كلّ مجتمع ينتج النّسخة الخاصّة به من الفكر الدينيّ

كلّ بيئة تقوم بتغيير واجهة الدّين وشكله

كثيراً ما أطرح المثال التالي حول الطريقة التي يتشكل بها الفكر الديني في مجتمع ما:

المكان: مقاعد جامعة الأزهر، السنة الأولى في كلية الشريعة، طالبان يجلسان بجانب بعضهما. أولهما طالب مسلم سني من المذهب الحنفي، يسكن أصلاً في عاصمة إحدى الدول الإسلامية، وفي أرقى أحيائها. سافر منها إلى مصر ليكمل تعليمه الجامعي هناك. والدته و والده حائزان على شهادة جامعية؛ جده كان عضواً في البرلمان بعد الاستقلال، خلال أربعينات وخمسينات القرن العشرين؛ والده من كبار تجار القماش. كل النساء في عائلته متعلمات، ومعظمهن يمارسن أعمالاً اقتصادية أو اجتماعية ويقدن السيارات. حالات تعدد الزوجات في أسرته نادرة جداً، وحالات الطلاق في عائلته هي أيضاً شبه معدومة. جميع أفراد أسرته ملتزمون بأداء شعائر الدين من صلاة وصوم وزكاة، وجميع نساء عائلته محجبات، دون استثناء.

الطالب الثاني، ينتمي إلى نفس الدولة التي أتى منها الطالب الأول، لكنه يعيش في بيئة غير حضرية، وهو أيضاً مسلم سني حنفي، لكن كل أفراد أسرته ومجتمعه تقريباً أميون؛ معظم الرجال في بيئته متعددوا الزوجات، وكثيروا الطلاق؛ ويمارسون أعمال التجارة الخفيفة، أو المهن اليدوية البسيطة، أو رعي الماشية. قضت أسرته جزءاً كبيراً من حياتها تحت ظروف سياسية واجتماعية غاية في السوء. لكن بسبب تفوق ذلك الطالب دراسياً، فقد أسعفه الحظ في الحصول على منحة لاستكمال الدراسة في جامعة الأزهر، بمصر.

درس هذان الطالبان نفس المنهاج في جميع سنوات الدراسة، وتتلمذا على يد نفس المدرسين، وحضرا نفس المحاضرات، وقرءا نفس الكتب، وتخرج كلاهما بتفوق، ثم سافرا عائدين كلٌ إلى مكان سكناه الأصلي، الحضري ابن العاصمة، وغير الحضري، عاد كلا منهما إلى بيئته وبلده ومجتمعه.

بعد سنة، ذهبت باحثة اجتماعية إلى كل منهما، وأجرت معه حواراً مطولاً وتفصيلياً حول مسائل ليست من أسس الدين، ولا تقع في صلبه، وطرحت على كل منهما أسئلةً لا تمس جوهر العقيدة الإسلامية، حيث كانت أسئلتها من مثل:

– هل يحق للمرأة قيادة السيارة؟

– هل يحق للمرأة العمل خارج المنزل؟

– هل يُحتسب الفلاسفة المسلمون مثل ابن سينا وابن رشد كفاراً أم مسلمين؟

– هل القرآن مخلوق أم أبدي؟

– هل يجوز الخروج على الحاكم؟

– هل يجب أن يكون حاكم المسلمين من قريش، أم لا يجب؟

– هل (أهل الحل والعقد) هم الوحيدون المنوط بهم اختيار الحاكم، أم يحق لكل الشعب اختيار الحاكم؟

– أيهما كان الأولى بالحكم بعد الرسول، ابو بكر، أم علي؟

– هل الديمقراطية حرام؟

– هل يحق للمرأة أن تخلع حجابها وقت الضرورة؟ كحالة العمل في بلاد الغرب مثلاً؟

– هل يحق لنا أن (نسبي النساء) في حروبنا هذه الأيام، كما فعل الرسول والصحابة؟

–  هل يحق لنا أن ندخل في علاقة ود وصداقة مع (البريطانيين والأمريكان) رغم احتلالهم لبلادنا في الماضي، ودعمهم لإسرائيل؟

– هل السلم مع إسرائيل حرام أم حلال؟

– هل يحق للرجل ضرب زوجته؟

– هل يحق لنا ضرب أبنائنا؟

– كيف يصوم المسلمون من أبناء الدول التي يسود فيها نهار طويل أو ليل طويل، أم يمكنهم الصوم على توقيت مكة مثلاً؟

– هل يحق للرجل – من وجهة النظر الأخلاقية وليست القانونية – أن يتزوج بامرأة ثانية، دون إخبار زوجته الأولى؟

– هل يحق للرجل – من وجهة النظر القانونية – أن يتزوج بامرأة ثانية، إذا لم يعدل بين الزوجتين؟

– هل يحق للرجل أن يتخذ امرأةً ما جاريةً، ويستمتع بها كاستمتاعه بزوجته، رغم عدم وجود نص شرعي يحرم ذلك؟

– هل لا تزال عقيدة (الولاء والبراء) صالحة ليتعايش بها المسلمون مع بلادهم ومع غير بلادهم؟

– هل من الواجب (شرعياً، وليس قانونياً) على المسلم الذي يقطن في دولة غير مسلمة أن يدفع لها الضرائب والرسوم؟

– هل يجوز للمسلمين الذين يعيشون في بلاد الغرب (الاحتيال) على أنظمة تلك البلاد (والسرقة) من أموالها، كونها بلاد كفر، أم لا يحق لهم ذلك؟

– هل يحق للمسيحيين في البلاد الإسلامية أن يتوسعوا في بنائهم للكنائس؟

كيف تعتقدون أنه سيكون رد كلا هذين الطالبين على هذه الأسئلة، الجوهرية والخلافية في آن معاً؟ هل تظنون أنهما سيتفقان في الرد، أم سيختلفان، رغم كون كليهما قد أخذا العلم الشرعي والديني من نفس المصدر، ونفس المنهاج، ونفس الكتب، وعن نفس المدرسين؟

الجواب: غالباً ما سيختلفان في الرد على معظم تلك القضايا المطروحة أعلاه، وستكون بيئة كل منهما، ومرباه، وعائلته، وبيئته، وثقافته الاجتماعية هي التي لها الدور الفصل في تشيكل توجهه ورأيه، وتحدد رده على تلك الأسئلة، رغم كون كليهما مسلماً سنياً حنفياً.

فالموروث الإسلامي الديني نفسه لديه إجابات تبلغ أحياناً حد التنافر على الأسئلة والقضايا المطروحة، وهو تنافر طبيعي، لا يعيب الإسلام كدين؛ فهو تنافرٌ موجود ايضاً في كل الأديان، وكل المذاهب الفكرية البشرية والفلسفية.

لذلك، فمن يستمع إلى ردود المسلم الحضري على الأسئلة أعلاه سيقول -الإسلام دين عصري ومتقدم وينسجم مع الحضارة، ومن يسمع رأي غير الحضري سيتكون لديه انطباع مغاير تماماً، انطباع سلبي في معظمه.

النتيجة مما ذكرت أعلاه هي أنه لو لم يوجد في بيئات رجال الدين في ثقافتنا الشرقية، بشقيها المسيحي والمسلم، لو لم يوجد في تلك البيئات اشخاص متأخرون فكرياً، وذووا سوية اجتماعية واقتصادية وثقافية متخلفة، لما تقبلوا آراء رجال الدين هؤلاء، تلك الآراء التي كثيراً ما تنزع نحو العنف والتجهيل والتعصب، ولما وجد رجال الدين أولئك مكاناً بينهم. إن فكر رجال الدين يبدو للكثير من الناظرين متأخراً، لكن تأخره ليس بسبب عيب متأصل في صلب المذهب أو الدين، بل لأن البيئة التي تنتج هذا الفكر هي بيئة متأخرة ومتخلفة فكرياً، ولأن هذا النوع من الخطاب الذي تقدمه غالبية رجال الدين هو خطاب يجد له آذاناً صاغية في معظم البيئات الإسلامية.

إن من يطلع في الفكر الشيعي على أفكار (محمد إقبال) و(علي شريعتي) و(عبد الكريم سروش) لا يملك إلا أن يعجب بها أيما إعجاب. لكن للأسف فالتيار الأصولي لدى الشيعة، هو الذي انتصر، وتيار العقلانية هو الذي هُزِم.

أما في الطرف السني، فالحال مشابه من حيث المضمون، فأصولية الوهابية ومغالاتها هي الوجه الآخر لأصولية الشيعة الإمامية؛ كلاهما وجهان لعملة واحدة، عملة الأمة الإسلامية التي تستطيع أن تكون مثل الطالب الحضري، لكنها للأسف، هي في معظمها، مثل الطالب غير الحضري.

إنه واقعٌ متخلف على كل الصعد، ينتج حاضنةً شعبيةً تتقبل الأفكار والآراء المتأخرة حضارياً، مؤديةً بالتالي إلى صعود نجم طبقة من رجال الدين الذين ينتجون خطاباً فكريأً دينياً متدني القيمة، ومتأخراً حضارياً، لكنه كذلك لأنه متماشٍ من طبيعة تفكير تلك الحاضنة الشعبية. لا يمكننا تحميل الدين نفسه المسؤولية عن ذلك. بل إن المسؤول هو حالةُ التخلف الحضاري الشامل التي نعيش، والتي تهوي بنا إلى الأسفل.

عندما نرتقي، يرتقي ديننا، وعندما نهوي إلى القاع، يهوي معنا…..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. د. جمال الحمصي

    ايضاً العقل العلماني يواجه المأزق الأخلاقي ذاته، بل بصورة تفوق العقل الإسلامي، بسبب سيادة مذهب الشك الأخلاقي والنسبية الثقافية منذ ديفيد هيوم حتى مذهب ما بعد الحداثة. على أية حال، فان العديد من الأسئلة يمكن حسمها باللجوء الى النصوص والمقاصد والقواعد الشرعية القطعية.

أضف تعليق

Share This