حوار مع المؤلّف الموسيقي أمين ناصر

أجرى الحوار وقدم له: وسام جبران

 مقدمة

“ما فعله المحتل الإسرائيلي بالإنسان العربي الفلسطيني هو شيء لا يُغتفر، وفي هذه الأجواء تمكنت من مواصلة تأليف ما تبقى من سوناتات البيانو”.

ربما تلخّص هذه الكلمات شخصيّة وحالة المؤلّف الموسيقي أمين ناصر، ابن الخامسة والثمانين، الذي يعيش على أرض فلسطين، متفرّجًا على ما آل إليه “الزمن العربي”، بعد أن كان شاهدًا على ويلاتٍ ونكباتٍ وهزائم وخساراتٍ بعدد سنين عمره وأكثر، لكنّه، وبالرغم من كلّ ظرفٍ خانقٍ وكاتمٍ للصّوت، اختار أن يبقى موسيقيًّا جادًّا، يُلحّن الأناشيد الوطنية والأغاني، كي لا يفقد دوره الاجتماعي كموسيقيٍّ، ويؤلّف الموسيقى للبيانو كي لا يفقد إنسانيّته وجماله، ويُمارس دوره كمُدرِّسٍ ومديرٍ مؤسّسٍ لعدد من المعاهد الموسيقيّة في الأردن وفلسطين.

قبل عامٍ أو أكثر بقليل، جلست أستمع إلى أغاني الأستاذ أمين ناصر، في أمسيةٍ أقيمت في “حديقة بيتٍ” (في مدينة الناصرة)، وكان الأستاذ ناصر حاضرًا بشخصه، يُصغي إلى الغناء الذي لوّثه ضجيج المدينة، وإلى صوت بيانو شديد التواضع. وبعد انتهاء العرض، قال أمين ناصر، ضمن ما قاله: “أتمنى لو أن هذه الموسيقى عُزفت في مكانٍ يليق بها، وعلى بيانو نقيّ الصّوت يرتقي بها إلى مصافي الفكرة الموسيقيّة المصقولة”.

بعد استماعي إلى الموسيقى وسماعي لهذه الكلمات، فهمت أنني أمام موسيقيٍّ مهنيٍّ بالغ الحساسيّة، مُخلصٍ للصّوت والجمال والأداء والمعنى، وإلى “الطّقس” الموسيقي الكلاسيكي بكلّ تفاصيله الصّغيرة الهامّة. وفهمت كذلك حجم معاناة المؤلّف الموسيقي “العربي” في واقع “يُشوّه” نقاء ما يبذله من جهدٍ لصناعة موسيقى راقية وحساسة.

كان هذا اللقاء، بداية معرفتي الشخصيّة بهذا المؤلّف الفلسطينيّ النادر، الذي جمعتني به من قبل إسطوانةٍ تضمُّ عددًا من المؤلّفات الموسيقية المكتوبة للبيانو من قبل مؤلّفين موسيقيّين “فلسطينيين”، بدءًا من جيل سلفادور عرنيطة وأمين ناصر ونصري دويري وحبيب توما وباتريك لاما ومنير أنسطاس وسمير التميمي.

حواري مع الأستاذ أمين ناصر، هو شهادةٌ على رسوخ المجتمع الفلسطيني وعراقة ثقافته على أرض فلسطين التاريخيّة، وشهادةٌ على أننا لا نفتقر إلى مبدعين متميّزين في خياراتهم الصّعبة وفي طبيعة إنتاجهم، وفي قدرتهم على استنهاض مجتمعهم بقواهم ومعارفهم الذاتيّة، بعيدًا عن استجداء الاحتلال ومؤسّساته المُشوَّهة.

*

  1. لنبدأ من النهاية. كيف تحدّد ملامح الموسيقى التي ألَّفتها؟ أين أو كيف تموضعها من الباب الجمالي والأسلوبي؟ هناك من يضعك في خانة الرومنطيقيّة؟ ماذا تقول؟
  • ملامح المؤلفات الموسيقية من وجهة نظري، تحددها عوامل متعددة. برنامجها إن كان لها برنامج معلن عنه، أو، في غياب البرنامج، فيُحدِّدها بناءُ المؤلَّف الموسيقي، وهذا نكتسبه في الدراسة الأكاديمية، بالإضافة إلى الموهبة الموسيقية للمؤلِف ومعالجته للتفاصيل الفنية، كنوعية الهارموني أو البوليفوني ومعالجة البناء الموسيقي في مسيرة المقطوعة.

عندما أتفحص مؤلفاتي أشعر عامة بأنها عبرت عما أردت أن يصل إلى المستمع. أما كيف أُموضعها من الناحية الجمالية فهذا شأن المستمع، أما من ناحية التموضع الأسلوبي فهذه مسألة أخرى، تلعب دورًا كبيرًا في مسيرتي الموسيقية. قد أكون إنسانًا رومانتيكيًا، وهو أمرٌ لا أحبذه، ولكنني لم أتمكن من إقصائه نهائيًا، بل بقي مُساهمًا في تكوين شخصيتي وقراراتي.

طالما كنت في صراعٍ مع هذا الأمر خلال عملي في التأليف. فقد كنت أتخوف من الرومانتيكية لكونها متأثرة بالعاطفة وتُضعف من استعمال العقل أو الفكر. لهذا، عندما تستمع إلى مؤلفاتي تجدها خليط من الأسلوبين في المقطوعة الواحدة أو الصفحة الواحدة.  وبهذا قد أصنِّف نفسي بوصفي….post romantic مع استعمالي للـ biotonality والـ polytonality.

  1. ولدتَ في مدينة الرّملة عام 1935. وترعرعت في بير زيت لا بدّ أن “صوت” رام الله وصوت بير زيت قد تغيّرا منذ ذلك الوقت. كيف تذكرهما، صوتيًّا، وكموسيقيّ؟
  • نعم، أنا من مواليد الرّملة. هذه المدينة العربية الوحيدة التي تم بنائها من قبل العرب بعد دخولهم فلسطين.

طفولتي، كانت في بيرزيت والرملة ويافا والقدس وحيفا. أقول جازماً بأنني قد شاهدة وعشت تغيرات أساسية في الحياة الاجتماعية على نطاق القرى المحيطة ببيرزيت ورام الله، ولن أخوض في تفاصيلها بسبب تعقيداتها وكونها من شؤون مؤسسات البحث الاجتماعي، ولكن قد أذكر هنا التغير في اللغة، أو بالأصح، اللهجة القروية السائدة حينذاك، والتي بدأت في الزوال تدريجيًا لأسباب عديدة، منها التحاق طلبة المدن بكلية بيرزيت سابقًا، وجامعة بيرزيت لاحقًا. بالإضافة إلى التحاق أعداد من طلبة بلدتي بيرزيت ورام الله بجامعات خارج الوطن.

  1. هل انعكست هذه الذاكرة الصّوتيّة على ما ألّفته لاحقًا من موسيقى؟ أين وكيف؟
  • ما يتعلق بالموسيقى فقد تأثرت، مرغمًا، بالفولكلور الرائج حينذاك، وأقول مرغمًا، بسبب الأفراح التي كانت تستمر لمدة ثلاث ليال قبل الزواج، في الشوارع وساحات البيوت. وكانت الرقصات الشعبية كالدلعونا والطيارة جزءًا أساسيًّا منها، وقد عالجت مثل هذه الألحان في “نزوة، رقم 1 للبيانو” (Capriccio No.1)، وكذلك في “سوناتا البيانو رقم 5″، الحركة الأولى منها، حيث أن اللحن الأساسي هو أغنية شعبية عن الزواج واللحن الثانوي رقصة تدعى “سامر”، يقوم الرجال المسنين بأدائها عادة، بحركات بسيطة إلى اليمين واليسار. هذان نموذجان من استحضاري للموسيقى الشعبية في أعمالي الموسيقيّة الكلاسيكية للبيانو.
  1. هل حدثتنا قليلًا عن بيئتك العائليّة الأولى، الأب والأم، وتأثيرها على نشأتك الموسيقية؟
  • كان لوالدي التأثير الأكبر على الاتجاه الموسيقي لدي. لا أعني بذلك إنه بذل جهدًا خاصًا، بل كفاني أنه كان يحب سماع الموسيقى الكلاسيكية الدينية، ومتعلّق بموسيقى الباروك الممثلة بهاندل Haendel وباخ Bach وغيرهما. وكان يمتلك عددًا من الأسطوانات، بالإضافة إلى أنه كان يعزف على البيانو سماعيًا (دون قراءة النوتة الموسيقية)، لكن بتآلف هارموني جميل. كان لهذا تأثيرًا هامًّا، ولا يكمله برأيي إلا الاستعداد الداخلي أو النفسي عندي. أمي كانت مدرّسة للغة الإنجليزية. وكانت السبب في مثابرتي على قراءة الكتب القيّمة. وقد رسّخت في داخلي متعة القراءة وتعميق ثقافتي. هكذا نشأت على الموسيقى الكلاسيكية والقراءة بوصفهما النقيضان لكل ما هو قبيح وغير إنساني.
  1. معظم مُلحّني الأغاني يختارون القصيدة ثم يضعون لها الألحان. لفت نظري كثيرًا أنك ألفت نشيدَك الأوّل وأنت في الرابعة عشر من عمرك (بُعيد عام 1984)؛ تُمرّر أصابعَك على البيانو، تُجرّب وترتجل، إلى أن توصلت إلى نتيجةٍ موسيقيّة ما، (موسيقيّة صرف)، ثم شرعتَ بالبحث عن نصٍّ شعريّ يليق بهذا اللحن ويتناسب معه. حدثنا عن تجربتك الأولى في التأليف، وهل ما زالت الموسيقى تسبق القصيدة في أعمالك؟
  • أقف عند هذه التجربة باهتمام، وذلك حدث عام (١٩٤٨أو ١٩٤٩). وكانت هذه الفترة تمثل أوج فترة الهياج الوطني بعيد النكبة، عندما كانت الهزيمة لا تزال مزلزلة، والصرخة لاسترجاع ما خسرناه كانت مدوّية.

كذلك، فقد شكّلت هذه الفترة مرحلة صعود النشيد الوطني الذي يعزز الانتماء الوطني، وتبوئه هذه المكانة المهمة من أجل معالجة الانهيار النفسي المؤلم. وقتها لم أكن أملك نصوصًا شعرية ذات قيمة، وكنت أعبر عمّا في داخلي بالعزف على البيانو. وعندما وجدت لحنًا أعجبني، عملت على تطويره بحيث يصير نشيدًا متكاملًا، وظننت بأنني سوف أجد له كلماتٍ في وقتٍ لاحقٍ. لكن هذا لم يحدث للتو.

  1. حدثنا عن التحدّي الموسيقي الأول الذي وضعك فيه ابن عمك كمال ناصر (الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي عام 1973). كيف أثّر هذا التحدّي كهذا على بُنيتك كمؤلّف موسيقي فلسطيني؟
  • نعم، فبعد فترة من الزمن، استنهض عندي، المرحوم كمال ناصر (ابن خالتي)، تحدّيًا كبيرًا للتلحين، شكّل بداية التلحين الحقيقي للأناشيد الوطنية في مسيرتي؛ فأذكر، بينما كنت في حصة الفيزياء، عام قبل تخرّجي الثانوي من بير زيت، أن أحد الطلاب قد أجاب بنوع من الهزل على سؤال وجهه الأستاذ، مما أثار الضحك من قبل الجميع. وكنت أنا ضحيّةَ غضب الأستاذ، الذي طردني من غرفة الصف. وحين خرجت، سمعت كمال ناصر يعزف على آلة البيانو بأسلوبه البدائي في قاعة قريبة. ذهبت إليه وسألته عما يفعل. أجاب بأنه يحاول تلحين قصيدة أبي القاسم الشابي “إرادة الحياة”. كان عاجزًا ويائسًا، فسألني إن كنت قادرًا على إنجاز هذا العمل؟ أجبته بنعم، بكل ثقة، وكانت هذه التجربة هي بداية تلحين القصائد، لا بداية التأليف الموسيقي الصّرف للبيانو. وجديرٌ بالذكر هنا، أنني قد لحنت عدة أبيات فقط من القصيدة، بينما أضاف كمال ناصر ستَّ أبيات أخرى من تأليفه الخاص، وعلى نفس الوزن والقافية، لتتناسب مع الوضع الحالي الذي أُطلق عليه اسم النكبة.

موسيقيًّا، كانت هذه بداية موفقة، وقامت جوقة الكلية بإنشاد القصيدة في حفل التخرج السنوي الذي اعتُبر من أهم المناسبات في حياة المدارس الثانوية حينذاك.

  1. دراستك العليا بدأت في “جامعة بير زيت”. كنت من الفوج المتخرج الأول. كانت الجامعة وقتها لا تزال في بداياتها، في بيت السيد موسى ناصر (والد د. حنا ناصر). ولي شخصيًّا ذكرى جميلة مع هذا البيت الفلسطيني العريق الذي زرته مرة بدعوة من السيدة تانيا ناصر، وأذكر جيّدًا تلك اللوحة في أعلى الدرج الصاعد إلى الديوان، والتي تحمل صورة السيد موسى ناصر وهو يحمل كتابًا في يده. ثمة رمزيّة لهذا المكان. كيف تذكر هذا المكان في تلك الفترة، والذي منه انبثقت جامعة بير زيت؟
  • كنت من الفوج الأول للصف الجامعي الأول، وكنا عشر طلابٍ منهم طالبتين.

هذه كانت فترة مهمة في حياتي. قضيت معظم طفولتي وشبابي في هذا الصرح العملاق، وليس من قبيل علاقتي العائلية، ولكن من نَواحٍ كثيرة، وضعت بصمتها على تكوين شخصيتي للمستقبل.

كان طلبة الكلية يفدون من جميع مدن فلسطين، حيفا ويافا وعكا والرملة وطبريا وصفد. حتى إنني أذكر طالبًا من الكويت بلهجته الخليجية، وكان بالنسبة لنا، وفي تلك المرحلة من العمر، مخلوقًا غريبًا تعذّر فهمه. كان هذا في عهد الانتداب البريطاني. ثم توافد طلبة أردنيون إلى الكلية، بعد الانضمام إلى المملكة الأردنية، وبالطبع كان ذلك بعد احتلال مناطق سنة ١٩٤٨وحرمان طلبتها من مواصلة دراستهم في كلية بيرزيت. وهنا يجب أن أنوه بأن مجموعات الطلبة، منذ عهد الانتداب، كانوا ملتحقين بالقسم الداخلي، مما أدى إلى توثيق العلاقة بين الأطراف المختلفة. هذا التجمع الطلابي كان له وقع هام للإلمام والتعرّف على الطبائع البشرية المتنوعة آنذاك، حيث كانت بيرزيت قرية ريفية منغلقة إلى حد كبير، وتفتقر إلى الكهرباء وشبكات المياه والشوارع المعبدة.

قضيت وقتًا طويلًا في بيت خالي موسى ناصر، وكنا نجتمع في مناسبات عديدة لتبادل الآراء في مواضيع مختلفة، وكان حديثه ينم عن حكمة عميقة وخبرة غنية تفيد المستمع المتعطش للعلم والمعرفة. وشمل ذلك أولاده، حنا وريما وسامية وخالاتي، وزوجة خالي. كانت هذه فترة مؤثّرة وحاسمة في تكوين شخصيتي الأولى.

  1. سافرت إلى النمسا ثم إلى ألمانيا لدراسة البيانو والتأليف الموسيقي. لماذا ذهبت إلى التأليف الموسيقي كمهنة؟ وما دلالة أن تكون مؤلّفًا موسيقيًّا فلسطينيًّا في تلك الحقبة؟
  • سافرت إلى أوروبا لدراسة الموسيقى في زمن كان فيه المجتمع العربي عامة، والفلسطيني خاصة، يسخر من اختصاصٍ كهذا، أما العائلة عامة ومن ضمنهم أبي وأمي، فقد كانوا متردّدين، ويفضلون أن أدرس موضوعًا آخر، ولكنهم، في الوقت نفسه، لم يعترضوا على خياري لدراسة التأليف الموسيقي والعزف على البيانو والقيادة الأوركسترالية لأسباب مختلفة، ومعظمها للاستفادة من ذلك لغرض التدريس. ومن هنا بدأت بدراسة كافة المواد الموسيقيّة المُعتادة، وتركز اهتمامي على التأليف الكلاسيكي لآلة البيانو تحديدًا.

أما سؤالك عن دلالة أن تكون مؤلِّفًا موسيقيًّا فلسطينيًّا في هذه الحقبة، فهو سؤال جدليّ. أنا أعرّف نفسي كمؤلف عربي من فلسطين، وهذا يرجع لأسباب كثيرة، منها انتمائي إلى العروبة بالدرجة الأولى، ثم الانتماء الأضيق وهو الانتماء إلى فلسطين.

إن انتمائي إلى العالم العربي بكل أمجاده وإخفاقاته يطغى على انتمائي إلى قُطرٍ بعينه. أما أن أكون مؤلفًا موسيقيًّا كلاسيكيّا، فلهذا دلالة صعبة، لأنني أواجه هنا عقبتيْن: عقبة الموسيقى كموضوع ما زال يُنظر إليه بعين الريبة وعدم الاهتمام، وعقبة كون الموسيقى الكلاسيكية غريبة على الأُذن العربية.

  1. عدت إلى كليّة بير زيت مُعلّمًا ودرست فيها 4 سنوات قبل انتقالك إلى عمان. كيف تصف ظروف التعليم الموسيقي في كلية بير زيت؟ هل هناك ذكريات فارقة من تلك المرحلة؟ ولماذا تركت بير زيت بعد 4 سنوات من التعليم؟
  • بعد عودتي من أوروبا درّست في كلية بيرزيت مواضيع موسيقيّة نظرية وعملية. فقد كانت الكلية منذ نشأتها تولي الموسيقى اهتمامًا بالغًا، الأمر الذي افتقرت إليه مدارس فلسطين الأخرى. وفي الأربعينيات [من القرن الماضي] عمل سلفادور عرنيطه كمدرس للموسيقى في الكليّة، وكانت بداية دراستي للبيانو على يديه.

بعد عودتي من أوروبا درّست العزف على الآلات الموسيقية المختلفة، وشكّلت فرقة لتصاحب الجوقة في حفلاتها، وكنت مسؤولًا عن تدريب الجوقة. وقتها، كانت هذه مسألة هامّة، لأن الأناشيد الوطنية كانت لا تزال في أوج رواجها، بالإضافة إلى الأداء الغنائي متعدد الأصوات.

إضافة إلى هذه النشاطات عملنا على إخراج بعض “الأوبرات”، مثل: “حلم الفالس” للموسيقي النمساوي “أوسكر شتراوس”. هذه الفترة استمرت لبضع سنوات، استُدعيت بعدها إلى عمان بطلب من وزارة الثقافة والإعلام لتأسيس المعهد الموسيقي الأردني برفقة الموسيقي عطية شرارة، والأخت هالة نسيبة.

  1. هل يُمكنك أن تستفيض قليلًا في الحديث عن تجربة إخراج أوبرا مثل “حلم الفالس” في فلسطين؟
  • ” A Waltz Dream” كانت تجربة جديدة لي في عالم الإشراف الموسيقي. حينها كنت أستاذًا للموسيقى في كلية بيرزيت، بعد عودتي من ألمانيا، وكانت الكلية قد شرعت في إخراج بعض الأُوبرات للمؤلفين البريطانيين Gilbert & Sullivan بقيادة أستاذة أمريكية كانت تُدرّس في الكلية مواضيع علمية. أنا شخصيًا لم أكن أستسيغ موسيقى جلبرت وسوليفان، وعثرت صدفة على أوبرا A Waltz Dream بأنغامها الجميلة، وقررت إخراجها بإشراك طلبة الجوقة في الأدوار الرئيسية والغناء الجماعي.

عُرضت الأوبرا في القدس وعمان سنة ١٩٦٦، وقام القسم الأجنبي في إذاعة المملكة الأردنية ببثّها على الهواء من مدينة القدس، حيث كان مركز الإذاعة. لاقت هذه التجربة نجاحًا باهرًا، وكنت فخورًا بمساهمتي بتقديم فن الأوبرا لمجتمعنا، وعبر تلاميذ الكلية، وبعزف الموسيقى المرافقة على البيانو.

  1. في عمان أسست الكونسرفتوار الموسيقي بتكليفٍ من وزارة الثقافة مع المؤلف الموسيقي المصري عطيّة شرارة والباحثة الموسيقية هالة نُسيْبة، (بُعيد نكسة 1967). ما هي أهم علامات تلك المرحلة من حياتك وعطائك؟
  • كانت هذه فترة حافلة بالأحداث السياسية المصيرية. وكانت مشاركتي في تأسيس المعهد الموسيقي الأردني إنجازًا أعتزّ به، وهذا بدوره قد عزز من حضوري على نطاقٍ أوسع من كلية بيرزيت وفي العاصمة عمان تحديدًا.

كانت الأجواء السياسية آخذةً بالتوتر شيئًا فشيئا، وكان المشهد ضبابيًّا مُتوجّسًا؛ فالاشتباكات العسكرية تتابعت إلى أن وقع الانفجار الكبير في “أيلول الأسود” (عام 1970). والذي جاء عقب الطامة الكبرى عام 1967.

ضمن هذه الأحداث عملنا، أنا وزملائي، على تأسيس المعهد. وشرعنا في تدريس عدد قليل من الطلبة، بينما المؤسسات الحكومية كانت تُصابُ بالشلل، إلا أننا قد نجحنا في أطلاق المعهد إلى الوجود.

استُدعي يوسف خاشو من قبل الحكومة لتولّي منصب المدير، وهو موسيقي من فلسطين، وبقي لفترة قصيرة، ثم تم تعيني خلفًا له.

بالمحصلة النهائية كانت هذه تجربة قاسية ومفيدة في آنٍ معًا.

  1. عدت إلى فلسطين. درست في جامعة بير زيت، وبرفقة لفيفٍ من الأصدقاء أسستم الكونسرفتوار الموسيقي التابع للجامعة، وأصبحت مديره إلى أن تقاعدت عام 2002. ما الذي تحقّق وما الذي لم يتحقّق في هذه التجربة؟
  • عندما عدت إلى فلسطين، التي كانت، بالطبع، تحت الاحتلال. كنت قد تركت كلية بيرزيت وهي لا تزال في طور بناء نظامها الجامعي – السنة الأُولى والثانية – وحين عدت إليها كانت قد أصبحت جامعة متكاملة.

لقد ترسّخت لديّ، أنا وزملائي، قناعةً بوجوب تأسيس معهد موسيقي في فلسطين، وتم هذا بالتعاون مع جامعة بيرزيت، بمشاركة السيدة ريما ناصر ترزي، والسيدة ناديا مخائيل عبوشي، والآنسة سلوى تابري، والسيد سهيل خوري.  ثم عُيّنت مديرًا للمعهد، إلى جانب عملي كمدرس في جامعة بيرزيت.

بهذا أرسينا المعهد ليملأ فراغًا موسيقيًّا في المجتمع الفلسطيني. وقد أصبح للمعهد، الآن، ستة فروع في فلسطين، ونشاطات خارج الوطن، بفضل مديره السيد سهيل خوري والعاملين معه.

أما ما لم يتحقّق في هذه المرحلة، فهو الفشل في إعداد برنامج تخصّصي في الموسيقى ضمن مناهج الجامعة، وقد تحقّق ذلك مؤخّرًا، بعد غياب للموسيقى دام حوالي ١٣سنة.

  1. بعد عام من التقاعد ذهبت إلى أمريكا. حدثنا هذه المرحلة. أهم ملامحها. المؤلّفات التي أنجزتها هناك…
  • قراري بالهجرة الموقتة إلى الولايات المتحدة، كان له أسبابه، وتمخّضت عنه تبِعاتٌ إيجابية وسلبية. أذكر في هذا السياق أنني تركت فلسطين في ظروف سيئة جدًا، فقد اجتاح الجيش الإسرائيلي رام الله وكان الوضع في غاية الصعوبة، وكنت على وشك الانهيار. عند وصولي إلى أمريكا أحسست بالإنسان الحقيقي في داخلي، وتبين لي أن ما فعله المحتل [الإسرائيلي] بالإنسان العربي الفلسطيني شيء لا يغتفر، وفي هذه الأجواء تمكنت من مواصلة تأليف ما تبقى من سوناتات البيانو، وعددها عشرة، وكنت قد ألّفت سوناتتين قبل مغادرتي الوطن.

هنا، أذكر إنني كنت أتساءل عن غياب القالب المُسمّى Symphonic poem، وهو يعود إلى الموسيقى السمفونية الأوركستراليّة، فلماذا لا يستعمل كقالب في مؤلَّفٍ للبيانو؟

ضمن السوناتات العشر التي ألفتها للبيانو، ثمة اثنتان بعنوان “قصيد سوناتي” أو “Sonata poem”، وهما “سوناتا رقم 4” و “سوناتا رقم 10”.

  1. جميع أعمالك هي للبيانو أو غنائية برفقة البيانو. هناك من يرى إلى “البيانو” بوصفه أداة خطابٍ موسيقيٍّ غربي (أوروبي)، لغةً وهيمنةً. كيف تنظر إلى العلاقة بين “الموروث” الموسيقي الشرقي، بين انتمائك الفلسطيني القومي، وبين “خطاب” البيانو داخل علاقات القوى الحضارية غير المتكافئة؟
  • قد يكون البيانو أداة خطاب غربي ولكنني سخرته لبعض الأشكال الموسيقية العربية كالنشيد الوطني، كذلك، كتبت مقطوعات من التراث الغربي مضيفًا إليها augment 2nd intervals[1] لأحصل على نكهة شرقية.

كمؤلف موسيقي، ومن خلال الموسيقى الكلاسيكية التي لا أجدها تتعارض مع قوميتي العربية، فإنني أقدم موسيقانا التراثية من خلال قوالب الموسيقى الغربية، كما فعلت ذلك في سوناتا البيانو الأولى، وإحدى نغمات الآذان و “طلع البدر علينا”، أو الرقصات الشعبية في Capriccio No1.

كُتّابُنا يكتبون القصة الطويلة Novel، (وهي غربيةٌ في قالبها)، ومع ذلك لم نجد نقدًا بهذا الخصوص لنجيب محفوظ مثلًا.

إنّ الأُغنية التي أضع لها لحنًا لتُعزف على البيانو، هي أصدق دليل على إمكانيّة تطويع البيانو للأُغنية الفنية العربية، وبذلك فالبيانو ليس في خدمة الغرب وحده.

  1. ألفت عددًا من السوناتات للبيانو (قرابة العشرة). كيف يتّفق اختيارك لهذا النوع الموسيقي الجدليّ الصّارم في بُنيانه وقوانينه ونظامه التّوناليّ، مع ما تود أن تعبر عنه من خلالها كمؤلّف كوني/ إنساني، لكن فلسطيني أيضًا؟
  • هذا طرح يفرض حقيقة غير واقعيّة. برأي الشخصي، فأنا لا أفترض أنني مؤلف عربي وجب عليه مراعاة الانتماء القومي أو الشرقي للتعبير عما في داخله من تفاعلات، فالموسيقى الكلاسيكية هي أسلوب موسيقي اعتدت سماعه منذ طفولتي، فاستهواني وسكن عقلي وقلبي، وأصبح لسان حالي. هذا الأُسلوب شكّل تحدٍّ لي بوصفه موسيقى عالميةً ينبغي الخوض فيها، كي يكون لنا فيها نصيبًا. وهنا أود أن أطرح سؤالًا: هل كل ما يأتي من الغرب وجب الابتعاد عنه لأننا من الشرق؟ بالطبع لا أرى أي تناقض هنا، بل هو، على العكس، واجب من قبيل المنافسة الإنسانية الإبداعية.
  1. نعم، ولكن، لماذا تركزت أعمالك الآليّة على قالب السوناتا تحديدًا، هل في هذا القالب الجدليّ بطابعه، ما يخدم أفكارك؟ هل توضح لنا هذه المسألة من فضلك؟
  • كنت أعتبر السوناتا، منذ ربيع الشباب، بأنها عمل موسيقي متكامل وعملاق. وكنت أتطلع لهذا القالب بكل اهتمام، لبنائه الداخلي وتعقيداته التي تبث روح التحدي. وكانت البداية مع سوناتا البيانو الأولى بعنوان “لحظات إسلامية”، أنهيتها عام 1995. ثم انطلقت بعدها في تأليف سوناتات البيانو وقوالب موسيقية أخرى. وهنا يجب أن اذكر بأنني استبقت ذلك، عام 1960، بتأليف سوناتينا Sonatina كدراسة، شكّلت محطّة مهمة في مسيرتي كمؤلّف، رغم ما كان ينقصها من نضج.
  1. ألفت أغاني كثيرة جدًا، وكذلك الأناشيد. بعض نصوصها لك شخصيًّا أو لكمال ناصر وجبرا إبراهيم جبرا وإبراهيم طوقان وأبي القاسم الشابي… كيف تختار القصائد التي تود تلحينها؟

إن اختياري للقصائد التي لحنتها كان يخضع للأحداث السياسية السائدة في كلّ حينٍ وحين. وهذه كانت، بعد ما عرف بنكبة 1948، بالإضافة إلى مستوى القصيدة الأدبية فنيًّا، وموضوعها الوطني.

في هذه المرحلة، كان كمال ناصر متدفّقًا في كتابة القصائد التي تميزت بكلماتها ومعانيها وتفعيلاتها الموسيقية. لهذا، كان بالنسبة لي مصدرًا مثاليًا للقصائد. وما زلت أذكر بأن البحث عن قصيدة جيدة صالحةٍ للتلحين، في تلك الفترة، لم يكن بالأمر السّهل، لذلك، فإن الاستعانة بقصائد من الدرجة الثانية كان ضمن الخيارات الواقعية، وهي قصائد من النوع الذي كان يُنشر في الصُّحف المحلية.

أذكر منها، قصيدةً ذات توجه قومي وسماحة دينية بعنوان “وثبة ثائر”، يقول الشاعر “عبد الله يوركي حلاق” في مطلعها:

عربي، عربي، عربي         ولي الفخر بهذا النسبِ

مذهب الفرقة لا أعرفه     فاخشعوا أن تسألوا عن مذهبي

أنا صب تيمتني لغة        صانها القرآن أسنى الكتبِ

وجهة المحراب عندي هيكل     فيه عيسى والنبي العربي

هذه كلمات نحتاج لسماعها الآن أكثر من أي وقت مضى، وعندما كان ألأمل ما زال راسخًا. 

  1. كيف ترى إلى المرحلة الفلسطينية الراهنة، ثقافيًّا (وسياسيًّا إن شئت)؟ وهل ألفت شيئًا في الفترة الأخيرة؟
  • كانت ولادة المعهد الموسيقي ذات أهمية أحدثت هزة كبرى في المجتمع الفلسطيني، وفتحت عالمًا لأجيالنا من مختلف الأعمار. والموسيقى هي جزء مهم من الثقافة المجتمعيّة العامة، بدأت متأخرة ولكنها تقدمت بسرعة تجاوزت، برأي، غيرها من المؤسسات الثقافية الأُخرى. وكما تعاني فلسطين من ويلات الاحتلال، هكذا تعاني مؤسساتنا جميعها. إن هذا الوضع يتطلب الاستمرار في العطاء ضمن الظروف الراهنة، لأننا نواجه خيارًا صعبًا: نكون أو لا نكون! هذا أيضًا مطروح سياسيًا، ولكن مسيرتنا تتجه إلى المجهول؛ من نفق ضعيف الإنارة إلى آخر دامس الظلام.

قد أبدو متشائمًا، لكنّ الواقع مرير.

توقفت عن التأليف مؤقتًا، بعد انتهائي من السوناتا العاشرة، عام 2008، فقد تعرضت لفاجعة عائليةٍ مؤلمة، وبسببها لم ولن أتمكن من مواصلة المشوار.

  1. (سؤال متابعة) ألا تكون الموسيقى ملاذًا، في بعض الأحيان، من الفواجع؟ ألا تكون شكلًا من أشكال المُقاومة والتّجاوز؟
  • أشاركك الرأي بأن الموسيقى هي ملاذ في وقت الشدة والحزن، ولكن هذا يتعلق بالاستماع فقط. أما في حالة التأليف فالأمر مغاير بالنسبة لي، إذ إنه يتطلّب إقصاء الذاكرة، وهذا ما لا أقدر عليه، إضافة إلى أنني ما زلت أعاني، وسأظل أعاني بسبب من رحلوا حتى أوان رحيلي.
  1. المشهد الموسيقي الكلاسيكي الفلسطيني والعربي اليوم، كيف ترى إليه؟ وإلى أين هو ذاهبٌ برأيك؟
  • لا شك أن الموسيقى الكلاسيكية في فلسطين قد تقدّمت خطواتٍ إلى الأمام. هذا التغير سببه المعهد الموسيقي بحفلاته للأوركسترا وموسيقى الحجرة وغيرها، والفضل أيضاً يعود إلى أهالي الطلبة الذين كان لديهم الوعي الكامل لتشجيع ودعم أبنائهم في هذه التجربة الثقافية الموسيقية.

الزمن يتغير، وتتغير معه المفاهيم؛ فبينما كان الأهل يمنعون أبنائهم من دراسة الموسيقي سابقًا، ها هم يتراجعون عن هذا المنع في زمننا هذا بشكل ملحوظ.

أما عندما نتحدث عن سائر الوطن العربي، فلكل قطر عربي خصوصيته. لا أدعي أنني مطّلع على ما يجري في كلّ قطرٍ وآخر، ولكن في كثيرٍ من الأقطار، كمصر وسورية والعراق ولبنان، قد كان لهم تاريخٌ طويلٌ مع المعاهد الموسيقية الكلاسيكية. إن الوطن العربي يعاني حاليًا على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والأولويات المُلحّة قد تؤجّل بعض الاهتمام بالثقافة.

لكن الوطن العربي سيستعيد عافيته يومًا ما، وقد تطول المدة، ولكن يجب على القيادات أن تُسيّر السفينة بحكمة وإخلاص.

******

[1] هي مسافة صوتيّة مُتّسعة تُميّز بعض المقامات العربيّة، ومنها الحجاز.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This