إلى هنرييت، ثمّ إلى جورج

قلت في نفسي، أنا هكذا، أؤجل الأمور التي تمس القلب، فلا مكان لمزيد من التصدع. وهكذا أجلت القراءة الثانية لكتابٍ يُقرأ بالقلب لا بالعيون، كتبه قلبٌ لا يخفي انكساره ولا عنفوانه، هو كتاب الأديبة والروائية هنرييت عبودي “أيامي مع جورج طرابيشي” الذي صدر مؤخراً عن دار مدارك.

صعبٌ عندما يضم الكتاب من تعرف وبعضاً مما تعرف، ففي الصفحات أسماءٌ تعرف وجوهها، يتداخل فيها الخاص مع العام. وقد شاء التاريخ جٓمعُكٓ بصداقة بدأت مع جيل الآباء واستمرت مع الأبناء والأحفاد، وتطورت مع الغربة الفرنسية المشتركة والآمال التي خاب أكثرها، ثم أتت الخيبات وما أغزرها، فجعلت التقارب مبنيا- أيضاً- على تشاركها. وفي كل هذه المراحل المستمرة منذ ثمانينات القرن الماضي، كانت الثقافة بمعناها الرحب حاضرة دائماً وفي كل لقاء مع هنرييت وجورج وبقية العائلة. ولم تكن الثقافة معهما، عبئا ولا ثقيلة، كانت على العكس تحفز الشغف إلى المزيد. ولم يكن المزيد صعباً، فلم يكن بوسع جورج وهنرييت إلا أن تفيض غزارة معارفهما علينا.

والكتاب يروي عن جورج الانسان، رفيق عمر هنرييت الذي لطالما أختبأ خلف رصانة كلماته. وقد كتبته هنرييت بعد فراق الموت الذي خطف جورج فجأة، محولةً الذكريات والتاريخ الشخصي إلى نصٍ يستكمل مالم يكتبه جورج عن نفسه، فتتوجه إليه أحياناً، خلال السرد، بصيغة المخاطب، في رسالة طويلة، تسترجع الماضي والحاضر وتورد التفاصيل كما لو أن غياب المسافر لن يطول.

لا حزن في الكتاب سوى نثرات، فهنرييت لا تستسلم لسهولة الرثائيات، وهي إذ تحتفظ لنفسها به، تضيف للقارئ البعد الإنساني الذي ينقصه في معرفة أحد كبار مفكري عصرنا العربي والذي ترك أثره على الأدب والفلسفة والتراث.

غير أن تاريخ جورج وهنرييت لا ينفصل عن تاريخ سوريا والعرب، لا في بدايات مابعد الاستقلال، ولا في حاضر اليوم وكابوسه الذي لم ينته بعد. وهو تاريخٌ متقلب، عنيف عاصراه معاً ودفعا أثمان مواقف أودت بجورج إلى السجن والمنافي. وفي كل ذلك، كانا معاً، جورج وهنرييت، هنرييت وجورج يكمل أحدهما الآخر في قصة حبٍ لم تستسلم لأنانية العشق، ولم تتخل عن الهم العام وهو واجب الثقافة، بل جعلت منه أحد شروط العلاقة وسبب فرادتها.

وهو كتابٌ عن الصداقة، من رحل من الأصدقاء ومن بقي: “عروة الزمان” الباهي محمد، أدهم اسماعيل، صادق جلال العظم، محمد أركون، محمد عبد المطلب الهوني، تركي الدخيل، وآخرون، كلهم عبروا صفحات الكتاب، وتقاطعت تواريخهم مع تاريخه- تاريخنا المثخن بالندوب والتقرحات الذي لا ننفك عن تأريخه كل يوم.

ثم أتى الربيع العربي حاملا معه كميات من الأمل، ولم يستسلم جورج كعادته للتفسيرات السهلة، فكتب محذراً. تحققت أغلب نبوءاته، ولم يكن يريد لها أن تتحقق، ولا نزال في زمن الانهيار الكبير.

بعدها، تعرض جورج لسوء الفهم وللتحامل. طُعن في مسيحيته، وهو العربي، وطعن في ثورويته وهو الذي أحدث ثورة في الفكر العربي. نكبته سوريا فأعلن انكفائه وشلله عن الكتابة هو الذي لم يعرف غير القلم. حتى هنا كان وفياً، لم يتحايل، قال لم أعد قادرا وحسب. ثم كتب “ست مراحل في حياتي” وكانت بالإضافة لتقديم آخر كتب هنرييت “حلب على ضفاف السين” من أواخر ما كتب كوصية لم تعلن اسمها.

ثم أتى ذلك اليوم الحزين من آذار ٦ ٢٠١. كنت في المترو عندما اتصلت بي ريما، وكان جورج قد توفي للتو. تجمد شيء ما في داخلي ولا يزال. كنت قد فقدت والدي غسان، صديق جورج، قبلها بسنين، وجعلني ذلك أذوق طعم فقدانٍ لا يُنسى. لكن مع جورج كان هناك مباغتة فقدان الصديق ولهذا طعمٌ لا يُنسى أيضاً. لم يعد بإمكاني الإتصال به لأسأله عن صحة حديث نبوي أو قاعدة لغوية أو لترتيب لقاءٍ عائلي.

تذكرت إجابته لي حين سألته مرة سؤالاً لم أعد أذكره عن كتاب كان قد أصدره حول الروائي السوري حنا مينة، أجاب حينها “لأن اللاشعور لا يُكذب عليه”. كان الجواب أكثر أهمية من السؤال، وتحول بالنسبة للشاب الذي كنته إلى مصدر قرارات عديدة لم أفهم لم اتخذتها إلا بعد حين.

قد يكون هذا اللاشعور ذاته، يا هنرييت، ويا جورج، سبب استمرارنا على طريق مزروع بأهوال لا نرى نهايتها. طريق يضيئها بين الفينة والأخرى، قصة حب، أو قصة صداقة أو كتابٌ عن الأيام التي جمعت هنرييت بجورج وجمعتنا بهم على درب ملئ بالقسوة والحنان بآن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This