مساءلة نقدية لمفهوم هايدغر للميتافيزيقا: سؤال الكينونة وشفرات الذات 

 

صدر عن “سلسلة أطروحات الدكتوراة”، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب بشير ربوح “المساءلة النقدية لمفهوم الميتافيزيقا في فضاء اللغة عند مارتن هايدغر”. يستمد هذا الكتاب أهميته من اشتغاله على مسار فلسفي يهتم بنقد مفهوم الميتافيزيقا بطريقة مغايرة تمامًا لما هو سائد في الفكر الغربي، تم الاعتماد فيه على قراءة للمسار الهايدغري، وتتبع سؤال الكائن، وسؤال الكينونة المنسي من متن النص الميتافيزيقي. عبّر هايدغر عن مرحلة فكرية خطِرة في الفكر الغربي؛ لأنه استشكَل المسألة من جهة النسيان، لا من جهة الذاكرة، فهو بحث في الوجه المستبعَد والمقصي واللامفكر فيه.
هذا الكتاب (خمسة فصول في 456 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) عمل نقدي يعاين لغة النص الهايدغري التقويضية النقدية، ومدى انفكاكها عن مسار الميتافيزيقا الغربية، أو امتدادها فيها.

لاهوت وفينومنولوجيا وهيرمينوطيقا
في الفصل الأول، “الأبعاد الأساسية لفكر هايدغر: اللاهوت، الفينومنولوجيا، الهيرمينوطيقا”، يقف ربوح على بعض المعالم الكبرى في المسار الهايدغري، حيث تشكل في الفضاء اللاهوتي، ومنه أدرك أن اللاهوتيات عاجزة عن فهم ذاتها، لأنها لا تمسك بموضوعها، ولا تحوز

“أدرك هايدغر أن اللاهوتيات عاجزة عن فهم ذاتها، لأنها لا تمسك بموضوعها، ولا تحوز الأدوات والتقنيات والتقاليد التي تجعلها فكرًا أو فلسفة”
الأدوات والتقنيات والتقاليد التي تجعلها فكرًا أو فلسفة. وعلى أساس هذه التجربة، حكم على عسر الجمع بين المسيحية والفلسفة، والاقتراب من الفينومنولوجيا، الذي تزامن مع انخراطه في المجال البروتستانتي، واطلاعه على سؤال الكينونة، فيكون هايدغر قد ولج عالم الفلسفة. ونظرًا إلى الحركية الفكرية القوية التي كان يعيشها، تعرّف إلى المنجز الهيرمينوطيقي، فبدأ البحث عن معنى الكينونة.
يرى ربوح أن هذا المسار يبيّن أن هايدغر سيكون مع موعد تاريخي من الناحية الفلسفية، يتمثل في البحث عن سؤال الكينونة، باعتباره السؤال المنسي من متن الفكر الغربي، “وبحكم أن هذه الإشكالية هي بحجم تاريخ الفلسفة، فإن المشروع الهايدغري سيدخل في اشتباك معرفي مع الشخصيات المرجعية الكبرى، والأطاريح التي أثثت البيت الفكري الإنساني”.

من الصباحية إلى اللاهوتية
في الفصل الثاني، “سؤال الكينونة من النصوص الصباحية إلى الانخراط في المشروع اللاهوتي”، يقرأ ربوح الدرس التاريخي في فضاء الفلسفة، فيجد أن الكينونة هي سؤال القدر بالنسبة إلى الفكر الغربي، لكن هذا الفكر انخرط في مسار النسيان بسبب عوامل متعددة وأنواع مختلفة من الحجب، وإدراك هذه العوامل خطوة لازمة لفهم تمفصل سؤال الكينونة، وقد ساهمت اللغة في تكريس نسيان الكينونة.
ويذهب المؤلف في هذا السياق إلى أن النسيان لا يُعدّ مفهومًا قدحيًا، أو مستهجنًا، بل يعبّر عن تلك القوة المحركة للفكر الغربي؛ إذ هو الذي كان سببًا في تشييد هذا الصرح الفكري كله في الغرب، واستطاع أن يحرك سؤال الكائن، جاعلًا إياه ينبوع التصورات والإشكالات الكبرى في تاريخ الإنسانية. كما يجب النظر إلى المنجز الصباحي للفكر الغربي على أنه نص الولادة الكبرى، حيث كانت الشذرات هي التي صدر منها قبس السؤال، ومن روح الشعر البارمنيدي، تشكلت الكينونة وحدث التماهي مع مبدأ الهوية، وعالم الفكر، غير أن هذه اللحظة الانعطافية انطمست في تربة النسيان، بفعل النص الأفلاطوني، والرؤية الأرسطية. ويرى المؤلف أن الأفلاطونية بداية الميتافيزيقا، وفيها حضرت اللغة بحسبانها منقذًا لأفلاطون من العسر الناتج من نظرية المشاركة، أما الأرسطية فهي التي توحد فيها المنطق باللغة، وحدث فيها التعالق الغليظ بين اللاهوت والرؤية الطبيعية.

سؤال الكينونة وبراديغم الذات
في الفصل الثالث، “سؤال الكينونة وبراديغم الذات”، يسجل ربوح خمس ملاحظات مهمة: الأولى، على الرغم من قيمة المنجز الذي قدمه ديكارت، وخصوصًا في مسعاه الكبير لجهة

“يرى ربوح المؤلف أن الأفلاطونية بداية الميتافيزيقا، وفيها حضرت اللغة بحسبانها منقذًا لأفلاطون من العسر الناتج من نظرية المشاركة”
تأسيس حداثة تنبني على فكرة الكوجيتو، والبحث عن يقين يتعايش مع البداهة القائمة في ساحة الوعي الذاتي المزود بالنور الطبيعي، فإن هايدغر اكتشف في فلسفة ديكارت جملة من القوادح تتلخص في أن الديكارتية تنتمي معرفيًا إلى أفق البحث عن الكائن، وأنها ضاعفت منسوب نسيان الكينونة؛ الثانية، في مسار مخالف لتوجه الكانطية الجديدة، حرص هايدغر على تقديم قراءة أنطولوجية للمنجز الكانطي، نظرًا إلى انشغاله، في الطبعة الثانية من مؤلف كانط نقد العقل المحض، بسؤال الإنسان، وقد تقدم خطوة جهة البحث عن سؤال الزمان المدعم بفكر التناهي، الذي أصبح عند هايدغر هو الأفق الإشكالي لسؤال الكينونة؛ الثالثة، كان لايبنِتز علامة فارقة في مشروع هايدغر، لأنه طرح السؤال الكبير والانعطافي في تاريخ الفلسفة: “لماذا هناك وجود، بدلًا من لا شيء؟”؛ الرابعة، إن المنجز الهيغلي مفتاح مهم لفهم مسار الكينونة بحسبانها فكرًا ينبني على مفهوم الاكتمال؛ الخامسة والأخيرة، التقنية هي الهالة العليا للميتافيزيقا الغربية، نظرًا إلى مراجعاتها الذاتية ونزعتها الأداتية الخالصة.

من التأسيس إلى التجاوز
في الفصل الرابع، “من سؤال التأسيس إلى تخوم التجاوز”، يقول ربوح إن هايدغر لم يكتفِ بتوجيه النقد إلى براديغم الذات، بل حرص على التفكير في البديل المعرفي الذي قدمه في صيغة ميتافيزيقا جديدة هي ميتافيزيقا الدازاين؛ “لأنه أدرك أن الفكر الغربي في حاجة إلى رؤية أنطولوجية تنبني على فكرة “الأنا موجود” الذي استخرجه من ركام “الأنا مفكر”، خصوصًا في صيغته الديكارتية، وعلى أساس فكرة الكينونة بحث في معانيها وارتباطاتها مع الحقيقة والزمان والكائن”.
يضيف المؤلف أنه على الرغم من المكاسب المتحققة من ميتافيزيقا الدازاين، وخصوصًا حينما أدرك هايدغر المخاطر التي تتربص به، والآتية من عالم “الهُمْ”، فإنه فهم أنه “ما زال هو يتحرك في فضاء يفكر بالتزام مع سؤال الكائن، أي إن الدازاين هو الشكل المتطور من ميتافيزيقا الذاتية، فبدأ يبحث عن مخرج معرفي، فعثر عليه في فكرة “الاختلاف الأنطولوجي”، مع حرصه الشديد على استعمال مفردة جديدة هي مفردة “راعي الكينونة” التي توحي عنده بفكرة اليقظة”.

كينونة ولغة
في الفصل الخامس، “سؤال الكينونة وأفق اللغة”، يشتغل ربوح معرفيًا على مرحلة المنعطف في فكر هايدغر؛ فيجد أن المنعرج كان استجابة معرفية واستشكالية لمقتضى فكري، “تمثَّل في اكتشاف انخراط اللغة في الميتافيزيقا، وأن هذه اللغة ما زالت منغرسة في خطاب براديغم

“يشتغل ربوح معرفيًا على مرحلة المنعطف في فكر هايدغر؛ فوجده في استجابة معرفية واستشكالية لمقتضى فكري، “تمثَّل في اكتشاف انخراط اللغة في الميتافيزيقا”
الذاتية، وأن الاستبدالات التي قام بها هايدغر على مستوى البحث عن مفردات جديدة مثل الدازاين، هي محاولة لا تخرج عن الأفق العام لميتافيزيقا الذات”. كما يخلص المؤلف في هذا السياق إلى أن الاعتماد على اللحظة النيتشوية عند هايدغر “خطوة مهمة في معرفة المنعرج وفهم تمفصلاته، حيث تبين من طريق النبش الجينيالوجي في اللغة الميتافيزيقية أنها متورطة في المسار العام لبراديغم الذات، على الرغم من النقد النيتشوي اللاذع الموجَّه إلى مفهوم الذات، باعتبارها خرافة”.
يضيف ربوح: “غير أن التحليل الذي قدمه هايدغر إلى نيتشه يُظهر أن هذا الأخير ينتمي هو بدوره إلى الميتافيزيقا، ويُعَد آخر ميتافيزيقي غربي، ويختم بذلك المسار الغربي”، لافتًا إلى أن التعامل الهايدغري مع اللغة يبدأ من اعتبارها مسكن الكينونة، وأن المرور جهتها يقتضي الاعتماد على لغة جديدة تمامًا، عمل هايدغر على سحبها من السجل القديم للغة اليونانية واللغة الألمانية، مضيفًا نحت مفردات جديدة.

عنوان الكتاب: المساءلة النقدية لمفهوم الميتافيزيقا في فضاء اللغة عند مارتن هايدغر المؤلف: بشير ربوح

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This