نور الدين الصايل: وعي السينما من رحم الثقافة المغربية / عبد اللطيف عدنان

مهما حاولنا الإحاطة إيجابيا بأمر السينما في زمن جائحة كوفيد 19، ومهما بحثنا في جدار التشاؤم عن كوّة نرى من خلالها بارقة أمل، تظل حقيقة واحدة ومفردة تفرض نفسها علينا، وهي أن سنة 2020 كارثية بكل المقاييس على السينما التي ألفنا ونعرف، وربّما سيسجّلها التاريخ كسنة نهاية تقليد سينمائي سيطر لما يقارب مدّة قرن ونصف قرن وظهور آخر. شهور معدودة بعد الإعلان عن قرارات الإغلاق الحمائية كانت كافية لكي تصاب حركة الإنتاج بما يشبه الشلل النصفي بسبب الغياب الاضطراري للعديد من الفاعلين فيه جراء تدابير التباعد والحجر الصحي. في الطرف المقابل، هجرت الجماهير قاعات العرض وتحوّل الطقس الاجتماعي الواقعي لزيارتها الأسبوعية، إلى طقس فردي وافتراضي عبر الأجهزة الوسائطية platforms التي فرضت نفسها بقوة مع الجائحة، ونقلت السينما من الشاشة الفضية إلى الشاشة الذكية المتوفرة في البيت. حتى المواعيد السنوية التي أصرّت على إبقاء أجوائها الطبيعية لما قبل كوفيد 19 عبر مراوغة وتكييف قوانين التباعد الاجتماعي، لم تسلم من تأثير الجائحة هي الأخرى حين أصبحت حفلة تنكرية بامتياز، تلعب فيها الأقنعة دورها المباشر الوقائي، ودورا غير مباشر هو إخفاء وجه التشاؤم تجاه مستقبل الفن السابع. في دوائر هذه المواعيد الخاصة بالنقاد والمعلقين وكل من تجهّز بأدوات التّشفير وإصدار الأحكام، تنازلت الأسئلة التقليدية ذات الطابع المعياري، والاستعلائي في الكثير من الأحيان، من قبيل هل هذا العنوان يستحق الحضور أو هل لذاك علاقة بالسينما، لأسئلة جديدة، ذات نبرة وجودية وارتيابية تنبعث عن هاجس القلق حول مستقبل طقوس سنوية كهذه، وإمكانية تقلص عددها إن لم نقل اختفائها، وسط زحف طرائق وطقوس جديدة لاستهلاك الفيلم السينمائي، خصوصا مع استئساد نتفليكس، التي خرجت الرابح الأكبر في هذا الوضع.
المغرب
في المغرب، الذي تخوض فيه السينما حرب بقائها في جبهات متعدّدة، وبوتيرة وإيقاع خاص، وأسلوب مقاومة لا تنقصه دونكيشوطية وسط واقع سوسيو- ثقافي، زادت جائحة كوفيد 19 طينه بلّات، كان الثمن الذي دفعته هذه السينما غاليا وباهظا وقد يترتّب عليه انحدار من الصعب النهوض منه بسهولة: إنه موت رمز سينمائي كان يحمل للسينما في القوة والطاقة الكثير الذي لم نستثمر منه بعد في الفعل إلا القليل. لا مجال للمبالغة إن قلنا إن هذا الرمز هو نور الدين الصايل، رجل السينما في المغرب ورجل المغرب في السينما. الرجل الذي أسّس لثقافة سينمائية ربما لا زالت القلعة الوحيدة التي يتخندق فيها من يتمسك بالنوع والجودة، أمام تسونامي كم العشوائية والارتجال الذي صارت مظاهره الخبر الذي يحضر كلما حضرت السينما كمبتدأ.
نعم، هذا الرجل، القصير القامة، الذي كان أستاذا، ثم مفتّشا، لمادة الفلسفة في المؤسسات التعليمية المغربية، والذي أسس سنة 1973 الجامعة الوطنية المغربية للأندية السينمائية، هرم في حجم الرمزية التي يشكلها في صناعة وثقافة السينما في المغرب. وشأن كل الرموز حين تغيب عن الأنظار، قد تتحطّم وتتلاشى في غيابه عدة منجزات، يعرفها عينيا كل من عرف تاريخ الرجل، ووقف على التغيّرات التي تحقّقت في قطاع السينما داخل المغرب في المدة القياسية جدا التي شغر فيها، عن استحقاق وجدارة للأسف لم تتكرر بالشكل المطلوب مع غيره، منصب مدير المركز السينمائي المغربي. هذه الحقيقة يعيها بوضوح وجلاء هذا المهتم بالسينما الذي شهد في المغرب ميلاد مواعيد سينمائية دولية لها وزنها الثقيل من حيث نوعية الصدى الذي تحققه على المستوى الكوني والقارّي. يثمّنها هذا المخرج الشاب الذي حصل على دعم لتحقيق فكرة فيلمه بكل غرابتها وطلائعيتها ورغم شذوذ كتابته السيناريستية عن قواعد الحكي الأرسطوطاليسية المسوّقة والتسويقية لفظا ومعنى. يستجليها كذلك هذا المخرج المغربي المغترب الذي رفعه نور الدين الصايل لمستوى سفير مغربي يقدم للعالم صورة ذاته بصيغته المميزة ومن داخل خصوصيته التعبيرية والثقافية. ويفطن لحكمتها أخيرا هذا المخرج المبتدئ الذي خاب أمله حين ظنّ أن مدير المركز السينمائي المغربي قد قص من أجنحة طموحه الإبداعي، ووجهّه لإنتاج فيلم تلفزي عوض دعمه لإخراج صورته الكبيرة للشاشة الفضية، ويجد هذا الأخير أن المستقبل يحفظ له “روما” (2018) لألفونسو كوارون، و”الإيرلندي” (2019) لمارتن سكورسيزي، ووجها جديدا للسينما الكبرى مقترنا بالإنتاج التلفزي اسمه نتفليكس. حقيقة رمزية الرجل تعرفها كذلك كل شابة تحلم بتحقيق ذاتها الإبداعية عبر الصورة المتحركة، الان أصبح بإمكانها الولوج لمعهد في المدينة المغربية لتتعلم مهارات وأسرار الحرفة دون تكلف المصاريف والبعد لتحقيق ذلك في مدينة أوروبية أو أميركية. أما السينفيلي فيعي أهمية الرجل في انتعاش صناعة السينما الثالثة في عدد الدوريات والمنشورات، الإعلامية منها والمحكّمة، التي شجعها الرجل ماديا ومعنويا لتنافس العناوين الفرنسية التي استوطنت رفوف المكتبات والأكشاك، واستوطن منظورها العيون والعقول، لمدة أكثر من اللازم.
هذا هو نور الدين الصايل. كسب ثقافي وطني مغربي. كان في النظرية يستبصر سينما لوطنه حين كان في البراكسيس يتكلم ويكتب ويدبر ويصدر القرارات المحيطة بالسينما من مختلف زوايا النظر، ومن خلال عدة خلفيات، ودون اكتراث بأجواء إساءة الظن والتقدير وشوائب سوء الفهم التي للأسف لا زالت تسود حين قراءة هذه الكتابة كما حين نقيّم تدابيره. هذا هو نور الدين الصايل في الواقع. أما في الفكر، فكان أكثر وأعمق، إن لم نقل أعقد من ذلك.
السينما عالم واسع
ككل شاب مغربي اكتشف ذات يوم أن السينما عالم أوسع بكثير من عرض أسبوعي في قاعة ما داخل مدينته، وميدان أكثر تشعبا من حبكة ثلاثية الأبعاد أو وجه وسيم يتماهى معه، اقترن اسم نور الدين الصايل عندي بالسينما الجادة والتفكير الجاد في السينما. كان الاسم العلم الذي يفرض حضوره في الوقت الذي لم أكن أعير فيه أي اهتمام يُذكر للأسماء التي توقع المقالات في الدفاتر السينمائية الفرنسية التي كنت أقتني أعدادها من محلات الكتب والمجلات المستعملة. كان الشبح الحاضر في كل نقاش أو سجال في السينما أخوضه، بمناسبة أو بدون، مع الرفاق والأصدقاء أيام مدينة الرباط المشرقة، سواء في حلقات نادي الثقافة السينمائية الذي كانت أجواؤه استمرارا لأجواء النقاش الإشكالي والساخن في الجامعة، أو في نادي الرائد الذي كنا نقتسم فيه الفضاء والرأي مع موظفين لم تسرقهم بعد ملتزمات الحياة من شغف الحكاية بالضوء. كان نور الدين الصايل ختم الخصوصية المغربية في التفكير في السينما وكل أنواع الوعي الشقي الذي يجد له منفذا عبر هذا التفكير. كان المرجع الأول في هذه الخصوصية.
ليس هناك جيل سينفيلي في المغرب، سواء ممن بدأ عشقه للسينما مع نوع الويسترن سباغيتي، أو من لحقه مؤخرا مع اكتشاف المخرج البوسني أمير كوستوريتزا، من لا يشكّل له اسم نور الدين الصايل المفتاح الأول لباب هذا الفكر والتفكير الجادّ في السينما. وسواء اندمج هذا التفكير مع خطاب الالتزام السياسي الذي كانت تمليه الظرفية القهرية لأوائل السبعينيات، أو لاحقا مع أسئلة شدّت السينما أكثر لحقولها الأنطولوجية والإبستيمولوجية، مع جيل استطاع أن يمرّر شغفه بالفن السابع إلى مدرجات الأكاديمية والأطروحات الجامعية، كان نور الدين الصايل هذا الصدى الذي يتردد مع كل صوت، وهذا المؤشر الثقافي الدّال على مدى جدّية الكلام في موضوع ومبحث تضافرت عدة عوامل مع اللامبالاة على تغييبه من محافل الجدّية التعليمية والتعلميّة. كان الاسم الذي يستوعب كل مجال للتّفكير المختلف والحر والمشاكس الذي كان يسبح خارج الفلك المعرفي والثقافي المتمركز حول اللّفظ. حين أسس وأثث لتقليد النادي السينمائي في المغرب، لم يكن فقط يضع لبنات معاهد وكليات بديلة وافتراضية مختصة لتلقين فن الكتابة بالضوء، بل كان يسدّ خصاصا أكاديميا لا مناص عن مضمونه في عملية إرساء المعرفة والارتقاء بها لمستويات أعلى، ولا عن شكله الإجرائي في تقويض ما تحجّر في التعليم الرّسمي وتحليل ما تكلّس في مقرراته. بهذا الإنجاز الديداكتيكي غير المباشر، منح الصايل للشباب المغربي أرضية النادي السينمائي كمسرح لصراعات الوعي الشقي مع المسكوكات والنواميس التي لا تمسها يد الاستفهام والسؤال في المجتمع المغربي، وفي نفس الوقت مدّهم بمنهجية للنقاش والحوار المثمر الذي يتجاوز السفسطة وإشباع الذات الكلامي، والانحياز بالسينما إلى الكتب والأدبيات المختصة فيها. كان النادي السينمائي حرما مفتوحا على كل الأسئلة بما فيها هذه التي احتاجت لعقود بعد تأسيسه لكي ترسو كمباحث جامعية تدور في فلك الدراسات والنظرية السينمائية. وبذكاء نور الدين الصايل واستبصاره كان هذا الحرم هو المكان الذي ولد فيه خطاب السينما في المغرب.

جذّر الصايل ثقافة السينما في المغاربة كوعي لا يستقيم على وضع محدد ولا يركن لشكل مرسوم الأبعاد مسبقا أو نمط متصلّب في أسسه وقوانينه. نشاطه النقدي الذي تأطر في ظرفية تاريخية ربطته معرفيا بأقطاب البنيوية وتحليل الخطاب ودراسة النص، كان الطريق المعبّد الذي يؤدي في اتجاه كريستيان ميتز، ألبير لفاي، جون ميتري، وبعد ذلك نحو جيل دولوز وأندري بازان، وغيرهم من المنظرين الذين وجدوا صدى في أجواء الاهتمام السينمائي في المغرب. تمنح كتاباته نفسها في شكل مباشر يجعل البعض يختزلها في معادلات مغالطة كمقاربة السينما بالسينما، والنقد الذي يبدأ في الفيلم وينتهي به، أو النقد الذي يلتصق بأرضية الفيلم السوسيو- ثقافية، والمتحرر من الموروث الفلسفي والجمالي. لكن لهذه الكتابات، زد على ذلك الحوارات التي أجراها إلى حدود أشهر قبل وفاته، كما تشمل في مظهرها آراءه النقدية وأفكاره حول الفيلم السينمائي أو مظهر من مظاهره بصيغة فنومينولوجية، تتلبّس في جوهرها شكل هذه الجذمورات أو الذرات الدولوزية التي تحفظ لنفسها طاقة الانبلاج والتكشّف على ضوء نظريات سينمائية تتجاوز تحليل النص من منطلق النوع الفيلمي، انطلاقا من حبكة الفيلم، أو صيغة التّجنيس، ككونه فيلما تسجيليا أو تخيليّا أو طلائعيا في صياغته، أو البعد الشكلي للعناصر الفيلمية كالصوت والموسيقى إلخ. إن لم تفصح مقاربات نور الدين الصايل النقدية عن نظرية سينمائية بعينها تؤطر العملية التوليدية، فلأنها كانت تجذر أبجدية التوليد النقدي مجهّزة بآليات التأقلم مع الرؤية التنظيرية التي ينساق إليها الفيلم من تلقاء نفسه وتنسجم مع طرحه في المحتوى والاختيار الشكلي. مقاربات نور الدين الصايل النقدية تترك نصية الفيلم مفتوحة زمنية الاستقراء لكي تنساق لمفاهيم النظرية ما بعد الكولونيالية في السينما، كما لمفاهيم النظرية السينمائية التي خرجت من فلك جيل دولوز، وحتى ميكاييل إيامبوسكي أو لورا ماركس.

همّ الخصوصية في السينما

من داخل اهتمامه بترسيخ ثقافة التفكير في السينما كان نور الدين الصايل هو الآخر يتحاور مع مفكرين مغاربة يحملون كذلك هم بناء فكر ثقافي مختلف والتأثيث لوعي جديد يواجه الفكر التقليدي السائد من جهة وفكر الآخر المتسيّد من جهة ثانية؛ مثل عبد الكبير الخطيبي، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، حكّم هو الآخر معيارية الخصوصية المغربية للتفكير والفكر المحيط بالسينما. ورسّخ هو الآخر تقليد الحديث في السينما بشكل يستوعب ثقافة بلده بكل أنواعها وأجناسها ومن زاويا نظرتها للأشياء. كانت مقارباته تنم عن وعيه النقدي في التعامل مع وسيط تعبيري ومجال جمالي، وحقل معرفي يفصح عن نفسه في الشكل كدخيل على ثقافته، ولا يملك أي تراكم في النظرية كالذي تحصّل مع الزمن لألوان التعبير الفنية السائدة في هذه الثقافة كالشعر أو النقد الأدبي أو الهندسة المعمارية الإسلامية. في الوقت ذاته، كان يضع إشارات توجه المهتم نحو عملية الحفر على ثقافة السينما في تضاريس إرثه الجمالي والبصري الحاضر في الموروث الثقافي المغربي والعربي الإسلامي. للأسف غيّبت الحروب الصغيرة التي خاضها البعض باسم السينما، وجنّد فيها نور الدين الصايل تعسّفا، كهذه الصراعات المانوية المبتذلة باسم الصورة ضد الكلمة والثقافة الشفهية، والجسد ضد الحجب، أقول غيّبت إمكانية التقاط هذه الإشارات والمضي في تطوير رؤية سينمائية تنسجم فيها النظرية بالإجراء في التعبير من أجل صياغة صورة عن الذات تحترم المكونات التاريخية والخصائص الجغرافية للكائن المغربي وثقافته. هذه الإشارات لم تأخذ شكل الخطاب النظري المباشر في كثير من الأحيان، لكن قد نعثر على أمكنتها في الجمل الحوارية في السيناريوهات التي كتب لمخرج يحمل هو الآخر هم الخصوصية في السينما وفي ثقافة بلده كمحمد عبد الرحمان التازي.
من هذه الزاوية كان نور الدين الصايل هو الآخر منخرطا في قضية جيله من السينمائيين وكتاب السينما عبر العالم الثالث، والتي تكمن في محاولة استبصار طريق ثالث للسينما خارج استقطاب جان لوك غودار وفرنسيس فورد كوبولا، طريق تجد فيها صورة الذات طريقها للشاشة وللمخيال الجماعي الشعبي عبر آلياتها التعبيرية الخاصة ومن خلال رؤية تنبثق عن هذه الذات نفسها. جنّد هو الآخر كتاباته وخطه التحريري لمجلة Cinema 3، التي للأسف لم تستمر بعد أربعة أعداد، وكما تفصح من عنوانها، في نفس المجهود التنظيري المتداول باسم السينما الثالثة الذي انطلق مع رواد السينما الوطنية في العالم الثالث بداية من الأرجنتينيين فرناندو سولاناس وأوكتابيو خيتينو اللذين وضعا التسمية، ونهاية بمؤلفين محليين كالتونسي فريد بوغدير بنظرية السينما البديلة والمخرجين المصريين الذين راهنوا على نفس النظرية والمنظور باسم السينما المصرية الجديدة.
في أدبيات البحث والدراسات السينمائية السائدة في غرب الأرض ومشرقها نعثر على كتابات نور الدين الصايل من ضمن هذه الكتابات التي تمنح نفسها كإطار تنظري للسينما الثالثة. في هذه الكتابات كان رجل السينما المغربي ينهل هو الآخر من كل الإجراءات البراكسيسية لهذه النظرية التي نجدها في السياسة التأليفية التنميقية لسينما الجوع البرازيلية مثلا، أو في سينما حرب العصابات الكوبية cine guerrillero التقشفية في الإمكانيات والأسلوب. في كتاباته كانت تحضر نظرية السينما الثالثة وهي تحاور كذلك نظريات سائدة في السينما، كالتي انبثقت عن سياسة المؤلف في الموجة الفرنسية الجديدة، أو حتى سينما الصناعة الكبرى الهوليودية، إن لم تكن نظريات دقيقة مرتبطة بأبعاد الشكل والمضمون كنظريات إيزنشتاين أو أندري بازان. هذه الحوارية كانت ثاوية في طيات أسلوب وطريقة مقاربة تشد كل قارئ بغض النظر عن حساسيته وثقافته في السينما، وبشكل قد يوقع القارئ المشفّر في مغالطة أخرى وهي عدم استناد نور الدين الصايل على الإرث النظري السينمائي في كتاباته. لكن في عدم الإعلان مباشرة عن المرجع النظري، في هذه الكتابات، كان نور الدين الصايل مرة أخرى يفتح طريقا ثالثا في مقاربة السينما سيعرف لاحقا باللاتغريب de-westernizing في النقد والنظرية السينمائية، والذي يحاول فصل مبحث الدراسات السينمائية عن تمركزه في مجرة الثقافة الغربية. غياب النظرية المغلوط في كتابة نور الدين الصايل، لا يحمل معنى هذه السطحية في التعليق الفيلمي الذي يشطح بين الخاطرة ويعتمد الإنشاء الأدبي، وإنما كان في حد ذاته صقلا لنظرية متكاملة في مقاربة السينما تكمل نظرية السينما الثالثة، المرتبطة أكثر بالتدابير الإنتاجية والرؤية الإخراجية التي كان تعلن عن نفسها جليا في مجلته Cinema 3.

في أدبيات الدراسات السينمائية الغربية يحضر نور الدين الصايل كأحد منظري السينما الثالثة الذين تبلورت نظريتهم في الأوجه العديدة التي ربطتهم بالنشاط السينمائي ككاتب سيناريو، وكناقد وكفاعل سينمائي وكمسؤول على آليات الإنتاج. وجه آخر لتبلور هذه النظرية يكمن في تأسيسه لمهرجان خريبكة السنوي للسينما الأفريقية، وفتحه باب الشراكة الإنتاجية للمخرجين الأفارقة أيام إدارته للمركز السينمائي المغربي، من هذا المنطلق يكون نور الدين الصايل قد حقّق الاستمرارية لتقليد إنتاجي وثقافي في السينما امتد منذ بدأ خمسينيات القرن الماضي في فرنسا مع أليون ديوب Alioune Diop ومجموعة الحضور الأفريقي Présence Africaine، والذي كانت السينما إحدى الوسائل التي جنّدها لإشعاع ثقافة القارة الأفريقية ومعالجة قضاياها الناجمة عن التجربة الكولونيالية. في تأسيسه لهذا المهرجان الذي أصبح له صدى كونيا ويحمل ثقلا في سينما القارة، لم يربط نور الدين الصايل المغرب بجذوره الأفريقية بل دمج سينماه، وثقافته كنتيجة لذلك، كعنصر فعّال في قضية عابرة للقارات، ومتداخلة الأبعاد كقضية الزنوجية.

نور الدين الصايل كان من الأصوات الثقافية المغربية التي لم تخلف أي أثر تأليفي مطبوع في السينما. كان وجها آخر لنموذج المفكر، الذي تتفرّد به كثيرا الثقافة المغربية، من شاكلة محمد جسّوس الذي لا تعكس تركته التأليفية دوره الريادي والأساس في ترسيخ مناهج علم الاجتماع في الجامعة المغربية. أو نموذج المحاضر المتشعب مثل سيمون ليفي الذي لا تعكس غزارته المعرفية في ميدان اللغات والعاميات شح تركته المطبوعة. الصايل كان من هؤلاء الذين كنا نتمنى لو يخلفون مجلدات، وأسماؤهم تحضر في كل معرض للكتاب. لكنه كان هو الآخر هذا المفكر المغربي الذي تستقيم في سياقه مقولة عبد الله كنون حين أشار في سياق الأدب المغربي لـ”عدم ميل المغاربة للتدوين”. الصايل هو الآخر سيطرت عليه شخصية “الأستاذ” الذي يسكنه همّ استنبات الفكر في ثربته الثقافية كسؤال سقراطي تتولّد عن أجوبته أسئلة لاحقة. كان التفكير في السينما معه مجال حوار أكثر منه حيز تأمل أو تخمين مرتبط بالورقة والقلم. على عكس ما قاله جان لوك غودار في ذات حديث عن فيلمه الأخير “كتاب الصورة” بأن اليد هي التي تفكّر، نور الدين الصايل، ببصيرته واستبصاره، كان يدل على التفكير المغربي في أرضه الأولى والتي هي اللّسان. أمام شحّ كتابته كان هو الآخر ترسيخ لرؤيته التنظيرية الثالثة في جانبها الأهم الذي يعني الوعي السينمائي المغربي. هذا الجانب الذي نجده نظرية في فكرة “الواقعية اللسانية الجديدة” التي أشار لها مومن السميحي في كتاباته التنظيرية، وبطموحه في تأسيس خطاب سينمائي محلي خاص تتوجه فيه النظرة لحقل السمع الغني جدا. كما نعثر لهذا الجانب على وجهه في الإجراء السينماتوغرافي في هذه العناصر البصرية التي تتساكن بكل انسجام داخل مشاهد سينما حكيم بلعباس، وتشدنا إلى الإرث الشفهي لحكايات الجدة والتنويعات المجازية والتعبيرات الاصطلاحية idiomatic expressions التي تنفرد بها العاميّة المغربية. نور الدين الصايل إن لم يدوّن نظرته ونظريته في السينما داخل كتاب، فهو الآخر كان يعلن عن نفسه كمثقف سينمائي ابن بيئته.
ما يشكله في المغرب عبد الله العروي للتاريخ، وعابد الجابري لفلسفة الغرب الاسلامي، وعبد الكبير الخطيبي لفن الخط ورسومات الوشم، وعبد الفتاح كيليطو لقراءة وكتابة الأدب، يشكله كذلك نور الدين الصايل للسينما المغربية: وعي لا بد منه. وعي لا زال لم يتقد بعد بالشكل الكافي. وما خلّفه نور الدين الصايل من كتابات ومقابلات هو المكان الذي بقي لنا لكي نعثر فيه على هذا الوعي. المكان الذي تلح الضرورة أكثر من أي وقت مضى على حفظه وصيانته. لعلّ المغرب حينها يقدم لميدان البحث والدراسات السينمائية في العالم كتاب ميستر سينما الأول في المغرب، نور الدين الصايل.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This