قمل العانة: التباس حفلة القراءة بألم الكتابة (2)

1- كل ما هو واقعي لاعقلاني...

” عرفت تفاصيل سيكتب عنها مئات، بل آلاف الكتب التي تصف ما حدث وما يحدث في أقبية العار تلك… وفي بعض الحالات بكيت مرغمة وسالت دموعي أمامهن على عنقي دون أن أشعر.”141

وأنت تقرأ رواية قمل العانة تجد نفسك أمام واقع مرعب ومؤلم ومروع ولا عقلاني إلى أبعد الحدود.” كانت الحرب قد بدأت، والقرار قد اتخذ” إما كل شيء أو لا شيء وغرق الجيش، وبخاصة المخابرات، في بحر من الدم”142 الانسان البعيد عن تجربة الاعتقال والاختطاف في وضح النهار أو في الساعات الأخيرة من الليل قبيل طلوع الفجر، حيث يأتي زوار الليل، يكاد لا يصدق الواقع المتجاوز للخيال في التنكيل والتعذيب بشكل همجي مفزع، حيث يُطلب الموت ولا يأتي. ” والله لخليك تشتهي الموت وما يجيك ياحقير.”65 تكتشف أن الاستبداد المؤسس لمنظومة الطاغية يتلازم بنيويا مع الموت باعتباره غذاءه المفضل للديمومة في الحكم وتأبيد سيرورة وجوده.” فقد أمر بتصفية المئات تحت التعذيب، وقتل العشرات في مكتبه، بمسدسه الشخصي، قبل أن يقتل تلك الكلبة لصغيرة”152. عشرات الأرواح تزهق بكل بساطة، وتمزق أشلاء بتلاعب بشع بالأعضاء البشرية بأساليب فوق الواقع والعقل، بطريقة أقرب الى ميتافيزيقا الجنون السادي في تدمير الحياة والتحكم في الموت. ” ويقال إنه هو من أمر بصلب مئة شاب من جوبر، وبتر أعضائهم مع الخصيتين،… وقد نفذ الأمر على دفعات، لضيق المكان، فكلما مات منهم عشرة، بسبب النزيف، شحطوهم الى مهجع الجثث وصلبوا عشرة آخرين مكانهم”153.  لقد فاض الواقع وغطى على الخيال ولم تعد تصدق فنية الكذب الخيالي في سقفها المحدود وهي تحاول مطاردة هذا الواقع الجنوني اللاعقلاني في ممارسة سياسة الحياة العارية في الألفية الثالثة على الأرض السورية ، حيث جرائم التعذيب والإخفاء والاغتيالات في أقبية السجون، أو أمام الملأ تحت غطاء المسلحين الأعداء، تمارس دليلا على سياسة الموت وموت السياسة. تحاول الكتابة صياغة مبنى هذا الجنون المروع، مع وضع فرضيات فنية تأويلة في تفاعل مع القراءة لتركيب هذا التمزق اللاعقلاني الذي طال الواقع وجعله أسطورة شيطانية في سلخ القيمة الإنسانية من الفرد والمجتمع كمسوغات ترخص الذبح الحلال للفرد والجماعات والمجتمع.” كانوا يغتصبون رجالا أمام نساء، ونساء أمام أزواجهن، وأنهم يحرقون حلمة فتاة بأعقاب السجائر، أمام الجميع، أو يبترون أعضاء شاب أمام أمه أو أخته. ولم أخبرها أن الوحشية وصلت بهم، لدرجة أنهم كانوا يدخلون الفئران في فروج المعتقلات.” 154 لهذا فإن حياة جفان وفرج الحزين مهما أوغلت الكتابة في بناء متخيلها النصي كانت واقعا صريحا باهتا، فيما ظل الواقع المخبأ بين السطور حيث سراديب وأقبية التعذيب ينسج خيالا مروعا من اللحم الحي للمختطفين بمنطق الجنون اللاعقلاني. هكذا انقلب منطق التفاعل الجدلي بين الواقع والخيال والمتخيل الفني، فصارت الرواية مجرد واقع ممسوخ في لباس أكذوبة خيال الشكل الروائي، بينما ظل الخيال الحقيقي في جنونه اللاعقلاني منفلتا من بين أصابع منطق الكتابة وآلية اشتغالها. لا تناقض في قولنا هذا بأن الرواية توهمنا بهذا السقف المحدود في تركيب الواقع المتخطي لجنون الخيال في تصور بشاعة الشر الذي يمكن أن تقترفه سياسة الطاغية الى درجة توهمنا فيه الكتابة أنها صارت مجرد واقع يسوغ ذاته بالأكاذيب، في وقت تحول فيه واقع السجون والقمع والدمار والخراب الى خيال جنوني لا يصدقه العقل الإنساني في عمقه الهمجي والمتوحش في القتل والتدمير والتعذيب الرهيب والمستحيل التفكير أو المستحيل التخيل.” سمعنا عن عمليات الاغتصاب وبتر الأثداء والأعضاء في المعتقلات، وغيرها من الوسائل البشعة التي تجري هذه الأيام.”132 لقد حاولت الرواية أن توهمنا بجدية بحثها المحموم عن فنية ما يشرعن منطق الكتابة وآليات اشتغالها ككتابة إبداعية تعتمد على خصائصها المعنوية والدلالية في بناء المعنى، وتشكيل المتخيل في مقاربة الواقع، دون السقوط في المرآوية، أو ما عرف بمفهوم الانعكاس الأيديولوجي. ومتخيلها كامن في جنون واقعها اللاعقلاني الذي فاض فغطى على الخيال ولم يعد يقبل بالأكذوبة الفنية كلعبة مألوفة في الإبداع. لهذا كانت الكتابة شاقة وصعبة وهي تحاول لملمة شظايا وأشلاء هذا الواقع اللاعقلاني في حالات جنونه، وهو في حالة طوارئ قصوى يبتغي الدمار والخراب وسفك الدماء.

2- وكل ما هو لا معقول واقعي

” عرفت قصصا، لا يصدق العقل أنها يمكن أن تحدث في عصرنا، ورأيت أمهات بائسات يائسات حقيقيات.” 141

كم هو صعب جدا أن نتقبل قصة فرج الحزين، وهو يولد في سجون الأسدية، ويكبر بين الأشلاء والدماء، وعلى إيقاع أصوات التعذيب، واللوحات الحية التي يبدعها الجلاد في مرسمه الدموي، حيث تعلق الأجساد الحية، وتنتزع منها الأعضاء ببرودة دم تجاوزها الذئب/الانسان في التعبير عن رعب توحشه الافتراسي. رضيع مرمي في أقبية السجون وهو يتغدى على الماء والسكر، كما لو أنه آدم الأخير، الذي قذف به رب الأبد أو نحرق البلد، الى حياة عارية بين معتقلات هن في وضع ما دون خط البشر. قصة فرج الحزين مؤلمة ولا معقولة وقريبة من الخيال الجنوني لفنية الكتابة في بحثها عن أدواتها وآليات اشتغالها كإبداع أدبي متميز عن لغة الواقع السطحية المباشرة المكتفية بمتنها، بل هي لغة وكتابة تؤسس المبنى، وتفترض نحت المعنى وتوليد الدلالة في تفاعلها مع سيرورة القراءة. ورغم كل هذا اللامعقول في فنيتها العالية فهي في الحقيقة ليست أكثر من واقع ملموس في سجون الأسد، بل أكثر من ذلك أن هذه السجون تبدع بجنون اللاعقل الوحشي في بناء اللامعقول كواقع حي يعيشه البشر ويتداولون جنون خياله المروع الذي يتجاوز قصة فرج الحزين في تراجيديتها الرهيبة. كم من روائي عربي خيب الطاغية سقف خياله المحدود، حيث وجد نفسه أمام ما اعتقد أنه حالة قصوى في اللامعقول المتخيل فنيا، مجرد واقع ملموس عاشه الناس ولم يعد محط تكذيب أو سؤال تصديق. وكل هذا اللامعقول الذي عاشت ويلاته النساء في التعذيب والاغتصاب والقتل والترويع، لم يكن تحايلا فنيا ولا أكذوبة جمالية تعاني عسر الولادة في منطق الكتابة وعذابتها الشاقة، بل هي أيضا واقع فاض فغطى على الخيال، أو قل إنه جنون خيال اللامعقول في صناعة واقع لاعقلاني أراده الطاغية نمطا للوجود وأسلوب حياة ورؤية للعالم في تدمير الكينونة وخراب الحياة. الرواية واعية بحقيقة سطوة اللامعقول الذي امتطاه العنف الوحشي للجنرال/الطاغية، لكن للكتابة منطقها في مقاربة حقيقة هذا اللامعقول. ” فهمت لعبتك وقبلت أن ألعبها. تريدين أن ترتدي قناعا؟ لكنك بذلك إنما تكشفين عن وجهك الحقيقي، أم تريدين أن تصلي عن طريق الكذب الى الصدق؟ الحقيقة لا تحب الثياب المزركشة، فهل تخجلين من الحقيقة العارية، أم تخافين من قولها؟ لا بأس، ليكن ما تريدين،… لا بأس من الخجل والكذب اللذيذ والتخفي، فالفن يقوم على هذا النوع من التكاذب، أكثر الفنانين كذبا، أكثرهم صدقا”134.

وإذا كان من الصعب تصديق اللامعقول على أنه واقع ملموس في ظل الاستبداد، فإن الرواية تسوق مشهدا في قمة اللامعقول الساخر بألم واقعيته الرهيبة الذي يمارسه عماء بطش سياسة الأرض المحروقة، الممزوج بالحقد والكراهية لكل عناصر الوفاء والمحبة والتعلق الوجداني العميق في الاعتراف بالفضل والجميل، حتى ولو تعلق الأمر بالحيوان، وتمثل هذا المشهد الجنوني المروع في لا معقوليته في حكاية ” لولو” الكلبة الصغيرة فهي تعبير وتصوير فني لهذا الواقع في لا عقلانيته البشعة التي تقف في وجه الانسان في بحثه عن الاعتراف بقيمته وحصانته وحرمته الإنسانية التي لا تقبل التسويف والمماطلة والتأجيل. إن هذا اللامعقول قد حدث هنا أو هناك، وشاع بين الناس ما هو أكثر بعدا وعمقا في اللامعقول، كواقع حي فرضه الطغاة وعاشه البشر اليوم وليس فقط في الأمس.” أمرت بإقفال الزنازين والكوى، ووقف التحقيق والتعذيب وإلقاء القبض فورا على تلك الكلبة السائبة… تقفز من بين أيديهم وأقدامهم، هاربة من ممر لآخر، فيركضون خلفها من جديد، صاخبين ملوحين بسياطهم وهراواتهم… وعندما تمكنوا أخيرا من تطويقها وحصرها في غرفة التحقيق، تحولت الى وحش صغير، وكشرت عن أنيابها، وكنت أراقب الموقف عن بعد، فأخرجت مسدسي، وأطلقت النار بين عينيها…مؤنس… مات بعد كلبته بوقت قليل…رفض الحيوان أن يعترف بشيء، فمات تحت التعذيب.”151

هكذا كان جنرال قمل العانة غارقا في قذارة اللامعقول، محولا إياه الى واقع جهنمي عانى الناس من ويلاته وبشاعته، جاعلا من التعذيب والاغتصاب والقتل نمطا في الحياة وأسلوبا في العيش. وأنزل لا معقول الأشياء الرهيبة، والشديدة الخيال في التوحش مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، على أرض الواقع، ولم يعد الناس بحاجة الى تكذيب أو الشك في شر جراحات السرد العاري.

3- من أوراق هند/طهران

(الروح البكر تنمو تحت عفونة العالم، ترفع رأسها وتتغذى كالنبتة من ذلك العفن وسوف تكبر وتنتصر بعدنا بقرون لن تموت الأرواح العظيمة).

بينما كنت ألملم أوراق سردية “قمل العانة” معتقدا نهاية سردها الخطي، إذا بي أجدني وجها لوجه أمام حاشية موقعة باسم تلك المرأة التي اختلطت فيها الأسماء بين الحقيقي والمستعار.

من الذي منحك هذا الحق في اعتلاء منصة الكلام أيها الكاتب المزعوم؟ ولا أعرف من الذي جعلك واحدا من المبدعين العرب الذين أمقتهم إلى حد الكراهية؟ هل كان صعبا عليك أن تسلخ جلدك القديم الموروث، والمشحون بتاريخ الشر الذكوري، وإلا لماذا رتبت كل الحكايا، كما تشتهي النفسية الأبوية القذرة في التنكر لصوت النساء، عبر هذا التاريخ العربي الإسلامي الموبوء في استعباد وقهر النساء؟ كيف سمح لك ضميرك الورع بأن توهم القارئ بأنك تبحث في صمتي عن سنوات المحنة المريرة والمؤلمة الرهيبة في أن تتعرف على بشاعة السجان، جنرال قمل العانة المقزز والباعث على الغثيان، كما لو كنت حقا تساعدني على الكلام انسجاما مع ما قاله مصطفى صفوان في كتابه الجميل” الكلام أو الموت”؟ لكن قل لي برب جدك العالي والغالي في قداسة بشاعة الذكورة، وهدر حياة النساء، لماذا كنت دون خجل ولا حياء، تتمرغ في الوحل، وأنت تصرح بعظمة لسانك أنك لا تقوى على الحكي دون صحبة امرأة عارية مثلي، وأنت تجعلني مجرد مطية لنشر غسيلي القذر، متذرعا بتعرية جنرال قمل العانة العاري أصلا من كل ثوب أصيل؟ وهل كان الامر يحتاج الى كل هذا الأخذ والرد، الصد والرغبة في الحكي الى أن تجعل مني مجرد صوت بين جدلية الخفاء والتجلي، كما لو كان شهريار السفاح وراء سرد حكايات ألف ليلة وليلة؟ فهل كنت حقا تمتلك ناصية الكلام المسكوت عنه، وأنت تستدرجني لامتطاء صهوة الحكي اللعين لما ترسب في الأعماق من عذاب أليم؟ للأسف كلامك يفضحك أيها الرجل مهما تقنعت برداء النساء. هكذا كنت بعيدا عن جدارة النفس الأمارة بالجودة والابداع.

إن ذكورية ما قابعة في لحن الفجيعة الذي غنيت نصه المشؤوم وأنت تجعلني مجرد نافذة مهترئة، مقهورة، تكلمت في نفسيتها سياسة الحياة العارية، لا تصلح إلا لتطل منها أيها الكاتب المحنك على قبو جنرال قمل العانة العتيد، الخائف من الصراصير والفئران التي كانت تخرج تباعا من شقوق سردك المهلهل. إن امرأة تمتلك ذرة كرامة لا يمكن أن تقبل أن تكون مجرد حبل غسيل عفن لفضح وتعرية حجم المأساة والخراب والدمار الذي سببه الرئيس، والجنرال وزبانيته اللئام. بل هي صوت مستقل، حر جريء في مقارعة بشاعة القهر والظلام.

ما كان لك أن تكتب هذا النص الذكوري، في القهر والهدر، بامتياز كبير، وأنت تتقنع برداء امرأة مسلوبة الفعل والإرادة والاختيار. هل كل النساء سواء.. أو كل النساء مطايا؟

هكذا تماهيت مع القاتل، فأجهزت على كل الأرواح أيها البطل، والمبدع الأخير، بالطلقة الواحدة، كما يفعل السجان، من جفان الى فرج الحزين… وبقيت وحدك في ساحة وغى السرد بدون سؤال. كل من عليها فان إلا الكاتب العظيم، بشرى لك بالقداسة يا نبي هذا الزمان الرديء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This