مسلسل “الهيبة”.. نموذجًا لتكريس العنف / أنور محمد

لا يكفي قنوات التدجين أن تُغمِّس برامجها بالإعلانات والترويج لمُنتجات الاستهلاك التي تستخف بعقل المُشاهِد، حتى تُرسل، ثمَّ تقطع، ثمَّ تُرسل لكَ حلقةً من مسلسل لممثلين حوَّلتهم هذه القنوات إلى نجوم “أولمبيين” من بشر وآلهة، يقومون بارتكاب جرائم القتل بالجملة والمُفرَّق، ولا قتلى أفلام “الويسترن” الأميركية. على أنَّ هذا واقع الحال، خاصَّةً ما يجري في المسلسل السوري اللبناني (الهيبة)، بأجزائه التي وصلت إلى أربعة، آخرها الهيبة – الرد، إنتاج شركة “سيدرز آرت برودكشن”، لصاحبها صادق أنور صباح. المسلسل انتهى عرضه منذ أيام على قناة mbc 4، وقناة mtv اللبنانية، وشبكة أوربت شوتايم، من تأليف ورشة كتابة جماعية في جزئه الرابع، وإخراج سامر برقاوي، وتمثيل: تيم حسن، ونادين نسيب نجيم، ومنى واصف، وأويس مخللاتي، وروزينا لاذقاني، وكارلا بطرس، وديما قندلفت، وجهاد الأندري، وعادل كرم، وآخرين.
المؤلِّف والمُخرج والشركة المُنتجة في هذا المسلسل؛ تراهم يقومون بأعمال بطولية وهم يصدِّرون مثل هذه المسلسلات التي تروِّج للقتل وتجارة السلاح والمخدرات. فمثلًا أن يصير

“الممثِّل تيم حسن يؤدِّي دورًا من أقبح أدوار الشر الإنسانية في الانحطاط الأخلاقي ـ المُثير”
الممثِّل تيم حسن (جبل سلطان شيخ الجبل) بطلًا أسطوريًا مهيبًا في حياة الناس الاجتماعية، كما ترسم وتسوِّق له هذه القنوات، وهو يؤدِّي دورًا من أقبح أدوار الشر الإنسانية في الانحطاط الأخلاقي ـ المُثير، أنَّه يُدافع ويحمي العدالة!!!! ويرقى بهذا الدور ليصير فوق البشر. تيم، أو جبل، يتحوَّل إلى أمير مافياوي، تتسابق قطعان الأغنام الإعلامية والإعلانية إلى تقليد سلوكه وملبسه ومشربه وتسريحة شعره. والمسلسل، حسب إحصاءات هذه القنوات، يجذب مئات الألوف من المُشاهدين (لا نعرف إذا كانوا ملايين!)، فنحنُ مع صور لأجسادٍ تتصادم، أجساد أنثوية وذكورية، كومات أجساد، رزم من الأجساد، مثل الأمتعة والسيارات الفارهة التي تزيِّن مشاهد الهيبة، كأنَّ الأجساد في جانب منها تتلوى، تهلوس، تتعانق، تتضارب، تتشابك، يلعلع الرصاص فيها ومنها، ولا في أفلام الغرب الأميركي. كل ذلك ليبعث حيويةً في الصورة؛ صورة تُصنِّع ويُهرَّب فيها السلاح والمخدرات، على إنَّها واقع فوق القانون الإنساني للبشر. فالبطل، هنا، يُجسِّد الخير وليس الشر، نماذج ثقافية، نماذج حياة تسعى “أيديولوجيا” الدراما العربية، بالرساميل المشبوهة، إلى تعميقها. فنحن مع ممثلين كأنَّهم مختلون عقليًا، ويخاطبون مُشاهدين مُعاقين فكريًا، وهم يمارسون الاعتداء والعدوان. في أفلام الغرب الأميركي نحن مع صورة وإن كانت تروِّج للأميركي الأبيض المتفوِّق على الهندي الأحمر صاحب الأرض، ولكنَّنا نرى الممثلين في أوضاع سينمائية بأدوار وحبكة مسرحية، وفي أوضاع جسدية بيو- حيوية. في “الهيبة” نحنُ مع معتدين، مع قطعان من المجرمين، مع استعمار درامي بأصوات وألوان لا تناسق جمالي فيها، أصوات وألوان تريد أن تفترسنا، صورة خلاعية تريد أن تخلعنا. فالممثِّل كما المؤلِّف والمُخرج والمُنتج ينشرون ويعمِّمون العنف، والعنف الممنهج، فنرى صورة لأجساد لا روحَ فيها، أجساد تمارس فعل الجريمة بأوضاع وحالات هستيرية، كأنَّ الممثلين من نزلاء المصحات العقلية، وقد رُفع القلم عنهم، ومبرَّؤون من كل الجرائم التي يرتكبونها، وتصير حياتهم من أفعالهم التي يمارسونها في

“تيم، أو جبل، يتحوَّل إلى أمير مافياوي، تتسابق قطعان الأغنام الإعلامية والإعلانية إلى تقليد سلوكه وملبسه ومشربه وتسريحة شعره”
“الهيبة” طقسًا، ولكن تافهًا، طقسًا من حركة وصوت، من أوضاع وأقوال وتسريحات ومواقف ومشية على إنَّهم المجتمع الجديد، البشرية الجديدة، الشرق الأوسط الجديد، وأنَّ حياتهم التي يمثلونها هي الحياة الحقيقية.
ما هذه “الهيبة”! ما هذه الواقعية الخيالية، الخيالية الواقعية، (الميث) الجديد، كأنَّ أدوار هؤلاء المجرمين بمثابة دور القدوة لحياة الجريمة، لحياة تُشرْعِنُ الجريمة باعتبارها ضرورة وحاجة حياة. ما هذه (اليوتوبيا) الرمزية الشرق الأوسطية؟ هل استنفذَ الجمالُ جمالَه، فتحلُّ سلطة البشاعة في الذوق الجماعي للناس. ما هذا التسليع للقيم الأخلاقية – قيم الجمال، وما هذا الطلب- هناك مُطالبة بجزءٍ خامس وسادس: “لقد سأل تيم الجمهور عبر إنستجرام هل يرغبون في عمل جزء خامس، وانهالت عليه التعليقات بالمطالبة بجزء خامس وسادس بسبب الأحداث الشيقة في جميع أحداثه”، وربَّما سابع على مسلسل.
هذا حال الدراما العربية التي تنتجها قنوات الشرق الأوسط الجديد، حيث الممثلون، لا الأبطال، يقومون بأفعال الاغتصاب؛ اغتصاب الأموال والاعتداء على الحرمات، ويقتلون وينتقمون من طرائدهم بغريزة افتراسية، بصفتهم أحرارًا. في الدراما، مهما كان جنسها: مسرح، مسلسل، سينما. في كل مشهد أو لقطة، هناك فعل ذو دلالات، علامات – سردُ أفعال، أوضاع متعاقبة، متباعدة، متناظرة، لحظات حرجة، مكانٌ محيط ومكانٌ اتجاه. هناك (إنسان) ضحية و(وحش) بهيئة إنسان، ولا أحد يمكنه أن يمنع انفعالنا، بكاءً أو ضحكًا، من أن نصطف ونصف ونقف

“جبل ونمر؛ أسماء الشخصيات مُختارة بدقَّة، ولغايات اجتماعية وسياسية، تراهما يمارسان سلطة ديكتاتور دموي، ينطق بلغة الإرهاب”
إلى جانب الإنسان ضد الوحش الإنسان. فجبل ونمر؛ أسماء الشخصيات مُختارة بدقَّة، ولغايات اجتماعية وسياسية، تراهما يمارسان سلطة ديكتاتور دموي، ينطق بلغة الإرهاب، لغة الضجيج والغضب، والقنوات هذه ومريدوها يصفقون للديكتاتور جبل.
هنالك فرقٌ، في الدراما كما في الحياة، حين تصوِّر رجلًا يصوِّب بندقيته باتجاه صدر عدوٍ يغتصب أرضه، وبين رجلٍ يصوِّب رصاصة إلى ظهر متظاهر يهتف للكرامة والحريَّة. المُخرج سامر البرقاوي، ومعه المؤلِّفون، والمُنتج، يدوسون فوق هاتين الصورتين لتحقيق صورة ثالثة، وهي دفعُ الرجل الأوَّل، فيُصوِّب رصاصته إلى ظهر المُتظاهر، ونُصفِّق للقاتل.
لقد عملت الدراما العربية وتعمل، طالما هناك مافيات تغذِّيها بالمال المشبوه، وفي مثل هذه المسلسلات وغيرها كثير، على قتل ذاك البطل الذي يدافع عن قيم الحق والجمال، ما يُهدِّد حضارة الإنسان الذي يعيش فوق الأرض العربية، إذ إنَّه يسير نحو الكارثة، نحو شرق أوسط بوليسي، يعيثُ فيه المرتزقة خرابًا وتدميرًا.
*ناقد مسرحي سوري.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This