نيتشه والاستعارة الفلسفيّة

. التّأويل بالاستعارة:

انبنى نقد نيتشه للعقلانية الأوروبية/ الغربية، على قلبِ القيمِ الّتي بُنيت عبرَ تاريخها الطويل منذ امتزاج الأفلاطونية بالمسيحية. هذا التراث الأنطولوجي والمعرفي والقيمي، كان محطّ نقدٍ من طرفِ نيتشه، لذا لا يقترنُ اسم نيتشه بشئٍ أكثر من اقتران مشروعه بما يُتواطئ على معرفتهِ في الدراسات النيتشوية “بمشروع قلبِ القيم الأوروبية/الغربية”.

تعددت مسالك نقد نيتشه لهذهِ القيم، لكن يبقى نقده للبناء العلمي والفلسفي من جملةِ مساراتهِ النّقدية المهمة، فالعلم الوضعي في تصورِ نيتشه هو عملية اختزالية لقيم الحياة بكل عنفوانها، في عملياتٍ وصيغ رياضية صورية يتم تداولها بكل ابتسار. أمّا عن الفلسفة فالأبنية المفهومية التّي نحتتها بدقة البناء، فمفهومتها أشبه بخلايا النحل وأعشاشها، بهذهِ الشاكلة فإننا نختزل الحياة وعنفوانها في مساكنَ ضيقة. كل هذا في نظرِ نيتشه مجرد استعارات ميتة نبنيها بأيدينا، فسواء العلم أو الفلسفة بهذا الشكل، يختزلانِ الحياة. وعبر هذا المسلك، يقارب نيتشه ميتافيزيقا الفكر الأوربي/ الغربي، فهو يرى أنّ الفكر بالأساس يقوم على الاستعارة، لكن بأي معنى؟

إنّ التكرار هو اختلاف في ذاتهِ. هذا هو التصور الذي بناهُ نيتشه عن الوجود والاختلاف، بوصفه اختلاف هويات، ينبني هذا الفهم في معاينة أفق الأسلوب النيتشوي الذي يقدم نفسهُ نمطَ حياة. فالكتابة النيتشوية هي عينها الاستعارة، يُفضل نيتشه أن يعبر بالاستعارة ويصنع فلسفته منها قائلا: “إنّ سعادة وجودي وما يحدد طابعه المتفرد مرتبطة بقدر هذا الوجود: إنني ولكي أعبر بطريقة الألغاز، ميت في هيأة أبي، حيّ في هيأة أمي، وسأعيشُ طويلاً وأعرفُ الشيخوخة”[1]. كانت حياة نيتشه عبارة عن استعارة نسج بها فلسفته وغزَلها غزلاً يند عن التفرد والعبور باللغة من تجريديتها إلى أفق التعدد والتخييل، تأويلاً للحياة ولقيمها بما هي وجود، وبما هي استراتيجية الفيلسوف. بناء الاستعارات الحية في نظر نيتشه، هي ما تشكل بهِ نواة الحياة الديونوزية، ضداً على قيم أفلاطون والمسيح. إنّ الفلسفة بالمعنى الأفلاطوني –حسب نيتشه- عبارة عن ذلك البناء الهين المشكل من خيوط العنكبوت المتربص بفريستهِ كي ينقض عليها عندما يجف دمها، فالفلسفة عبر تاريخها شيدت نظاماً مجرداً سجنت فيه نفسها عن الحياة بوساطة مفاهيمها التي تدعي تمحلاً منَ الاستعارة.

يظل النقد الجينيالوجي الذي قام به نيتشه للفلسفة، نقداً للأسس المعرفية بصفة عامة، فعندما يشبه نيتشه النّظام الفلسفي/العلمي، بنظام خلية النحل[2] التي تبني أعشاشها عبر نظام محكم ومتجانس، تختزلُ الحياة داخله في بنية ضيقة، لا تستطيع لا الفلسفة ولا العلم[3] أن يحيطا بها. فهو على إثر ذلكَ يوجه نقده لحقيقة الميتافيزيقا الأوروبية-الغربية برمتها، من أفلاطون إلى كانت ومن كانت إلى هيغل، الذي يرد كلّ موضوعة فلسفية إلى مسألة الوعي والروح والتاريخ. هذا التأريخ للمفاهيم هي استعارة ميتة حسب نيتشه، لذا حاول نيتشه أن يستبدل هذه الاستعارات “الميتة  mort” بالاستعارة” الحيةvivant “، والاستعارة الحية عند نيتشه تقوم بدورٍ مفهومي من خلال الشخصيات التي يختارها. كما أنها تضطلع بدور استعارة الاستعارة، كما ترى ذلك سارة كوفمانSarah Kofman ، فهي بنية موحدة تعضد بعضها بعضاً، وتسفر عن خصوصية المفهوم في تمظهراته المتعددة[4]. التفكير بالاستعارة هو جوهر النّص النيتشوي الذي يسيل في سيرورتهِ التي لا تقبل الثبات، وتفجر الحقيقة بما هي مجازات وصور واستعارات، وهي خلق مفهومي أيضاً يختزل سيرورات تاريخية تتبلور بوساطتهِ أساليب وأنماط التفكير التي يطرقها نيتشه من خلال بنيةِ الاستعارة.

2- حيويّة الاستعارة ونظام التّفكير:

بالنظّرِ إلى النمط الاستعاري الحي (ذو الخلفية الحيوية) في كتابات نيتشه، فإنّ هذا النّمط هو أسلوب تفكيرٍ بالأساس، اذ بالانتقال من بنية ذات كتابة نسقية مفهومية مرصوصة، ببنيات وحجج منطقية. فإنّ الكتابة النيتشوية ستأخذ على عاتقها مغايرةَ هذا النّمط في التفكير والكتابة، ونقلهِ إلى بنية ذات نظام شذري Fragment، باستبدال الصرامة المفهومية في الكتابة الفلسفية أضحت الكتابة (الأسلوب الشذري) معَ نيتشه هشة ولزجة، يصعب الإمساكُ ببنياتها النحوية والمنطقية أيضاً. وهنا يصعب على الفكرِ حسبَ منطق الشذرة أن يكونَ مختزلاً، ومن جهةٍ آخرى فإنّ هذا المنحى في الكتابة يدل على نظامِ تفكيرٍ آخر يغاير طبيعة اللغة السائدة، إلى لغةٍ يسيل منها أسلوب السخرية، وأسلوب التأمل المطبوع بتجربةِ الذات. هكذا ينقل نيتشه نظام الكتابة بما هي نظام تفكير، وهكذا أيضاً تصير الفلسفة بما هي نظام تفكيرٍ بالأساس إلى نقل لغة التفكير الفلسفي إلى فضاء espace مفارق ليس بالعلمي الخالص ولا بالخَطابي المحض. لذا يصعب أن ندرجَ الكتابة النيتشوية في خانة محنطة، وبالتالي؛ يصير أسلوب الكتابة/ التفكير مع نيتشه هو أسلوب يتعقب الأثر، ونحن عن طريقه نقترضه[5] (أي النمط الاستعاري في التفكير)، وهذا بالتحديد ما ورثه التفكير عن نيتشه إنه الأسلوب الذّي تبقى أثرهُ حاضرة كنمط تفكيرٍ، وعلى أساسهِ يتجه نيتشه نحو ارساءِ ابدالٍParadigme  فلسفي يقوم على المغايرة المفهومية واحلالِ بديلٍ له وهو الاستعارة. والاستعارة في التصور النيتشوي تتجاوز المفهوم الّنسق[6] (على الطريقة السبينوزية والهيغيلية)، إلى حيوية الاستعارة التّي تتأسس منها اللغة.

الأسلوب النيتشوي هو ترجمة حيوية لأسلوب الكتابة ولرؤيةِ نيتشه التأويلية للعالم[7]. فبالاستعارة يكون العالم قابلاً للفهم استعارياً، إذ لا وجودَ لحقائق عينية بقدر ما هي حقائق إشارية، فالحقائق من متوهمِ المفهوم فقط، الذي (المفهوم) يشل حيوية الصور التّي تقدمها الاستعارة، فافي الأصل وراءَ اللغة لا توجد المفاهيم، بل هناكَ صور والذّهن يفكر بوساطةِ هذهِ الصور الاستعارية.

إنّ نيتشه في العمق يبحث عن العلاقات التي تحملها الصور في اللغة، فلا وجودَ عيني للماهياتِ، وحدها الصور والاستعارات تمنح الفكر إمكانية التفكير، فالتفكير يشتغل بوساطةِ هذهِ الأبنية الاستعارية وعليه؛ يمكنُ أن نسمَ أسلوبَ نيتشه، بالصورة الحيوية/الاستعارية للفكر، فهو لا يبني صوره/استعارتهِ إلاّ على هذا المنحى. وكما يقول توفيق فائزي: “ويعطي نيتشه مثالاً من الأفعى (Serpent) الذي يدل في الأصل على معنى الزحف والدّب. إن الذي سمّى الأفعى – والأمر يتعلّق هنا باللاتينية- لم ينتبه فيها إلا على معنى هو الزّحف أو الدّب، وهو معنى يصدق حتى على الدُّود، وهذا يدل على ما أرادَ نيتشه تأكيدهِ، وهو أن لا علاقة بين الصورة والاثارة العصبية. وقد يدرك في الأفعى معانٍ أخرى، وقد تشبه آخر ويسقط عليها معنى آخر”[8]. هكذا يغدو منحى الفكر اذن؛ منَ المجرد إلى الإحيائي في صورة استعارية. هذا النمط من التفكير لا يكونُ إلاّ ضداً على الأنساق المجردة والأنساق المُصَورنةِ للغة الطبيعية، ومعَ نيتشه يُبنى الفكر على أسس استعارية بدل حقائق مفهومية ثابتة، هذه الأسس الاستعارية تتوغل في الاستعارة حتّى يصير الفكر ذاته استعارة للاستعارة. أي الاستعارة في أسلوب نيتشه تتلبس لبوساً نقدياً محضاً، وعلى ذلك يؤسس نيتشه مملكته المفاهيمية، وهو ما ترصده سارة كوفمان قائلة:” تغدو الاستعارة  عبارة عن رداء نقدي لصور أصلية لتحدثنا عن نسيانٍ أعمق وخفي”[9]. هذا النسيان الخفي الثاوي خلفَ المفاهيم، هو صورة الفكر التّي يتركبُ منها، فخلفَ هذهِ الاستعارات التّي ينزع إليها نيتشه خلفية حيويةvitaliste ، تجر الفكر إلى نطاقٍ يجعله يحتك أمام المفهوم بما هو بيولوجية مترع بالحياة. واستعارة النسيان تلك، ما هي إلاّ ضداً على المسار الذي صار فيهِ الفكر مسبقاً، بهذا المعنى تغدو الاستعارة/ الكتابة، بمثابة قطيعةٍ بينَ التقليد الفلسفي في مسارتهِ المعهودةِ، وصورة الفكر الحيوية المجسدة لنمط الاختلاف. أي اختلاف العود الأبدي[10] في العمق، هذا المنحى الذي يحاول نيتشه تجذيره، ما هو إلاّ تركيب مغاير لنمط التفكير ومسارهِ الذي بناهُ الفلاسفة خصوصا (سبينوزا، كانت، هيغل).

تظل الكتابة الاستدلالية المؤسسة على قواعدَ منطقية صارمة، والذي يجد فيها نيتشه نوعاً من التناسب وبنفس الدرجة[11]، إذ لا فرق في الأساس بينَ منطقي وغير منطقي، مادام أنّ الأصل في الاستدلال/ في التفكير، يقوم على اللغة، واللغة هي التجسيد الحيوي/ الاستعاري لمسار الفكر، وبحسبِ نيتشه غفلَ هؤلاء الفلاسفة النَفاذَ إلى صورة الفكر الحقيقية التي تتصف بالبساطة لأنها مكثفة بمعانٍ ودلالات حية. بهذا المعنى نبصر العالم بصورة حية وحركية، هكذا سنبصر المفهوم/ الفكر في صورةٍ جديدة، وطبيعة هذا الفكر مؤسس على الاستعارة، وبهذا المقتضى تتغير طريقة التفكير القائمة على الحقيقة وهو ما يؤكده توفيق فائزي قائلاً: ” يعود بنا نيتشه إلى بداية مفترضة فيكشف كيف كانَ الأصل، كل ما نعتبره أصلاً وحقيقة هو أمر متولد من صور كانت في البداية ذاتية. كلّ الأحكام التي نحكم بها هي ذاتية. والطبيعة لا تحمل في ذاتها المفاهيم والصور، فنحن من نحملها إياها”[12]. الصور هي بيت الإسقاط الذاتي على العينيات، وإذ صحّ أن نربط كائناً أو مفهوماً أو شيئاً بحقيقة معينة. فإنهّا لا تكون –حسب نيتشه- إلاّ حقيقة ذاتية فقط. هذهِ اذن؛ هي حالة الفكر أو طبيعة الطريق التّي يسلكها مع نيتشه، وسنجد صداها في أغلب الفلسفات المتعاقبة بعد ذلك.

******

[1] فريدريك نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة: علي مصباح، (بيروت، منشورات الجمل، الطبعة الثانية 2006)، ص 15.

[2] Frederic Nietzsche, La genealogie de la morale, (Paris: Gallimard 1972), 7.

[3] توخياً للدقة فإنّ النقد النيتشوي للعلم، يجب أن يفهَم في اطاره، وهو نقد للغة العلمية بصفة عامة، فحسب نيتشه أن العلم لا يستطيع أن يتخلص منَ الاستعارة لأنه هو ذاته يشتغل بنمط الاستعارة، واللغة عند نيتشه مهما كانت فهي تشتغل بنمط الاستعارة، من هنا نفهم موقفه من العلم عموما باعتباره اختزالاً لقيم الحياة الديونوزية.

[4] Sarah Kofman, Nietzsche et la métaphore, (paris : Payot, 1972), 65.

[5] Ibid, 10.

[6] Ibid, 11. « Écrire conceptuellement tout en sachant que le concept n’a pas plus de valeur que la métaphore, qu’il est lui-même un condensé de métaphore, écrire un exposent une écriture a un déchiffrage généalogique, me semble être plus nietzschéen qu’écrire métaphoriquement en dénigrant le concept et en proposant la métaphore comme norme ».

[7] Ibid, 11.

[8]  توفيق فائزي، الاستعارة والنّص الفلسفي، (دار الكتاب الجديد، الطبعة الأولى 2016) 397.

[9] S, Kofman, Ibid, 41.

[10] Ibid, 41. « La métaphore implique du gouffre comme la conception typologique de l’histoire marquent déjà une rupture avec la conception traditionnelle du temps: le retour dans la différence du même, par- delà les époques “historiques”, et une des formes que prend l’éternel retour ».

[11] Ibid, 43.

[12]  توفيق فائزي، مرجع سابق، 395.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This