الممكن في السّياسة والعدالة عند أفلاطون

 لن يتخلص الجنس البشري من البؤس والقهر في غياب الحكمة والتبصر للعالم وللمثل، تأملات في الممكن وتصورات لما ينبغي أن يكون في عالم السياسة، نفاذ الفيلسوف أفلاطون للطبيعة الإنسانية، وإمامه بقيمة الاجتماع البشري، ومواصفات دقيقة لكل قوى النفس، الناس معادن وطبقات، مراتب الناس تختلف في طرق الحياة، والنظر للواقع بمنتهى الحكمة أو الرغبة في الهيمنة والسيطرة، معالم السياسة والعدالة، لا تعني بساطة التناول، ولا عفوية البناء للسياسة ومواصفات السياسي، بل رؤية عميقة رؤية ذاتية وموضوعية في النماذج السائدة، في نمط الحكم للمدن المجاورة كإسبرطة، أو في الحضارات الشرقية، بل نظرة الفيلسوف الحالمة لإقامة مجتمعات عادلة من منطلقات القصور والضعف في الأنظمة والحكومات السائدة، يعني إمكانية بناء أسس للعدالة، وتصور للسياسة بعرضهما للنقاش الفلسفي والحوار الجاد، للبحث عن قواعد بناء المجتمعات العادلة، أو على الأقل التقليص من الشر والظلم، هكذا يقدم الفيلسوف أفلاطون في نزعته المثالية كما يقال، ورغبته في بناء الجمهورية الحالمة، تصور في الممكن من خلال أسباب وجيهة، تعيد الاعتبار للسياسة في مبادئها المتينة، وللعدالة التي اعتبرها أم الفضائل، فلا يفصل الفيلسوف بين المعرفة والحقيقة، ويقرر مرامي السياسة والدولة في العمل على سد النقص الذي يعتري الوجود الإنساني، ويمنح الأفكار لمسة فلسفية للتفكير البعيد المدى، حتى لا تتكرر أخطاء أثينا، التي أعدمت المعلم سقراط بدون مبررات، سوى الادعاء بإفساد عقول الشباب وسب الآلهة من قبل شاعر وخطيب وسياسي، ولا في سيطرة حكومة الثلاثين على السلطة بدافع القوة، ولا في غوغائية النظام الديمقراطي، الذي أنتج زعماء بدون حكمة نظرية وعملية، محاوراته المتنوعة شملت مجالات عدة وأقواها محاورة ” الجمهورية ” في العدالة والسياسة، مضمون المحاورة نقاش شديد على الفكرة الصائبة في بناء أسس السياسة والعدالة، وتصويب أهدافها بالأساس نحو بناء الدولة، طموح أفلاطون، البحث عن الحاكم الفيلسوف، وتجاربه في هذا المضمار باءت بالفشل مع حاكم “سيراكوزا” ديونيسوس الأب والابن معا في سفره المتكرر إلى صقلية بطلب من “ديون”صهر الحاكم، خيبة الأمل تعني انفلات السياسة من التفكير النظري والحكمة العالية، والمستبد يخشى من نفسه قبل أعدائه، خوف من الفيلسوف، ومن انقلاب الرعية على حكمه، عالم السياسة مصالح وتشبث بالسلطة بشتى الآليات الممكنة، بالقوة المادية والقوة الناعمة، بالتحالفات والدسائس، والرغبة في تصفية الآخر. من يقرا أفلاطون لا بد أن يميز بين مصنفات الشباب ومصنفات الكهولة، فهناك تداخل كبير بين أفلاطون ومعلمه سقراط، فيلسوف الفلاسفة حسب “مصطفى النشار”، مؤلف إغريقي لا يجاريه أحد حسب “شيشرون”، والفيلسوف الحقيقي حسب المؤرخ “ويل ديورانت”، ورائد المثالية في تصنيفات الآخرين من الفلاسفة . ترك السياسة وأسس الأكاديمية، فكانت فكرة معقولة للحفاظ على الفلسفة من عبث السياسي والسفسطائي، وأملا في تعليم الشباب الأثيني الحكمة، وتخريج الصفوة من الفلاسفة للمجتمع، دون اختزال الفلسفة في النقاش العمومي بساحة “الاغورا” على الطريقة السقراطية، أدخل مفهوم القانون في آخر محاوراته، التي تخلو من شخصية سقراط، أنزل القليل من المثالية حتى تلامس الأفكار الواقع، وتعمل الدولة على صيانة ذاتها بالنواميس.

العدالة في محاورة “الجمهورية”

ترسم محاورة “الجمهورية” ملامح السياسة كتصور لما ينبغي أن يكون من خلال نظرة أفلاطون لأثينا ونظامها الديمقراطي، القرن الرابع قبل الميلاد، غايات الفيلسوف تقعيد السياسة على قواعد متينة، والبحث عن المثال في الحاكم الفيلسوف الذي يرتوي بالحكمة والتبصر في التدبير والتسيير للدولة، حاجة الفرد لهذا الكيان السياسي المادي من منطلق القصور الذاتي في سد الحاجة، والرغبة في الحماية والسلامة، فن السياسة، الفن المهيمن على كل الفنون جميعا لأنه يشرع لكل الفنون الأخرى، وكل شؤون الدولة، ويحميها جميعا ببراعة فائقة، ويخرجها نسيجا واحدا (1)، السياسة التي يأملها أفلاطون، تعيد الاعتبار للفرد والمجتمع، وتؤسس للمنطق الذي يمنح لكل فرد ما يستحقه في الدولة، من أدوار ووظائف، مقياسها التربية والمران، والاستعداد لتعلم الفضائل الأخلاقية والعملية، العدالة هنا تعني الانسجام والتكامل بين مجموع القوى النفسية، ومجموع القوى الاجتماعية، يعني تحقيق العدالة الفردية والعدالة الاجتماعية، ففي بداية المحاورة، هناك نقاش بين أطراف مختلفة عن العدالة، وسبل تحقيقها، شخصيات المحاورة تضم كل من “كيفالوس وتراسيماخوس وبوليمارخوس وجلوكون”،  الأول يعتبر العدالة اتفاق ومواضعة بين الناس على أساس التقاليد الجارية، والثاني يعتبر العدالة للأصدقاء والإضرار بالأعداء، والثالث العدالة في القوة، والطبيعة لا تعترف إلا للقوي، مبنية على السلوك وإرادة الفرد بالقوة، والرابع يعتبر العدالة في إزالة الظلم، والبحث عن تشريعات مناسبة حتى تتحقق العدالة، أي  أعطاء لكل ذي حق حقه، وكعادة أفلاطون  فإن منطق الفحص للأجوبة غالبا ما كان ينطوي على المراوغة وعدم الاقتناع، يفتش عن قناعات ما وراء الأجوبة الجاهزة والشائعة بين الناس، ينفذ إلى عمق الذات في معالم النفس للتفتيش عن العدالة في ذاتها، وليس العدالة المزيفة، وإذا كانت العدالة عند فيلسوفنا هي كمال النفس فهي، في رأيه كمال الدولة، وإذا كانت النفس التي تحسن أداء وظيفتها هي النفس العادلة، فكذلك تكمن العدالة في الدولة التي يقوم كل فرد فيها بأداء وظيفته على الوجه الأكمل(2)، العدالة أم الفضائل، لا تبنى على الطبيعة والقدرة في الفعل كما يدعي السفسطائيون، أو أنها تستند على تعريفات عامة ونفعية بالأساس، بل العدالة تتعلق بأفعال الإنسان الباطنية، وانعكاس تلك الأفعال على الممارسة في الدولة والمجتمع، حياة السعادة تحقيق الكمال للنفس، وسعادة الناس في جمهورية مثالية يسودها الخير والحكمة، يعني سعي أفلاطون للتوحيد بين حياة الفضيلة والسعادة معا، صورة العدالة مزدوجة في الفرد كتناغم وانسجام بين القوى الثلاث: العاقلة والغضبية والشهوانية، ولا بد من تحقيق التكامل بينهما في امتثال كل القوى للعقل، وبالتالي السيطرة على الغضب والغريزة، وهنا يتحقق الاعتدال والتوازن في النفس، والعدالة كصورة مكبرة في الدولة التي تنشأ من حاجة الفرد للجماعة، والاجتماع البشري، لا بد أن يؤسس المجتمع الأفلاطوني وفق ترابية تتضمن ثلاث طبقات : طبقة الفلاسفة وطبقة الجنود وطبقة عامة الشعب، موزعة بين الرئاسة والحراسة والإنتاج، الاجتماع في الأسرة، يوازيه الاجتماع في الدولة، حكمة الفرد المستنير، الذي تجتمع فيه كل الفضائل النظرية والعملية، مواصفات الفيلسوف المتمرس في الحياة، وقيمة الدولة في التدبير للشؤون العامة، في محاورة “النواميس” يعيد أفلاطون الاعتبار للقوانين شريطة أن تكون منصفة وغير جائرة، العقل يبصر الحقيقة، والقانون ينظم، والمؤسسات تضمن السير الطبيعي للمجتمع وحقوق الناس، وعندما نلجأ للقوانين تصبح ملزمة للكل في صيانة المجتمع من حكم الطغاة والمستبدين، حكومة الثلاثين التي هيمت على الحكم في أثينا لم تكن متطابقة والقيم الأثينية، والنظام الديمقراطي الذي ساهم في إعدام المعلم سقراط، نظام للغوغاء، يندرج ضمن الحكومات غير الصالحة أو المدن الفاسدة بتعبير الفارابي في المدينة الفاضلة.

مواصفات الفيلسوف الحكيم

يمتلك الفيلسوف الحكيم كل مواصفات الحكمة والشجاعة والتعقل وحب الموسيقى والجمال، والاعتدال في الأشياء، والميل نحو إقامة الحكم على أسس العدالة والخير، في الحقيقة أن أفلاطون هو الذي هذب السير العادلة، والعشرة الانسية المدنية، وأبان عن فضائلها، وإظهار الفساد العارض لأفعال من هجر العشرة المدنية، وترك التعاون فيها(3)، في الحكومة المثالية يسعى الفيلسوف لإقامة الحكم العادل والرشيد، طموحه يتجاوز أثينا نحو صقلية، عندما احتك بالحاكم ديونيزوس، هدفه الربط المتين بين الأخلاق والسياسية، بين الفضائل العملية والعقلية، بين اللذة الحسية واللذة العقلية، انتصار الفيلسوف للمثل، وحياة العقل مردها لاكراهات ذلك الزمان في تصاعد القلاقل السياسية، والنظر بعيدا خلال إعادة النظر في مفهوم العدالة، وإعادة الاعتبار للفيلسوف، الذي ظهرت معالمه الخيرة من خلال تعاليم سقراط الأخلاقية للشباب الأثيني، فالفلسفة هي القادرة على تحرير الإنسان من أوهام الكهف، وسجن الحواس، المعرفة التي تتحرك من المحسوسات إلى المعقولات، من عالم الظن والشك إلى عالم الحقيقة واليقين، من الجدل النازل نحو الجدل الصاعد، وظيفتها تحرير الإنسان من الخوف نحو الشعور بالحرية وتملك العدالة، أسطورة الكهف كقصة رمزية ومتخيلة برموزها تعبير عن عالمين متناقضين، وصورتين متباينتين، صورة الفيلسوف العاقل والمتأمل في المثل، وصورة الإنسان العادي المنغمس في عالم الماديات، انتقال أفلاطون بين الأمم، ورحلته نحو مصر وصقلية، جولات في تلمس الحقيقة والبحث في معنى الحياة السعيدة، حياة الحكيم التي جاءت مليئة بالمعاني والأهداف النبيلة التي يسعى لإقامتها، مدخل الحياة السعيدة، التكامل في القوى النفسية، والتكامل بين الطبقات الاجتماعية، لا تمنح هذه الخصائص إلا للفرد الذي يحرر نفسخ من أوهام اللذات الحسية، وينزع نو الفهم بالعقل، ثم السعادة التي تكتمل في المجتمع بناء على الوظيفة التي تمارسها كل طبقة اجتماعية، وفق قدرات معينة، مبنية على التربية والتدرج في التعلم والخبرة في الحياة، وانتقال الفيلسوف في مهام مختلفة وصولا لعملية الانتقاء، أما إقامة الجمهورية المثالية فقد باءت بالفشل، وعاد أفلاطون لأثينا لأجل تأسس الأكاديمية، في تخريج نخبة من المشرعين والسياسيين، السياسي ينجذب للفيلسوف أحيانا، والعلاقة بينهما غالبا ما تؤدي للطلاق المعرفي، الأسباب واضحة في الرؤية للتجارب السياسة، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، السياسة تنفلت من الصرامة الأخلاقية، وتقيم قواعدها على أسس عملية بديلة، كالمنفعة والطاعة والولاء، والقانون والزعامة والقيادة، الهوس بالسلطة والاحتياط من الجماهير، والتفنن في أساليب الدعاية للبقاء في الحكم، “ديونيزوس” الثاني حتى ولو كان عاشقا للفلسفة، اعتبر وجود أفلاطون خطرا عليه، وبالتالي ينبغي بيعه أو قتله في الطريق، ولا تستقيم العدالة إلا في مجتمع يسوده العدل، قوامه الحكم المستنير من قبل حاكم فيلسوف، ولذلك خبر  أفلاطون بالتحليل والمعاينة أشكال من الحكومات، منها الحكومة التيمقراطية المبنية على الشرف والمجد، والتي ينقسم فيها الناس بين الأغنياء والفقراء، والحكومة الأوليغارشية، وهي حكومة الأقلية من الأغنياء الجشعين، رجال المال والاقتصاد، والحكومة الديمقراطية يديرها مجموعة من الأغبياء، وأخيرا الحكومة المستبدة في نشر الطغيان وحكم الفرد، نماذج من الحكومات التي لا تؤدي للبناء الممكن لعالم السياسة والعدالة.

المدينة حكيمة بحكمها، مقدامة بجيشها، معتدلة بعفة أهلها، وعادلة حيث يقوم كل فرد بالعمل الذي يصلح له، ويوضع الرجل اللائق في مكانه اللائق(4)، الفيلسوف هو الحاكم الأمثل، حارس الجمهورية محارب فيلسوف، والعامة من الناس، يمتلكون مهارات معرفية، وقدرات في الإنتاج والعمل، وتوفير الحاجيات الأساسية للدولة والمجتمع، والشخص العادل من اجتمعت في نفسه كل الفضائل، ومن يملك القدرة في تدبير الأشياء بناء  على حكمة يستمدها من تكوينه النفسي والأخلاقي، ومن شتى الفضائل التي منحت لهذا الإنسان المكانة والقدرة في التأمل، والتدبير للشؤون العامة، الاعتدال والشجاعة من الشيم الأساسية للحاكم الفيلسوف، فالعدالة لا تتحقق من خلال تعريفات عامة، ولا تنبني على القوة ومصلحة الأقوياء، العدالة كمال للنفس في اعتدالها، وفي قهر الغضب والشهوات، أي العدالة الفردية عند جعل القوة العاقلة المهيمنة في الفعل والسلوك، والعدالة في المجتمع من خلال سلطة الفيلسوف وحكمه الرشيد في تدبير أمور الدولة، إرغام كل الطبقات على الامتثال حتى تحقيق الانسجام والتكامل بين الطبقات الاجتماعية، وهكذا تتجلى العدالة في الفرد والمجتمع معا. فهناك من يعتبر أفلاطون فيلسوف العدالة، ورائد المثالية، فإنه بحق كان فيلسوفا سياسيا يريد العبور بالمجتمعات نحو الحكم العادل، وشرط ذلك تمكين الفيلسوف من القيادة.

هوامش:

  1. أميرة حلمي مطر “الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس”، دار المعارف، الطبعة الخامسة، 1995، ص20-21.
  2. مصطفى النشار: ” أفلاطون رائد المثالية”، القاهرة، مكتبة الدار العربية، 2018، الطبعة الأولى، ص 77.
  3. أبو نصر الفارابي: “الجمع بين الحكيمين”، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثانية، 1968، ص83.
  4. جان فرانسوا ماتيي:” أفلاطون”، ترجمة: جبيب نصر الله نصر الله، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2012، ص141.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This