المناقشة وتأسيس العقلانيّة التّواصليّة في نموذج يورغن هابرماس الفلسفيّ

عرف الخطاب الفكر المعاصر طفرة مفهومية غير مسبوقة في مختلف مذاهبه وتياراته، وبصفة خاصّة في مجال التواصل ومنهجيات المناقشة وأخلاقها. تمخّض عن ذلك مراجعات نظرية ومنهجية كثيرة ومختلفة، فعقدت الحوارات الفكرية مع الأنساق النظرية الكلاسيكية من خلال قراءة وإعادة قراءة تاريخ الفكر النظري وتأويله. ولعلّ أهمّ هذه النظريات النقدية التي أولت الحوار والمناقشة دورا تأسيسيا للفعل الاجتماعي والسياسي، نجد نظرية “أخلاقية المناقشة” التي تبنها المفكّر الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas). فكيف تأسّس هذه النظرية للفعل التواصلي في المجتمع؟ وما أهمّيتها بالنسبة للفلسفة التواصلية المعاصرة عامّة؟ والعقلانية الحوارية خاصّة؟

ساهم التوجّه النقدي لمدرسة فراكفورت (Ecole de Frankfurt) ببلورة خطاب تواصلي منفتح وعقلاني في سياق الفلسفة السياسية الأوروبية المعاصرة. وكان عماد هذا التوجّه الفكري الجديد توظيف آليات الحجاج والحوار والمنقاشة المسئولة، بما يجعل المحادثة نموذجا تواصليا صالحا لمقاربة القضايا المطروحة: العقلانية، الديمقراطية، الحقّ، المشاركة السياسية.. إلخ. رفض هابرماس التصوّرات الفكرية التي لا تؤمن بتحقيق التواصل والاجتماع والتفاهم، خاصّة عندما انتقد في كتابه حول “الخطاب الفلسفي للحداثة” كلاّ من نيتشه وهايدغر في المانيا، ثمّ فوكو ودريدا في فرنسا، رافضا بذلك أطروحاتهم حول تجاوز الحداثة وتفكيك العقل.

اخترق همّ التواصل وبناء نظرية للمحاورة والمناقشة ثنايا أفكار هذا المفكّر التواصلي المعتدل. شكّل ذلك بالنسبة لفكره النقدي رهانا نظريا ومنهجيا لاستجلاء قضايا السياسة والاجتماع والأخلاق. ويمكن للمتتبع لفكره المسكون بهاجس الحوار والتواصل، أن يعاين النزوع الفلسفي النقدي الكبير الذي حمله على مراجعة النظريات الفكرية والاجتماعية واللسانية المنطقية، خاصّة في كتابه “أخلاقية المناقشة” وكتاب “دراسات تمهيدية وتكميلية لنظرية الفعل التواصلي”، إضافة إلى “الأخلاق والتواصل” ومختلف الأعمال الأخرى.

أسّس هابرماس عبر هذه الأعمال، وغيرها، لنموذج نظري حواري مناصر للتوجّهات العقلانية النقدية التواصلية، والذي يرى في فعل التواصل مسلكا نقديا إجرائيا لتجاوز انحصار العقلانية الكلاسيكية وجمودها على مقولة الوعي. لذلك، أمكن لمثل هذا النموذج الجديد المساعدة في مقاربة الأسئلة الملحّة والحرجة للمجتمعات المختلطة المتّسم ببروز النزاعات والاختلافات الناجمة عن مشاكل الاندماج. ويمكن للمرء أن يلامس جدّة هذه النظرية التواصلية في قدرتها على تحليل ومناقشة بعض المشكلات المتصلة بالنزاع والاختلاف: الحقّ، المشاركة، التفاعل، الديمقراطية، الحرية، التعاون، التفاهم، الإجماع، إلخ.

احتلّ الفعل التواصلي كما يؤسّسه هابرماس، من خلال نموذج المناقشة المسؤولة، دورا محوريا  بخصوص مسارات الفكر المعاصر، حيث ساهم بأطروحته حول التواصل والنقاش العمومي في نقد التصوّرات الشمولية والوثوقية والمثالية للمجتمعات الغربية المعاصرة التي تشهد أزمات تواصلية (سوء الفهم، الإقصاء والتهميش، أزمة العدالة، آفاق الديمقراطية التشاركية، صدام القيم وتحاورها، صعود الأصوليات والقوميات …). وقد جعلت المستجدات المعاصرة المتّسمة بالنزاع حول القيم وتصادمها هابرماس ينصرف إلى تأسيس نظرية فلسفية نقدية للتواصل والحوار، بحيث تكون مهمّتها مساعدة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين لتجاوز أزمة التصادم وسوء الفهم في الفضاءات العامة. واستنادا إلى ذلك، تعتبر العقلانية التواصلية الهابرماسية ذات مشروعية عملية إجرائية، لما تتوسّله من منهجيات تحليلية قائمة على دعائم فلسفة اللغة (التداوليات العامة والكونية) التي تروم تقعيد النقاشات والحوارات انطلاقا من مبادئ منطقية عقلانية نافعة وعملية.

استند مبحث أخلاقيات المناقشة، كما طوّره هابرماس، إلى نتائج المنعطف اللغوي للقرن العشرين، الذي ساهم في قيام نظريات منهجية حول مفهوم التواصل والحوار. وقد كان دوره في مقاربة موضوعات الفلسفة السياسية والأخلاقية المعاصرة حاسما في جعل العقلانية الحوارية واقعا سياسيا واجتماعيا يستبعد العنف في حسم النزاعات. لذلك، فإنّ مجمل توجّهات هذا الأخير في أخلاقيات المناقشة إنّما تروم تأسيس نظرية للفعل التواصلي من خلال صياغة مفاهيم إجرائية: النقاش، التفاهم، الفعل الكلامي، الفضاء العام… إلخ.

تروم نظرية الفعل التواصلي إلى استعمال العقل في الفضاء العام، وقد شكّلت لدى هذا الفيلسوف تمهيدا لنظريته في المشاركة الديمقراطية التي تحاول الإجابة عن البحث حول كيفية تحقيق الاندماج الاجتماعي في المجتمع المتعدّد. والواقع أنّ مسعاه ذاك، كان لغرض توسيع البراديغم التواصلي الناشئ في أواسط القرن العشرين، ممّا جعل نظرية التواصل مدخلا حقيقيا إلى نظرية المشاركة السياسية. لذلك، غدت فلسفة التواصل محورية جدّا في مقاربة العقلانية الحوارية لدى هابرماس. فما هي ملامح هذه العقلانية الحوارية؟

أقام هابرماس نموذجه الحواري للعقلانية التواصلية من مداخل نظرية ومنهجية عدّة، كان أبرزها التوسّل بالأدوات المنطقية واللسانية المعاصرة  التي ساعدته في إعادة بناء الفعل التواصلي من مدخل حواري لغوي. وقد قاده بحثه النظري والمنهجي إلى الانفتاح على الفلسفة التحليلية، خاصّة فيما يتّصل بالفلسفة التحليلية الأنغلوسكسونية، تحديدا فلسفة اللغة الطبيعية من خلال نظرية أفعال الكلام (Speech acts Theory) مع روادها البارزين: أوستين، سورل، غرايس.

كذلك، اعتبر هابرماس نظرية أفعال الكلام تلك تطويرا مبتكرا لفكرة الحوار والمناقشة من خلال أفعال لغوية تتم عبر المحادثات. ورأى في ذلك ابتكارا توليفا مثمرا، يربط الكلام بالفعل من حيث كون اللغة مؤسّسة اجتماعية تواصلية. وقد أخذ من التفريق الذي وضعه أوستين بين أفعال الكلام الخبرية التقريرية والإنشائية الإنجازية منطلقا منهجيا صالحا لتأكيد الطابع التواصلي الحواري للغة. بيد أنّه، سوف يقوم بإدخال بعض التعديلات على هذه النظرية جاعلا من تداوليات اللغة كونية وشاملة، وليست محصورة فقط في سياق المحادثات الصغيرة بين المتكلّمين (J.H/ Ethique de la discussion).

انتقل هابرماس، بعد ذلك، إلى صياغة تصوّرات عامة لسوسيولوجية الفعل التواصلي في اتجاه ربطه بالتصوّرات الليبرالية والنفعية للعقلانية التواصلية. وهكذا، أصبح يتحدّث عن الفعل الأداتي والفعل الاستراتيجي، معتبرا الفعل الأداتي يتّجه إلى تحقيق النجاح من خلال السيطرة التقنية على العالم الموضوعي، ومن ثمّ فهو لا يعتبر فعلا اجتماعيا، مادام أنّه لا يتم عبر وسيط اللغة. بينما الفعل الاستراتيجي، في مقابل ذلك، يعدّ فعلا إجرائيا يتم عبر اللغة، ويسعى إلى تحقيق النجاح.

والظاهر أنّه رغم كون الفعل الاستراتيجي يتم عبر وسيط اللغة، إلاّ أنّ نموذجا العقلانية والفعل الاجتماعي، اللذين تقدمهما النظريات الليبرالية المنفعية، يظلاّن نماذج مختزلة وأحادية الجانب. فضلا عن ذلك، أقرّ هابرماس أهمّية الفعل التواصلي لكونه يسعى إلى تحقيق التفاهم، في حين يبقى الفعل الإجرائي متعلّق بتحقيق النتائج والمصالح فقط. والبيّن من ذلك كلّه تركيز هذا الأخير على دور اللغة في المجتمع بالنظر إلى ما تساهم به من فهم بالأفعال الاجتماعية وتحقيق التفاهم والتواصل (J.H/ Morale et communication).

يسعى الفعل التواصلي مع هذا النموذج الحواري إلى حصول التفاهم المنشود بين المتحاورين الفاعلين، ممّا يجعله فعلا متمّيزا عن الأفعال الأخرى: كالفعل الاستراتيجي، والفعل الأداتي والإجرائي J.H/Théorie de l’agir communicationnel) ). يبرّر دور الفعل التواصلي في حصول التفاهم انصراف هابرماس إلى تعزيز مكانة اللغة في مقاربة الإشكالات المطروحة للنظرية الاجتماعية، نافيا أن يكون للوعي دور في ذلك كما كان يعتقد قبله في ذلك بعض فلاسفة الوعي. لذلك، تلعب الأفعال الكلامية أثناء إجراء المناقشة والمحادثة دورا محوريا في إيجاد التوافق والتفاهم بين الأطراف المشاركة في الحوار والتواصل دون ضغوط أو إكراه. (الأشهب: الفلسفة والسياسة عند هابرماس).

يعتبر حصول التفاهم هدفا للتواصل وإجراء المناقشات العمومية، لذلك لا تهتم النظرية التواصلية بالجوانب الصورية وتترك الجوانب التفاعلية مهمّشة. لذلك، رأى هابرماس أنّ عملية التواصل التي تسعى لتحيقي التفاهم، تقتضي بداية أن يكون المتداخلون فيها (الأطراف المتحاورة) لا يمارس الواحد منهم تأثيرا سيّئا على الأخر، لأنّ ذلك قد يفضي إلى فشل ذريع لمشروع الفعل التواصلي المراد حدوثه أثناء المناقشة. وقد نبّه هذا الأخير إلى أهمّية تخطّي المخاطر التي تتهدّد عملية المناقشة الهادفة، ومنها بالخصوص: الخطر الذي يتعلّق بفشل التفاهم المتبادل والانشقاق وحدوت سوء الفهم؛ والخطر المتعلّق بفشل مشروع الفعل إخفاقا تامّا، بحيث يكون تفادي الخطر الأول شرطا ضروريا لتجاوز الثاني (J.H/ Logiques des sciences sociales).

إنّ التفاهم المراد تحقيقيه من الفعل التواصلي قابل للفشل دوما متى لم يتمّ احترام أخلاقيات المناقشة وقواعد الحوار الأخلاقية. وانطلاقا مما سبق، يتضح أنّ نموذج هابرماس في المناقشة والتواصل يركّز في تقديمه لأخلاقيات المحادثة الحوارية على المقاربة التفاعلية التفاهمية للفعل التواصلي. إنّه نموذج تواصلي لا يسعى إلى إقصاء الذوات المتحاورة والفاعلة، ولكن خلاف ذلك يروم إلى إشراك جميع الذين تخصّهم المناقشة بما يعني عدم تبعية ذات متكلّمة لذات أخرى. والبيّن من هذا النموذج أنّه يركّز على استقلالية المتحاورين باعتباره يهدف إلى تحقيق اتفاق وتفاهم مبني على قناعات متبادلة بين المتحاورين، وليس فرض الذات والقناعات المحدودة للأشخاص والهيئات على نظيراتها الأخرى؛ وهنا يكمن حضور العقلانية التواصلية النقدية لهابرماس في أخلاقياته للمناقشات والمحادثات العمومية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This