تجديد الميتافيزيقا في  فكر موليم العروسي

مقدمة

« Plus les dieux sont grands, plus les hommes sont libres  »

Marcel Gauchet. Le désenchantement du monde.

 بدا العالَمُ، في الوهلة الأولى، عبارةً عن فوضى عارمة ، أو وجودا بلا أية ملامح  مُميزة، ولذلك ذهب الإنسان في مغامراته البكر إلى حدود التساؤل عن معنى هذا الوجود جملةً، وعن مشروعيته،(لماذا الوجود بدلا من اللاوجود؟) وبذل في سبيل ذلك جهودا عظيمة كانت نتيجتُها أن اتّخَذَ الوجود صِفة »البشريّ « . وربما صار بالإمكان اليوم تحديد معنى هذه الصفة والقبض على أساسها المتين. بحيث تبين أنّ » الوجود البشري « لا يتخذ معناه الحقيقيّ إلا إذا انطوى في ذاته على إمكان وُجودِ مَثنوِيَّة مُؤسِّسَة؛ أي إذا أمكن الإمساك به على صعيد التمثل انطلاقا من قسمة ثُنائية تَفصل الجانبَ البرانيّ التلقائيّ منه عن الجواني والباطنيّ. وإذا كان هذا الجانب البرانيّ اليوم موضوعًا أثيرا لصنوف العلوم الوضعية الظافرة- والتي لم يفت الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، منذ ما يناهز القرن من الزمان، كشفُ الأزمة التي تتخبط فيها[1]، حتى وهي في غمرة انتشائها بفتوحاتها العظيمة، فإن الجانب الجوانيّ ليس إلا ساحة الوعي الفسيحة، وباحة الوجدان الخصيبة التي عبرت عن نفسها في تجربة المقدس قديما، أو في ما أمسى يُعرف الآن تحت مسمى ”التجربة الباطنية”[2]؛ من حيث إنها تجربة تتحرر من الروابط الدينية والعلمية والإستطيقية كلّها، فتصير عبارة عن ”سَفر إلى منتهى الممكن لدى الإنسان”[3]، أو بما هي تجربة مَديُونيَّة معنى تجاه شيء ما يحصل إدراكُه في الوعي _أو في اللاوعي_ بصفته برانية رمزية، وأساسا خارجيا مختلفا عن الذات؛ حتى لو كان من صميم الكينونة الإنسانية.

إذا كانت  الحقيقة الأولى للإنسان هي وجوده في هذا العالم، بما هو وجود معطى، فإن لُبثه فيه ليس لُبثا في  الخلاء الذي لا يحتمل مقولة الجهة بحكم أنه متشابه؛ كما علمنا ذلك أرسطوطاليس (فالطبيعة تهاب الخلاء) بل هو بالضرورة لُبث في الملاء ، و نقصد بالملاء هاهنا  المعنى الذي يخلعه الإنسان على وجوده  حتى يتحمل الحياة ويعقلها. إذ إنه كائن منذور لاختبار الفناء بتعبير الحكيم الإغريقي بارمنيدس:mortel.أو لنقل إنه كائن يسير في اتجاه الموت، بتعبير هايدغر. تستمد حياة الإنسان في العالم ديمومتها من  المعنى الأصيل الذي يُسبغه هو نفسه عليها . ولذلك لم يعد من الملائم أن تُفهم هذه الحياة على سبيل التجزيء والتبعيض، بل على سبيل الشمول  والكلية. ولعل  في وسعنا أن نعتبر ذلك أحد  أهم الدروس المستفادة من  أعمال مفكري الـ ”ما بعد” المعاصرين، ورثة التقليد الفينومينولوجي _الهرمينوطيقي، وأبناء ” الكينونة والزمان”[4] الهايدغري لسنة سبع وعشرين تسعمائة وألف.

ربما ولى ذلك الزمان الذي يَحُل فيه التناقضُ محلّ مرتكز للتفكير في معنى كينونة الإنسان هنا والآن، إذلم يعد من المتاح فلسفيا في زمان كل أشكال  الانعطافات الكبرى  هذا _الفينومينولوجية والهيرمينوطيقية واللاهوتية للميتافيزيقا_ زماننا _ أن يسمي متفلسف كتابه بـ : ”إما وإما”[5] كما فعل كيركغارد من قبل، حتى لوكان ذلك بغرض الإيماء إلى وجود خيار ثالث بين بنيتين وجوديتين (حياة الإستطيقي الراغب l’esthète   وحياة الإيطيقي l’ethicien المسؤول تجاه ذاته)، أو يطرد دَعي الشعراء من مدينة الحكماء الفاضلة كما فعل أفلاطون، ويعتنق دعوة تزدري الشعر ويَزوَرَّ بأصحابه ازورارا، وفي المقابل يُعلي من شأن التقنية و يحتفي بالعلم، دونما انتباه إلى ما يترتب عن ذلك من انحرافات خطيرة تَمَس كينونة الإنسان في الصميم، وكأن مجالات الفاعلية البشرية جُزر منفصل بعضها عن بعض؛ ولا سبيل إلى جَسْرِها بإطلاق!

لم يعد من إيطيقا الفكر اليوم أيضا أن يطرد داعية جديد الدين من المشهد البشري ويصفه باللامعنى؛ مدفوعا في ذلك بمنزع  سياسي عدمي على طريقة المحدثين أو، على العكس ، أن يطالب بتمكين الدين، في صورته ما قبل الحديثة، بتأطير الوجود  برمته، محمولا في انتهاجه ذاك بدعوة خطابية كلامية على شاكلة المتقدمين من الملل والنحل  التوحيدية جميعها .

لقد أفهمنا المعاصرون أنّ  التناقض لم يعد قائما بين  الذين يحصرون أنفسهم في ”كتاب الطبيعة”، وأولئك الذين يحصرون أنفسهم في ”كتاب الوحي”؛ لأن التجربة البشرية في الوجود صارت لا تُفهم إلا من حيث هي كل as a whole غير قابل لأن يُفصَلَ بعد فيه عن آخر. ولذلك،  فإن سؤالنا عن كينونة الإنسان هو سؤال واحد حتى لو تعددت وجوهه: سؤالنا عن الطبيعة هو نفسه سؤالنا عن العدالة و الحقيقة والحياة والأديان والجمال أيضا. بل أبعد من ذلك، إن نظرنا في حاضر البشرية لم يعد قابلا لأن يُفصل عن نظرنا في ماضيها البعيد والغابر، وليس درسُ التحليل النفسي للحضارة هو الوحيد الذي يمكن أن نسوقه شاهدا في هذا الباب. بل أضف إلى ذك الإثنولوجيا والأنثربولوجيا والأركيولوجيا …

تسعى هذه المقالة إلى مرافقة  المفكر المغربي المعاصر موليم لعروسيفي استفهاماته العميقة حول الإنسان_الموجود هنا_ ونمط إقامته في  هذا الوجود الثّر، وإلى الاقتراب من روحانية السؤال في كتاباته الأكاديمية، أو الموجهة إلى الخاصة، نظرا لطبيعة المواضيع التي تفحصها. وسوف يتم ذلك من خلال  أربع مسائل_مداخل نعتبرها محورية في هذا الصدد. تتعلق المسألة الأولى بالنحو الذي يَفهم به العروسي الميتافيزيقا، والمسألة الثانية تتعلق بمقام الإستيطقا في فكره؛ والتي نحسب أنه لا يبوئها إلا منزلة ”الفلسفة الأولى”، لدرجة يمكن معها الحديث عن ”منعرج إستطيقي للميتافيزيقا” على غرار المنعرجات الأخرى المعروفة، حتى لو كان إيضاح هذه المسألة بما يكفي يحتاج إلى عمل آخر يُجاوزُ حدود ما تسمح به المقالة. والمسألة الثالثة تتناول وجها من وجوه”المنهج” الذي يستند عليه العروسي في قراءته لتاريخ الكينونة؛ نقصد بالطبع الفينومنيولوجيا_ مع واجب التحفظ على وصفها بالمنهج_ التي تسمح بالقبض على بنيات الواقع الأساس وتكشيف  ”الترنسنتدتالي” في التاريخ. أما المسألة الأخيرة فهي ترتبط بالإمكان البنيويّ الذي يفتحه فكرُه لتأسيس إستطيقا إسلامية في مستقبل الأيام.

1_تجديد الميتافيزيقا في فكر موليم العروسي

يظهر أن التفكير المعاصر تفكير جسور؛ إذ يسعى نحو  الإحاطة بكينونة الإنسان من أجل فهم  أفضل لمعنى تجربته في الوجود، وهو ما نال ذلك الحظ إلا باقتدار من نوع خاص جدا وغير مسبوق، يتمثل في المسافة التي يتخذها الفكر من ذلك الوجود. تعني هذه المسافة بالتحديد الخروج من العالم وتأمله في هدوء، أو لنقل: وضع أشيائه  بين قوسين حتى تُتاح رؤيتها بوضوح. وحينها لا يصير  زمن الذات التي تفكر وتعقل  هو زمن العالم. فهذا الأول زمن الإيبوخي،  وذاك زمن ينساب ويتدفق غير مبال بتاريخيته ولا بالجوهري الثابت فيه أو العرضي الطارئ.

لم يكن اهتمامنا بعمل[6]  المفكر المغربي المعاصر موليم العروسي في هذه المحاولة المتواضعة،  إلا لأننا ألفيناه ينخرط بوضوح في هذا الأفق الذي رسمه الفكر المعاصر لنفسه بدءا من هوسرل و هايدغر تحديدا، أي الأفق الذي يحضر فيه التساؤل من جهة ما هو ”تقوى  للفكر”، كما أورد هايدغر في خاتمة مقالته عن التقنية[7]. والسؤال الورع هو السؤال الحر الجسور الذي يتعدى حدود الثقافة واللغة ويفتح أفق  اللامفكر فيه ، حتى لو كان من اللازم أخذ في الحسبان أن  ”كل سؤال يحدد، من حيث هو سؤال، مدى الجواب الذي يطلبه وطبيعتَه. وفي الوقت نفسه يحصر نطاق إمكانات الجواب عليه.”[8]

يبدو  العروسي في تقدرينا  مستلهما روح البناء النظريّ الذي قدمه هايدغر لتاريخ الميتافيزيقا من حيث  هي ”حقيقة الكائن الكلية من جهة ماهو كذلك” [9]، ويمضي في الخطى نفسها التي رسمها من قبل حين أكد على أنه : ”إذا نحن شئنا التفكير في مسألة الميتافيزيقا بالنحو الملائم، فإنّه يلزم في المقام الأول أن ننظر إليها من جهة أنها سؤال، بدلا من اعتبارها بمثابة تلاحُق الأجوبة المنحدرة منها عبر تاريخ الميتافيزيقا”[10].

ينخرط العروسي إذا  في حوار  عميق  مع تاريخ الميتافيزيقا الذي لا شيء فيه عرضي،  أو بديهي. لماذا؟ لأن الميتافيزيقا ليست شأنا يخص الفلاسفة ”المحترفين”  المعزولين في أبراجهم العاجية. وهي إذا ليست الترف الفكري الذي يلوذ به خاصة الخاصة من تفاهة اليومي وسذاجة الجمهور.  بل  بالعكس، إن  ”الميتافيزيقا تبني عصرا” بأكمله . لقد بين  هايدغر أن الانسانية _الغربية_ في كل سلوكاتها تجاه الكائن، وحتى تجاه نفسها مُوجهة بالميتافيزيقا ومدعومة بها ، فهي التي تحدد نطاق المفكر فيه الخاص بكل عصر من عصور التاريخ وتخلع على الأشياء معقوليتها. وهي التي تحدد أهم افتراضات البشر المسبقة عن  ”ما هو غير موجود”  عندما تجعل السؤال عن الموجود دعامتها الأساس في النظر إلى الكينونة.

وإذا كان تقويض هايدغر للميتافيزيقا الغربية_ التي وصفها في كتاباته المتأخرة بالأنطوثيولوجيا[11] _ ودعوته لمجاوزتها من داخلها؛ عبر قلب إوالاتها  يبتغي  إيجاد موطئ قدم بعيدا عن  عصر العدمية النتشوي_ عصرنا_ الذي مات فيه الإله، وتداعت فيه كل أشكال التعالي الكلاسيكية، فإننا نرى أن  موليم العروسي يسعى ، وعلى المنوال نفسه، إلى مد الميتافيزيقا  بنَفس جديد يمنحها حيوات أخرى لَمَّا  أحل  نفسه في محل من يُسأل عن إمكانية نظرية عن الجميل في ثقافة لا يمكن لها أن تكون  اليوم إلا ”غير غربية”، فذاك قدرها الميتافيزيقي الجديد الذي من شأنها أن تتفهمه، أو بتعبير آخر، عندما تساءل وَفق شروط الانسان الحديث _الذي هو ”ذات” subject / [12]sujetقبل كل شيء_ عن الأفق الممكن لتصور ”إستطيقا إسلامية” يمكن أن تكون سندا ميتافيزيقيا لمجموع الإبداع الفني الإسلامي على مر تاريخه_ فليست الصورةُ هي التي تعوز ثقافة الشرق ولا الأثرُ،  بل النظريةُ_  أو تَصير مبعثا لإبداع جمالي لاحق يأتي للتعبير عن شروط الحضور المادي  للكائن العربي_الإسلامي في الوجود ونمط إدراكه للحياة عموما. فلقد تراكم من هذا الإبداع الجمالي ما يكفي_ فن الزخرفة والمنمنمات والعمارة والخط والرسم_ ليجعله المفكر في موضع سؤال يتعدى حدوده من حيث هو’’إبداع’’[13] ليقف  على مبادئه الميتافيزيقية الأولى المؤَسِّسة.

يُتيح السؤال على هذا النحو تَكشيف حقيقة النعوت التي يطلقها الغربيون على بعض فناني الشرق عندما يصفون منتوجهم الروحي بالفن الساذج أو  العفوي: أي فن الإلهام والبديهة غير المنضبط  لأية  نظرية  تستدعي التروي والتدبر، أو تقرير بعض مثقفي الشرق عن غياب إستطيقا عامة تخص الإبستمية العربية؛ لأن مفهوم الفن ذاته قد احتواه مفهوم الصناعة عندما يقال في عُرض الحديث مثلا: صناعة الشعر، وأن المجالات التي اهتمت بالفن ما فعلت  ذلك إلا على نحو جهوي تجزيئي لم تنتج عنه نظرية عامة شاملة  كما هو حال الإستيطقا في الغرب[14].

لكن مهلا ! إن تاريخ الحضارة العربية _الإسلامية لم يكن خطيا، ولا سَلبيا تضيق معه الحياة عن الحياة، أو تضيق فيه العين عن الرؤية، رؤية الجميل وتمليه، فقد شهدت تلك الحضارة _كغيرها _ فترة ازدهار تضاهي ما يعرفه الغرب اليوم، قبل فترة الانحطاط التي تلتها نهضة بدء من القرن التاسع عشر.  يميل جمهرة من العرب المعاصرين إلى التمسك بهذا الرأي و المنافحة عنه بنوع من الحماسة التي تخفي ضربا من الحنين إلى شرق متخيل لاوجود له إلا في المقالات  الإيديولوجية العمياء،  وتوجها تقهقريا في الفكر يلغي الحاضر على حساب الماضي البائد. بيد أن  الأهم من ذلك أن هذا الرأي_ وقد أصاب غاستون باشلار  عندما وصفه بأنه ضرب من التفكير الناقص أو اللافكر[15] يحجب عنا الصعوبة الحقيقية  المتعلقة بما إذا كان متاحا لنا العثور على استطيقا إسلامية خلال  ما سمي ب ”العصور الذهبية” لهذه الحضارة:‘‘ لماذا لم يتوفر العرب_المسلمون على  ميتافيزيقا بإمكانها منحهم المبادئ الأساس لتشييد إستطيقا تخصهم؟ فليس العمل الفني هو الذي يعوز رغم ذلك، لماذا حصل مثل هذا النقص إذًا؟  وهل كان هذا العلم مدار أسئلة لديهم؟ وإذا أقررنا بأنه لم يوجد قط لدى العرب المسلمين عِلم مثلُه، فهل في وسعنا أن نشيد صرحه اليوم؟ وهل يمكن ذلك على الأقل؟’’[16] يتساءل موليم العروسي، ويفترض أنّ هذا القصور لم يتولد من لحظة انحطاط، أو يصدر عن وعي عربي  شقي بهيمنة الغرب العسكرية والتقنية أساسا، بل يرى أن أصوله تعود إلى البداية الأولى التي تشكلت فيها التجربة العربية _الإسلامية برمتها، بماهي تجربة ”نظر:  un voir” أو رؤية. فجَعَل يسائل هذا الذي يؤسس لها في التاريخ، منتهجا  في ذلك أركيولوجيا تتقصى البدايات وتشهد العناصر الأولى لتشكل نمط المعقولية الخاص بهذه الثقافة.

تجديد الميتافيزيقا في فكر العروسي إذًا هو بحث عن  طريق  جديدة  دونما اكتراث للمآلات التي تؤدي إليها. يبدأ التجديد بفعلِ اندهاش من الحاضر الذي يرتدي لباس البداهة، ومن مألوف الفكر الذي اعتاد الاستواء عليه. ولسنا نلحظ ذلك فقط في تلك المحاذير النظرية التي يتمترس خلفها في علاقته بالتحقيب التقليدي الشائع عن الحضارة العربية الإسلامية، وعلى الخصوص ما سُمي عند عرب النكسة والنكبة  ب”النهضة ” التي لم تكرس في تقديره  إلا التبعية والتحجر الفكري. بل في هذا الاقتدار على تجميع التجربة البشرية برمتها وقراءتها تحت عنوان واحد هو‘‘ النظر’’ أو ‘‘الرؤية’’. وكأنه يريد تنبيهنا إلى  أنّ التاريخ الروحي للبشرية واحد رغم التباينات الحاصلة في الزمان والمكان. _  وهذه  إحدى أهم خلاصات مؤرخ الأديان الشهير  ميرسيا إلياد أيضا [17]_وأن الاستعدادات البشرية واحدة  وما اختلاف تجارب الشعوب إلا نتاج لكيفية استثمارها منذ البداية.

إضافة إلى ذلك، إن تجديد الميتافيزيقا هو إعادة تعريفها؛ فربما تكون بداية كل حكمة في فكر لعروسي هي القدرة على النظر، الاقتدار على تحمل حضور اللامرئي في المرئي، الذي هو نفسه، بتعبير آخر، الحضور الشفاف وجها لوجه أمام الذات. ونحسب أنه هنا  لا يبتعد كثيرا عن السياق الفلسفيّ المعاصر كما هو حال إيمانويل  ليفيناس، الذي جعل من الميتافيزيقا رابطًا إيطيقيا، مؤكدا على الغيرية اللامتناهية  لله، لأن الايطيقا تتقدم الميتافيزيقا؛ والتي في وسعها، إن هي أخذت بهذا المعن الانقلابي العميق، أن تُجاوِزَ الأنطلوجيا؛ حيث إن الخير يسبق الوجود.أو حتى عن جون لوك ماريون الذي بدوره ما وجد من جواب على سؤال : ماهذا الذي يكون الإله به إلهًا حتى في الفلسفة ذاتها؟ غير أنه محبةٌ وجودٌ وعطاءٌ :don /agape /charité . فكان هذا الجواب إعلان خروجه مما وصفه هايدغر بالأنطوثيولوجيا التي يتحدد الإله وفقها بالوجود أولا، إلى أفق الرد الفينومينولوجي الجذري الذي سيقوم على الإفضال الإلهي divine  ، la donationو يفتح باب التعالي على مصراعيه.

سوف يتعلق الأمر عند العروسي بإثارة سؤال البدايات، وهو سؤال يُجرد بموجبه الواقع التاريخي_الاجتماعي ويعود إلى النصوص يتعقب  ميلاد الفكرة، والوضعيات المختلفة التي تتخذها في التاريخ . فالتجربة الغربية هي أيضا تجربة نظر، صار يُقدم نفسه على مر التاريخ بأشكال متنوعة. سوف يرافقُ هذا التجريد أو ”التعليق” اهتمامٌ باللغة التي تقول الوجود في التسمية والعلامة، وحفر في تضاعيفها لأنها وحدها ما يضمن اللقاء الأول بين الكائن والعالم. وكل إهمال لهذا البعد الحيوي قد يحمل تشويها لوجه هذا اللقاء الأصيل، بل ربما لوجه الكينونة ذاتها، لأن للكينونةِ وجوهًا أيضا. نلمس هذا الأمر في ما يمكن أن نسميه بحق ”ورشة نقاش”  يفتحها مع ترجمات المستشرقين لنصوص التراث العربي وتعليقاته الدقيقة على خلاصاتهم.

2_ الاستطيقا من حيث هي ”فلسفة أولى” 

إذا كان في وسعنا القول إن  لهذا الانزياح بالسؤال الفلسفي إلى ساحة الجميل و الجمال_ إلى ساحة الوجدان_ ما يُسَوّغه؛ أي الخروج من انغلاق المتن الفلسفي على نفسه في الفهم الموضوعي لأشياء العالم، إلى التجربة الحيوية التي لم يعد من اللائق أن نتصورها على هامش الحياة، بل هي الحياة ذاتُها كما تُعطى في الفن والأدب والأسطورة والمقدس والخيال … فإن له في كتابات العروسي مُسوّغا آخر أعمق ذو ارتباط بمكانة الإستطيقا في تأملاته الفلسفية.

يظهر أنّ اهتمام موليم العروسي بتجلي الجميل في الثقافة  العربية الإسلامية وشروط إمكانه الأصلية فيها  مسوغ  للقول إنّ الإستطيقا_ أو على الأقل فلسفة الفن _ قد بلغت عنده مرتبة الفلسفة الأولى، وهو في نهجه هذا لا يذكرنا إلا بأعمال غادامير في هذا الشأن حتى لو كان متواضعا يحتاط من إعلان انتمائه  الصريح إلى المشهد الهرمينوطيقي المعاصر، في مقدمة مؤلفه ”إستطيقا وفن إسلامي”[18] . أن تكون الإستطيقا فلسفة أولى  معناه أن يصير  الجميل هو المفهوم الميتافيزيقي الكونيّ.

لقد كان كتاب هانز جورج غادامير ”الحقيقة والمنهج”[19] أهم كتاب في هرمينوطيقا القرن العشرين. وهو المؤلف العمدة الذي أرسى فيه دعائم إبستيمولوجيَا جمالية؛ من خلال  تأويل الكالون kalonوالأغاثون Agathon الأفلاطونين بلغة هايدغر. و‘‘الكالون’’ عنده أو الجميل، واللطيف، والنبيل، هو أُسُّ البدايات كلها التي تكشف عن بداهة الظواهر، ومعقولية الأشياء. أما السمة البنيوية لوجود الجميل فهي تكشِفُ حقيقة الوجود بصفة عامة.

يستلهم غادامير فهم هايدغر الفينومينولوجي للحقيقة، أو”الألتيا”Alethea باعتبارها عطاءً , givenness /Gegebenheit وانكشافا  non_concealment . ويرى أن الجمال بمثابة نور غير مرئي في ذاته ، وإنما يصير مرئيا مُنكشفا في مايُنيره من عتمات الوجود. فالظواهر ليست منيرة من الخارج ولكن من الداخل. الجميل إذًا هو مكان اختبار إشراق الحقيقة، وانكشاف التناغم الذي يؤسس للقيم والأحكام ويدفع الكائن إلى تلقي بداهتها ووضوحها.

نفهم من هذه الإشارة البسيطة لماذا الجميلُ أهلٌ لكل هذه العناية عند موليم لعروسي. فهو هاهنا  لا يريد أن تنحصر الإستطيقا في معناها التقني الضيق، بل يسعى إلى جعلها تنفتح على تخومها، وتعانق الوجود البشري من جهة ماهو كذلك؛ أي من جهة ما هو عطاء  يتلقاه الكائن و يشكله على منوال اقتداره، أي يفعل به ما يشاء. لكن الوجود هبة قد لا يكون  للإنسان أحيانا قدرة على تحملها، فيَضِلَّ؛ أي يغترب عن ذاته وعن شرطه البشري _الحرية والوعي_ ولذلك،  سوف تكون  التجربة الإستطيقية هي تجربة إرجاع الداخل للحياة وإحلالُه في قلبها.  ويكون السؤال الإستطيقي هو منبع الأسئلة الأخرى الأنطولوجية والمعرفية و الأكسيولوجية كذلك.

لنقل إذًا إننا أمام  كوجيطو  من نوع جديد : ‘‘أنا أنظر، إذًا أنا موجود:

«  Je vois, donc je suis / I see, therefore Iam »

وهذا، في تقديرنا، لا يعني انقلابا على العقلانية الديكارتية، فمن هذا الذي يستطيع أن يفكر على نحو  نسقي دون أن يكون ديكارتيا بوجه ما !  بل يعني بالأساس إرجاعها إلى حاضنتها الأم: الصورة، وفتحها على مجال لم يبد أنها اعتنت به كثيرا: الجمال، فتأملات ديكارت الميتافيزيقية والشواهد التي يسوقها في كتاباته غالبا ما تمت بالمقارنة مع _وبالاستناد إلى _ علم البصريات. وديكارت نفسه هو الذي أقر بأن الفكرة l’idéeهي في الأصل صورة لشيء ما une image. ويعني من جهة أخرى، فتحها على سيرورتها التاريخية المابعد حداثية، حيث إن التفكير الرياضي الصارم، الذي يرتبط بالإنسان الحديث، لم يعد الوجه الوحيد والحقيقي  للفكر في صيغته المعاصرة، وإن المكوث في اللحظة الديكارتية التي تتموقع في القرن السابع عشر، يكاد يكون ضربا من اللاتاريخية التي لاينتج عنها إلا فكر أداتي،  أو متوحش ومبتور.إن الإنسان هو هذا الكل الذي  لايصح فصل البعد الرياضي فيه عن الأبعاد الأخرى التخييلية والوجدانية الانفعالية؛أو ما اعتبرته العقلانية الصورية  أبعادا ”غير عقلانية”. وسماه المعاصرون”هوامش” أو ”تخوم” الفلسفة.

يضعنا العروسي وجها لوجه  أمام  الذات، أمام حقيقة الكائن التي لا يقولها عن نفسه، لكنها ”تقوله” في كل أبعاده، أو يحاول أن يواريها خلف التسويغات المختلفة. يُوهب وجود الذات في وجدانها وانفعالاتها ورغباتها، أو بكلمة واحدة: في  معيشها son vécu.

3_مقولة ”النظر” ” le voir” أو المتعالي في التاريخ

قلنا في ما تقدم إنّ الميتافيزيقا عند موليم العروسي هي في المقام الأول سؤال، لكن هذا السؤال لن يجد حله عنده إلا في ما تُقدمه تجارب الشعوب على مر التاريخ. وهذا التاريخ لا يُعقل إلا إذا تم القبض على  الجوهري فيه، أو بالأحرى المتعالي، الذي تعدى حدود المكان الزمان. نحسب أنّ الترنسندتالي عند موليم لعروسيهو ”النظر”. تلك المقولة الفينومينولوجية التي تقف وراء التاريخ البشري جملة.  يتحدد إذًا وجود شعب بأكملة من خلال الموقف الذي يتخذه من ”النظر”. لكن ما هو النظر؟ وما هو موضوع هذا النظر ؟ وما غايته؟ وماذا يتوسل الناظر لَمَّا ينظر ويرى ؟ وكيف ينبغي له أن يرى ؟  وما هي حدوده؟ وماهي صلة النظر بالإستطيقا؟

يتعلق النظر هنا بالجمال. لأن الإستطيقا هي العلم الذي يُعنى بالجميل الفني_ أو الصناعي_ في مقابل الجميل الطبيعي. وفي استطيقا هيجل   ”الجميل هو التجلي المحسوس للفكرة”. وعند هايدغر ”الجمال هو نمط لتفتق الحقيقة”[20] لا يرى العروسي في هذين التعريفين غير صيغتين مختلفتين في الاسم للدلالة على مفهوم ”المثال”  الأفلاطوني. ومن هنا يمكن أن نتفهم عودته إلى نصوص أفلاطون التي يعتبرها حمالة بوادر الإستطيقا في الغرب، ففيها ترتسم الملامح الأولى لهذا العلم. وسوف يكون  أفلاطون  طبيب العيون الذي يعتني بمريضه_ وهو السجين في أُمثولة الكهف_ ويرافقه في تَطَلُّب شفائه من الأوهام والظلال ليسدد نظره نحو رؤية ‘‘المثال’’.  لكن ماذا يري الناظر في فعل النظر ؟ في العمل الفني يرى الناظر _الغربي_ الرمز أو الأمارة التي تدله على الأصل الأول للعمل الفني؛ أي  الفكرة  أو انكشاف الحقيقة  أو مثال المحسوس. وكل هذا  المسيرacheminement بالنظر هو في الحقيقة فعل تَعَرُّف re_connaissance  أي معاودة  تجديد اللقيا بالأصل، بما تم نحته قبل فعل النظر ذاته في مجال آخر هو الذي يسند توجه الناظر في نظره. هذا المجال هو الميتافيزيقا الغربية بالطبع.

في الميتافيزيقا العربية الإسلامية التي يصعب فيها الفصل بين الفلسفي الصرف واللاهوتي والصوفي، يكاد يكون حقل النظر منغلقا على نفسه. فاللاهوتي المسلم لا  يرتاغُ من صنوف المعرفةَ إلا  اللهَ ، لأنّ الله هو الذي أوحى إلى نبيه بالكتاب. والكتاب كلام الله، و الخطاب الديني الذي أقيم حول هذا المعين الروحي الذي  لا ينضب  هو طريق  الوصول إليه.

القرآن كلام الله، وسواء أكان هذ الكلام فيضا أو خلقا، فإنه لا يعبر إلا عن صنيعة إلهية. و القرآن معجزة تتحدى البشر أجمعين. فلا أحد من الخلائق يستطيع أن ‘‘ يأتي بآية من مثله’’ وهذه الآيات ذاتها المبثوثة فيه هي التي تقيم  على الخلق الحجة والبرهان القاطع الذي لا برهان بعده.  ولذلك، إن هذه الآيات  تستحث السمع ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون. سورة الأعرف: الآية 204) فالسبيل المثلى لتلقي الكلام _الوحي_ الإلهي هي سماعه في خشوع تام، لا  النظر إليه: تصوره أو إدراكه. هاهنا ثقافتان  متباينتان في نمط الإدراك: ثقافة العين _الغربية_ وثقافة الأذن_ الشرقية الإسلامية .[21]

و القرآن معجزة إلهية، والبشر من كل صنف وفي كل زمان ومكان عاجزون مبدئيا عن مجاراته، لأنه مكتوب في لوح محفوظ لم يمَسه تحريف ولم يلحق كَلِمه تبديل. ولذلك فمن النافل القول إن كل إبداع بعده  مستحيل وضرب من التطاول على القدرة الالهية. لا يمكن لأي مسلم كيفما كان أن يحاكي القران أو يبزه في مقام الكمال.لأنّ أفق الإبداع قد تم وبلغ منتهى ما يمكنُ بإطلاق.

ثم إن القرآن وحي من الله لرسوله إلى العالمين، ووحي هنا تعني في أصلها اللغوي كشف الحجاب dé_couvrir (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد. سورة ق الآية 22) ومادام محمد هو خاتم الأنبياء، فإن القرآن هو خاتم الرسالات. إن القرآن هو العمل الفني ذاته، وهو لذلك يغلق أبواب الخلق الفني على الجميع، فكل محاولة لمحاكاته لن تكن سوى ضربٍ من الشرك أو الهرطقة التي تستحق حد الموت،ويَصْلَى صاحبها سعيرا. ولذلك إن‘‘  الحقيقة الوحيدة هي الله بالنسبة إلى اللاهوت العربي_الإسلامي، فهو يقف خلف كل محاولة تفكير. والفن ليس ما ينبثق من الفكر، كما ‘‘ران’’  على هيجل أن يقول. بل هو ”هبة” إلهية. والمفاهيم، من جهة أنها أدوات مقاربة الفن أو شيء آخر، هي بدورها ”هبة” توهَب للنفوس التي هُيئت جيدا لأداء الفرائض بحسب ابن سينا’’[22]

كل إستطيقا إسلامية خارج نطاق البحث عن الله مستحيلة، فالله هو ”الفكرة” و”المثال”.  وكل ”إبداع” بدعةٌ إن لم يُذكِّر بالله الواحد الصمد، الذي يشكل هو و كلامه شيئا واحدا. لأن الله جوهر لا يقبل الأعراض واللواحق في نظر المتكلمين المسلمين. هذه هي خلاصة التجربة الدينية_ اللاهوتية الإسلامية. والتي ستعبر عنها بوضوح تجربة  الغزالي مثلا، هذه الشخصية الفريدة في تاريخ  الميتافيزيقا العربية الإسلامية، إذ إنه رغم انشغاله بالمعرفة وتَحيُّره بالسؤال، فإن دهشته من الوجود  ظلت دهشة لاهوتية ، فهو لا يلقي بالا للأشياء المادية التي رآها وأحاط بها علما ، وهو لا يندهش أمام تعقيد النظام الشمسي،  وذاك أنه‘‘ على العكس، متأثر  على نحو عميق جدا بالنص  و بالإصغاء إلى  النص، والدهشة تتقد بعد الإصغاء، و ربما كذلك نفهم وضعية الغزالي في علاقته بمريده،  فبدلا من أن يرشده إلى الحقيقة منطلقا من تفاهة ماهو أرضي وفساده ، إلى ما هو ثابت(على شاكلة أفلاطون) جَعَلَ يُلقي عليه وابلا من القول :”اعلم أن” يجب أن تكون” … وتلك هي طريقة القرآن  في مخاطبة الناس. ’’[23]

إذا أردنا أن نترجم هذا الكلام بلغة أوضح  لقلنا إن الغزالي لا يضايق مريده فقط أو يثقل كاهله  بالأوامر والنواهي  بل ”يخصي” ه [24] ،لأنه ينطلق من افتراض مسبق مؤسس لعلاقته مع تلميذه الغر، هي الوصاية التي يتصور نفسه مؤهلا لممارستها على الجميع عبر تلميذه ومن شَاكَلَه في الحال. وبالطبع لم  يقم الخطاب القرآني  الذي يدور على الذات الإلهية إلا على هذا الأساس.[25]وهكذا تنتهي المعرفة اللاهوتية على هذا النمط إلى مجرد تَسويغ للعقيدة. لأنها، في نظر العروسي، معرفة مبتورة ومعاقة الخطى بقوة الغائب: الله.

4_في إمكانِ إستطيقا إسلامية

إن الحديث عن إستطيقا إسلامية لا يمكن أن يتم خارج نطاق التفكير في إمكانِ النظر ذاته، بصفنه فعلاً مؤسّسًا للنظرية الجمالية برمتها، ومادام تاريخ التجربة الإسلامية لا يُطلعنا إلا على المنع والتحريم والكبت: كبت الرؤية، لدرجة يمكن أن تذهب  الظنون بالواحد منا كل مذهب؛ فيحسب أن هذه الحضارة قد أصيبت بنوع من ”العمى الاختياري”. فحتى الفن ذاته الذي ازدهر في كل بقاع العالم الإسلامي _ بمعناه الواسع هنا الذي يشمل الشعر أيضا_ قد تمت ممارسته في إطار المحرم والمحظور، وقل الشيء نفسه عن الخمر. وكأن الحياة عموما ما قدر لها أن تمارس إلا في إطار المُحرَّم[26].‘‘ بيد أن الواقع الاجتماعي والتاريخي كان أقوى من مشيئة الله، وبهذا يُنبؤنا المؤرخون

إن شرط تصور إمكانية إستطيقا إسلامية وثيق الارتباط بنوع العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الآخر المؤسِّسl’Autre fondateur الذي اتخذ اسم  الله في حالتنا نحن سليلي التقليد الإبراهيمي التوحيدي، واتخذ أسماء مختلفة  في حضارات أخرى، فإمكان الإستطيقا تجد أصولها في  أعماق التجربة الدينية، أو ما عرف لدى البشر تحت هذا الاسم.

يمثل الإسلام استمرارا للتقليد الإبراهيمي، فإبراهيم هو أول من سَمَّى المسلمين. وإذا كان التقليد اليهودي_المسيحي، السابق على مجيء الإسلام، يكاد يجعل من رؤية الله  شيئا متاحا_ حتى لو ارتبك الإنجيل في التعبير عن ذلك_ فان إبراهيم  الإسلامي هو من كسر الأصنام. إذ  رأى أنه لا يليق بمقام الألوهية أن  يكون الله محسوسا صنما كان أو أقنوما أو شبيها بالبشر الذين يأكلون الطعام ويلدون الأولاد . ( سبحانه وتعالى عما يصفون: سورة الأنعام، الاية100. سبحان ربك رب العزة عما يصفون: سورة الصافات، الآية 180).

إن التقليد الإبراهيمي، في صيغته الإنجيلية، يعتبر النظر والفهم خاصة ب ”يهوه”، مثل الخلود. لكن الإنسان سوف يشارك الله في خاصية النظر. إلى حدود تجربة موسى العبري  مع الله  كان يمكن رؤية الله، فهو ينزل إلى الأرض ليلتقي بالبشر، كان له مثل تصرفات البشر؛ ينخدع و يعترف بخطئه. لكن الإنجيل يحكي أيضا أن موسى غطى وجهه حتى لا يرى وجه يَهوه.

سوف  يَنحَجِب مع موسى الوجه. ولكن يهوه سوف يُظهر نفسه بصورة مروعة تخطف الأبصار في سيناء : نيران، رعد وبرق وضباب كثيف حتى جعل القوم يظنون أن الأرض ستخسف بهم. وأنها النهاية الموعودة من قبل. ولكن رغم وجه يهوه المحجوب ، ظل موسى يلح على رؤية الله،  إذ إنه حتى لو كانت هذه الرغبة مكبوتة ومستبعدة على نحو قطعي، ومهددة في نصوص الإنجيل_ لأن رؤية  الله  قد تؤدي إلى الموت_ فهذه الرغبة ظلت قائمة لدى فرقة من شعب الله التي اتخذت طريق مغرب الشمس: الغرب. وإنه في غرب الأرض المقدسة سوف يَتَجَسَّد الله في شخص إنسان هو يسوع.

لا يمكن  أن نقلل من أهمية النتائج التأسيسية لهذا الحدث: حدث يسوع المسيح في الغرب، فقد استطاع الكثير من الفلاسفة الغربيين  اليوم أن يستخلصوا منه، وهو الحدث الديني بامتياز، ما يمد الدنيا   l’ici-basبكل الأسباب التي تجعلها قابلة للسكنى من لدن الكائن المعاصر؛ المتدين منه وغير المتدين، المنتمي و اللامنتمي حتى. فالتَّجَسُّد(أو التَّدَرُّع)  l’incarnation / the Incarnation of jesus   christبحسب رأي مارسيل غوشيه_ على سبيل المثال لا الحصر_  هو تعبير عن اكتفاء العالم الأرضي بنفسه، واستمداد المقام الدنيوي لمبادئه من ذاته. فقد تحقق معه  اكتمال عالم الفانين هذا اكتمالا أنطولوجيا، لأن الآخر المؤسِّس  قد حل بين البشر. حل اللامرئي في المرئي فانطلقت مع هذا الحلول دينامية العالم الحديث الذي نعرفه اليوم. عالم ديكارت وغاليلي، عالم الديمقراطية و الحداثة.

هكذا، انتصرت العين والرؤية في الغرب. لكن مصيرها عند شعب الله الذي اختار طريق المشرق مختلف تماما. لقد انهزمت الرؤية لصالح السمع. أو لنقل على نحو عام: انهزم نظام الفهم لصالح نظام التلقي. لقد ظل الكائن الشرقي في لحظة الوحي لا يبرحها.

ولأن كل محظور مرغوب، والمشكلات الحقيقية لا تموت، وتطلع الإنسان إلى التعالي لا حدود له، فقد استمرت هذه الرغبة كذلك ملحة في الشرق. لقد شغلت رؤية الله ابن عربي والمتصوفين الآخرين واللاهوتيين والفلاسفة العرب المسلمين.  بحيث ظل الخطاب الصوفي، على وجه الخصوص، يحمل هذا المنزع بعيدا عن طمأنة الفقهاء للمؤمنين ووعودهم المُؤَجلة  برؤية وجههِ؛ جزاءً للمتقين في النعيم.

ظل المتصوف المسلم يستلهم التجربة النبوية نفسها ويكررها. وهي القائمة، في تقدير العروسي، على انمحاءَيْنِ اثنين:  أ_ محو الصوت البشري ، ب_ محو المشاهدة و الرؤية. وعلى شاكلة التجربة النبوية، ينبغي على الجسد الصوفي  أن يُعرض أمام  ما يأتيه: الوحي. في شكل وُجد. فالجسد يصدر كلاما أو يجعل من نفسه الصوت الجهوري للصوت الإلهي. لا يمكن للصوفي إذن أن يُرى إلا ”في شكل النمط الهلوسي”. فالصوفي هو العمل الفني ذاتُه. لكن العروسي يؤكد أن الاهتمام بهذا النمط من التجربة الدينية يمكن أن يتيح إمكانَ تصور إستطيقا إسلامية مستقبلية، وذلك بتحريره من اللاهوت.

تكون الإستطيقا ممكنة عندما ندرك اختلاف الله بأعمق ما يكون، عندما يتعالى بالفعل، وينأى بنفسه عن شؤون الفانين.بحيث يؤكد موليم العروسي أننا  نلفي أنفسنا ، إذا أردنا أن نرسم ملامح إستطيقا ممكنة، أمام ضرورة اتخاذ مسافة من الله وعن مكان حضوره بصفته نورا. إن ابتعاد الله ، أو ابتعاد البشر عن الإلهيّ يحيلنا على قدرنا جميعا. حَقيقٌ على البشر أن يكونوا بشرا وعلى الإله أن يكون إلها. وكل خطاب حول الله يجب أن يُراعي القدر المشترك للفكر والمفكر فيه:  إن قدر الله لا يمكن أن يفلت من التبعية لقدر الميتافيزيقا، سواء في جهة الأفضل أو الأسوأ، كما أوضح جون لوك ماريون أيضا.

إن تحرير الشطحات الصوفيه من أساسها اللاهوتي هو في نظرنا تحرير للاهوت من نفسه. يعلمنا جون لوك ماريون مثلا أن ‘‘الفلسفة  لا تُحدَّد  بالحكمة مباشرة، بل من خلال علاقتها الغريبة والمعقدة و التي لم تُساءل بعد بالحكمة. إنها علاقة لطف ، وحنو، وألفة، ورغبة، و نقصان أيضا من حيث هي علاقة بما تفتقده وما تشتهي تملكه. لم تَعرف الفلسفة الحكمة ، ولا هي أنتجتها، بل هي تسعى جهتها، إنها تتوقعها كما لو كانت عطية يريد أحد ما أن يجود بها.  وفي المحصلة، يبدو من اللائق  لأجل تعريف الفلسفة، وخصوصا في ما بعد الميتافيزيقا، وربما حتى في ما وراء سؤال الوجود، أنه لا يسعنا بعد السير في أي منحى آخر غير الذي يرسمه السؤال عن : ” ماهذا الذي يتكلم في عبارة:  ”هذا يُعطي” ؟[27]

يبدو لنا هذا التحديد الجديد في غاية الأهمية، لأنه يرشدنا إلى  المنحى الذي ينبغي للتجربة اللاهوتية أن تسير فيه كذلك، فلماذا ”ينتج” اللاهوت  خطابا عن الله؟ أليس من الخليق  به أن يكتفي بهذا التوجه اللطيف والمتواضع نحوه؟ ألا ينبغي له أن يكتفي بالإقامة إلى جوار الإلهي _ كما تقيم الفلسفة إلى جوار الحكمة دون أن تستنفدها_بدلا من هذا الحلول العنيف في مكانه ؟ أسئلة لم تدفعنا  فقط إلى إثارتها تأملات موليم العروسي الفلسفية، وإنما  كذلك واقع ”الانسداد التاريخي” الذي تعيشه الشعوب العربية الإسلامية اليوم ، كما ورد في تعبير بديع للأستاذ هاشم صالح.

خاتمة

تبين مما تقدم أن فكر موليم العروسي يواجهنا بنوع من اليقظة إزاء أبعاد الكينونة المختلفة، بدلا من الركون إلى الصور المجردة للعقل المنطقي. وقد بَيَّنا_ ولو على نحو موجز_ أن هذا التطلع الفلسفي المعاصر صادر من الإرث الذي خلَّفه هايدغر، و الآثار التي أحدثها ترسيخه لتوجه في التفكير يؤمن ب ‘‘الأسبقية الأنطولوجية للسؤال عن الكينونة’’. تبدو الكينونة العربية_ الإسلامية إذن مُفصحة عن نفسها في دفق التاريخ، و في زمانية وجودها هنا والآن. ولذلك، لزم تأويل هذا التاريخ من أجل فهمه على أحسن وجه. ولزم أيضا إخراج الممكن التاريخي الذي تحويه بالضرورة من حيز الكمون إلى الفعل. وهكذا، لن يكون التوجه في الحياة لا إلى الماضي ولا إلى الغرب، بل إلى الحياة ذاتها التي تتفتق في كينونتنا كل لحظة ولا تتوقف عن ندائنا ودعوتنا إليها في الشعر والغناء و الأدب والتشكيل والخيال الصوفي،إلخ. وهذه إحدى مهام الفكر اليوم. في زمان كل أشكال التيه . بيد أن لعروسيلا يفكر في الكينونة العربية_ الإسلامية من زاوية المفكر فقط، بل من زاوية الفنان أيضا.  وهذا ما جعل لأعماله، التي دأب على تقديم معظمها إلى مُتَلقِّ خاص قارئ بالفرنسية، مقاما استثنائيا. فالفَنُّ هو مفتاح سر الوجود، وهو مدخل لفهم معنى كينونة الكائن.

إضافة إلى ذلك، يُقدم كتاب موليم العروسي: ”إستطيقا وفن إسلامي”، الذي أشرنا إليه في البداية، موسوعة لـ‘‘تاريخ العين’’Histoire de l’oeil، ولا نقصد من ذلك أنه يشاكل طريقة جورج بطاي في كتابه الذي يحمل هذا العنوان نفسه، أو يُناظر تاريخا ترويه العين histoire à l’œil    uneعلى نمط الفوتوغرافي الذي جعل من الصورة لغة أو كلاما،لأن هذه العين التي يتكلم عنها لعروسيعين غربية كَشف ”الوحي” عنها الحجاب فكان معنى الكشف حقيقيا_ في حيرة موسى وفي تَجسُّد يسوع المسيح_ حَثَّها على النظر والتدبر و التأويل، والبناء المفهومي. فكانت اللوحة  والسمفونية والشعر، إلخ. كانت الحياة التي تدور على ثقافة المرئيle visible. وأصبحت الرؤية متعة وفعل النظر افتراعا[28]. وعين شرقية كشفُ غطائها هو حُجُب مُؤَسَّسة وتغميض. لقد جعل الحدث القرآني العين العربية_الإسلامية تتوارى إلى الحدود الدنيا التي لأجلها حلت في مقدمة الرأس . جعل منها عينا لا ترى، بل تخشى الرؤية مثل الحواس الأخرى. عينا مظنون فيها الإثم والعصيان، عينا لاترى إلا في نطاق اللامرئي الذي غطى كل مساحة للرؤية بشكل يدعو حقا إلى الاستغراب. فكانت ثقافة الأذن التي مدارها على الخبر و العنعنة_التي صارت علما_ و” اعلم أن ”. وإننا نفهم العمل الذي يقدمه العروسي محاولةً لتلمس وسيلة شفاء هذه العين التاريخية، لأن أخطر ما يمكن أن يُصاب به إنسان هو العمى، فما بالك بحضارة بأكملها عمياء، صار عسيرا عليها اليوم تَبيِئَةُ  التفكير والنقد،  لأنها لم تؤسس وجودها على النَّظَرِ_ ية

يحاور موليم العروسي الصورة بصفتها منتوجًا روحيّا أولا وقبل كل شيء. لابصفتها منتوجا تقنيا فحسب أبدعته يد ماهرة أو آلة دقيقة الصنع، فالفن أيضا معرفة؛ بل هو أم المعارف وأشرفها، هذه المعرفة إما أن تكون مؤسسة على ما عرف في يونان القديمة باسم تيورياTHEORIAوورث الغربي ”الأومو ثيوريتيكوس” HOMO THEORETHICOS هذا التأسيس البدئي الأصيل، أو لاتكون إلا شاهدا على تجربة شخص بعينه، واختبارا  لسر من أسرارا الكون فيه، وعبره يتجلى. وهذه ثقافة الشرق بامتياز التي عبر عنها  المتصوف  قديما بمعاني الوجد و الحيرة والشوق، لكن حيرتها اليوم جعلتها تبحث عن مكان في المقابر والأطلال.

يظل العمل الذي قدمناه في هذه المقالة متواضعا جدا لا يلامس إلا حيزا يسيرا من القضايا التي يثيرها فكر موليم العروسي، و”الإلمام” بفكر أصيل من هذا النمط_ إن لم يكن ادعاء فجا_ فهو لابد يحتاج إلى نفس طويل ودربة مع النصوص التي هي في معظمها نصوص ذات سلطان(des textes à autorité ) سواء أكانت نصوصا مقدسة أو نصوصا  مؤسِّسة لثقافة ما، كما هو شأن النص الأفلاطوني. لكن الحوار مع هذا المفكر يحتاج أيضا إلى جرأة وتحمل لقدرته على الإحراج، و ربما يكون هذا الجانب المحرج هو ”الجميل” فيه بالمعنى الإستطيقي للفظ هنا؛لأن  فكره يُحرِجُ”نا” بالقدر  نفسه الذي تفعله بوعينا اللوحة الشهيرة ”هذا ليس غليونا، خداع الصور” للفنان السوريالي رونيه ماغريت.

 ******

قائمة المصادر و المراجع.

كتب:

_المسكيني، فتحي. الهوية والزمان، تأويلات فينومينولوجية لمسألة “النحن”، بيروت: دار الطليعة، 2001.

_طه، عبد الرحمن. فقه الفلسفة، ج1: الفلسفة والترجمة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995.

____________ فقه الفلسفة، ج2، القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1999.

_ بنعبد العالي، عبد السلام. ثقافة الأذن وثقافة العين، الدار البيضاء: دار توبقال، ط2، 2008.

_ Bachelard, Gaston.  la formation de l’esprit scientifique : contribution à une psychanalyse de la connaissance objective , Vrin,  1938.

_  Bataille, George.  L’expérience intérieure, Gallimard, 1954

_ Elaroussi, Moulim. Esthétique et art islamique. Casablanca,  Afrique orient, 1991.

_  Eliade , Mircea. Histoires  des croyances et des idées religieuses. T. 1, Payot ,1976.

_ Gadamer,Hans_ George. Truth and Method, Second Edition. New York : Continuum,1978.

_ Gauchet, Marcel. le désenchantement du monde : une histoire politique de la religion, Gallimard, 1985.

_________________La Condition historique,  Folio Essais, 2003.

_ Heidegger, Martin. la question de la technique, Essais et conférences, Gallimard, 1958 .

_ Heidegger, Martin. Being and Time, state university of New York press,1996.

______________ Identity and difference, New Haven: Yal university press, 1969.

______________Nietzsche: the will to power as knowledge and as metaphysics, New York, Harper & Row, 1982.

_______________Nietzsche: Nihilism, New York: Harper & Row, 1982.

__   ____________The end of philosophy, Trans. Stambaugh. New York: Harper and Row, 1973.

_Husserl, Edmund. The crisis of European sciences and transcendental phenomenology: An introduction to phenomenological philosophy, translated with an introduction by David Carr. Evanston: Northwestern university press,.

_ Kierkegaard, Soren .  Ou bien …Ou bien. Trad. du danois par M.-H. Guignot et F. et O. Prior. Introduction de F. Brandt, Gallimard. Coll. Tel .n° 85,1984.

_ Marion, jean luc .God without Being (Dieu sans l’être), Chicago: university of  Chicago press,1991.

_  Sartre, Jean Paul. L’Etre et le Néant, paris : Gallimard, 1943 .

_Wrahtalled, Mark A.  Religion after Metaphysics. Cambridge: Cambridge university press.2003.

 دوريات

_Marion, jean luc . ‘Metaphysics and phenomenology: A relief for Theology’,trans. by Thomas.A.carlson. Critical inquiry. Vol. 20.No 4.symosium on ’God’ (summer, 1994).

_Skip Horton-Parker. Tracking the theological ‘’turn’’, Penteco Studies, vol.6. no.1. 2007.

 

[1] Edmund Husserl, the crisis of European sciences and transcendental phenomenology, An introduction to phenomenological philosophy, translated with an introduction by David Carr, (Evanston : northwestern university press,1970.)

[3] George Bataille, L’expérience intérieure, (paris, Gallimard,1954),p,18.

يُورد بطاي أيضا موضحا : ‘‘ إن التجربة الباطنية من جهة أن لا قبل لها بتحصيل مبدأ لا في عقيدة(موقف أخلاقي ما)، ولا في العلم( لا يمكن للمعرفة العلمية أن تكون لها بمقام الغاية ولا الأصل)، ولا في تطلب أحوال تغني الذات(موقف إستطيقي، أو اختباري)، لا يمكن أن يكون لها من هم ولا من غاية  سوى ذاتها…’’المرجع نفسه.

[4]  Martin  Heidegger ,Being and Time, trans.Joan Stambaugh (New York: state university of New York press,1996)

[5] Soren Kierkegaard, Ou bien …Ou bien,Trad. du danois par M.-H. Guignot et F. et O. Prior ( paris : Gallimard, Coll. Tel .n° 85, 1984)

[6] نهتم في هذه المقالة  تحديدا بمؤلف رئيس هو”  Esthétique et art islamique” يجمع فيه المفكر خلاصات تفكيره في قضايا الثقافة العربية_الاسلامية بصورة نسقية، والتي هي بمثابة مقدمات للبحث العملي الذي سيأتي في أعمال لاحقة تُعنى بقضايا المغرب أساسا بصفته فضاء متوسطيا، وهي ”الفضاء والجسد” و Les Tendances de la Peinture Marocaine’. و ”ZOOM” دون أن ننسى الأعمال الأدبية الأخرى… والتي سنخصص لها دراسات مستقلة.

[7] Martin Heidegger , la question de la technique, in: Essais et conférences ( paris: Gallimard, 1958) p. 48.

[8] M.Heidegger, NIETZSCHE: NIHILISM.Ed. D.F .Krell, translated by Capuzzi. )New York: Harper & Row, 1982(, p. 206.

[9] M. Heidegger, Nietzsche: the will to power as knowledge and as metaphysics, translated by Stambaugh, Krell, and Capuzzi.( New York: Harper & Row, 1982) P. 187. « Metaphysics is the truth of the totality of beings as such ».

[10] Ibid. p. 206.

[11]_ يبدو أن هايدغر قد استقى هذا المفهوم من صاحب ” نقد العقل المحض” -إيمانويل كانط- فهو الذي اصطنع هذا المفهوم، بالإضافة إلى مفهوم الكوسموثيولجيا، ليقيم تمييزا بين نمطين من ”اللاهوت الترنسندنتالي”. والأنطوثيولوجيا عند كانط  تجسدها حالة القديس أنسلم الذي اشتهر بتقديمه لما سماه ”الدليل الأنطلولجي ” على وجود الله. لكن يبدو أن استعمال هايدغر لهذا المفهوم مختلف تماما،  إذ إن الميتافيزيقا  في تصوره تكون أنطولوجيا عندما تفكر في الكائن وانتباهها مشدود إلى  الأساس المشترك بين كل الموجودات من جهة ماهي كذلك. وشهد التاريخ  كثيرا من الميتافيزيقيين حَددوا  هذا  الأساس الكوني بصيغ متنوعة منها: فيزيس،لوغوس، مثال،اينيرجي، موضوعية، ذاتية،ارادة، ارادة قوة، ارادة الإرادة, والجوهر، إلخ. ويرى هايدغر، من جهة أخرى، أن الميتافيزيقا تفكر لاهوتيا عندما تفكر في الوجود الكلي للموجودات من جهة ماهي كذلك باعتبار الموجود الأسمى ومؤسس كل الوجود. فتنزع بهذا نحو تسويغ ذلك الأساس. تكون الميتافيزيقا إذن تيولوجيا حين  تحدد وجود الموجود من حيث هو ”وجود كلي مؤسَّس”_ مسـألة الله_ سواء أكان ذلك تحت مسمى المحرك الذي لايتحرك(mover unmoved  )أو العلة المكتفية بنفسها. إن معظم المواقف الميتافيزيقية الأساس ظلت في داخل إطار الأنطو_تيو_لوجيا. والفلسفة هي نفسها من أرسطو إلى نيتشه. أما التاريخ الغربي في تقدير هايدغر فيطلعنا على خمسة أنحاء مختلفة لفهم ماهو الكائن، وبالموازاة مع ذلك، خمس حقب تغطي تاريخ الكينونة وهي : ماقبل سقراط، القديمة، الوسيطة، الحديثة والحديثة المتـأخرة. راجع على التوالي :

_ Martin Heidegger, identity and difference, translated by Manheim. (New Haven: Yal University Press, 1969) Mainly  the section entitled:’ the onto_theo_logical constitution of metaphysics’ p. 42.

____________ the end of philosophy. Trans. Stambaugh.( New York: Harper and Row, 1973)_

[12] بخصوص ”الذات” التي نقصد هنا، وهي ليست مجرد الفرد البيولوجي أو الشخص القانوني، ولكن المفهوم الذي يعكس نمطا جديدا في الكينونة يخص العالم الحديث، والطريقة التي تُحقق عبرها الإنسانية الوُصلة الوشيجة مع  نفسها تحت مبدأ الاستقلالية:l’autonomie  المناقض لمبدأ الارتهان القديم :l’Hétéronomieنحيل إلى كتابات مارسيل غوشيه التي يمكن اعتبارها بالمجمل تأريخا لهذا المفهوم، وتحديدا نخص منها بالذكر مايلي :

Marcel Gauchet, le désenchantement du monde : une histoire politique de la religion, (Paris : Gallimard, 1985)

_____________La Condition historique,  (Folio Essais, 2003) pp.251_290.

 

[13] _ يذكر فتحي المسكيني في كتاب ”الهوية والزمان” إشارة طريفة إلى غرابة القدر الذي لقيه مفهوم ”البدعة” فقد صار في غمرة من الزمن إبداعا !

[14]يشير مولي العروسي بوضوح إلى المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي في كتابه ”المغرب المتعدد” أنظر:

_ Abdlkebir Khatibi, Maghreb pluriel, (SMER,Denoiel,1983) , p.250.

[15] Gaston Bachelard, la formation de l’esprit scientifique : contribution à une psychanalyse de la connaissance objective( Vrin, 1938) , p.20 « L’opinion pense mal ; elle ne pense pas, elle traduit des besoins en connaissance. En désignant les objets par leur utilité, elle s’interdit de les connaitre »

[16] Moulim Elaroussi, Esthétique et Art islamique(Casablanca : Afrique Orient, 1991),p. 9.

[17] Mircea Eliade, Histoires  des croyances et des idées religieuses, T. 1(Paris: Payot, 1976)

[18] Elaroussi. Esthétique…  op.cit , p. 11.

[19] Hans_ George Gadamer , Truth and Method, translation revised by Joel Weinsheimer and Donald G. Marshall. Second Edition ( New York : Continuum, 1978).

[20] Ibid.

[21]_لابد أن كتاب المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي الذي يحمل عنوان ”ثقافة الأذن وثقافة العين” يعبر عن جوهر هذه الفكرة التي نوردها هنا، حتى لو كان يعطيها أبعادا فلسفية أخرى:الظاهر أن اللغة العربية ليست هي وحددها التي تقرن العين بالتفكير والأذن بالأخلاق، فنقول : “صوت الضمير” و”عين العقل”. يقال إن اللغات الإغريقية واللاتينية والجرمانية كلها تربط الصوت بالضمير، والسمع بالطاعة، والأّذن بالرضوخ. لا عجب إذن أن تكون ثقافة الأذن ثقافة السمع والمحافظة، إنها ثقافة الوثوقية والتقليد، ثقافة ترضخ للصوت ـ المنبع، ولا تبتعد عنه بما يكفي كي تعمل فيه “فكرها”. ثقافة الأذن هي على الدوام ثقافة سلطة: فكل سمع طاعة. أما العين، لما لها من قوة قلب ذاتي على شبكيتها، ولما لها من قدرة على تعديد منظوراتها وزوايا نظرها، فهي تجعل الثقافة التي تعتمدها ثقافة نقدية تسلم منذ البداية بأن التأويل يتعدد وأن المنظورات تختلف، وأن كل معرفة تصحيح لأخطاء، وأن كل علم تسبقه إيديولوجيا تقلب الأمور ” مثلما تقلب الموضوعات على شبكية العين”.انظر :

_ عبد السلام بنعبد العالي، ثقافة الأذن وثقافة العين، ط2 (الدار البيضاء: دار توبقال، سلسة المعرفة الفلسفية، 2008)

[22] Elaroussi, Esthétique…opt.cit, p.19.

[23]Ibid., p. 120.

[24]_من المثير للاهتمام حقا في العصر الحديث أن يتخذ أحد المفكرين المشهورين شهرة الغزالي_ وهو طه عبد الرحمن_ من هذه  الطريقة في الكتابة الوعظية منهاجا ورؤية، مع ما فيها من إخصاء للقارئ وانتهاك لشرف العقل يعود به إلى ماقبل لحظة صرخة كانط التي وجدت صداها في وجدان الغرب: وما بدأت تتلمس طريقها في الثقافة العربية_ الإسلامية إلا في عهد قريب جدا: ”أجرؤ على إعمال عقلك الخاص” أو ”أجرؤ على المعرفة”: sapere aude !. استعمل الغزالي في القديم منطق أرسطو لبناء حججه العقلية، أما طه عبد الرحمن اليوم فيستعمل أحدث ما وجد في حقل الفلسفات الأنجلوسكسونية : البناء النحوي للغة:syntax، والبناء الدلالي :semanticوالتداوليات:pragmaticsثم استثمار الهرمينوطيقاhermeneuticsعلى شاكلة هايدغر وغادامير. يوظف كل منتوجات الروح الحديثة المستقلة مبدئيا لصالح العودة إلى نمط الإرتهان الرمزي_والمادي_ القديم. الإخصاء عند طه ليس هو الوعظ الفلسفي، أو فلسفة الوعظ، فقط الذي يطغى على معظم كتباته،  بل هو انهمامه  بنزعة نيابية تحضر تقريبا في كل عمل يقدم للقارئ العربي. والنيابة معناها  تصور  التفكير فرض كفاية_ بلغة الفقهاء_ إذا قام به طه عبد الرحمن سقط عن جميع المسلمين العرب. فلا حاجة لنا للتفكير مع وضد كانط أو روسو أو لاكان أو هايدغر أو ليفيناس، لأن طه قام بذلك عوضا عنا ! نجد من اللازم الإشارة الى هذه العوائق البنيوية في الثقافة العربية اليوم، لأن أفق التفكير في الكينونة المعاصرة لم يعد هو الملة أو العرق أو الماضي، بل هو اقتدار من نوع خاص لا يوفره إلا الانخراط في الكوني. أنظر للمزيد تعليقات:

_ فتحي المسكيني، الهوية والزمان، تأويلات فينومينولوجية لمسألة “النحن”،( بيروت: دار الطليعة) . ص57.

وعن طه عبد الرحمن راجع مثلا فقط أعماله المؤسسة ، دون ذكر إصداراته الحديثة:

_طه،عبد الرحمن، فقه الفلسفة بجزأيه ، 1: الفلسفة والترجمة،(1995) 2: القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل(1999).المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

[25]_ تمتلئ الخزانة العربية اليوم بمئات البحوث الجامعية، إن لم نقل الآلاف، التي ”تدرس” خطاب الترغيب والترهيب في القرآن، وتربطه بالبلاغة وبأشياء أخرى. وينظر بعض الباحثين التقليديين جدا إلى هذا النوع من الخطاب كما لو كان عبقرية إلهية تحتاج إلى المزيد من التثمين والإشادة. لكن الطريف حقا في هذا الأمر هو عندما ندرس خطابا كهذا في نطاق الدرس الحجاجي والتداولي المعاصر كما أسست له الفلسفة الأنجلوسكسونية. فيكون ”الله الاسلامي”في نظر أولئك بحاجة إلى الدفاع عن نفسه، ليس على نحو مباشر وتقليدي وعظي عبر الترغيب في  الجنة و الترهيب من النار. بل بواسطة اللغة المنطقية لجون أوستين وبيرلمان وروبين لاكوف، وتيتيكا وآخرين. ولعمري إن هذا لهو الوجه الآخر لمعضلة الإعجاز العلمي في القرآن كما عُرفت عند الشيخ المصري زغلول النجار مثلا  ومريديه من المغرب والمشرق. لكن المؤكد أنها طريقة واحدة في اغتيال العقل، أو على الأقل التوظيف السيئ له،  مهما اختلفت الصيغ.

[26] ليس عجائبيا أن يرث اللاوعي الجمعي الإسلامي هذا المنزع التحريمي اليوم، وأن يصير ذا بعد تأسيسي في عملية التفكير. نحيل هنا الى  كتابين صارا اليوم كلاسيكين ولكن مهمين في هذا الباب إذ يكشفان في تقديرنا هذا المنزع التأسيسي الذي اتخذه التحريم في الثقافة العربية: الأول لصادق جلال العظم بعنوان: ” ما بعد ذهنية التحريم” والثاني لياسين أبوعلي : الثالوث المحرم: الدين،الجنس، والصراع الطبقي”.

[27] Jean luc Marion,’’ the end of metaphysics’’ as possibility in : Mark A. Wrahtalled, Religion after Metaphysics.) Cambridge: Cambridge university press ,2003). This text is quoted by Skip Horton-Parker; ‘Tracking the theological” turn ”’, Penteco Studies, vol.6, no.1 ( 2007) , p. 65.

[28] J .P. Sartre. L’Etre et le Néant,(Paris : Gallimard, 1943), p. 666.« la vue est jouissance, voir c’est déflorer »

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. W. Alansari

    عندما تنقب عما تحت الغموض لن تجد شيئا ثم تتهم بقلة الفهم!
    قد يقال: هذا كلام للمتخصصين في الفلسفة القارية. أقول: هذا كله كلام لا معنى له. ليست به جملة مفيدة واحدة! مقولات مبهمة تلبس ملابس فخمة منمقة وفي آخر المطاف هي عارية خالية من أي دلالة. أشبه ما يكون بهذيان حمى فيروسية (أثرت فينا عيون النرجس). على مر الدهور أوجع الفقهاء رؤوسنا بكلام لا قيمة له في الدين. وهاهم الفلاسفة القاريون وفلاسفة ما بعد الحداثة يوجعون رؤوسنا بكلام لا معنى له..ولا قيمة له في أي منظومة.
    الحياة قصيرة! أفضل الاستماع لكونشيرتو الكمان لموزات.

  2. عبد الرحيم

    إن القراءة عموما عمل محمود، به تنفتخ علينا مغالق الأمور، وتتبدد ظلماتٌ نحملها معنا في دواخلنا، ويؤسفني أن هذا لم يتحقق معك أنت بعد زعمك قراءة المقالة، بل بعد حديثك عن الحُمى و الفقهاء والفلاسفة القاريين، ومارافق ذلك من الأحكام الغليطة التي لايستساغ صدورها عند من يتقصد الفهم على الحقيقة. إنّ سوء الظن بالجميع وفساد الطوية لايمكن أن يساعدا أي شخص على الفهم، بل إنهما السببان الرئيسان اللذان يغلقان منافذ الفهم المعروفة عند العالمين. جميل هذا الملاذ الذي اتخذته مما وسمته بالكلام الفارغ وبعدم الجدوي، لكن موزارت وغيره من الفنانين و المبدعين الغربيين، ماكانوا ليكونوا لولا أنّ ميتافيزيقا جديدة قد تأسست؛ فأتاحت في الوعي الانساني مساحة للخلق و للابداع، فالكمان والكمنجة والبيانو كلها أفكار ومفاهيم، تقف خلفها مقولات مؤسسة لها من جهة شروط الامكان. فالفن أيضا معرفة. والجهل بذلك ضار ومؤذْ للذات وللغير. وقد كان هذا وضع فريق من العرب المسلمين في عصر ظننّا أن زمنه قد ولى ، حين كان دأبهم ”أخذ الأواني وترك المعاني” .وها أنت ذا تكرر الموقف عينه…ليست الحياة قصيرة الا عند من انزوى بذاتيته المحدودة، وحسِب أن إنسانيّته ممكنه بمعزل عن مجتع وتاريخ وحضارة، ولكنها أبدية عند من استوعب أنه جزء من تاريخ كونيّ يبحث فيه عن مقولات ناظمة تساعده على الاسهام في صيرورته، وعلى الافادة منه والتموقع فيه.

أضف تعليق

Share This