رواية السّماء تمطر بشراً

(الجملة السّينمائيّة روائياً)

بعد عدة تجارب في الشعر والمسرح، صدرت للشاعر والروائي السوري الكردي (محمد خليل) رواية “السماء تمطر بشراً” عن دار موزاييك للدراسات والنشر – خريف 2020 في 235 صفحة من القطع المتوسط، لوحة الغلاف للفنان السوري الكردي (بهرام حاجو).

يمكن وضع الكتاب على خط الأعمال التي بحثت في مفهوم الهوية والانتماء، عبر زوايا عديدة ومتشابكة فيما بينها، من خلال جميع العناصر التي تُبنى عادةً عليها الروايات حول العالم، إذ إنّ الكاتب اشتغل على تجريد المرء من الانتماء النمطي، وذلك من خلال رصد شخصيتين من عالمين مختلفين ومتناقضين؛ (سيامند) الكردي السوري و(ستيفان) النمساوي. الشخصيتان المتشابكتان بمجموعة كبيرة ولامتناهية من القصص والأحداث والشخصيات التي تبلور برمتها شكل البحث في ماهية الهوية، وسياقات وأدوات الانتماء للناس في هذين العالمين المتناقضين. يسعى كل من سيامند وستيفان إلى الهرب من ركن ولادته، من ناسه وعوالمه، يسافر الغربي إلى مدينة عامودا في أقصى شمال شرق سوريا، ويهاجر الشرقي إلى النمسا، ليطرح فيما بعد الكاتب مجموعة أسئلة حول الدوافع التي تسيطر على المرء وتدفعه إلى العودة حيث الذاكرة – الوطن الصغير.

ثمة جوانب عديدة يمكن قراءة الرواية من خلالها، إلا أنّ عملية صياغة الجملة السينمائية داخل العمل هي ما دفعني إلى الحديث باختصار عن مجموعة عوامل جعلتني مؤمناً بذلك الانطباع الذي نال مني أثناء قراءة العمل.

بناء الصّورة الشعريّة السينمائية روائياً

في أثناء دراسة باطنية السينما الشعرية حول العالم، تلك التي انحصرت في أفلام أوروبية قليلة ووصلت الشرق عبر أفلام محدودة جداً مثل “طعم الكرز” للمخرج الإيراني (عباس كيارستمي) وفيلم “صندوق الدنيا” للمخرج السوري (أسامة محمد) وفيلم “يد إلهية” للمخرج الفلسطيني (إيليا سليمان)، نلحظ القيمة المبتكرة في سياق عملية تحويل الصورة السينمائية إلى معادلة رياضية، وذلك من خلال بناء صور محذوفة أجزاؤها، يمكن تسميتها بالقسم الباطني الذي لن يُرى إلا من خلال إمكانية الملتقي في تفكيكها وتحليلها ووضع استنتاج نهائي لها، إذاً، يكون المتلقي هو مفتاح الجزء المحذوف من تلك الصورة، والتي في كل الأحوال لن تتشابه نتائجها المتعددة أبداً؛ سيما أنّ كل متلقٍ يملك بصمة روح مختلفة عن الآخر، الأمر الذي استخلص فيما بعد مفهوم ما بعد الحداثة القائم بالأساس على معادلة الصورة السينمائية تلك، على عكس الانطباعية التي غزت العالم سينمائياً وأدبياً ولم تزل حتى اللحظة.

داخل رواية “السماء تمطر بشراً”، أخرجَ كاتبها القيمة من معادلة السينما الشعرية وحوّلها إلى سياق سردي لا بصري، من خلال أدوات عديدة يمكن في كل الأحوال استنتاجها إذا ما أبصرناها عبر نافذة (الصورة المحذوف نصفها)، حيث يهم الكاتب بفصل الشخصية عن المكان في أثناء وصف الشخصية وحذف المكان من الشخصية في أثناء وصف المكان، لتتحول الصورة الواحدة الكاملة ضمنياً خلال الرواية لديه إلى نصفين، نصف مكتوب والنصف الآخر مجهول ينبغي على القارئ الوصول إليه، إن فعل العكس لكان الأمر عادياً يتم تدريجه ضمن قائمة الصور الانطباعية التي لا تهدأ في معظم ما يُقرَأ ويُشاهَد حول العالم في زمننا هذا.

خلال بحث ثلاثة رجال عن فتاة هاربة رفقة عشيقها في مدينة ديار بكر الكردية – جنوب تركيا وشمال “كردستان الكبرى”، ينقل الكاتب دلالات وتواريخ شخصيات سكان المدينة من خلال الحديث الدقيق عن ماهية المدينة وشكلها وحسب، إلى الحد الذي يمكن قراءة اللامرئيين في المدينة وذلك من خلال استخلاصه قيمة الصورة الشعرية السينمائية، أي خلق النصف المحذوف بالتمعّن في النصف الموجود، لذلك تقرأ عن بيوت المدينة وأشكالها، أنواع الحجارة التي بنيت البيوت بها، الفصل الطبقي والثقافي والتاريخي من خلال إدخال القارئ إلى عمق المدينة وحسب، من دون التطرق إلى وصف سكانها.

لم يكن سياق بناء الوصف ذاك في أثناء بحث الرجال الثلاثة بمدينة ديار بكر ضربة حظ، أو شكلاً من أشكال الصدفة استفاد منها الكاتب، بل كان مدروساً، تجلى هذا أيضاً في خوض تجربة الصورة السينمائية الشعرية تلك، وتغييره للمعادلة في جزء آخر من الرواية، تماماً في سياق الغرفة الطينية والقرية التي ينتظر فيها عجوز مع جمع قليل من المنتظرين شاباً تأخّر في الوصول من عملية تهريب عاشت بها ومنها وعليها معظم سكان أقصى شمال شرق سوريا وجنوب تركيا بعد اتفاقية سايكس بيكو، والتي رسمت حدوداً شبه متينة فصلت ناس شمال خط “قطار الشرق” عن جنوبه. في الغرفة الطينية ذات المدفأة التي تُسعّر النار في قلبها بروث الأبقار المجفف، والستارة والعاصفة التي تحجب جبال طوروس ومجموعة أدوات أخرى، سعى الكاتب في سبيل طرح ماهية المكان من دون الحديث عنه مباشرةً، إنّما حدد ماهية ذلك المكان من خلال حوارات عميقة، ووصف دقيق لحركات وأشكال الشخصيات، إذاً، غيّر الكاتب سياق عملية قراءة الصورة السينمائية الشعرية – تلك الموجودة في محور مدينة ديار بكر – واستبدلها بأخرى، حيث حوّل الشخص إلى مفتاح قراءة واستكشاف ومعرفة المكان.

 II تدوين الموسيقى التصويرية بالسرد

لا يأخذ الكاتب عنصر الموسيقى الداخلية من ذلك المنظور الهلامي الذي يتطرق إليه كل من يكتب ويتحدث عن الشعر، تلك غير المعرّفة أساساً والتي تخص رنّة الكلمة في النص النثري، وسياق الأوزان في النصوص العمودية والتفعيلة. لا يأخذ كذلك –أي الكاتب- عنصر الموسيقى التصويرية من المنظور السينمائي البحت، والذي يُستخلص من جذور متعددة؛ منهم مَن يعتبر الموسيقا جزءاً من الصورة ويساهم في تفعيل الدراما داخل الصورة بالموسيقا، ومنهم مَن يستبدل الحوارات بالموسيقا التصويرية ساعياً إلى إيجاد حلول درامية في الفراغ الذي يتركه غياب الحوار عن بعض المشاهد. في كل الأحوال، ثمة ماهيات وأساليب وأدوات لا متناهية تواكب عملية وتعريف وشرح عنصر الموسيقى، سواء كانت داخلية في السرد الشعري أم تصويرية في العنصر السينمائي.

عبر رواية “السماء تمطر بشراً”، يصنع الكاتب، أو يبتكر، موسيقى تصويرية داخل المشاهد – الأمكنة والشخصيات – من خلال عملية السرد، يُلاحظ هذا تماماً في أثناء مراقبة دخول أيّ شخصية إلى حدث أو مكان داخل الرواية، تبدأ معادلة استخلاص قيمة الرتم من عملية الموسيقى ووضعها في طريقة ظهور الشخصية البطيء شبه الهامشي، ليتحول فيما بعد إلى محور لحدث هامشي بالأساس، سليل أحداث هامشية تصنع معاً الحدث الرئيس والشخصية الرئيسية في العمل، حيث الحديث عن الشخصية وتفاعل الآخر معها وتأثره عاطفياً بها من خلال العملية السردية ومن ثم اختفائها هكذا فجأة، يخلق ذلك الاغتراب الداخلي في ذهن المتلقي كما لو أنه يسمع مقطوعة موسيقية تنتهي لتبدأ أخرى تنتهي هي أيضاً، فكرة استخلاص الموسيقا من رتم السرد حول الشخصيات التي تتداخل فيما بينها، هي المحور الرئيس الذي صنع بها الكاتب فكرة التفاعل ذاته الذي يحصل عليه مَن يسمع وذلك من خلال القراءة.

الرواية – عبر تلك الشخصيات التي تنطفئ – هي في الأساس مكان لرتم لا ينتهي، سيما أنّك وفي اللحظة التي تبدأ فيها صياغة حالة غياب شخصية، تلاحظ بدء رتم شخصية أخرى تولد فجأة، وتنسيك سابقتها لتتأثر بها هي، التصاعد ومن ثم الاختفاء يحولان الكتاب إلى أوركيسترا يتصاعد الرتم ويهبط في سيرة الشخصيات التي تأخذ جوهرياً صورة الآلات الموسيقية. يُقرأ هذا – مثلاً – في صورة اختباء (شفين) وراء الستارة في بيت والدها المتدين، وفي سياق السرد الذي لخّص إغماء الرجل الثالث – الباحث عن الهاربة – بمدينة (ديار بكر)، والجملة الهامشية التي صنعت رتم شخصية (روجين) في إثناء عودة (شمدين) ب (شفين) موثوقةً بحبل إلى حصانه، ودفع الأم بناتها إلى ارتداء أبهى الثياب لزفّ أختهنّ بالرجم. إلى جانب جمل موسيقية لا متناهية ترافق كل شخصية من لحظة ظهورها الهامشي إلى لحظة اختفائها.

 III ولادة الشخصية في حقل الصورة

أوجد الكاتب صياغات بديلة لتلك التي يُبنى عليها عادة ماهية السرد، إذ أنه أدخل قيمة السينما في الرواية بحالة زوم مستمر يبدأ من الصفحة الأولى ولا ينتهي في الصفحة الأخيرة، حيث الصورة التامة – الهدف الذي سعى الكاتب في سبيل بلورته. علمياً، يحدث هذا خلل الفيلم السينمائي عندما تدخل جميع الشخصيات والأحداث حقل الرؤية على مضض، في اللحظة التي يقترب منها زوم الكاميرا، يمهرها بختم الكمال وتختفي بعد فترة، بعد خروج المرئي من حقل الصورة لتدخل احداث أخرى وأخرى حقل الصورة، وسرعان ما تختفي مجدداً هي الأخرى، مع استمرار ذلك الزوم. استفاد الكاتب من تقنية الزوم في الرواية، عبر تغيير ماهية المرئي وتحويله إلى سردي، جلب شخصيات وأحداثاً وأماكن تظهر فجأة، تسلط الاضواء عليها الا أنها تختفي، الأماكن والأحداث والشخصيات، تموت تارة وتختفي تارة أخرى، تُرغم على نسيانها وعلى تذكرها في آن، القصص تنتهي، كما لو أنك تدخل لعبة التأثر بالموجودات إثر معايشتها والتأثر إثر غيابها، هكذا فجأة، لتعيش الحب والفقد الدائمين طوال السير في الرواية. لكن، كل حدث، كل فعل وكل شخصية متداخلة ومتفاعلة فيما بينها، كل شيء يختفي في سبيل الحدث الرئيس، الشخصية الرئيسية والصورة النهائية، وهي (سيامند).

IV صناعة الصورة – مشهد البداية

يزيح الكاتب إيفيكت الظلام شيئاً فشيئاً عن عدسة الكاميرا اللغوية في الصورة الأولى من عمله الروائي “السماء تمطر بشراً”، من خلال خطاب ينير داخل الشخصية ويعتم محيطها، تبدو المساحات المفترض رؤيتها في حقل المشهد هلامية كأنّه يستبدل ما هو بصري بالسرد، ناقلاً أثر تلك الصياغة من مشي أحدهم تحت ثقل عاصفة وعلى ثلج يتصدع تحت الأقدام، يحدث هذا عبر إدخال المتلقي إلى قاع المشّاء وليس في تغيير زاوية نظره.  تظهر حركة الشخصية بطيئة متوترة أثناء المشي، يستبدل الكاتب عملية الصياغة البصرية للحركة بالصياغة السردية عبر حوار داخلي وجمل قصيرة مربكة، يترك الكاميرا حرّة في نقل المرئيات الداخلية النفسية، الأمر مشابه في تلك العوائق التي ترافق السيار على ثلج وسط عاصفة، هنا، ليس بالمستطاع البحث عن النتيجة الانطباعية للمشهد، سيما أنّه يستبدل المرئي ويدخله إلى تفاعل لغوي داخلي، هذا هو الشكل الباطني النفسي للصورة، إذ إن الكاتب لا يتطرق الى رسم المشي على الثلج عبر الحديث عن المشي في الثلج مباشرة، انما يبدّل القسوة التي يمكن أن تُرى عبر العين في مشهد سينمائي بالسرد، حتى يشعر المتلقي بثقل وبرودة الثلج من خلال صور قصيرة في هيئة جمل تتقاذف في الذاكرة وتنطفئ مثل نيازك، كحالة تُصنع بها عملية تزاوج بين ظاهر ما هو بصري وباطنه، إذ يمكن استنتاج المرئي المفترض خلال المشهد الأول اللامرئي أصلاً عبر الجمل النفسية وليس بصياغة انطباعية كما تستند عليها معظم الكتابات الناقلة للصورة.

تحمل الجملة في العمل بعدين؛ بعد بصري من خلال نقل تجسيد حركة أو شكل ملامح الشخصية، وبعد نفسي من خلال سرد داخلي مواكب لما هو مرئي، بذلك يحوّل الكاتب الصورة من شكلها الانطباعي الملامس لما ينتظره المتلقي إلى شكل تعبيري يساهم في قراءة الداخل اللامرئي في الصورة.

المشبّه به سينمائياً

اشتغل المخرج البريطاني (ألفريد هيتشكوك) على الاستنتاج النفسي المتعدد بصورة واحدة متعددة الاستخدام، والتي ساهمت بطبيعة الحال في استخلاص نظريات التحليل النفسي عبر الصورة. بقيت نظريته تلك مغيّبة تقريباً في معظم الأفلام التي صُنعت من المنظور النفسي، حسب متابعتي، ربما للتعقيد المحيط بها أو بطريقة أخرى، ذلك التعقيد دفع المخرج السينمائي إلى البحث في جهة أخرى، نتيجة عدم مواكبة المتلقي التقنيات العلمية في الأفلام السينمائية وبقائه في حالة استخراج القصة وعواملها من الفيلم ومن ثم الالتفات إلى فيلم آخر.

في رواية “السماء تمطر بشراً” اشتغل الكاتب على معادلة (هيتشكوك)، لكن من المنظور اللغوي، إذا ما اعتمدنا أنّ الصورة الواحدة سينمائياً يقابلها المشبّه لغوياً، أي توظيف واستنتاج دلالات متعددة للمشبه من خلال بناء حبكة تصويرية منتمية بسياقها المعرفي والنفسي إلى أصل المشبه به الزماني والمكاني والنفسي، حيث يكون المشبه به في معظم الحالات تصويريّاً، أو يحمل طريقة وأسلوب البناء في الجملة السينمائية، كأنّه يرسم ما هو مفقود، محذوف أو لا مرئي في المشبّه. في أثناء تتبع سياق وجذر حالة التشبيه داخل الرواية، يلاحَظ بُعد الكاتب عن ذلك الجذر التاريخي الذي تفرّع منه طرق وأشكال وقواعد التشبيه، إذ إنّ المشبه به داخل الرواية لا يستند إلى المهادنة بين المتضادات، ولا إلى تحويل الحسي إلى باطني، ولا الإسهاب، وكذلك لا يشبّه الاسم بالاسم. تلك الصيغ جميعها تساهم بطريقة علمية في بناء تصويرية مرافقة للسرد في الجملة ذاتها، ليس في لحظة الشغل بمقطع كامل على التصويرية لغوياً، بل في مكان آخر من الرواية.

VI زوايا الكاميرا في السرد

دُرِست وبُحِثَت عملياً داخل الفيلم السينمائي الغاية والنتيجة، اللتان ترافقان كل حركة وزاوية تعمل فيها ومنها الكاميرا بحيث تتم عملية استخلاص القيمة النفسية المواكبة للصورة أو للسرد في كل عمل، حيث وُضِعَت قواعد واستنتاجات يُرى من خلالها نقدياً في معظم الأعمال التي يتم وضعها على طاولات التأويل والبحث العلمي.

تماماً، في سياق سيرة، أو مشهد رجم (شفين) التي جُلبت من حيث استقرت حين هربت مع عشيقها، إلى قريتها في شمال شرق سوريا. اشتغل الكاتب بالتقنية ذاتها التي تستند عليها الغاية من حركة وزاوية الكاميرا المساهِمة في قراءة نفسية للصورة، والمستخلصة بطبيعة الحال من قيمة الصورة النفسية لا الظاهرية. غيّرَ الكاتب نقطة ومركز الكاميرا في مشهد الرجم العام ووظّفها في السرد علمياً؛ إذ نسج حوارات الحشد حول الضحية من نقطة عالية مقارنة مع انكسار الضحية القريبة من الأرض تماماً على مستوى أقدامهم، حيث ساهمت الحوارات التي كرّست صبغة التسلط والقمع لحظتها في بناء لا مرئي لنقطة ارتكاز الكاميرا التي كانت مصوبة من الأعلى إلى الأسفل حيث الضحية، إلا أنّ الكاتب سرعان ما استبدل بالسرد زاوية الكاميرا، حين تغيّر مركز السرد من الحشد المتسلط إلى المرجومة، مستبدلاً بذلك أسلوب وأشكال جمل موحية إلى الخيبة والقلق والضعف اللانهائي، كان سيكون الأمر عادياً لو أنّ الكاتب نسج المشهد بلسان الراوي، إلا أنّ نقل السرد من الحشد إلى المرأة المكبلة رسم الزاوية الصحيحة التي يتم فيها تصوير المقموع، أنتِجَت هذه الصياغات في انتقال حركة الكاميرا سرداً من خلال موضع انطلاق الجملة في صورتين متداخلتين، إحداها للحشد المرتفع والثانية من لسان المرجومة في حفرة استحدثوها لمعاقبتها فيها.

ظهر هذا الانتقال العلمي أيضاً في مشهد انتحار (شمدين)، حيث كان سرده الباطني داخل البئر لحظة خروج روحه شبيهاً بجوهر سرد (شفين) في الحفرة حيث رُجِمَت قبل حوالي خمسة عقود وأكثر، حتى إنّ الكاتب استذكر (شفين) على لسان (شمدين) داخل البئر حيث رمى بنفسه منتحراً، من خلال الوعد الذي أعطته لـ (شفين) : “سأشرب دمي ما خنتك”، ما يعزز إصراره على خوض تجربة صياغة زاوية الكاميرا بالسرد داخل رواية “السماء تمطر بشراً” من خلال مشهدين أثّر كل منه على الآخر نفسياً وبصرياً.

VII المونتاج سرداً

ما يمكن قولهُ في السينما، يُنجَز بصرياً، أي تتحول عملية السرد إلى سلسلة صور تشكّل وتبني صياغة المكان والزمان وماهية الشخصيات. تماماً في فصل الرواية الثاني، حيث تتمحور عملية المنجز الكتابي حول عوالم شخصيات أوروبية في كل من (برلين) الألمانية و(اننسبروك) النمساوية، اشتغل الكاتب (محمد خليل) على تغيير المعادلة من خلال بناء شخصيات من صلب العوالم النفسية للفرد الغربي، حيث – على عكس الفصل الأول – اشتغل على جملة مسترسلة وسلسة عاين جيداً مواقع الأفعال وجعلها بعيدة نوعاً ما عن تعقيد صياغة المشبه والاستغناء عن المشبه به، وذلك من خلال استبدال القيمة البصرية في السرد – كما كان في الفصل الأول – بالولوج إلى دواخل شخصياته الغربية، مستعيناً بمفردات وصياغات أخرى تساهم على استخلاص قراءة وفية لأبطاله، بل يمكن القول إنّ بلاغة الجملة أيضاً سارت على عكس ما اشتغل عليه حين كتب عن عوالم الشرقيين في الفصل الأول.

قد تكون حقاً، الكتابة عن شخصيات منتمية إلى جغرافية فقيرة الثقافة والموارد وغيرها تحدّياً كبيراً يمر به معظم من تتمحور رواياتهم حول تلك البقعة الجغرافية، أقصد تماماً عملية بناء الشخصيات، حيث تكون معظمها شخصيات غير مثقفة، بسيطة، تعيش في قاع الفقر والاضطهاد السياسي والنفسي والاجتماعي والديني، حيث الفخ الذي يُنصب أمام الروائي، أي طريقة بناء الحوارات لدى تلك الشخصيات، حيث غالباً ما تُحذَف الفوارق في الأزمنة والجنس والثقافة بينها، لتشاهدها مثقفة بل ومُنَظِّرة في الكثير من الأحيان والمواقع والمواقف، يفشل الروائي إثر ذلك في فصل لسان حاله أو لسان الراوي عن شخصياته، ليتحول العمل الروائي إلى صورة تحمل الرتم ذاته.

في رواية “السماء تمطر بشراً”، اشتغل الكاتب بطريقة مغايرة لتلك التي تُبنى عليها معظم الأعمال الروائية المنتمية إلى تلك البقعة – الشرق – حيث استبدل السرد (المثقف) /الفخ، بعملية التصوير والوصف، بذلك أنقذ نصّه، أو فصل الرواية الأول، من فخ الحوارات المتفلسفة المنظّرة لشخصيات معظمها لا تجيد القراءة والكتابة وتتدفأ بروث الماشية الجاف، وكذلك ابتعد عن السرد التوثيقي الانطباعي الذي يواكب أيضاً الكثير من الروايات الشرقية –حسب اضطلاعي البسيط– أوجد معادلتين أنقذ بهما عمله الروائي من تلك الفخاخ المتينة وهما:

1- العمل بالتصويرية الشعرية على حساب السرد والحوارات في فصلي الشرق – الأول والثالث.

“ضوء برتقالي اللون كما لو أنه وضع رأسه في جوف برتقالة، السماء تمطر غباراً أحمر، كما لو أن أحدهم ينثره على هذه المدينة الغارقة بتفاصيل عشوائية مثل لوحات الرسامين الانطباعيين”.

2- البحث في السرد النفسي على حساب التصويرية والشعرية في فصل الغرب – الفصل الثاني.

“سمع ستيفان صوت الباب وهو يوصد في حين كان يمسح آثار القهوة على الغاز قبل أن تنشف فتصعب إزالتها، خرج وبيده قهوته، مساوماً على مرارتها حلاوة لقائهما، ولكنه لم يصل إلا على بعض رحيق عطرها المنتشر كضباب يتلاشى رويداً مع شروق الشمس. كانت تلك الرائحة آخر شيء من ميلاني لستيفان“.

لم يعاني الكاتب من عملية فصل الراوي المثقف عن شخصياته لأنّه يتعامل مع شخصية أوربية تستطيع اكتشاف داخلها بسهولة على عكس الشخصية الشرقية المنغمسة في الحروب والفقر والقمع.

هكذا، ومن خلال هذا الانتقال أُنقِذ العمل من مصيدة التكرار وذهب إلى الابتكار نوعاً ما، ولم يك ذلك مصادفة أو ضربة حظ، بل كان إصراراً من الكاتب على خوض هذه التجربة؛ سيما أنه وفي الفصل الثالث والأخير، يعود إلى السرد التصويري الشعري إذ تسافر شخصيته (ستيفان) النمساوي إلى مدينة عامودا في أقصى شمال شرق سوريا، حيث استطاع الكاتب إعادة المتلقي إلى الأجواء السحرية من الجملة الأولى التي كتبها حول (ستيفان) في غرفة في فندق، هناك.

 VIII لماذا برلين؟  

“بعد نقاش طويل حظوا بعشاء ملكي من يد والدة ميلاني الهادئة، جلسوا حول طاولة من خشب السدر الجبلي، عليها شموع على أشكال ملائكة يتغزلون بإلهة إغريقية وصحون مزخرفة صينية الصنع، ونبيذ من أفريقيا، كان كل شيء مرتباً بمزاج امرأة رومانسية تحب الألوان، كجناح فراشة.

ضحكوا كثيراً، عندما وصفت لهم أم ميلاني محتويات الطاولة، التي كان عليها الأكل ألمانياً فقط، مما جعل والد ميلاني يشد كتفه للأعلى ويحك جبينه وهو يضحك، بإشارة منه عن تناقض في كلامه“.

سمعتُ مرات عديدة من أوروبيين هذا الكلام: “فقط عندما نسافر إلى مدينة برلين، لا نذكر اسم ألمانيا”.

لا يمكن اعتبار تلك الجملة إنشائية يسهل المرور بها بشكل طبيعي، بل هي تتمحور في لب خصوصية تلك المدينة بزمنين مختلفين، زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية، وزمن سقوط الدكتاتور هتلر وتقسيمها عبر جدار بين أربع دول، أربع ثقافات مختلفة ساهمت بدورها في نسج ماهية مختلفة لمدينة ستختلف عن جميع مدن العالم لحظتها وفيما بعد. ذلك الصراع السياسي والثقافي في مدينة برلين شكّله الروائي من خلال عدة شخصيات كانت محورها (والدة ستيفان)، إذاً، لم يكن اختيار مدينة برلين في الرواية اعتباطياً بقدر ما ساهم وبشكل رئيسي في عملية نسج سياق معرفي منطقي في مخيلة المتلقي، وذلك بإدخال جميع تناقضات وممارسات البرلينيين في صلب تلك الشخصية، سرد بمستوى عال ثقافياً وتحليلياً ومختلف عن البنية التي اشتغل عليها الروائي في أثناء صياغة الشخصيات الشرق أوسطية. وهذا يعود بتصوري إلى الفوارق الثقافية والاهتمامات التي تطغى على المجتمعين، أي، أيضاً، كان نَفَس الكاتب منساباً في أثناء الحديث عن الأوربيين وبناء حواراتهم، وذلك عائد إلى قدرة الأوروبي بالأساس على التعبير عن نفسه إثر جميع العوامل آنفة الذكر.

تلك المدينة التي تكثر فيها المتاحف ودور الثقافة وطرق لامتناهية وأشكال متعددة لأدوات حياتية مثل المأكل والمشرب، السينما والكتب والثياب وشكل الأبنية والحدائق والمتاجر المختلفة المتعددة. وغيرها، ووقوع برلين على حدود أو على نقطة فصل أوربا الشرقية عن الغربية جعل منها المدينة الحلم لكل من يبحث عن الجديد، الثقافة والعمل وغيرها. طُرحت معظم تلك التناقضات من خلال فتاة ارتبطت بشاب هكذا من دون تخطيط وتعقّل، وانجابها طفلاً (ستيفان) منه ومن ثم هروبها مع عشيقتها تاركةً الطفل الذي سينفق معظم سنواته في سبيل صياغة شكل الهوية والانتماء لديه، والزوج الذي سيحيا ما بقيت له من سنوات في بيت معزول مزمَّل بالطبيعة والصمت رفقة زوجة جديدة حتى موته. يمكن القول، بطريقة ما، إنّ الكاتب لخّص سيرة القارة الأوروبية بجوانبها المتعددة من خلال مرآة برلين التي وجّهَها على امرأة في رواية “السماء تمطر بشراً”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This