معنى الكون بين أينشتاين وبور

الكون وفق نسبية أينشتاين

وفق ماكس بورن، فإن النظرية النسبية هي أعظم إنجاز حققته البشرية في فهم الطبيعة، وهي أعظم تركيب مذهل جمع بين النظرية الفلسفية الثاقبة، والإلهام الفيزيائي، والمهارة الرياضية”. حيث استطاعت بطريقة عبقرية أن تجمع بين ثلاثة أبعاد مكانية وآخر زماني بطريقة رياضية، مكونة فضاء رباعي الأبعاد ومتعدد الجوانب، الأمر الذي أحدث تبدلاً عظيماً في الفكر النظري والفلسفي، حيث أخذت الفلسفة الحديثة تبتعد عن فلسفة كانط، ابتعاد الفيزياء الحديثة عن فيزياء نيوتن. والواقع أن استعمال النظرية النسبية لم يكن متعلقاً بمعطياتها التجريبية وحدها، ولا بمزاياها الأصيلة أيضاً، بل بمزيج متشابك من النظرية والتجربة، إذ اعتمدت على التفسير العقلاني والتجريبي للحوادث. ذلك أن رجال العلم في هذا العصر الذي نتكلم عنه، كانوا قد تخلوا لمدة طويلة عن وجهة نظر بيكون القديمة القائلة أن النظريات العلمية يجب إنشاؤها من خلال رصد الطبيعة بحياد وأناة. ومن الواضح جداً أن أينشتاين لم يضع نظريته النسبية العامة من خلال تفكيره بمعطيات الأرصاد وحدها.  فقد كان عالماً نظرياً يدرك أهمية الحدس المبدع في الفكر ودور ذلك في فهمنا للواقع.

لقد انطلق أينشتاين في النسبية العامة من قانون العطالة الذي عممه عن مبدأ النسبية الغاليلي الذي تم تعميمه بدوره لتأسيس مبدأ النسبية المحدودة، وبهذا العمل يكون أينشتاين قد واصل الطريق في الميكانيكية دون أن يعارض الكهرطيسية، إذ وضع مجموعة من المصادرات الأساسية التي يقوم على أساسها تفسير الكون المادي، مصادرات لم تخضع لأي من قوانين نيوتن في الحركة، بل سوف تعرّض تلك القوانين للإحراج والقصور بعد أن كانت هي الرائدة في كافة المجالات.

كذلك قدمت لنا النسبية تصوراً جدلياً جديداً للمادة، بدمجها مفهومي الزمان والمكان، حيث يتفاعل الفكر الرياضي مع الواقع المادي في سياق مصطلح “الزمكان” النسبوي، فعلى خلاف تصور نيوتن الميكانيكي، فإن الزمكان تصور تحددت معالمه كنظام فكري رياضي استنتاجي له كيانه. إن الزمكان ليس مجرد ساحة تلعب فيها الطبيعة ألعابها، بل هو أحد الداخلين في اللعبة، ومعنى ذلك أنه توجد قوانين ميكانيكية للزمكان ذاته تحكم تغيراته دون أن تصب فيه. وبالتالي لم تعد النظرة إلى الزمان والمكان نظرة إلى وعاء لامادي مستقل عن المادة والعالم، بل أصبحا يشكلان جزءاً من المادة الكونية إن صح التعبير، حيث تخبرنا النسبية العامة أن الزمكان يتأثر بالقانون الكوني فيتقوس بتأثير الجاذبية، كما تمدنا بالوصف لكيفية تحرك الأجسام في وجود المجال التجاذبي من خلال فكرة تقوس الزمكان.

وللمقارنة نجد أن الزمان كان في النظرية التقليدية يدخل ضمن عبارة المسافة التي تحسب بجداء السرعة النسبية في الزمن، حيث تختلف المسافة من وجهة نظر لأخرى، مع التسليم بأن الزمان واحد في جميع وجهات النظر باعتباره الوعاء الذي تصب فيه الحركات و المسافات الميكانيكية، في حين أن الزمن عند أينشتاين هو نفسه نسبي لا يدخل و حسب ضمن عبارة المسافة النسبية، بل إن المسافة النسبية تدخل أيضاً في عبارة الزمن، فالعلاقة جدلية. وبالتالي في النسبية العامة، لم يعد المكان والزمان يقدمان صورة ثابتة ومطلقة. فالمكان ديناميكي كالمادة، يتحرك ويتشكل، نتيجة ذلك، يمكن لمجمل الكون أن يتمدد أو ينكمش، وحتى الزمان يمكن أن يبدأ من الانفجار الكبير، وينتهي في ثقب أسود.

لقد انطلق أينشتاين من “ثابت سرعة الضوء” فالظواهر كلها تحدد وتنشأ من ثبات سرعة الضوء في الخلاء بالنسبة لجميع المراقبين الذي يتحرك أحدهما بالنسبة للآخر بسرعة ثابتة وفق خط مستقيم. هذا التصور لثابت كوني يعني عند أينشتاين أنه لا المكان ولا الزمان يشكل كيان مستقل ومطلق. بمعنى آخر تتوقف المسافة الكونية المكانية والمدة الزمنية بين حادثتين، على حالة الراصد الحركية بالنسبة إلى الحادثتين، فقد يبدو الحادثان لأحد الراصدين متزامنين في حين يبدو لراصد آخر أن أحدهما وليكن (أ) يسبق (ب)، وقد يبدو لراصد ثالث بأن (ب) تسبق (أ)، وعلاوة على ذلك فإنه قد تختلف المسافة بين الحادثتين عند كل راصد عما عند الآخرين، لذلك كان ثبات سرعة الضوء أحد أهم أركان النظرية التي أشادها أينشتاين.

لقد أعادت النسبية إلى حد ما الاعتبار للتصور الديكارتي للمكان، إذ أنها تقر طبقاً لنظرية في الثقالة أن المادة تحدد خصائص الفضاء، بحيث يكون تحديد بنية الكون مرتبط بهذه الأخيرة، وبالتالي فإنه، وفقاً لأينشتاين، لم يخطئ ديكارت كثيراً حين أصر على عدم وجود الخلاء التام، لكن زلته الوحيدة تتمثل في أنه اعتبر الأجسام الصلبة فقط مكونة للعالم دون إدخال فكرة المجال الكهرطيسي في حساباته. لذلك جاءت أفكار أينشتاين في النسبية أكثر تقاطعاً مع أفكار ديكارت من أفكار نيوتن الفيزيائية، لا سيما في تصور الزمان والمكان إذ يقول:” يبدو لنا الفضاء كأنه وسط غير محدود، أو وعاء تهيم فيه الأجسام المادية سابحة، ولكن أصبح الآن لزاماً علينا أن نتذكر بأن هناك عدد لا حصر له من الفضاءات التي تتحرك بالنسبة إلى بعضها البعض، وتصور الفضاء باعتباره شيئاً موجوداً موضوعياً ومستقلاً عن بقية الأشياء هو تصور يرجع إلى ما قبل العلم، بخلاف فكرة وجود عدد لانهائي من الفضاءات تتحرك بالنسبة لبعضها البعض”.

لقد أعاد أينشتاين صياغة أفكار ديكارت بطريقة أكثر قبولاً، حيث استبدل فكرة ديكارت الرافضة لوجود فراغ في الفضاء دون مادة، بفكرة تقول أنه لا يوجد في الفضاء مكان خال من المجال الفيزيائي أو الحقل.

لقد قدمت النسبية فكراً عدلت من خلاله الأسس الفلسفية العميقة لفهم وتفسير العالم، فقدمت تجديداً ابستمولوجياً كانت الفيزياء التقليدية بأشد الحاجة إليه، فقد أشار توحيد أينشتاين للمجال الجاذبي وهندسة الزمكان إلى تحول عميق في إدراكنا للطبيعة، فقبل أينشتاين، كان يُظن أن المكان والزمان لهما خواص ثابتة أبدية، فكانت هندسة المكان تعتبر دائماً وفق الوصف الإقليدي، حيث يمر الزمن مستقلاً عن أي شيء آخر، تتحرك الأشياء في المكان وتتطور عبر الزمن وهما لا يتغيران أبداً. ومع أينشتاين لم يعد الزمكان خلفية ثابتة، بل هندسة الزمان والمكان تتغير وتتطور كما هو الحال في كل شيء آخر في الطبيعة. وتصف هندسات الزمكان المختلفة أحوال تاريخ الأكوان المختلفة.

لكنها ورغم ذلك بقيت أمينة للإرث الفلسفي التقليدي، وبشكل خاص فكرة راسخة هي الحتمية في الفيزياء، إذ نجد أينشتاين ظل حبيس التيار الميكانيكي الحتمي للفلسفة التقليدية والفيزياء الناتجة عنها، حيث أدخل سرعة الضوء كنموذج حدي للعالم، ومن خلال ذلك قدم حتمية جديدة ذات أساس أكثر متانة وشمولاً. ورغم أن النسبية استطاعت أن تجمع كل أشكال مصونية الطاقة، والكتلة، وشمولية القوانين الكونية، في بناء واحد متماسك لا يتجزأ. إلا أن قوانين ومعادلات ماكسويل في الحقل بقيت صامدة في النظرية النسبية دون أي تعديل، وبالتالي فإن قوانين الفيزياء تحافظ على شكلها في كل الجمل العطالية، باعتبار أن سرعة الضوء هو الثابت الكوني بالنسبة إلى كافة المراقبين من أية جملة عطالية متحركة كانت أم ثابتة.

وبالتالي حين نسمع أن النسبية قد طردت المطلق نهائياً من العلم، علينا ألا نأخذ بهذا القول بمعناه الحرفي، فالنسبية ألغت بعض أشكال الميكانيكية الميتافيزيقية كالهيولى، والآنية، والأثير، والمكان والزمان المطلقين، لكنها لم تطرد من قاموسها الفلسفي إلا ما اعتبرته مزيفاً في التصور الحتمي للعالم، لتضع بدورها مطلقات أخرى اعتبرتها أكثر رسوخاً وتعليلاً للأحداث، وأكثر عمقاً لفهم العالم وتفسيره. لقد تحدث أينشتاين عن الزمان والمكان كواجهتين لكل أكبر هو الزمكان، حيث يفقد كل من المكان والزمان استقلاليتهما بمفردهما. إن المزج بينهما يأخذ معنى جوهري لا يظهر لو أخذنا كل من العنصرين المكونين للزمكان على حدة، فحين يحرك جسم متحرك من حالته الحركية، فإن علاقة الزمان بالمكان تتغير، مما ينتج عنه تغييراً في طرقة تصورهما، ولكن لما كان الفضاء بمعناه الزماني والمكاني هو تكوين لكل أعم وأشمل، فإن الزمكان ذاته يتحول إلى مفهوم ثابت في خواصه، حتى بالنسبة للأجسام المتحركة بطرق مختلفة. وعلى الرغم من أن الزمان يظل فيزيائياً متميزاً عن المكان، إلا أنه يوجد رباط وثيق يربطه بأبعاد المكان الثلاثة، وبدلاً من تصور الجاذبية كقوة، كما كان يراها نيوتن، تصور أينشتاين الثقالة كتقوس أو التواء في الزمكان، فتغيرت معه النظرة الآلية للمادة والفضاء من علاقة قوى في المكان، إلى علاقة تأثير وتأثر في الزمكان. حيث تم التعامل مع الزمكان كنظام رياضي له كيانه، باعتباره ليس مجرد ساحة تلعب فيه الطبيعة ألعابها، بل هو أحد الداخلين في صميم اللعبة، حيث توجد قوانين جوهرية تحدد صيغ الزمكان نفسه، هذا الزمكان الذي خضع في النهاية لمجموعة من الدساتير الشاملة التي يمكن من خلالها إعادة قراءة العالم من جديد.

إن العالم وفق النسبية، بنية زمكانية قابلة للفهم والتفسير من خلال القوانين الفيزيائية، وهذا ما جعل أينشتاين يخالف الفكر الاحتمالي الذي بشرت به الفيزياء الكمومية، حيث تبنى موقفاً متحفظاً تجاه الطرح الفلسفي الاحتمالي والريبي لفيزياء الكم، فنراه  يقول في رسالة وجهها إلى الفيزيائي الشهير ماكس بورن: “أنت تؤمن بإله يلعب النرد، أما أنا فأؤمن بقانون ونظام كاملين”. وقد ظل أينشتاين خلال الثلاثين سنة الأخيرة من حياته يبحث من دون كلل على ما يطلق عليه نظرية المجال الموحد، القادرة على وصف قوى الطبيعة في إطار شامل مترابط، ولم يكن عندها مدفوعاً بأشياء ترتبط غالباً بالمسلك العلمي، كمحاولة تفسير هذه أو تلك من البيانات التجريبية، لكنه كان مدفوعاً باعتقاد حماسي في أن الفهم العميق للكون قد يكشف عن أكثر عجائبه مصداقية، بساطة ومقدرة المبادئ التي تأسس عليها.

لهذا لا نجد أن النسبية شكلت قطيعة إبستمولوجية مع الفيزياء التقليدية، فإذا ما انتقلنا تاريخياً من فيزياء نيوتن إلى فيزياء أينشتاين، يمكن للمرء أن يتحول دون تناقض منطقي واضح بين مفاهيم التصورين، فيتحول من فيزياء نيوتن إلى النسبية بأن يضع مكان قوانين نيوتن التي تشمل علاقات بين متجهات ثلاثية الأبعاد، قوانين تشمل متجهات رباعية الأبعاد تتألف من ثلاثة أبعاد للمركبة المكانية، وبعد واحد للمركبة الزمانية، وعندها سيجد أن أهم ما يميز فيزياء النسبية هو اتساقها المنطقي الداخلي، وبساطة تركيبها الذهني والرياضي، وليس المقصود هنا بالبساطة نوع الآلية التي تقاس بعدد المعادلات أو الرموز، بل ببساطة واتساق الأفكار. فنظريتا أينشتاين ونيوتن عن الثقالة مثلاً تنطويان على معادلات تعطينا القوى الثقالية الناجمة عن أي مقدار من المادة، وهي عند نيوتن ثلاث معادلات، في حين هي عند أينشتاين أربع عشرة معادلة، لكن ذلك بحد ذاته لا يمكن أن يعتبر مزية تتفوق فيها نظرية نيوتن على نظرية أينشتاين التي تعتبر في الواقع أكثر اتساقاً وجمالاً، وذلك بسبب بساطة فكرتها المركزية القائلة بتكافؤ الثقالة والعطالة، وهو الحكم الذي اتفق عليه رجال العلم جميعاً وكان من أقوى الأسباب في القبول المبكر للنسبية.

وقد تمخض عن النسبية الخاصة واحدة من أصعب المشكلات الفلسفية التي طرحها العلم عن الوضع الأنطولوجي للكون، مفادها هل الكون ثلاثي أم رباعي الأبعاد؟ في الواقع إن التضمينات لكون رباعي الأبعاد تكون عميقة جداً بالنسبة إلى عدد من القضايا الجوهرية مثل الصيرورة الزمانية، انسياب الزمن، الإرادة الحرة، وحتى الوعي. ففي كون زمكاني رباعي الأبعاد (يسمى عادة بالكون الكتلي) تُعطى التواريخ الزمنية الكاملة لجميع الأجسام الفيزيائية ككيانات مكتملة رباعية الأبعاد (أنابيب كونية للجسم) لأن جميع لحظات الزمن لا تبدأ في التحقق واحدة تلو الأخرى لتصبح اللحظة “الآن” ولكنها تشكل البعد الرابع للكون، وبالتالي تُعطى جميعها دفعة واحدة، حيث يقول الفلكي الانكليزي الشهير إدينغتون:” في مخطط محدد تماماً يُنظر إلى الماضي والمستقبل على أنهما قابعان في خريطة وضعت لهما، يتاح الكثير لاستكشاف الحاضر بقدر الأجزاء البعيدة في الفضاء، الأحداث لا تقع، إنها ببساطة تكون هناك، ونحن نمر عليها”. وبالتالي إذا ما فُهمت الصيرورة الزمانية وانسياب الزمن بالطريقة التقليدية، كربطها بأجسام ثلاثية الأبعاد وكون ثلاثي الأبعاد يصمد خلال الزمن، فلن يكون هناك صيرورة، ولا انسياب زمن، ولا إرادة حرة، بل العالم سيتحول إلى جملة من الأحداث الزمكانية رباعية الأبعاد. إن تضمينات النسبية هذه هي التي طرحت ما قد يكون أكبر تحد فكري واجهه الجنس البشري في أي وقت مضى. فهي نظرية انطلقت من أساس مخالف لكل ما تعود عليه الحس العام خلال مسيره التكيفي التطوري على كوكب الأرض، فقد تكيفت أدمغتنا على تصور محدد نسبي أرضي قائم على هندسة اقليدية في أبعاد ثلاثة، لكن هندسة النسبية لاإقليدية وكون مينكوفسكي فيها هو رباعي الأبعاد ما يتخمض عنه من نتائج منها: أولاً: يكون تعريف التزامن بالضرورة اصطلاحياً، وهو ما يفسر المعنى العميق للحركة المُفرغة، ذلك أنه لتحديد ما إذا كان الحدثان متزامنين نحتاج إلى معرفة سرعة الضوء في اتجاه واحد بينهما، ولكن لتحديد سرعة الضوء في اتجاه واحد بينهما ينبغي أن يكون الحدثين متزامنين!. وثانياً: لا توجد صيرورة موضوعية ولا انسياب زمني موضوعي. وثالثاً: لا توجد إرادة حرة بمفهومها العام: ذلك أن مفهوم انسياب الزمن يحمل معنيين مختلفين تماماً في الكونين ثلاثي الأبعاد ورباعي الأبعاد. في كون ثلاثي الأبعاد، يكون لدينا انسياب الزمن الموضوعي العادي والعالمي، حيث تنقسم الأحداث بموضوعية إلى ماضي وحاضر (الآن) ومستقبل، لكن في كون مينكوفسكي رباعي الأبعد، فإن جميع الأحداث متساوية الوجود وبالتالي لا تكون منقسمة موضوعياً إلى ماضي وحاضر ومستقبل. فلا وجود لآنية عالمية في الزمكان، الوجود لا ينساب هنا موضوعياً وبالتالي لا وجود لآنية محلية. فإذا كان الزمن الموضوعي في عالم ثلاثي الأبعاد تكون فيه لحظة حاضرة متميزة، يكون الأمر في الزمكان رباعي الأبعاد مختلف، إذ تكون جميع أحداث الأنبوب الكوني لجسيم متساوية الوجود، وبالتالي لا وجود لحدث متميز يدعى “الآن” للجسيم. الحدث الكوني إذا يكون متمحور زمكانيا بشكل كامل في الكون الزمكاني وبالتالي لا انسياب لزمن موضوعي ينتقل من حالة لأخرى، إن كون مينكوفسكي يجعل من الإرادة الحرة مسألة مستحيلة لأن كل شيء موجود بشكل كلي دون خيارات تحدد الانسياق الزماني والصيرورة، أما وعيي في عالم الثلاثي الأبعاد فهو لا يدرك إلا لحظة الآن دون أن يستطيع إدراك ووعي الكيان الكامل لوجودي في الاستطالة الكونية في الزمكان رباعي الأبعاد. وهنا مكمن المفارقة الرائعة. ورابعاً: هناك حاجة لمفهوم الوعي، على أنه كيان يجعلنا على دراية بأنفسنا وبالكون فقط عند لحظة “الآن” من زمننا الحقيقي. للتوفيق بين النتيجة الرئيسية الناتجة عن النسبية الخاصة التي تقضي بأن الواقع الخارجي هو كون رباعي الأبعاد أبدي الوجود، وبين الحقيقة المأخوذة من خبرتنا بأن إدراكنا لأنفسنا وللكون يكون فقط عند اللحظة الحاضرة. وإحدى الطرق لتجنب مواجهة هكذا تحدي هي أن نتفق مع الرأي القائل بأننا يجب أن نقبل بالنظرية النسبية، ولكن ينبغي ألا نصدر آراء ميتافيزيقية بشأن طبيعة الزمكان. لكن مثل هذا الرأي يتجاهل تماماً حقيقة أن تحليل التأكيد التجريبي لنتائج النسبية الخاصة يبين بوضوح أن التحدي موجود. والواقع أن تصور النسبية عن كون لا يبالي بالإرادة الحرة هو أمر إشكالي بقدر ما هو معقول. بل لعل إشكاليته تكمن في مدى معقوليته، فكيف مثلاً يمكن للمرء القول بأن للكائن إرادة حرة؟ وإذا صادف المرء كائناً فضائياً، كيف يمكنه القول فيما إذا كان مجرد إنسان آلي أم أن لديه عقلاً خاصاً به؟ إن سلوك الإنسان الآلي سيكون حتمياً تماماً، بخلاف الكائن ذي الإرادة الحرة، هكذا يمكن من حيث المبدأ أن يكتشف الإنسان الآلي أنه الكائن الذي يمكن التنبؤ بكل أفعاله، ولكن هذا صعباً للغاية، فنحن لا نستطيع حتى أن نحل بالضبط معادلات ثلاثة جسيمات أو أكثر تتفاعل فيما بينها، ولأن كائناً فضائياً في حجم الإنسان سيحتوي على حوالي ألف تريليون تريليون جسيم، فحتى لو كان هذا الكائن إنساناً آلياً، فسيكون من المستحيل حل المعادلات والتنبؤ بما سيفعله، ولهذا سيكون علينا أن نقول أن أي كائن معقد لديه إرادة حرّة، وذلك ببساطة لعدم قدرتنا على إجراء العمليات الحسابية التي تمكننا من التنبؤ بأفعال هذا الكائن.

ومن جهة أخرى، فإن نظرية النسبية العامة قد تمخضت على نتائج عجز أينشتاين نفسه على استيعابها وهضمها، فهندسة الزمكان التي طورها على نماذج الكون، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الكون يتطور ديناميكياً في الزمن، ونماذج الأكوان التي درسوها هي أكوان تتمدد وتتقلص، وبالتالي لها بدايات ونهايات. كان أينشتاين مندهشاً من تلك النتائج، بل وفزعاً من فكرة قلبت التصور العام عن الكون منذ أرسطو، حيث كان يُظن دائماً أن الكون مستقر ولم يتغير منذ أن تم خلقه، وبالتالي هو كون أبدي وغير قابل للتغير، وهنا مال تحيز أينشتاين ومعتقداته على عبقريته ومجازفته المبدعة،[1] ليغدو من أكثر العلماء تعصباً بعد أن أنتج نظرية من أكثر النظريات الثورية في تاريخ الفيزياء. ثورية سرعان ما تلقفتها النظرية الكمومية لتبني عليها تصورها الجارف عن الكون.

بور

بعد عام 1930، وهو العام الذي تبلورت فيه بشكل كامل تصورات الفيزياء الكمومية، كان هناك صدع في بينة التفكير الفيزيائي، حيث تجاهل معظم علماء الفيزياء مشكلة التوحيد الكبير بين قوى الطبيعة، وركزوا على تطبيق نظرية الكم على عدد هائل من الظواهر، وفي نفس الوقت، ثابرت قلة (في مقدمتهم أينشتاين) على العمل في مجال نظريات التوحيد تجاهلت بشكل متزايد نظرية الكم. فقد عمل هؤلاء كما لو أن بلانك، وبور، وهايزنبرغ، وشرودنجر لم يوجدوا قط، كانوا يعيشون وقد تظاهروا بالعمل في كون فكري حيث لم تحدث الثورة الكمومية أبداً.

لقد امتلكت نظرية الكم منذ تأسيسها، القدرة الإبستمولوجية التي أحدثت القطيعة الحقيقية مع الفيزياء التقليدية، إذ لا يمكن أن نعتبرها امتداد تطوري للفكر الفيزيائي التقليدي واستيعاب له، كما كان الأمر بخصوص النظرية النسبية، بل هي بمثابة قلب منهجي وكامل للتفكير الفيزيائي الفلسفي للعالم والمادة، فإذا كانت الفيزياء الحتمية  التقليدية، تهدف في النهاية إلى توصيف الأشياء الموجودة في المكان والزمان، وإلى صياغة قوانين تنبئ عن تغيرها بمرور الزمن. فإن فيزياء الكم لا تهدف إلى وصف الأشياء منفردة في المكان، ولا إلى تغيراتها في الزمان، وليس فيها مكان للمقولات، مثل أن احتمال أن يكون هذا الشيء كذلك وأن تكون له الخاصية تلك يساوي كذا وكذا، وبالتالي لا يوجد مكان للقوانين التي تنبئ عن تغيرات الشيء المفرد في الزمان، بل يوجد مكانها قوانين تنبئ عن تغيرات الاحتمال بمرور الزمن. هذه التغيرات شملت بنية المادة ذاتها ممثلة بالجسيم، فقديماً كان للجسيم المادي موقع وسرعة في آن واحد، أما الجسيم في مفهومه الكمومي، يمكن أن يكون له موقع، أو سرعة، أو وضع يغلب عليه الغموض وسرعة ضبابية.

مع الكمومية تحولت بنية العالم المادي من التجانس إلى الارتياب واللاتعيين، ومن الحتمية إلى اللاحتمية. إذ لم نعد نتصور وجود أنظمة متسقة خفية يعود عدم معرفتنا بها إلى قصور العقل البشري، أو ضعف التقنيات المستخدمة، بل أصبحت الأنظمة نفسها تغلب عليها العشوائية اللامتسقة بحيث يكون نسبة الخطأ فيها تراكمياً، على اعتبار أن طبيعة مادة النظام في جوهرها هي ارتيابية، وآلية الكون نفسها تخضع لهذا النوع من النظام الذي يمكننا تسميته بالارتيابي، وعليه فإن سبب قصور المعارف، لا يعود إلى قصور في العقل البشري أو التقنيات المتاحة، بل يعود إلى الطبيعة الشواشية لبينة نظام المادة، فالكون ذاته لا يعلم ما يفعله بدقة مطلقة، وبالتالي لا يمكن التنبؤ بما سوف يحدث مستقبلاً بتفاصيل كاملة، فهنالك أشياء تجري بشكل عشوائي، هي هكذا كانت وستبقى. هذا هو تحديداً ما عبرت عنه نسخة الكمومية في صورتها التأسيسية من خلال مدرسة كوبنهاجن التي كان على رأسها الفيزيائي نيلز بور، والواقع أنه بعد نتائج نظرية الكمومية الشاذة انقسم الفيزيائيون إلى معسكرين:

كان على رأس المعسكر الأول أينشتاين الذي أصر على أن هذه النظرية غير تامة طالما أنها تذهب لهذه المقولات غير المنطقية، وكان يأمل في أن تكون وراء عالم الكم العجيب، حقيقة حتمية للأشياء والقوى التي تتفاعل وفق الصورة التقليدية طبقاً لأسباب ونتائج، مُفترضا أن تلك الضبابية في نتائج التجارب، إنما سببها قصور في تلك التجارب ذاتها، وأن أجهزتنا ليست مهيأة بطبيعتها للكشف عن التفاصيل الدقيقة للمتغيرات التي تكمن وراء تلك المسالك الغريبة للجسيمات دون الذرية. ففي رأي أينشتاين يمثل الكون واقعاً هندسياً، بمعنى أن المستقيم والمنحني…. وغير ذلك من الأشكال الهندسية تحققها الأجسام المادية، وعلى هذا الأساس يفهم أينشتاين أن الكون بماهيته وحاضره ومستقبله، هو واقع راهن يحقق صورة هندسية، تشكل النسبية العامة البنية الملائمة لها، وعليه فإن قوانين الطبيعة كلها، ما هي إلا نظريات هندسية (كنظريات الحقل على الأقل)، وعلى هذا النحو يصبح المستقبل معيناً ومحدداً سلفاً بكل ما سيأتي به بالضرورة، ذلك أن الهندسة لا تترك أي مجال للمصادفة والاحتمال، وعلاقاتها دائمة الصحة. وعلى ذلك يؤكد أينشتاين على واقعية وجود الحقيقة الموضوعية لأية منظومة فيزيائية بشكل مستقل عن كل ملاحظة أو قياس، وبالتالي فإنه يعزو الاضطراب وعدم الاستقرار والفوضى كلها، إلى أشياء ظاهرية تخفي الحقيقة العميق للانسجام الكوني، أما عدم رؤيتنا له، فليس إلا نتيجة عيب نظرتنا للأشياء، وبالتالي فإن غموض الرؤية الارتيابي للعالم وفق نظرية الكم، ينشأ في الواقع عن عجز في حدة بصرنا أو ضعف بصيرتنا.

أما المعسكر الثاني فكان على رأسهم نيلز بور وشمل الذين تقبلوا تماماً المضمون غير الحتمي للنظرية، وأصروا عليه كخصيصة أساسية وجوهرية للعالم الكمومي. فذهب بور إلى أنه ليس لهذه الضبابية سبب ما، وأن ساعة نيوتن المنضبطة قد ولى زمانها، فالمادة تخضع لقوانين الصدفة والاحتمال. وعليه فإن الاحتمال في الطبيعة الفيزيائية الموضوعية هو أمر واقع، والمستقبل ليس محدداً بالحاضر، وبالتالي هو غير حتمي التوقع، فالمعادلات لا يمكن لها أن تحدد سير الطبيعة إلا ضمن احتمال معين (في مجال الجسيمات على الأقل وهذا لا يعتبر أمر بسيط إذا ما عرفنا أن العالم المادي بمجمله بما فيه نحن الذين نكتب ونقرأ مكونين من هذه الجسيمات) حيث تقول بأن الحادث كذا سيقع باحتمال كذا. ولكن لا مناص من تمثيل العالم الكمومي من عبارات المفاهيم الكلاسيكية، وبالتالي فإن المعرفة تقف عند حد لا تستطيع أن تتجاوزه، فهذه الكائنات والمنظومات الفيزيائية الواقعة خلف نوافذنا، لا يمكن أبداً التفكير فيها بذاتها، وإنما دائماً بحسب حاجات المشاهد ورغباته الطيبة.

ويبدو أن التجارب حتى الآن تؤكد هزيمة معسكر أينشتاين، فالعالم يبدو ارتيابي في جوهره.

ومع ذلك بقي أينشتاين مصراً على موقفه القائل بأن ميكانيك الكم على الرغم من فائدته وصدق تنبؤاته، ينبغي النظر إليه كنظرية غير مكتملة، وارتأى إلى أن الطريق إلى مثل هذه النظرية الكاملة يجب أن يكون طريقاً غير مباشر، من خلال النظرية العامة مع صياغة هندسية لحقول التأثير المتبادل، إذ كان يأمل أن تظهر نظرية الكم بشكل طبيعي في مثل هذه الاعتبارات، وعندئذ سيظهر ميكانيك الكم على شكل نظرية تقريبية للنظرية الواقعية، أي في نظرية قريبة من التصور التقليدي المألوف للعالم، لكنه وكما نعلم لم يستطع الوصول إلى هذا الربط، بل إن الكمومية زادت من إرسائها للمفهوم الاحتمالي بشكل جعل من الفيزياء فرعاً أقرب ما يكون إلى التأملات النظرية الرياضية، أكثر منها علم وضعي تجريبي. فبنية الوجود الموضوعي في نظرية الكم، تتحول إلى رمز اصطلاحي يفيد في تقديم تصور تقريبي عن الأشياء، وهذا ما جعل أصحاب هذه النظرية، وفي مقدمتهم هايزنبرغ، يتحدثون عن الذرة والإلكترون، كأشياء اصطلاحية، إذ يقول هايزنبرغ: لا يجب أن نسقط في ذلة التفكير وتصور الذرة وإلكتروناتها كأشياء صغيرة ذات كينونة خاصة، فميكانيكا الكم تمكننا من ربط مشاهدات مختلفة عن الذرة، ويجب اعتبار النظرية بأنها إجراء يربط بين هذه المشاهدات في نوع من النظام المنطقي المستقر كخوارزم رياضي، واستخدام كلمة ذرة ما هو إلا طريقة غير رسمية للحديث عن هذا الخوارزم، أو هو وسيلة معاونة لدمج هذا المعنى المجرد في اللغة الفيزيقية، لكنها لا تعني أنه يوجد كينونة مُعرّفة تعريفاً دقيقاً وذات خصائص محددة تحديداً قاطعاً من موضع وسرعة. وبنفس المعنى يقول بور “ليست الفيزياء متعلقة بماهية الأشياء، ولكن بما يمكن أن نقوله عنها”.

وبالمعنى الفلسفي، يمكن النظر إلى التفسير اللاحتمي للظواهر الذي تبنته الكمومية عبر مرحلتين:

الأولى، هي مرحلة اللاحتمية على المستوى الإبستمولوجي المعرفي: التي تؤكد على عجز الذات العارفة عن الكشف على وجود تحديد كلاسيكي للمعارف. وهذا ما أطلق عليه علاقة (الارتياب).

والثانية، مرحلة اللاحتمية على المستوى الأنطولوجي: التي تؤكد على الوجود الموضوعي للاتحديد في مجال الأشياء الميكروسكوبية التي تدل الوقائع على أن سلوكها يختلف عن سلوك النقط المادية في الفيزياء التقليدية. وهو ما أطلق عليه علاقة اللاتحديد.

هنا يتحدث بور عما دعاه بالنظرية “التكاملية” أو “مبدأ التتامية”، فأكد على أن الظواهر التي تبدو متعارضة في الطبيعة هي في الواقع متكاملة، فمثلاً يمكن النظر للخاصتين الموجية والجسيمية للإلكترون (كما لجسيمات الضوء) على أنهما متكاملان كوجهين لعملة واحدة، فالإلكترون – وغيره من الجسيمات- يمكنه أن يتصرف كجسيم، أو كموجة، ولكن ليس أبداً بالصورتين معاً، كما لا يمكننا الحصول على وجهي العملة الواحدة بوقت واحد. وبالتالي فإن الدرس الأساس الذي يجب استخلاصه من الفيزياء الذرية، هو أن مفاهيم الفيزياء التقليدية مفاهيم محدودة بحدود الظواهر في العالم الماكروسكوبي، وهي لا تنطبق على الميدان الذري، لذلك ينبغي تعديلها حتى نتمكن من فهم ما يجري في الميدان الميكروسكوبي، وعندها سنجد الذي نعده تناقضاً في عالمنا الظاهري العياني، يظهر لنا تكاملاً في العالم الذري، بذلك اقترب بور من المنظور الأداتي في المعرفة.

ففي حين اتفق أينشتاين مع أرسطو باعتناق مبدأ السببية والاستمرارية أحادية الوجود للمادة، نجد أن نظرية بور كانت أقرب لتصورات زينون، عندما أكد أن الموجة والجسيم كليهما ليسا كل الحقيقة، بل يوجد عدا عن ذلك نوع من التتامية، التي تتخذ مظهر المفارقة بمجرد أن نحاول تحليلها. ومن وجهة نظر تجريبية نقول: في حال ورود إلكترون ورصده في لحظة معينة، فإننا مع أينشتاين نقول: أنه جسيم حقيقي، لكنه يتبع نظماً خفية ما زلنا نجهلها حالياً. أما مع بور فنقول: إني لا أرى الحقيقة إلا عند رصدي لها، فهي لم تكن موجودة قبل أن أشاهدها، فهناك بالتالي خط واضح يفصل بيننا كوعي، وبين الحقيقة التي نرصد وجودها خارج أنفسنا، فالحقيقة تتعلق باختيارنا لما نريد رصده، وبكيفية رصده، وهذه الاختيارات بدورها تتعلق بعقولنا نحن، أو بعبارة أدق تتعلق بمحتوى أفكارنا. أي إن المادة تتصرف بطريقتين متناقضتين ومتكاملتين معاً، فهي تظهر جسيمية ومتوضعة في الفضاء، كما تظهر موجية وغير متوضعة في الفضاء، أما كيفية ظهورها لنا، فيتعلق باختياراتنا الذهنية.

إن الحقيقة هي قضية اختيار تكاملي بين أحد أشكال الأنظمة المتعددة. وبالتالي فإن العالم ليس فوضوي أو منطقي، بل هو الاثنين معاً، وعليك حين الرصد اختيار أحدهما، ونحن لا نرى إلا أحدهما، ولا يمكن أن نرى الاثنين معاً أبداً، فتصبح التتامية أقرب لمعنى المثنوية في المعرفة، كالأحمر مقابل الأخضر، فعندما نلحظ حمرة شيء ما، تكون خضرته خفية علينا، والعكس صحيح، والشيء الذي هو أحمر وأخضر في الوقت ذاته، يظهر لا أحمر ولا أخضر، بل رمادياً. وبتطبيق ذلك على الميدان الفيزيائي الجسيمي إذ هناك طريقتان مختلفتان في مشاهدة العالم، فيمكن أن تراه من خلال جسيماته، أو يمكن أن تراه وكأنه مصنوع من أمواج، وهاتان الرؤيتان يتمم بعضها الآخر، ونحن لا نستطيع أن نشاهد المظهرين معاً في وقت واحد، وبالتالي يبدو أن كلا الصفتين الموجية والجسيمية حاضرتان في الطبيعة بشكل كامن أو بالقوة، دون أن يكون حضورهما واقعياً، ونحن على الصعيد العملي لا نستطيع أن نحسم المعرفة أبداً، بل يمكننا أن نعطيها هيئة ما تصوغها في شكل معين، فنعدّل الحقيقة الكامنة ونجعلها واقعية.

بذلك زعمت الكمومية وفق بور أنها استطاعت أن تحل المشكلة الفلسفية الرئيسية بخصوص العلاقة بين المعرفة والوجود، فالوعي عندها يؤدي وظيفة ثنائية ذات وجهين، وذلك أدى إلى إلغاء الحد الفاصل بين فلسفة الوجود وفلسفة المعرفة، فالمعرفة عقل، والكينونة هي مادة، أما كيف يتصل أحدهما بالآخر، فتلك هي العملية السحرية التي تسمى “الوعي”، الذي هو ثمرة تفاعل مستمر بين العقل والمادة. أي أن تدخل الذات هو الذي يلغي الحد الفاصل بين الاحتمالي والواقعي، وهو الذي يلغي الفاصل بين المتخيل والملموس. وبالتالي لا يمكن وجود القدرة على التنبؤ الحتمي الدقيق في هذا العالم، بالغاً ما بلغت كمية المعلومات المتوفرة. وبدلاً من اعتبار أن الحالة الراهنة لهذا العالم ستتطور في طريق مرسوم نحو حالة مستقبلية معينة تماماً ناشئة عن حالة ماضية محددة تماماً، تصبح هناك إمكانيات متعددة لحالات ماضية ومستقبلية، فالحالة المستقبلية للجملة الفيزيائية يجب أن تعتبر انضماماً لكل الحالات التي يمكن أن تحصل، وبالتالي بدلاً من عالم مستقبلي واحد، هناك عوالم مستقبلية عديدة جداً، كل واحد منها يمكن أن يقع، أو لا يقع، باحتمال معين. فإذا اعتبرنا الزمكان في سلم مصغر إلى درجة كافية، فمن الممكن لأنواع عديدة مختلفة من العوالم أن تظهر وتختفي ثانية، وكأنها صور شبحية، يُشار عادة إلى هذه الظاهرات باسم “العوالم التقديرية”، وحتى في الفراغ التام في الكون، وخلال فترات زمنية بالغة الصغر، يمكن لكل أنواع الجسيمات أن تأتي إلى الوجود وأن تتلاشى من جديد، وبالتالي لا يمكن تصور الفراغ باعتبار أنه خالِ تماماً، بل على أساس أنه مملوء بأنواع مختلفة من الجسيمات تتفاعل وتتشكل وتزول في بحر يعج بنشاط لا يتوقف.

هذه كانت آراء ما بات يعرف ب (مدرسة كوبنهاجن)، التي يمثلها بور وهايزنبرغ وباولي، والتي ترى أننا في عملية الرصد، ما نرصده ليس الطبيعة ذاتها، وإنما الطبيعة كما تبدو لنا من خلال طريقتنا في استجوابها، فعملنا العملي يتألف من طرح أسئلة عن الطبيعة باللغة التي نمتلكها، ومن محاولة الحصول على جواب من التجارب التي نملك وسائل إجرائها.

خاتمة

قد يتبادر على ذهننا السؤال التالي: هل تغيرت مفاهيمنا العقلية والمنطقية والفلسفية للعالم بعد ثورة الفيزياء الحديثة بشقيها النسبوي والكمومي؟ الجواب هو نعم. فالمكان، والزمان، والجوهر، والماهية، والمادة….لم يعودوا مألوفين كما في السابق، وقد عرفنا أن المكان والزمان لم يعودا كيانين أوليين مطلقين منفصلين عن بناء العالم، وأن الجسيمات الأولية عشوائية الحركة، وليست منسجمة مع الطاقة التي تكون الكيان الأساسي للمادة، ودونهما لم نكن قادرين أن نتخيل الصورة التي نكونها عن مكان وزمان مستمرين لا عيوب فيهما، تلك الجسيمات الأولية، كالإلكترونات وسائر الجسيمات الأساسية الأخرى، لا توجد في الزمان والمكان، بل إن الزمان والمكان هما اللذان يوجدان تبعاً لوجودهما، لذلك نفت النسبية مطلق السرعة الآنية للحوادث، لتتمسك بثابت سرعة الضوء المحدودة الذي عليه تتحدد العلاقة بين الزمان والمكان. وبالتالي فإن مفاهيم الفيزياء التقليدية، لا تستخدم كلها إلا في الظواهر التي يمكن اعتبار سرعة الضوء فيها لامتناهياً. وقد علمتنا النسبية، أننا حين نقترب من سرعة الضوء، يجب أن نتوقع في تجاربنا أن نحصل على نتائج لا تتفسر في إطار هذه المفاهيم.

إن سمو الفكر الإنساني يتمثل في فهم الكون الذي يأوينا والتحكم فيه، وبطبيعة الحال فإن طبيعة الاكتشافات العلمية لم تكتمل بعد، والتقدم الحاسم في بداية القرن العشرين الذي تمثل في النظرية النسبية من جهة، والنظرية الكمومية من جهة أخرى، يضع القرن الحادي والعشرين أمام تحد كبير، هو خلق التوافق بين هاتين الثورتين الفكريتين العظيمتين.

******

[1] لي سمولن: مشكلة الفيزياء، نهضة نظرية الأوتار وانحدار العلم، ترجمة: عزت عامر، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2016، ص274.

******

المراجع

  1. لويد مثز – جيفرسون مين ويفر: قصة الفيزياء، ترجمة: د. طاهر تربدار، د. وائل الأتاسي – دار طلاس، دمشق ط1، 1994
  2. ستيفن وينبرغ: أحلام الفيزيائيين، ترجمة: د. أدهم السمان، دار طلاس، دمشق ط1، 199.
  3. بول ديفيز – بول جريبين: أسطورة المادة، ترجمة: م: علي يوسف علي، الهيئة المصرية للكتاب، 1998.
  4. لي سمولن: مشكلة الفيزياء، نهضة نظرية الأوتار وانحدار العلم، ترجمة: عزت عامر، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1 2016.
  5. مجموعة من المفكرين، الزمان والمكان اليوم، ترجمة: محمد وائل بشير الأتاسي، دار الحصاد، دمشق، ط1، 2002.
  6. إبان ستيوارت: من يلعب النرد، ترجمة: د. بسام أحمد المغربي، دار طلاس، دمشق ط1، 1994.
  7. برايان غرين: الكون الأنيق، ترجمة: د. فتح الله الشيخ، المنطمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005.
  8. فيسلين بتكوف: النسبية وطبيعة الزمكان- ترجمة: محمد أحمد فؤاد باشا، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1 2018.
  9. بانيش هوفمان، ميشيل باتي: نظرية الكم و قصتها الغريب، ترجمة: د. محمد وائل الأتاسي،هيئة الطاقة الذرية السورية.
  10. محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 1994.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This