قمل العانة: التباس حفلة القراءة بألم الكتابة

قالت صديقة بعد أن قرأت ما كتبته أن بإمكانها أن تجعل الرواية ملموسة، لكن حين ورطتني سيرورة القراءة في بناء المعنى، وجدت نفسي أمام عبارة تقصدني وتستهدفني بإيحاءاتها العميقة” إنها اللوحة/الرواية كائن حي. يكفي أن تجرحها حتى يسيل منها الدم”. عندها أدركت أن علي أن أتواضع كثيرا في مقاربة هذه الرواية وأنا أحاول ملء فراغات، و شقوق النص، حسب الفرضيات التأويلية التي ارتسمت في ذهني، استجابة للسجل الثقافي الفكري والنقدي لزاوية نظر القراءة في تفاعلها مع النص. ” الامر لا يتعلق بذات ناظرة تقهرها صعوبة التأويل، وإنما بنص يفيض لوحده كما يقول ألتوسير، نص لا يعطينا نفسه إلا في ما يحجبه، وبالضبط في ما يحمله في طياته من رخاوة، خلف مظهر أقوى الحقائق بداهة، في الصمت الذي يتخلل خطابه، والنقص الذي يعوز مفاهيمه، والبياض الذي يتسلل الى سواد كتابته الدقيقة. ومجمل القول في كل ما ينطوي على خواء رغم امتلائه.”

 1- الكتابة مهنة صعبة

” أعرف أن الكتابة عن المرأة – حتى العادية- أمر عسير وعويص، فما بالك إذا كانت” فنانة” مشاكسة ومهووسة مثلك، مركبة من زنابق وأشواك، من حب وكره وطين وجمر… إنه أمر صعب جدا، لكني وعدتك، وسأحاول…”27

ليس سهلا أن تأخذ الكتابة على عاتقها مسؤولية خوض المعركة ضد البربرية وقد ترسخت ليس فقط على الأرض بسجونها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وذات الاسوار العالية التي تعمل على إلغاء الانسان، بل أيضا تلك الاسوار العالية والعميقة الجذور في الرؤى والأفكار، في العلاقات والدلالات، وفي الحواس والادراك والوعي بالذات والكينونة، والأخر- المرأة هنا في الرواية- كأنا نفسي، أي ذلك الجزء الحي من الذات الذي تم تبخيسه وتحقيره وقهره، والتقليل من قيمته الإنسانية والتنكر له في حق الوجود والحرية والكرامة والمساواة، والزج به في منطقة الظل المعتمة خوفا من عدوى لوثة مشبوهة قد تحط من جهنمية الفحولة أو الرجولة، هذه الآفة التاريخية التي جعلته- الرجل- ضحية دموية لسم السلطة. الكتابة في النص اكتشاف للتقاسم المشترك لكل ما هو إنساني في الرقة والذكاء، الحدس والعقل، العطاء الفكري والثقافي والفني الإبداعي،  وفي النبع الإنساني. وقد تم كبت كل هذا وقمعه في الأعماق استجابة لسطوة الصورة السائدة عن الرجولة. ” وما الفرق؟ نصفي امرأة ونصفي الاخر يشبهها في القسوة والرقة والغيرة و ” التخبيص”… قيدنا واحد وحكايتنا واحدة28 . لهذا يزداد شقاء الكتابة في الوعي بالمسؤولية الصعبة، كلما تعلق الأمر بالمرأة، حيث تمتحن الذكورة في مدى قدرتها على التخلص من قناعها السجان/الجلاد الموشوم في ثقافة العار والعيب، و خطيئة القهر المشبع بوهم النقص المنحط، ” كل منا يكمل خطيئة الاخر، وما من خطيئة، صدقيني. من ذا الذي اخترع الخطيئة ونسي الخطأ؟ نحن مجبولون على النقص حتى نكتمل، النقص مجدنا وخلودنا… أجسادنا خلقت عائبة، وكل جسد يحتوي عيب الاخر، من دون احتواء.”29 الكتابة في الرواية واعية بهذا النقص المولد لسيرورة استحالة الاكتمال، حيث العلاقة المكتملة بين الرجل والمرأة تكون في استحالة اكتمالها. وليس أمامها إلا أن تخوض هذه المعركة، حيث ” لا وجود لذكر وأنثى في السليقة والإبداع فالطبيعة أنثى، وكلاهما نسخة عنها… سننتظر كثيرا حتى نتشابه، ربما بضعة قود، وربما يجب علينا أن ننتظر الموت، ليس موتك أو موتي، بل موت الحكايات.”29

وإذا كانت الكتابة مهنة صعبة كما قال ناظم حكمت، مسؤولية جسيمة لا ينبغي ادعاء القدرة على تحمل آلام مخاضاتها المرعبة في ولادة الانسان من جديد رفضا لليأس ولغة القهر والموت. “أنا كاتب متفائل، أحب إشعال الشموع. كلما قتلوا شاعرا ورثت دمه، وكلما قتلوا امرأة ورثت رحمها، وكلما قتلوا طفلا ورثت براءته وألعابه… قد أكون طوباويا أو رومانسيا، وربما مثاليا أو مراهقا سياسيا، لكني متفائل بعمق، على الرغم من هزيمتي وانحساري، وعلى الرغم من خوفي وشعوري العميق بالغدر والخذلان من قبل العالم وكرته الأرضية، وأصدقاء بلدي وأعدائها وأشقائها وعشاقها وخلانها وجيرانها…”، فإنها- الكتابة- تزداد صعوبة حينما يتعلق الامر بحكاية امرأة مجروحة في كبريائها وكرامتها وقيمتها الإنسانية. امرأة ترفض أن تكون مجرد غسيل قذر ينشره الكاتب على قارعة الطريق، أو جسدا ذاعرا يمارس غواية الشيطان وفقا للغة الفحولة المتغطرسة المسكونة بهواجس السلطة. امرأة ترفض أن تكون مجرد كابوس أو حلما لتجار الصمت، تلك التجارة الفظيعة التي يمارسها المبدع العربي باسم الخيال الخلاق. إنها المرأة التي تنتفض في وجه العجز الفكري والادبي الذي يكتفي بخيال العري، تبعا لتمثلات هوامات رجولية/ذكورية بذيئة وساقطة، دون أن يقوى على رؤية العري الذي رافقها منذ الولادة.” لم أكتشف أنني عارية، ولم أتلمس أو أشهق أو أستغرب ما حدث أنا عارية مذ ولدت، وحياتي العادية هي الكابوس”.23 لذلك هي تسخر من عري الخيال، أي فقدانه، الى حد انعدام المعنى، مجرد خيال واطئ السقف والرؤية والجمال في توليد الخصائص المعنوية والفكرية ذات المسحة الفنية الجمالية التي تجعل القارئ يفكر في الاقتلاع من نفسه المقيدة، لاكتشاف ذاته الأصيلة، بدل ذلك الخيال المسكون بهواجس الجسد الفاغر الفم، الذي لا يتقن غير التلصص على معاناة المرأة،  مُبخسا جراحاتها في حياة عارية من ثقافة الحرية و الاعتراف والعدالة. لذلك تتشكل في الرواية لغة مشحونة ومفعمة بالكثير من السخرية والتحدي في وجه الكتابة التي تتجاسر على خدش آلام عذابات المرأة الحميمية، وهي تحاول زورا التعبير عن عمقها الذاتي، أي آلام معاناتها القابعة في نواتها الحميمة الخاصة. ” ثمة أشياء، لا نستطيع نحن النساء البوح بها، حتى لأقرب المقربين لدينا، لصيقة هي بأرواحنا، دافئة أكثر من جسدين. هل تعرف ذلك؟ أم تراني وأنا أداعب براعمي وأشهق، هكذا بلا سبب أو مقدمات… لك أن تجتاح جسدي بمنظار وهمي، من خلف ستائر مغلقة، لك أن تهرس حلمتي بأسنانك، لك أن تتخيل ما تشاء… لكن كيف تستطيع أن تنفذ الى الجوهر، الى الرحم؟”24 هذا هو التحدي الكبير الذي ينتصب في وجه الكتابة التي تأخذ على عاتقها إنسانية المرأة. لذلك عليها- الكتابة- أن تصفي حسابها مع ذلك الاستمناء الأدبي الشائع الذي يمارسه الكثير من الكتاب. ” إنهم يمارسون العادة السرية يا لها من لعبة مجازية خطرة، هل يعقل أن يكون الخلق ممتزجا الى هذا الحد، بالشهوات العابرة الهجينة؟” 26 . إنها تعلن بوضوح موقفها الصارم  من ثقافة التفاهة الرائجة في الكتابات العربية، التي لا تمتلك جدارة الجرأة في إنتاج أفكار بعيدة عن عقدة الاضطهاد، ونقيضة لثقافة الازدواجية المؤسسة للنفاق والتفاهة والانفصام، وانفعال التجاذب الوجداني الخبيث. ” معظم الكتاب العرب تافهون، مع احترامي لك ولهم، لديهم عقدة اضطهاد مزمنة. إنهم… منافقون، غير مهنيين ولا موهوبين… وكيف يمكن للصغار أن يكتبوا أفكارا كبيرة، عن الوجود والمرأة والحرية والجمال؟ المرأة في نظرهم عاهرة ملعونة، أو طاهرة منزهة، مقززة ومشتهاة وفاتنة، في الحقيقة والحلم، وفي الأحوال كلها، ليست شريكا، بل تابعا… إن جرحها سيظل ينزف الى الأبد.”34

هذا يحدث في ظل حضارة ذكورية حكمت على المرأة بالموت الصريح والمقنع، في شروط مجحفة وظالمة الى حد الإلغاء كمشروع وجودي، وما يترتب عنه من إعدام للمعنى الذي يؤدي الى إعدام للحياة. كيف لامرأة جريحة مقهورة ومعذبة أن تتقمص الطبيعة في تمردها وانتفاضها، فيما يشبه الأعاصير والفيضانات والزلازل والبراكين، في غياب الوجه الأنثوي الاخر- الرجل- الذي ارتضى لنفسه لعنة الجحيم دافعا جزأه الحيوي قربانا لنزعة السلطة المشؤومة في السيطرة والقهر.؟ ” المرأة تدفن حية عندما تولد، وعندما تجبر على الزواج من رجل لا تحبه، أو تظن أنها أحبته… إنها تدفن حية في الحقول والمطابخ وغرف النوم، تدفن حية في ثيابها وحجابها وعبوديتها … تموت ألف مرة في الحياة الواحدة، وإن تمردت تحولت الى فاجرة أو زانية”35. هكذا تبدو الكتابة شاقة وصعبة وهي تمارس حرقة أسئلتها العنيفة، ومؤلمة الى درجة كبيرة في تحمل تبعات الرغبة في البوح، وتحقيق الاعتراف. وكيف للكتابة في لغتها واستعاراتها، وهي ذكورية بامتياز كبير أن تتسع في تنوعها وثرائها، وتكون مضيافة برحابة صدر قادر بكل حرية وجرأة على انتظار جودو الاكتمال في احتضان بوح امرأة ” يخدش الحياء، يخرمش السماء والفطرة البشرية… مصابة بجروحة، لا أشفى منها بالكتابة وحدها… لا أملك الحق ولا القدرة على البوح، أو حتى التساؤل، هل منعك أحد- يوما ما- من السؤال أو التساؤل؟ هل جربت ذلك؟؟ أنا قادرة فقط على التخيل.”37″

2- الشكل الروائي: في انتظار جودو الاكتمال

تبني الرواية متخيلها النصي وهي تعتمد اللغة الثانية بتعبير رولان بارت، أي الميتاسرد. إنها تتعمد بذلك توريط القارئ في تشكلها كشكل روائي تخييلي، يسهم القارئ في إنتاج المعنى وتوليد الدلالة، بدفعه الى التفكير والتأمل والتخييل. تضعنا الكتابة أمام مسلمة واضحة أن لا شيء معطى بشكل مسبق، فاللعبة السردية تقحم القارئ في سيرورة التدليل والبناء للمتخيل الروائي. فالكتابة تستهدفه وتحمله مسؤولية خلق نوع من وحدة التماسك النصي من كل تلك التمزقات والقطائع والشظايا المتناثرة التي لا ترمي الى خلق المعنى من خلال التركيب، بل خلخلة التركيب لإنتاج المعنى وتوليد الدلالة. فألم الكتابة الذي يعيشه السارد وهو يحمل ذاكرة موشومة بالعذابات والحرائق الملتهبة في النفس تجعله في أمس الحاجة الى نظير، أي قارئ يقحمه في سيرورة الكتابة ليعيش التجربة نفسها التي كابدتها شخصيات الروائية جفان، فرج، وهند/طهران…، ويتعرف على المنعطفات الرهيبة المشحونة بعذابات الآلام، وحجم الخيبات الهائلة التي وسمت المسارات المروعة والمرعبة لكل شخصيات الرواية. فسيرورة آلام الكتابة التي يحاول القارئ تتبع نبضها الحي تجعله معنيا بحفلة التلقي، بتعبير منيف للحفلة، وهو يشهد على نفسه وعلى الاخرين- شخصيات النص- على البشاعة المروعة التي لم توفر الانسان والمدينة والحيوان والبيئة، فقد طالت همجيتها و وحشيتها الجميع بما في ذلك الطفل فرج. لقد سلخ الطغيان القيمة الإنسانية من الجميع وفكك هويتهم الذاتية، وجعلهم مجرد أشلاء فاقدة لبعدها الذاتي النرجسي الذي يحمي الفرد من الانهيار والسقوط. وجعلهم مجرد ظلال تحاول الاستماتة والنهوض في وجه لوثة العدوى” قمل العانة” التي انتشرت كالنار في الهشيم، وهي استعارة عميقة على الفساد والإفساد، بتعبير طيب تيزيني ” الدولة الأمنية تسعى إلى أن تُفسد من لم يفسد بعد، ليصبح الجميع مُدانين تحت الطلب، وعملية الإفساد هذه هي السبيل نحو حماية المفسد وبالتالي فإن الوقوف عن الإفساد يُسقط كل هذه المنظومة”.

والرواية في منطقها الداخلي تشتغل بألية التناوب السردي بين الراوي وهند/طهران، هذا ما يساعد النص في تشكيل متخيله، كتشكل لحكاية في حكاية من زاوية ميتاسرد تحاول فيه إشراك القارئ في عملية البناء والصوغ الروائي. وخلال هذه السيرورة القرائية تنكشف المؤشرات النصية كمحددات أو موجهات إرشادية قادرة كدعائم فنية جمالية على احتضان آلام الكتابة التي لا خيار لها غيرالهتك والاختراق وخرق صمت الذاكرة في تواطؤها مع النسيان، وممارسة العري فنيا وروائيا، أي دون اعتداء رتابة شكل الكتابة كثوب بغيض على جمالية وفنية الرواية. هكذا كان جفان الفنان في رؤيته الجمالية الفنية، وهكذا تريد الرواية أن تكون” لا يكون الفن حقيقيا إلا إذا كان عملية هتك وكشف وزنى…( لا يكون الفن حقيقيا إلا إذا كان عاريا، الثوب اعتداء على الطبيعة)49. من خلال هذه المؤشرات نعرف أن الكتابة معنية بمقدار هائل من الرعب والعذاب والآلام. ورغم ما يدعيه السارد من رغبة كبيرة في الابتعاد عن أدب السجون، لكن  الكثير من العلامات تفضح رغبته الدفينة في التعرف على الوجه الاخر لوحشية السجن وهمجيته.(السجان) ذلك الوجه البشع للحياة العارية حيث لا يخشى المجرم العقاب و الحساب والمتابعة القانونية، ولا اعتراف بالضحية التي لا ترقى الى مستوى البشر. هكذا يتم بناء الحكاية بالتفاعل والشراكة مع القارئ، ليصير عالم الوقائع، متن وجسد النص، واقعي، رغم جنون اللامعقول الذي يقود سيرورة تشكل متخيل الكتابة المؤلمة المقبلة على كشف غطاء النسيان عن سنوات مريرة، عاشتها امرأة قمعت حريتها الوجودية، وانتهكت كرامتها واغتصب جسدها وعمرها، وخربت ذاكرتها. ومع ذلك بقيت شاهدة على نفسها و الاخرين، جفان وفرج…

لقد فرضت هذه الشخصية، أو هذا الكائن الورقي، هند/طهران نفسها على السارد/ الكاتب الضمني ولم تعد تقبل بالترضية والتسوية والتنازلات في اشتغال استراتيجية الكتابة، فهي لها أسئلتها المحرقة، ولم يعد بإمكان أي كان أن يحدد مساراتها في استواء حكايتها في الرواية. لذلك يجد السارد نفسه مكرها، و رغما عنه معنيا بأسئلتها ، بحكايتها المؤلمة التي تحملها في أعماق ذاكرة الصمت والنسيان.” كيف يستطيع هذا الجسد النحيل الشفاف أن يحتوي سنوات الشوك تلك، التي لا يمكن احتواؤها؟”50 . هذا الصمت السادر تجاه ما حدث خلال سنوات طويلة من الألم والرعب، هو ما يعذب السارد في متواليات سردية يكتبها من حين لآخر، وهي تتضافر وتتقاطع مع الاطلالة المستمرة للمرأة فيما يخطه السارد من خيالات عرجاء، تحتاج لصوت امرأة حرة وجريئة صلبتها محنة سنوات عجاف عمها القحط والظلم ، امرأة تعلن حضور الغياب، بأسئلتها التي لا تغادر الذاكرة.” لماذا بت أتذكرها وأعشق كل تفصيل فيها الآن؟ ولماذا أصبحت لجوجا فاقد الصبر، لا طاقة لي على انتظار ردها؟56.  لهذا يحاول استدراجها كي تتحمل مسؤولية نسيج العنكبوت/ الرواية. ” ما هو السحر الذي جذبني إليها، وجعلها تسيطر على حياتي وروايتي؟ كنت أكتب بهدوء ومتعة كبيرة، رواية جديدة تشبهني، لكنها منذ أن طرقت بابي غيرت مسار حياتي، وخلال مدة لا تزيد عن فنجان قهوة، خلخلت كياني…”55

وفي هذا التوازي المتفاعل بين سيرورة الكتابة وسيرورة القراءة، تحاول الرواية أن تورطنا في انتظار جودو الاكتمال، “كما قال يوما ذلك المجنون بابلو بيكاسو، عندما رسم سيدة فقالت له إن اللوحة لا تشبهها، فقال انتظري، سوف تشبهك، عليك أن تنتظري لا أكثر”27.  فالسارد يعبر بوضوح  عن حاجته للمرأة حتى تكتمل روايته، وبتعبير أدق فإن الأسئلة التي أطلت برأسها لم تعد تقبل التوقف أو الرجوع الى الوراء.” كنت بحاجة الى امرأة، كي أستطيع كتابة روايتي، وكنت أعلم جيدا أن هذه الرواية لن يكون لها أي معنى، بمعزل عن تلك السنوات المثيرة التي عاشتها… كنت أمتلك فكرة غامضة حولها، وكنت بحاجة ماسة لأن تكتب هي عنها.”62

تبعا لآلية التناوب السردي لهذا الشكل الروائي تواصل الكتابة بحثها الدؤوب عن الاكتمال. فتتابعت النصوص في نوع من التوالد الحكائي البعيد عن الخطية والتسلسل المنطقي، لتزج بنا في عوالم مقطعية مستقلة لوحدات سردية تبدو في الظاهر مفككة لا يجمعها رابط الوحدة والتماسك، إلا أنها في شكل كتابتها تبحث عن الكتابة المستحيلة، التي لا تتحقق إلا باستحالتها، غير الجاهزة، ولا هي معطات بصورة مسبقة كلغة تقريرية واقعية، أو كمعطيات وضعية تنسخ الواقع في حرفيته.

3 – التباس حفلة القراءة بألم الكتابة

وأنت تقرأ رواية ” قمل العانة” عليك أن تقلب منطق الجلاد وأنت تتعرف على المقدار الهائل من الألم والعذاب الذي عاشه كل من جفان وفرج…، والحجم المرعب من السادية والهمجية التي تميز بها الجلاد، وفرضه الطغيان كحياة عارية تستبيح السحل والتنكيل والتعذيب بمختلف أنواعه وأشكاله، وفق سياسية تختفي فيها الجريمة السياسية القانونية والإنسانية، حيث لا وجود للمعاقبة التي تسمي المجرم. ولا تتسع اللغة لتسمية الدم المهدور ضحية. يُلزمني ألم الكتابة وعذاباتها الرهيبة، في حق كل من جفان وفرج وهند/طهران، والدمار والخراب الذي أتي على المدن كلها بما فيها ومن فيها، بالسيطرة على جميع حواسي وضبط تنفسي، والانصات لجسدي وما ينبعث في أعماقي من نداء عات في وجه البربرية. فالشهيق كلما دخلت الكتابة دهاليز وسراديب الألم في عمق سجون الأسد التي لا تعرف غير بشاعة سياسة الموت، وموت السياسة، ” كان يجب أن أموت، لأني فقدت إنسانيتي. تمكنوا من إذلالي وكسر إرادتي وكرامتي، خلال بضعة أيام وليلة… جريمة التظاهر والهتاف للحرية، لم تعد تكفيهم.”63 لأن الطغيان جنهمي في طبيعته السياسية دائما يصرخ هل من مزيد؟ لا يتعب من القتل العاري، الذي لا يقيم اعتبارا وقيمة لحياة الاخرين، كما لو أنها حياة غير جديرة بالحياة. فالجلاد لا يعذب إنسانا بقدر ما يحارب مخلوقا حقيرا كالجراثيم”  والله لخليك تشتهي الموت وما يجيك ياحقير… والله لخلي الذبان الأزرق ما يعرفوينك ياكلب.”65و66. هكذا تتضافر جدلية القراءة والكتابة، بالتوازي مع جدلية الألم والعذاب. فالقارئ يجد نفسه معنيا بالضربات ومختلف أنواع التعذيب، فهو لا يستطيع أن يقول نجوت من حفلة التلقي التي تقذف به في أتون الكتابة حيث مرجل ألم الكتابة لا يهدأ، ولا يمكن أن يتوقف. لهذا لايمكن أن يتحول القارئ الى مجرد شاهدة قبر، بل يصير طرفا في هذه البشاعة البربرية التي لا تقبل الحياد الكاذب.” لم أعد قادرا على التحمل أكثر. جروحي تقيحت وبدأت تنز، والسجان صار يضع على أنفه كمامة، قبل فتح زنزانتي. تمزق جلد قدمي الى نتف، بعد أن تورم، وانفجرت منه كريات الدم والقيح…  سحقوا ركبتي. علقوني على السلم. كسروا ظهري بالكرسي القلاب. وصار الجلاد يشحطني شحطا الى غرف التعذيب مثل كيس ممتلئ بالعظام والقيح.”64 ويكبر السؤال في وجه القارئ وهو يتقي الضربات ويعاني من عذابات الآلام التي تفجرها في الأعماق لعنة الكتابة الموشومة بالحديد والنار، وهي تحرقه بلهيب حرقة أسئلتها التي لا تهدأ، بل تتجرأ أكثر لتوقف القراءة التي ترفع رأسها، وقد فُتحت في وجهها عوالم كثيرة لنصوص تسكن خلفية السجل الثقافي للقارئ، من أدب السجون الى “منبوذ”  جيورجيو أغامبن. “هذه هي القراءة الحية التي يتحدث عنها بارت، والتي لا تحترم النص ولا تخضع له، فهي ما تفتأ ترفع رأسها متوقفة، لا يقول صاحب ” لذة النص” إنها تتم في استقلال، و إنما في ” عدم احترام” للنص. إنها ترفع  رأسها من حين لآخر، ليس إهمالا للنص وعدم اهتمام به، وإنما من فرط ما يكتسحها من أفكار وما يخالجها من تنبيهات وما يخطر ببالها من ترابطات، تبعدها عن النص من غير أن تبعده عنها.” هكذا تنطلق الأسئلة دون أن تنتظر من يأذن لها: أي نوع من المخلوقات هو الجلاد؟ وسرعان ما يعزز ألم الكتابة سيرورة حفلة القراءة بالعشرات من الهواجس والأسئلة نفسها.” كثيرا ما كنت أتسائل مثل غيري من السوريين والعرب: كيف يعيش الجلاد- من هذا النوع- مع زوجته وأولاده؟ ماذا تعني له كلمات الشرف والإخلاص؟ كيف يمارس الحب والجنس؟ هل يعشق الجمال ويتلفظ بكلمات الاطراء والحب والغزل؟… هل يحلم في الليل ويتألم في النهار ويشعر  بالخوف من العقاب مثلنا؟…”83

وإذا كانت مثل هذه الأسئلة قد دارت في رأس كل قارئ وكاتب أدب السجون، فإن أسئلة غريبة لم تكن في الحسبان، وصعبة القبول والتقبل، قد فرضت نفسها ولم تعد تقبل غض الطرف والتجاهل، ليس رغبة في عدم طرحها، أو نتيجة الخوف، والتذرع بمسوغات الظروف غير المواتية، بل لأنها كانت روح الأسئلة، أو سؤال الأسئلة كما يقال. ”  هؤلاء ليسوا يهودا كي تحاربهم بالإضراب عن الطعام. هؤلاء شركاؤك في الوطن، لكنهم خبثاء أشرار بلا شرف أو ضمير. وهم أسوأ من الوحوش الضارية، ويملكون خيالا أوسع من خيال إبليس.”66.

وفي المنعطفات الوعرة والشديدة التعقيد لتفاعل حفلة التلقي بألم الكتابة، لا يتأخر الزفير، كلما انتصر السجين في وجه آلة التعذيب المنحطة والغبية التي لا ترحم بؤس الانسان الأعزل وهو يدافع عن فكرة، رؤية أخرى لا غير، بطريقة سلمية لا تتجاوز هتافات للحرية. فذلك التلاحم الإنساني العميق بين السجناء، وتلك التفاعلات التي تختلط فيها الحواس بين الفرح والحزن، بين النظرة والصمت، كما لو كانت تودع في الأعماق أمانات الحب والصمود والرقة والقوة، والشموس الأخوية، في نوع من الاثراء المتبادل، تجعل القراءة طرفا معنيا بهذا التحدي في خوض المعركة دون أن يتبين الجلاد سر هذا الترابط والتفاعل لجدل التكامل بين الكتابة والقراءة. حيث حفلة القراءة هذه تجعلني معنيا بسجان، جلاد، جنرال الأسدية كشمولية بشعة تتجاوز  التركيب العائلي، والسلالة البيولوجية لتجد نفسها في الحقل الدلالي السياسي للفاشية والنازية والصهيونية كأنظمة سياسية شمولية، عنصرية واستعمارية وإبادية، تتغذى على الموت.

يتبع…

الهوامش مأخوذة من رواية:

غسان الجباعي: “قمل العانة”، دار شامة للنشر، 2020.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This