مصطفى زيور ومصطفى صفوان وأنا الواصِل بعدهما (ج1)

I-

1 – كان من أمنياتي، في باريس، أن أقترب ما أمكن من مستوى مصطفى زيوَر؛ وبعد ذلك تمنيتُ أن أحظى، ذات يوم آخر، بمكانةٍ ومكانٍ يشبه ما عند مصطفى صفوان… وكنتُ واثقاً بعزمٍ وحزم من التأكيد والثبات على اعتبار المصريين أبرز الوافدِين العاملين في حقل التحليل النفسي داخل فرنسا؛ وأنّهم كانوا سبّاقين، داخل فرنسا وفي أوروبا، للعمل في ذلك الحقل.  فلم يكن التحليل النفسي ” عِلماً ” مرحَّباً به في السوربون، أو جامعة ليون؛ على سبيل الشاهد. ولمّا قدمتُ دراسةً تحليلنفسيةً لشخصية ابن سينا وبعض الفلاسفة الغَرْبيين، ولقضايا في الفلسفة العربِسْلامية بعامة، استنكر أهل السّوربون الكبار وقوعي في السُّخف والإستخفاف في ذلك الأمر. وأصرّت غواشون، أكبر إختصاصية آنذاك في أوروبا بابن سينا، على رفض  الأطروحة؛ وطالبتْ بالتغيير والعودةِ إلى “الصَّفّ”  أو السَّربْ، وإلى الصِّراطي، والمحافِظِ  السائد ( را: ZAYOUR.net ).

2 –  الشخصية الثانية، أو” الشيخوخية ” عند صفوان، أو عند الانسان بعامة، تكون كامنةً أو مؤجَّلةً، بديلةً وغير متمايزةٍ أو غير مقطوعةٍ مفصولةٍ عن الشكل العامّ أو الجذع. لكأنّها الاختصاص الثاني، الآخر أو المستور؛  والجاهزُ دائماً لأن يحلّ محلّ الأصل، أو الوجهِ البارز من اللوحة. في هذه الحقبة من العُمر، لم يوفّر صفوان سانحة أو مَتاحةً إلّا ونَبّه فيها إلى الإضطراب والترنّح في المجتمع والفكر ومن ثم في السلوك والوعي، عند العربي الراهن. فهو نبَّه إلى الخلل والمثالب، الاهتزازِ والانظلام والانحدار، والخسارةِ المتدحرجة للموقع والمكانة والقيمة داخل الدار العالمية للحضارة والبقاء، وللعقل والصحة النفسية – الاجتماعية للانتماءات واللغة والهوية… ويبدو أنّ ذلك التنبيه والإشارة لاقى هوى في النفوس؛ فالنقد القاسي والقول السلبي مسموعٌ جيّداً ومرغوب؛ وذاك على عكس المديح الفج والرّثّ. وهذا كلّه، حتى وإنْ كان التقويض، أو النقدُ والرّفس أو التلطيخ، معروفاً ومكرَّراً، شائعاً وفاقعاً.

3 –  اتفقنا في الندوة (عادل فاخوري، جورج زيناتي، محمد رضوان حسن، علي زيعور…) على صوابية ما ينتقده مصطفى صفوان في المجتمع والتاريخ السياسي، وفي الفكر العربي المعاصر… وفي الواقع، إنّ ذلك العقل الكبير كان قد عاد مؤخّراً وشَهَرَ سيفَ النقد في كتابٍ وضعه مع ع.  حبّ الله، وفي ندواتٍ ومحاضرات.

في صدد ذلك الكتاب الأخير، ما زلتُ أرى أنّ صفوان قد بَدَأَ صفحةً تأسيسيةً من عُمره الانتاجي؛ أي إنّه انتقل إلى الأوضح والأعمّ أو الشديدِ الصراحة في نقد العقل والمجتمع العربي؛ ولربما تفاعل في ذلك أو تأثر بالشهرة البخسة العطوبة التي حظي بها الخاموس أو السادوس العربي المسفِّل المطفِّف للعقل العربي في تكوينه أو بنيته، وأجهزته أو قدراته وكفاءاته، مهاراته وغورانيته.  ونرى، في الكتاب عينه، نقداً آخر للحاكم والحكّام أي للسياسة والسياسيين، ولرجال التديّن وظواهر الضلال والانهيارات في الحضارة العربية الراهنة وبشوائبها ومطاعنها، رثاثتها وفجاجتها، غثاثة ثقافتها وعطوبية أسُسها و”أوبئتها” الفكرية، وصحتها الحضارية الكونية والحداثانية (النزعات إلى الحداثة)؛ ونقداً للحقيقة والفيلسوف، للمجتمع واللغة.

وفي الكتاب عينه، ظهر حبّ الله، على غرار زيعور، مهاجِماً مبارِزاً بسيف التحليل النفسي، وعِلمِ النفس العيادي السياسي الاجتماعي، شؤونَ الفساد والبلادة عند العربي شخصيةً ومجتمعاً، فكراً ومستقبلاً، قراءةً وكتابة، عقلاً وحِكمةً، وعلماً ورقمانية.

4 – ولمرةٍ أخرى، أنا مؤيّدٌ لصفوان وحبّ الله في ” نقدهما ” للفساد والتّعصّب، وعبادة الجنس الذكوري لنفسه ودوره ومعناه؛ و” القتلِ المعنوي ”  للأنثى والأنوثي والأُنثوي. إنّهما، هنا، مبدِعان؛ أي موفَّقان ناجحان، صَدَقا في التشخيص والتمحيص، والتقاطِ نواةِ المأساة الجماعية، والامساكِ بالمعرفة الدقيقة بالحال والأوضاع، بالشروط والمتغيِّرات، بالمَرضي واللاسوي، المطمورِ والمتضَمَّن، اللاواعي والواعي، المضطرِب والمرعِب، القاهر والغادر، الحقيقة والمجاز، العقل والمتخيَّل.

5 – كان لابُدّيّاً،  لامَناصِيّاً، هذا التلاقي، الشبَه أو التماثل، بين ثلاثتنا على التوصيف والمعاينة  للأنا ثم لمقام الأنا الأعلى (القوانين، القيم، السلطة، المعايير، الأخلاق، التديّن)؛ ولمجال الأنا والنحناوية، ولِما هو محجوب ومطمور، موجِّه بلا وعيٍ وعلى نحوٍ قسري… ثمّ ماذا بعد هذا الاتّفاق ؟ إنّه كثير متعدّد، متنوّع وشديد الاختلاف والمغايرة بين القوى المنتِجة أو الأجهزة الدينامية المقارِنة والمخصَّصة للتغيير، أو إعادةِ الإدراك والضبط، التسميةِ والمَعْنَوة (= إعطاء معنى؛ مَعْنية)، الأشكلةِ والبَنْيَنة.

II-

1 – اختلفتُ مع حبّ الله – صفوان ليس حول الرفض للسياسة المعيوشة والسياسي الحاكم، أو للتضعضع الحضاري والترنح، والإرتباكِ والتخلّف والتعثّر.

ما كان بيننا استمرّ محصوراً في الما يجب، أو الما يَنْبَغي تثميره من أجل تحقيق الأكثر والأنفع، بل الأقدر والأصلح. وعلى هذا، كان اختلافنا، إذَن، حول الطريقِ إلى التغيير والمَحْو، الغسلِ والبلسمة، التطهّرِ والدفاع أو الإحتماء والبقاء… أين هو الطريق أو الاستراتيجيا الإشفائية والمنقِذة من الضلال والإنحدار، أو من القهقرية أو النذالةِ والرِّجس؟ لقد اتفقنا على أنّه ليس بالإمكان أنْ نزهق الباطل مكتفين بالإلحاح على مراكمة المعرفة، ونقدِ الحكّام، وصقلِ المدنيات، وحقوقِ المواطن والمواطنة كما الوطنِ وما بين الأوطان، والدارِ العالمية للحقل والعقل، والمتخيَّلِ واللاوعي.

2 – من سوء حظ صفوان، وهو مُنتِجٌ حسَنُ الحظ وكثير النجاحات، أنّ عدنان حبّ الله سقط على الطريق إلى المجدَيْن: مجده الشخصي؛ ومجد صفوان – لاكان أي مجد التحليل النفسي الفرنسي (را : زيوَر، صفوان، علي سامي، إلخ.)؛ ومجد الأريكة العربية في التحليل النفسي المعهود (الفرويدي)، ثم في التحليل النفسي الإناسي والسيميائي (-الألسني)

كانا مِهَنياً مثقّفيْن جداً، صفوان وع. حب الله؛ واستظلّا تحت أفياء شهرة لاكان. سبق أن أشرنا إلى أنّ لاكان جاء إلى بيروت (1973) بدعوةٍ من حب الله. ولاكان كان مصاباً بعصابٍ إسمُه، على ما شخَّصتُ وحلّلت، فقدان العزيز (وفاة ابنته…)… أخذه حب الله إلى كمال جنبلاط؛ أمَا أنا فقد اقترحتُ علاجاً مستنداً إلى زعمٍ منّي بأنّ لاكان تراجَعَ عن فرويد، تحليلاً ورؤيةً ومن ثم طرحاً لخطابٍ إشفائي… (را : أدناه؛ أيضاً : زيعور، الفلسفة في الهند…).

3 – قد يفيدنا استدعاء حادثِ زيارةٍ لم تكتمل لرئيس الجامعة في الكسليك بعد الإنتهاء من محاضرةٍ ألقاها صفوان مهتمةٍ بالتحليل النفسي (أخذوا عليّ هناك اعتبار الفرويدية حقلاً أو منهجاً من حقول علم النفس العيادي)… لقد نفضتُ بيدي الغبار عن كتف صفوان قائلاً: صارت الآن أحسَن. هنا انحنى حبّ الله على سطح الملعب الفسيح ورسم دائرةً بالحجر وضحك قائلاً: أُقسم أنّ علي زيعور داهية، مخبوء تحت لسانه كالمحتالين المهذَّبين.

4 – ماذا تُفيدنا هذه التبصِرة في توضيح ثم تحليل ما أسميناه الشخصية الثانية، أو التجربة الشيخوخية، عند صفوان – زيعور؛ وعند حبّ الله أيضاً ؟ لقد غدا صفوان، كما رفيقَيْه، يهرب هنا من التعقّب والتنقيب في خطاب التحليل النفسي وحقوله، أو تأرخته وتوصيف عوامل تطوّره وأساليبه، أو تعليلات أبنائه وجماعته (أهله وأصحابه، آله والتابعين…)، كهنته وطقوسه وشعائره، مقدَّساته ويقينياته ومسلَّماته.

5 – تفيدنا تلك التبصرة، ابتداءً، بأن نُدرك في كلٍّ أو شكلٍ عام انتقادات صفوان –  زيعور- حب الله للمجتمع والإنجراح الحضاري، للمخاطر والمخاوف كما المثبِّطات والمهدِّدات للمستقبل العربي حضارةً وثقافة، سياسةً واقتصاداً، فكراً ومجتمعاً، لغةً ومعنى، حالاً ومآلاً، واقعاً ومتوقَّعاً أو منتظَراً… ففي كل ذلك يُعاين أو يفسّر أبطال التحليل النفسي، في الأريكة العربية، الحضارةَ العربية بتشاؤم، ويتعامل النفسانيون العرب بالعَيْن الحسيرة مع التمأزقات الحضارية للذات العربية، للأمة برمّتها ولغتها، تراثها ولُقمتها، حقوقها وقيمها.

III-

1 – العِتاب النقدي، هنا، بحسب المدرسة العربية الراهنة، إلماحاتٌ قاسية ملطَّفة، أو حانيةٌ ورقيقة على اجتهاداتٍ صفوانيةٍ “لم تُصِب” في محاكمتها لحقول الفكر والسلوك أو العلائقية، وعلى مختلف الصُّعُد والمستويات، أو المداميك والطِّباقات والمواقع.

أمّا النقد بمعناه التقليدي المعهود، الكاسحِ والمألوف، فهو يُشبه أن يكون نقداً شخصياً ومخاصِماً، مكدِّساً المطاعن والمثالب أو النقائص والمرذولات… وهو يشبه أن يكون كالنقْر عند الدجاجة المصوَّمة التي تَطلب بغباء ومنقارٍ مُدمّى الحَبَّ الموضوع وراء المنخُل، أو كلاحِسِ المِبرد.

لا غنى عن النقد، أو العتب، بذلك المعنى المسفِّل المبخِّس؛ لكنه لن يكون عادلاً ما دام يخضع للمسبق والجاهز، للأيديولوجي أو المسيَّس أو الملهوَت. كلّما اقترب النقر “الدجاجي” من أن يكون اجتهاداً أصاب غرضه، أي غدا اجتهاداً صائباً سديداً، ومقترِباً من النقدانية الاستيعابية الحضارية؛ ومن الاجتهادانية حيث السعيُ إلى الحقيقة أو الصواب والسدادِ الكونيِّ البُعدِ والمستوى والهدف. وفي مطلق الأحوال، الحقيقة ممكنةٌ كامنة أو موجودةٌ على شكل إمكان وكمون في النقدانية الإسهامية، وفي الاجتهادانية الإيجابية الحضارية.

2 – النّقد كما العتب النقّار قد ينفع كثيراً؛ لكنّه يدفع الصابر (الظالم، القامع، الجائر، قاتل الحريات والعدالة، البطل المُعادي أي المناهِض والجارح…) إلى التحصّن والمقاومة كما الممانعة، وإلى الإحتماء واعتماد الأواليات الدفاعية الناقصة العطوبة؛ وذاك كلّه من أجل البقاء والتكيّف… فالنقد النقّار، وهو أسلوب الدجاجة المجوَّعةِ في طلبها الحَبّ المرفوع بينه وبينها منخلَ، نَقْرٌ غضوبٌ وغير متوقّف، آلي ومؤلم، يُدمي منقار الدجاجة الغبية. أخشى أن يكون النقدُ النقّار، الدّجاجيُّ الأسلوب، سلوكَنا كاختصاصيين بعلوم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع، وما إلى ذلك من علومٍ انسانية واستراتيجيات.

المُراد هو أنّه، بعد نقله المعركة التحليلنفسية النظرية إلى الداخل، غدا صفوان، وعلى غراره كنّا نسير، يُردِّد النقدَ الشائعَ والعتبَ المعروف… هنا ينفع التكرار، عند ثلاثتنا وإثر م. زيوار، لنقد المجتمع والسياسة؛ فالتكرار مؤشِّر على أنّ التوتّر لم ينخفض، والمشكلة لم تُحلّ. وكلانا، أنا وحبّ الله  وخطاب صفوان، اتّفقنا على أنّ السكوتَ عن الظلم ظلمٌ للأنا؛ وعدم الإشارة إلى الفاسد اللدود رضاً به، وقبولاً؛ بل وفعلاً قسرياً غير إنساني النزعة، وغير حرّ. ذاك أنّ من ظَلَم انساناً ظلم كلَّ إنسان، وكلَّ ما في الإنسان والإنسانيةِ والمذاهب المؤنسَنة المؤنسِنة.   

3 – ما هو، أولاً، الفعل الآخر، الثاني أو الذي لم يقم به صفوان والذي يمكن لِـ “جماعتنا”-المحلّلين النفسانيين – القيام به؟ إنّه فلسفة الفعل في مقام الأنا الفاعلة؛ فهي تصنعه، وهو يصنعها. هنا فلسفة مفادها الإنسانُ في سلوكه ووعيه، أو علائقيته ومجاله. هنا فلسفةٌ أخلاقية، فلسفةٌ في المعايير والضوابط، في الأنا الواعية المنغرسةِ في مجتمعٍ وتاريخ، فكرٍ وحضارة، حالٍ معيوشة بل ومآل أيضاً.

إنّ الفعل الذي على جماعتنا واجبُ ويَنْبغياتُ إجرائه هو، إضافةً أو إبدالاً لفعل صفوان– زيعور – حب الله (1)، الرحيل والإنزياحُ إلى ميادين وموضوعاتٍ أقرب إلى ما قد يبدو أنّه بالنسبة للمحلِّل غير مهم وغير نافع، غير مطوِّرٍ أو مطوَّر؛ أي الإنتقال إلى الذي ما يزال بوراً أو مظلِماً، مطموراً أو مهمّشاً، مقهوراً أو مهدوراً، منجرحاً أو مستلَباً.

المُراد أو المبتغى هو، إذَن، ضرورةُ أو مبدأ التحليلِ والحراثةِ في فلسفة الأنا والفعل، وحيث التحليلُ العام للفلسفة العملية كما النظرية؛ وفي موضوعاتٍ ومسائل فكرية عامة.

لعلّ التحليل الفلسفي مطلب وحقل دراسةٍ هو ما تدعو إليه المدرسة العربية الراهنة في  الفلسفة، وما كان يُدعى إلى مقاربته زيوار وزيعور كما صفوان والصفوانية ( حبّ الله، محمد أحمد النابلسي… ).

التحليل المجتمعي الذي احتكر الشخصية الثانية لصفوان موضوعاتٌ وظواهر هي أقرب إلى الأفهام والإهتمام من تحليل قضايا فلسفيةٍ أو موضوعاتٍ وأسئلةٍ تعاد إلى الأيس (الإنَّيات، الموجوديات) واللَّيْسِ (= العدم)، وإلى العقل والنظرانية، ومن ثم إلى العقل العملي أو فلسفاتِ الفعل والجمالِ والفن. فما هي، بناءً على هذا المقتضى، النقاطُ الفلسفية والفكرية التي حلّلتها المدرسة العربية ولم تفعل الأمر نفسَه الصفوانية (1)؟

4 – الفلسفة معرفةٌ من نموذجٍ فكري معيَّنٍ رفيع، وغير لاهوتي؛ فهو نموذجٌ نافع محرِّرٍ من الأيديولوجيات المسلَّم بها أو الجاهزة؛ ومن الثقافات التي تحاوِر، ولا تهتم بالديمقراطية، والحرية، وبحقوق المواطن وقيم الإنسان التاريخي الكوني، وضرورةِ التطور أو التغيير والتحديثِ، أو الإجتراح في التفكير والسلوك، الفردِ والجماعة، المجتمعِ والفكر؛ وحتى في التعليل والشرح، التفسير والتأويل، المساءلةِ والنظر والبحث، القراءةِ وإعادة الإدراك كما التعضيةِ والأشكلة كما المَعْنَية والتقييم.

في اختلافه عن الدين، لا يرضى الفيلسوف لنفسه، التراجع أو الكَفّ عن إعمال العقل والمنطق والعلم إعمالاً مقصوده ومراده السعيُ إلى تمتين وترسيخ احترام البشري، وإلى البحث في الحقيقة، وإلى خَلْق المعنى، وإلى التفنّن أو رمزنةِ الأخلاق والفضائل… ولا تَرضى الفلسفة التنازلَ عن الحوار مع اللاهوتي أو رفضَه والقفزَ فوقه، والمعاداةَ للدين والإيمان؛  فهي تُحاور ولا تؤذي، تُطالب بالحكمة والعقل والمعرفة الدقيقة، وبالعقلانية والحرية والعدالة، والموضوعانية والديمقراطية أو الشورانية، وسائر الحقوقِ والقِيم والمَدنياتِ الكونية.

5 – غنيةٌ معقَّدة، راسخةٌ ومتأصّلة، هي النظريات في الفلسفة المحضة أو الميتافيزيقا، وفي الفلسفة النفسانية الاجتماعية أي القائمةِ على علوم النفس والاجتماع، التاريخِ والاقتصاد، اللغةِ والتحليل الإناسي كما الألسني… فالمدرسة العربيةُ الراهنة في الفلسفة والنفسانيات والعالمينية، وفي التصوّفات أو سائر الإنسانيات، اجتهدتْ وأبدعتْ في إلحاحها على التنوّع والتعدّد، الكثرةَ والإختلاف، وميزاتٍ أخرى كالمصقولية والمَنعة، وعلى التّفتّح الموسَّعِ الدينامي، والتغذي بالحوار والتفاهم، بالإنفتاح والضرامية، بالكوني والمسكوني، والعقلاني المعقَّد الثّرِيّ والشمولانية أو الأعَمّاوية، والأبقى أو الأجدى نفعاً ومضموناً، أو سِلْماويةً وسلامَوية، أو قيماً وكينونيةً، وتوقَّداً أو توهّجاً بالمَدنيات، والعدالة الاجتماعية والقانونية، وبمكانة ومغزى المساواة بين النظريات الفلسفية العَرَبية والغَرْبية داخل الدار العالمية للفلسفة والفكر.

والنظريات الفلسفية العربية الراهنة محْورت الأفهومات والمقولات، أو الهمومَ والأسئلة، حول الإنسان والإنسانوي، المؤنسَن والمؤنسِن ومذاهب الأنسنة. وهي، في سبيل ذلك، ذهبتْ إلى نقد العقل والمجتمع، الوعيِ الجماعي والمعتقدات، السلوكاتِ والأفكار، العادات والإحتفاءات والفولكلوريات؛ ومن ثم إلى  نقد التعثّر أو التّردّي الحضاري والإنهاك كما الخوَر العامّ، والأوهام والأيديولوجيات، والتوعكات والإشكاليات… وقارع الخطاب الفلسفي، في مدرسته العربية الراهنة، معوّقات التقدّم والتّغيير، ومثالب الصياغة المعاصرة للنقلي والمعهود، للفقهي وللنّصّ، والحقيقةِ والإيمان، المحجوبِ واللامفصوح، الباطني والظاهري، المستورِ والمعلَن وفاقد الأهلية والقدرة على الإستمرار والبقاء، والتغيّر إلى الأجدى والأنفع والأكثر صلةً فكرية بالكينوني والعالمي، وبالمسكوني وإعادة الإدراك والتفكيرِ كما الضبطِ والتغيير (را: التعلّم الحضاري. الخصوصياتُ والأبعاد والغَرَض).

6 – تتخذ المدرسة العربية، عَبْر فلسفتها الصِّراطية، موقفاً نقدياً، استيعابياً واسهامياً ومن ثم تخطَّوياً وتجاوزياً، في محاكمته فلسفات الذات، ومقارنتها بالفلسفة الغَرْبية المعاصرة؛ والراهنة بخاصة. فليست هذه المدرسة مفتونةً مسحورةً بالخطاب الفلسفي الغَرْبي؛ أو بالرابوع الفلسفي الألماني (كَنْط،إلخ)، أو بالنظام السياسي العالمي القائم… ولا هي، من جهةٍ ثانية، تَتَنكّر وترفض، أو تَرفس وتَدحض كلَّ ما هو  غرْبي أنّى كان صعيده أو مستواه، وزواياه أو أغواره، ومقاصده أو نواياه، وغرضه ومُرامه… ذاك أنّ موقف المدرسة، في قراءتها للفكر الغربي وصناعَويته، آلويته  ورقمانيته. وتنتقد المدرسة العربية الخطاب الأميركي في السياسة العالمية، وفي الحقوق الكونية، وفي العولمة، وفي الإعلام والتقْننة، وإغماض الفلسفي والأخلاقي، القيمي أوقيمِ القلبِ والإيمان، وفي مغرورية الإنسان وغطرسته، وبَيْلجة الوعي والعقل، الذكاء والحرية، الأخلاقي والفلسفي، الفنّي والجمالي.

7 – ما دامت الفلسفةُ العملية، كما النظرية أو الجمالية والمعيارية، تَعتني وتَنهمّ، في مبحث “أكابر الأمور(!)، فإنّ التحليل النفسي مضطرٌّ للمحافظة على بقائه مَعْنيّاً مهتمّاً بمبحث “صغائر الأمور“. في عبارةٍ أدمث، أي أخصَر وأقصَر، هناك، كشاهد، زملاء يهتمّون بأن تبقى مفضِّلاً لهم، ومهتمّاً بالكتابة عنهم، ومشغولاً بأمورهم لا بأحدٍ غيرهم.

لكأنّهم يطلبون منك أن تكون في تصرّفهم، مجاناً وبلا مقابل، وبغير دعوةٍ منهم إليك من أجل ذلك (2).  ذاك وهْمٌ اسمه حقٌّ لهم عليك؛ وهم في منظورهم “يعتقدون” أنّهم يعملون لمصلحتك ومنافع المجتمع، والفكر بخاصة. وكمثَلٍ آخر، إنّ المدرسة التحليلنفسية العربية اهتمّت، من بين صغائر الأمور أو “الأشياء” التي قد تبدو خفيفةً أو بلا معنى، بالعودة إلى النجاح في ” وضع العناوين للكتُب الفلسفية (كتاب السعادة والإسعاد، للعامري؛ كمثَل). لقد استطعنا اكتشاف معنى جديدٍ أو مخبوء لكلمة “الحكمة”؛ وبالتالي اكتشاف المقصود المحجوبِ في “الحكمة الخالدة(3).

لماذا هي الحكمة خالدة؟ ما هي تلك الحكمة التي قيل أنّها خالدةً خلودَ الزمن والبشرية والحياة؟ أيكون معناها لاهوتيّ الهوى والقوام والنسغ؟ شفاء الفكرِ أو التدبّرِ والنظرِ يكون في تهذيبه، فما علاقة الحكمة مع الشفاء والنجاة، مع الفَوْزيْن أو الخلاص، مع العلم والتعبّد والتصوّفات العديدة؟ تُستدعَى، هنا، عناوين حكيمةٌ وحِكْمَوية من نحو: شفاء السائل في تهذيب المسائل…؛ عرائس المروج…؛ شذَرات الذَهب…؛ مروج الذَهب…؛ الروض الأنُف…؛ أُسد الغابة…؛ بدائع الزهور… ومن العناوين الدالّة على المناهج الحكيمة: تعاقُب الأمم وتراكُم الهِمَم؛ تسهيلُ النظَر وتعجيل الظّفر، إلخ، إلخ.

————————–

(1)  أعلن صفوان، مراراً، أنّه مُحِبّ بل عاشقٌ للحقول الفلسفية. وذاك ما التقطه كثيرون من المحلّلين، في الأريكة العربية، عند صفوان وزيعور وآخرين (حبّ الله، النابلسي، ماجد كنج، مريم سليم…).

(2) التحليل النفسي تُقيمه وتُتوّجه الفلسفة عَبْر إشغالها لخطابٍ نقدي في المجتمع والسياسة، أو في العلائقية والجماعة، الحقوقِ والقيم.

(3) يستاء أحد الزملاء منّا لأننا لم نكتب عن كتابه؛ أي لم ننتقده، لم نمدحه ونشهره.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This