأول، حيث تتعالق المحاكاة مع مفهوم الحَبْكِ عند أرسطو وأوغسطين، كما فهمها بول ريكور.[27]

إذن، النصّ يُغيّرُ، يتغيّر، حين يُقرأ.

******

[1] Imitation or Mimesis / απομίμηση

[2] ،Ὅμηρος، شاعرٌ ملحمي إغريقي أسطوري يُعتقد أنه مؤلف الملحمتين الإغريقيتين الإلياذة والأوديسة.

[3] ΈμπεδοΚλής الذي عاش بين 490 – 430 ق.م. وهو فيلسوفٌ يونانيّ، عاش في المدينة الصقليّة آغريغنتوم. كانت فلسفة أمبادوقليس منشأً لنظرية العناصر الأربعة، كما أنه اقترح وجود قوى أطلق عليها الحب والبغض، ووضعها في علّة لتمازج العناصر أو انفصالها عن بعضها. ونتيجة لتأثره بالفلسفة الفيثاغورثية، فقد آمن بتناسخ الأرواح. ويُعتبر آخر فيلسوف اغريقي يدوّن أفكاره وفلسفته على شكل أبيات شعرية. أما حادثة موته، حيث ألقى بنفسه في فوهة بركان، فقد وفّرت مادة ثرية للأساطير والمعالجات الأدبية.

[4] Χαιρήμων، كاتب دراما أثينيّ من القرن الرابع ق.م.

[5] Κένταυροι، (بالانجليزيّة = hippocentaur). مخلوق أسطوري في الميثولوجيا الإغريقية له جسد حصان وجذع ورأس إنسان، وهو عنوان قصيد ملحميّ من تأليف كيريمان.

[6] Πολύγνωτος، رسام إغريقي ولد في ثاسوس في منتصف القرن الخامس ق.م.، عمل في أثينا واكتسب مواطنتها. اشتُهر مشهور بأعمال مثل سقوط طروادة على جدران ستوا بويكيلي Stoa Poikile (ἡ ποικίλη στοά) في أثينا وقد رسمها في زمن كيمون Kimōn، وأخرى عن زواج بنات ليوكيبوس في الأناكيوم. كما عُرف بواقعيته وأخلاقه.

[7] Kleophōn، (Kλεoφῶν)، سياسيّ وديماغوغ أثينيّ متوفّى عام 405 ق.م.

[8][8] Hegemon of Thasos (Ἡγήμων ό Θάσιος)، كاتب إغريقي كوميديّ كلاسيكيّ.

[9] Nicochares، (Νικοχάρης) المتوفى عام 345 ق.م. وهوشاعر يوناني.

[10] موضوع المحاكاة في الفن تناوله كلّ من سقراط وأفلاطون من قبل أرسطو، وما فعله أرسطو هو الاستفادة والبناء على ما سبقه.

[11] Republic, 401 B-403 C; Laws 655 D and 668 A: “We assert, do we not, that all music is representative (eikastiken) and imitative (mimetiken)?” The Laws, trans. R. G. Bury (London: Loeb Classical Library, 1952).

[12] Anaximander  (610 – 546 ق.م.)

[13] Anaximenes (588 – 524 ق.م.)

[14] هو روجير بينروز (Sir Roger Penrose)، الفيزيائي الإنجليزي الحاصل على نوبل لعام 2020.

[15] انظر كتاب “دوائر الزمن، نظرة استثنائية حديثة إلى الكون” ( (Penrose, Roger ;, 2010 (UK), 2011 (US))) لروجر بينروز: “This period from Big Bang to infinite expansion Penrose defines as an aeon. The smooth “hairless” infinite oblivion of the previous aeon becomes the low-entropy Big Bang state of the next aeon cycle. Conformal geometry preserves the angles but not the distances of the previous aeon, allowing the new aeon universe to appear quite small at its inception as its phase space starts anew”.

[16] نسبةً إلى عالم الرياضيات السويدي إريك إيفار فريدهولم Erik Ivar Fredholm (1866 – 1927)، وعالم الرياضيات فيتو فولتيرا Vito Volterra (1860 – 1940).

[17] نسبة إلى عالم الرياضيات شارل فورييه.

[18] Zeno of Elea 490 – 430 BC

[19] نسبة إلى الفيزيائي الألمانيّ فيرنر هايزنبرغ (1901 – 1976)، صاحب مبدأ اللايقين في الفيزياء الحديثة.

[20] هو كمية الحالات الممكنة التي يحتويها نظام حركي. وتوصف “الحالة ” بواسطة مجموعة المتغيرات للنظام عند نقطة زمنية معينة.

[21] entropy

[22] يمكن مراجعة كتاب “منطق الحي، تاريخ الوراثة” (1970) لعالم البيولوجيا الفرنسي والحائز على نوبل في الطب، فرنسوا جاكوب.

[23] من قصيدة جميل بُثينة.

[24] التنافر والتوافق، هي مصطلحات موسيقيّة بامتياز، يقوم عليها علم التناغم الموسيقي (الهارمونيا Harmony)، وعلم التقابل الموسيقي (الكونترابوينت counterpoint)

[25] أدونيس. الثابت والمتحول، الجزء الأول. ص 288. (مصدر سابق)

[26] راجع كتاب الفيزياء لأرسطو.

[27] بول ريكور. الزمان والسرد، الحبكة والسرد التاريخي. ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم. راجعه عن الفرنسية: د. جورج زيناتي. دار الكتاب الجديد المتحدة. 2006.

******

المراجع

  1. Hegel, G., & Miller, V. (1969). Hegel’s Science of Logic (2 ed.). New York: HumanitiesInternational.
  2. Lamb, W. (Ed.). (1966). Phaedo 60e – 61b. (Vol. 1). (H. N. Fowler, Trans.) London: Cambridge, MA, Harvard University Press; William Heinemann Ltd.
  3. Landa, J. A. (2004, January ). “Aristotle’s Poetics”. SSRN Electronic Journal.
  4. Penrose, Roger ;. (2010 (UK), 2011 (US)). Cycles of Time: An Extraordinary New View of the Universe. Bodley Head (UK), Knopf (US).
  5. Plato, H. N. (2005). Apology. Crito. Phaedo. Phaedrus. . Loeb Classical Library .
  6. Redhead, M. (2004, December ). Mathematics and the Mind. The British Journal for the Philosophy of Science(Volume 55, Issue 4).
  7. إبراهيم حمادة. (بلا تاريخ). كتاب أرسطو فن الشعر. (مكتبة الأنجلو المصرية، المحرر، و مكتبة الأنجلو المصرية، المترجمون) القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
  8. إدوارد سعيد. (خريف, 2004). أفكار حول الأسلوب الأخير. مجلة الكرمل(81).
  9. أدونيس. (2002). الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والاتباع عند العرب (8 ed., Vol. 1). لندن: دار الساقي.
  10. أدونيس. (2002). موسيقى الحوت الأزرق، الهُوية، الكتابة، العنف (الإصدار 1). بيروت: دار الآداب.
  11. جبران, وسام. (2020, أبريل، نيسان 20). الموسيقى في كتاب “السياسة” لأرسطو. Retrieved from الأوان: https://www.alawan.org/2020/04/20/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%82%d9%89-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%91%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%b3%d8%b7%d9%88-%d8%ac1/
  12. سالم العيّادي. (2001). الموسيقى ومنزلتها في فلسفة الفارابي. الوسيطي.
  13. مارتن هايدجر. (2003). أصل العمل الفني (الإصدار 1). (هانس جيورج غادامار، المحرر، و أبو العيدو دودو، المترجمون) ألمانيا: منشورات الجمل.
  14. هانز جورج غادامير. (2007). طرق هايدجر. (حسن ناظم ، و علي حاكم صالح، المترجمون) دار الكتاب الجديد المتحدة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This