مقولة الزّمن بين منوال الشّروط الضّروريّة والكافية ونظريّة الطّراز

“هذا هو الوقت، لا وقت للوقت” (محمود درويش)

مقدّمة:

المقْولة (Categorization) هي خاصّيّة بشريّة، وهي إحدى الوظائف الرّئيسة للكائنات الحيّة[1]، وهي عمليّة ذهنيّة طبيعيّة يقوم من خلالها الإنسان بتصنيف الأشياء حوله، حيث لا تنفصل عمليّة المقولة عن عمليّة التّصنيف (Taxonomy)، فالمقْولة هي العمليّة العقليّة الّتي تقوم على ضمّ مجموعة من الأشياء في صنف يجمعها، وهي حركة لا واعية يقوم بها الإنسان في العالم في إطار تنظيمه وتبويبه للموجودات حوله. وإن كان الحيوانُ أيضا يمقول الأشياء الموجودة حوله فإنّه لا يتجاوز حدود ذلك، على عكس الإنسان الّذي يمقول كلّ شيء في الطّبيعة وهو ما يحلينا إلى القول إنّ هذه العمليّة تشمل مقْولة الأشياء الحسّيّة كما تشمل مقولة الأشياء المجرّدة، كالأفكار والمشاعر وغيرها. “وإلى ذلك فالمقْولة نشاط ضروريّ للإنسان فبدونها يكون المحيط وكذلك الأفكار وضروب السّلوك مبعثرة وفوضويّة وبدونها لا تستطيع الذّاكرة أن تحتفظ بشيء”[2]. ويمكن القول إنّ عمليّة المقولة في الفكر البشريّ قد مرّت بمرحلتين أساسيّتين في تحديدها هما: المرحلة الأولى مع أرسطو فيما نسمّيه منوال الشّروط الضّروريّة والكافية، أمّا المنوال الثّاني فمع إلينور روش (Eleanor Rosch) فيما يسمّى بنظريّة الطّراز (Prototype)، ونتحدّث فيما بعد عن نظريّة الطّراز الموسّعة، أمّا نظريّة الطّراز فقد كانت نتيجة مجموعة من التّراكمات الفكريّة وربّما من أهمّها ما قام به لودفينغ فيتغنشتاين (Ludwing Wittgenstein) في علاقة بمفهوم التّشابه الأسريّ (ما يجعلنا نسمّي مقُولة مّا ليس هو مجموع القواسم المشتركة بين عناصرها، بل هو التّشابه الموجود بين عنصرين على الأقلّ في خاصّيّة واحدة على الأقلّ)[3]. ويمكن القول إنّ عمليّة المقْولة هي عمليّة بحث عن المعنى، أو هي إحدى مفاتيح هذه العمليّة، “إنّ المقولة والفهم والخيال والتّجسّد مفاتيح أساسيّة لإدراك المعنى كما يؤسّس له علم الدّلالة العرفانيّ، ولإعادة فهم ذواتنا وفهم العالم من حولنا وفهم اللّغة والإبداع”[4]. من خلال هذا يمكن الذّهاب إلى كون التّصنيف الّذي يقوم به الإنسان هو محاولة لفهم العالم من خلال تنظيمه وفق مقولات محدّدة. هذه المقولات نجدها عند أرسطو من خلال المقولات العشر والّتي هي: الجوهر، وأعراضه الّتي هي: الكمّ والكيف والمكان والزّمان والإضافة والوضع والحالة والفعل والانفعال. وهذه المقولات الأرسطيّة هي “كيانات لها حدود واضحة التّحديد”[5] وبالتّالي فنحن بصدد الحديث عن شروط محدّدة (ضروريّة وكافية) هي الّتي تحدّد مقُولة مّا وتميّزها عن غيرها، فتوجد صرامة معيّنة في عمليّة تحديد المقولات، وبالتّالي فلا حديث عن نسبيّة في هذه العمليّة. أمّا بالنّسبة لنظريّة الطّراز فيتمّ تحديد المقولة من خلال انتماء العناصر إلى مقولة معيّنة وفق طراز (الطّراز بما هو أفضل ممثّل لمقولة مّا)، طراز يكون تحديد مجموعة العناصر المنتمية للمقولة نفسها حسب درجة القرب منه. بين هذين المنوالين المذكورين (أرسطو والطّراز) توجد فوارق في تحديد المقولات إذن، إلّا أنّه لا يمكن حتما الحديث عن عمليّة قطيعة تامّة، فنحن أمام نسق فكريّ مستمرّ متغيّر، تبحث فيه ميادين فكريّة مختلفة (فلسفة وعلم نفس ولسانيّات). وبداية مع نظريّة الطّراز لإلينور روش يمكن اعتبار أنّ عمليّة المقولة قد أصبحت ظاهرة معرفيّة، بمعنى أنّنا نتحدّث عنها كعمليّة ذهنيّة لغويّة.

في هذا الإطار سوف نحاول البحث عن مقُولة الزّمن بين المنوالين (وسوف نوضّح في ما يلي الفرق بين الاعتماد على لفظة الزّمن أو لفظة الزّمان). ولا شكّ أنّ البحثَ عن معنى الزّمن وكيفيّة تحديده هو قضيّة تضرب بجذورها منذ القدم، فهو مفهوم ألهم الشّعراء والكتّاب كما ألهم الفلاسفة وألهم كلّ موجود واعٍ. أمّا في إطار محاولتنا هذه، قد تبرز أهمّيّة هذا المفهوم كونه مقُولة مستقلّة بحدّ ذاتها عند أرسطو. وعلى كلّ فإنّ البحوث حول الزّمن تفضي إلى نتيجة إمّا إثبات وجوده أو القول بانعدام وجودِه، والقول بانعدام وجود الزّمن بطبيعة الحال لا يقتضي انتفاءه إنّما قد يُقصَدُ بهِ أنّ الزّمن دائم الانفلات وبالتّالي هو غير محدّد، ويُمكن العودة من خلال هذا الأمر إلى نظريّة النّسبيّة لألبرت أينشتاين وهو القائل إنّ الزّمن غير موجود[6]. ونحنُ نجد أنفسنا أمام نمطين –إن صحّ القول- من الزّمن: الأوّل هو الزّمن المطلق (نيوتن) والثّاني هو الزّمن النّسبيّ (أينشتاين)، وبالتّالي نحنُ هنا أمام تجربتين مختلفتين للزّمن، الأولى تعتبر الزّمن معطى خارجيّا خارج الذّات البشريّة أمّا الثّانية فهي تعتبر أنّ الزّمن هو موجود داخل العالم المادّيّ. وفي حديثنا عن الزّمن فنحن بصدد الحديث عن مصطلح مجرّد، ولكنّه ليس بمعزل عن التّجربة الذّاتيّة للإنسان، و”تهدينا البداهة إلى حقيقة أنّ الزّمن ليس ظاهرة مستقلّة، ولكنّه تجريد للحركة والأحداث في معنى من المعاني”[7]. من خلال هذا التّعريف على سبيل المثال نجد أنّ الزّمن يتحدّد من خلال ارتباطه بمعطيين رئيسين ألا وهما الحركة والأحداث، وفي هذا سوف نحاول أن نبحث عن كيفيّة تحديده على مرّ الفكر من خلال المنوالين المذكورين سابقا. وقد حاولت العديد من العلوم البحثَ عن معنى الزّمن كالفيزياء والفلسفة واللّغة وعلم النّفس وغيرها، وهو ما يُحيلنا إلى كون هذا المفهوم يستقي من ميادين عدّة يحاول الذّهنُ من خلالها تشكيل صورة عنهُ، وهو ما قد يُمثّل مقولَة الزّمن.

إذن، سنحاولُ من خلال هذه الورقات تحديد المفاهيم الّتي سوف نحاول الاشتغال بها، وذلك من خلال الميْز بين الزّمن والزّمان في مرحلة أولى، ثمّ سنحاول البحثَ عن كيفيّة مقْولة المجرّدات من خلال البحث عن كون عمليّة المقْولة في حدّ ذاتها هي عمليّة تجريد مرورا باتّصال مفهوم الذّهن بالجهاز العصبيّ للإنسان، ثمّ ننتقلُ إلى تصوّر أرسطو لمفهوم الزّمان والّذي نبحث فيه عن كيفيّة تحديدِهِ لهذه المقُولة في حدّ ذاتها ، ثمّ سنبحثُ في المقُولة من خلال نظريّة الطّراز وهو ما سيحيلنا إلى النّظر في النّماذج الّتي يُمكنُ أن تعبّر عن مقولة الّزمن وهي نماذج مختلفة بالضّرورة، كما سيحيلنا إلى البحثِ عن الدّلالة المعجميّة لبعض لألفاظ المتعلّقةِ بمقولة الزّمن في اللّغة العربيّة ومنها سنُحاولُ أن نحدّد اللّفظَ الّذي قد يمثّل طرازا، كما سنبحث عن النّموذجِ الّذي قد يعتبر طرازا، وهذا في إطار البحث عن البنيات الدّلاليّة للزّمن.

  1. تحديد المفاهيم:

1.1. الزّمن والزّمان:

حول مقولة الزّمن عموما نفرّق بين مستويين رئيسين هما: الزّمن المطلق وهنا ربّما يمكننا الإحالة إلى نيوتن، والزّمن النّسبيّ وفي الحال هذه ربّما يُمكن الإحالة إلى أينشتاين. إلّا أنّ هذين المستويين لا يمكن عزل الواحد منهما عن الآخر من جهة، ولا يمكن التّفكير في الواحد منهما دون التّفكير في الآخر من جهة أخرى. أمّا في لسان العرب في مادّة (زمن) فإنّنا نجد أنّ اللّفظتين قد وردتا بالمعنى نفسه، حيث الزّمن والزّمان اسم لقليل الوقت وكثيره[8]. من جهة أخرى في كتاب الفروق في اللّغة لأبي هلال العسكريّ فإنّنا لا نجد ذكرا للفظ الزّمن في باب “في الفرق بين الزّمان والدّهر، والأجل والمدّة، والسّنة والعام وما يجري مع ذلك” بل نحنُ لا نجد ذكرا إلّا للفظة الزّمان[9]. أمّا هذا الإطار فنحن سوف نؤشّر إلى الزّمن المطلق بلفظة الزّمان، أمّا الزّمن النّسبيّ فسوف نؤشّر إليه بلفظة الزّمن. ففي أيّ المستويين سوف ننظر؟

في الحقيقة فإنّ دراسة البنيات الدّلاليّة للزّمان سوف تحيلنا إلى دراسة الزّمان الدّينيّ بصفة أكثر، وهنا نتحدّث عن نموذج معيّن يمثّله هو النّموذج الدّائريّ كما يذهب إلى ذلك أدونيس في حديثه عن مفهوم الزّمان في الإسلام في كتابه الثّابت والمتحوّل، هذا النّموذج الدّائريّ يبتدأ من نقطة معيّنة سوف يعود إليها الزّمن مرّة أخرى، بمعنى أنّ هذا النّموذج هو تجسيد زمنيّ للزّمان المطلق. وربّما بالإمكان القول إنّ مفهوم الزّمان قد تفرّق إلى ثنائيّة يتوجّه نحوها كلّ حسب رؤيته، هي ثنائيّة الخطّيّة والدّائريّة، فهو إمّا خطّي وإمّا دائريّ[10].

من  ناحية أخرى يمكن اعتبار الزّمان هو المشترك بين النّاس، أمّا الزّمن فهو المتجسّد في الإحساس الشّخصيّ، في هذه الحال فسوف نتحدّث عن نموذجين اثنين الأوّل هو تحرّك الذّات داخل الزّمن (الزّمان) وتحرّك الزّمن داخل الذّات (الزّمن). إلّا أنّه بالعودة إلى عبد الكبير الحسني سوف نجد أنّنا نتحدّث نوعا ما عن المقولة نفسها، ولكن بأشكال مختلفة، ألا وهي مقولة الزّمن.

وفي الواقع فإنّ النّظرة الّتي سوف نهتمّ بها في بحثنا هذا تتمثّل في الزّمن الحسّيّ الّذي يمرّ عبر الذّات، دون إهمال النّظرة الأخرى طبعا، وهو الأمر الّذي سوف يحيلنا إلى تقسيم ثلاثيّ معمول به حول الزّمن:

-الزّمن المطلق.

-الزّمن الفيزيائيّ.

-الزّمن النّفسيّ.

وبما أنّ ميدان البحث يندرج ضمن الدّلالة العرفانيّة، فإنّ أساس العمل سوف يكون متعلّقا بالزّمن النّفسيّ باعتباره جزءا مكوّنا للصّورة الذّهنيّة للفرد.

2.1. المقْولة والتّجريد:

إنّ المقْولة في حدّ ذاتها هي عمليّة تجريد من جهة أولى، ومن جهة ثانية فإنّ الإنسان لا يمقول الأشياء الطّبيعيّة فقط بل هو يمقول الأشياء المجرّدة أيضا، بل هي النّسبة الأكبر في هذه المقولة كما يذهب إلى ذلك البورعمراني “وقد يحدونا انطباع في بعض الأحيان أنّ المقْولة تشمل فقط الأشياء الطّبيعيّة الّتي نراها في العالم، ولكنّ نسبة كبيرة من مقولاتنا ليست مقولات أشياء بل هي مقولات كيانات مجرّدة. فنحن نمقول الأحداث والحركات والمشاعر وعلاقة القرابة والعلاقات الاجتماعيّة والحكومات والسّياسات وغيرها. إنّ كلّ شيء يخضع للمقْولة محسوسا أو مجرّدا”[11]. من خلال هذا ومن خلال تعريف المقْولة باعتبارها عمليّة عقليّة ذهنيّة نستطيع أن نستخلص أنّ هذه العمليّة هي عمليّة تجريد باعتبار أنّ إحدى الخصائص الأساسيّة للعقل البشريّ هي عمليّة التّجريد، وهنا قد نجد أنفسنا أمام ثنائيّة التّجسيد والتّجريد وهما مفهومان لا يمكن عزلهما الواحد عن الآخر ربّما باعتبار أنّ الإنسان (ككائن علائقيّ، ومن بين ذلك كونه في علاقة مع الطّبيعة الحسّيّة، أو ربّما يُمكن النّظر إلى هذا في علاقة العقل بالواقع) يبحث عن تجسيد للأفكار المجرّدة في الواقع وهو الأمر الّذي يقوم به في الوقت ذاته عندما يبحث عن تجريد ما هو حسّيّ في إطار البحث عن المعنى. كما يُمكن اعتبار عمليّة التّجريد تنتمي إلى ما هو باطنيّ، في ثنائيّة العقل الظّاهر والعقل الباطن، إذا ذهبنا إلى القول إنّ ما هو ظاهر إنّما يحيل إلى ما حسّيّ ومادّيّ أمّا ما هو باطن إنّما يحيل إلى ما هو مجرّد. فالفكر البشريّ (المحض) هو ذو طابع مجرّد غير مجسّد، لكن في اتّصال الكائن البشريّ بالواقع فهو يجسّد أو يبحث عن تجسيد هذه المجرّدات.

إضافة إلى هذا، فإنّ التّجارب المتعلّقة بما هو مجرّد فهي ذات صلة بالإدراك الحسّيّ المرتبطة بالنّظام العصبيّ، وهو الأمر بالنّسبة للزّمن حيث “أنّ التّجربة الزّمنيّة ذات صلة في نهاية المطاف بالإدراك الحسّيّ الّذي يقوم أساسا على استقراء مجموعة من الفواصل الزّمنيّة الّتي تعمل على تسهيل التّكامل الحسّيّ للتّجربة”[12]، إذن فإنّ العقل البشريّ يتعامل مع ما هو مجرّد بطريقة حسّيّة (باعتبار أنّ العقل البشريّ هو المركز الّذي يقوم بكامل الأدوار، وفي علم النّفس على سبيل المثال لا يمكننا اعتبار أنّه يوجد ما هو خارج عن العقل/الذّهن البشريّ، إذن كلّ ما هو مدرك لا يكون إلّا عن طريق حسّيّ في نهاية المطاف الّذي يتجسّد في العقل).

اعتمادا على ما تمّ ذكره، ربّما يُمكن القول إنّ المقْولة هي عمليّة تجريد، فمثلا إذا أخذنا منوال برلين (Berlin) في علاقة بالكلّيّات الخمس (المملكة، شكل الحياة، الجنس، النّوع، الفصيلة) فنجده أنّه ينتقل من الأعمّ إلى الخاصّ فالأكثر تخصيصا، إذا حاولنا أن نُسقط هذا التّقسيم على المقولات المجرّدة فيمكننا القول إنّنا ننتقل من الأكثر تجريدا إلى الأقلّ، وصولا إلى ما هو أقرب إلى الجانب الحسّيّ/الواقعيّ.

يبقى الإشكال في عمليّة مقولة المجرّدات هو كونه لا يوجد مرجع مادّيّ واضح لها[13]، ولهذا فتتمّ محاولة مقْولة المجرّدات من خلال التّصوّرات والمعاني كونها تتعلّق بالتّمثّلات الدّاخليّة، فنحن إذن نبحث عن خطاطات الصّور (Image Schemas) المتعلّقة بمقُولة الزّمن.

  1. مقولة الزّمن في منوال الشّروط الضّروريّة والكافية (أرسطو):

إنّ النّموذج الأرسطيّ لعمليّة المقْولة يُسمّى بمنوال الشّروط الضّروريّة والكافية (ش.ض.ك)، ونلاحظ في هذا النّموذج “أنّ المقولات هي كيانات لها حدود واضحة التّحديد. وأنّ انتماء وحدة مخصوصة إلى مقولة مّا يخضع لنظام الخطأ والصّواب”[14]. فنحن أمام عمليّة صارمة في كيفيّة تحديد المقولات، فلا يكون عنصرا مّا منتميا إلى مقولة مّا إلّا إذا استوفى جميع الشّروط الّتي تسمح بانتسابه إلى تلك المقُولة دون غيرها، فلكلّ كلمة هنا إذن دلالة واحدة محدّدة بدقّة (وهو ما يعيدنا إلى كون أرسطو –في علاقة بالأسماء- يرى أنّه لكلّ مسمّى اسم واحد)، وهو الأمر الّذي يمنع من تنسيب عمليّة انتماءٍ إلى مقُولة. ولا وجود لتفاضل في عناصر المقولة الواحدة في منوال (ش.ض.ك)، فلا نقول على سبيل المثال الطّير كذا هو أكثر طيريّة من الطّير كذا، بل إنّ جميع العناصر انتمت إلى المقُولة لأنّها تنتمي إلى تلك المقولة، وتلك المقولة فقط دون غيرها.

نظر أرسطو إلى مقولة الزّمان أثناء جداله حولَ الدّهر بينه وبين أفلاطون، وهو جدال قد يقودنا إلى الجدال بين الفرق الكلاميّة حول هل العالم قديم أم محدث، وفي الواقع يُمكن القول إنّ الجدل الدّائر بين الفرق الكلاميّة الإسلاميّة قد كان استمرارا لهذا الصّراع الإغريقيّ الأوّل، وهو في الاختلاف بين أرسطو وأفلاطون حول مفهوم الأبديّة، فأفلاطون يرى أنّ الزّمان مخلوق مع العالم بينما رفض أرسطو فكرة بدء الزّمان وبدء العالم[15].

ومن جهة أخرى يعرّف أرسطو الزّمان حسب الحركة، فـ”الزّمان ليس يكون مماثلا للحركة ولا يمكن فصله عنها […]. فنحن عندما نحسّ الحركة، إنّما نعي الزّمان”[16]. وبطبيعة الحال فإنّ مفهوم الحركة عند أرسطو مرتبط أساسا بمفهوم المحرّك، وهو عند أرسطو المحرّك الّذي لا يتحرّك، وهو ما يجعل من الزّمن الأرسطيّ –وإن كان زمنا عقلانيّا- إلّا أنّه في نهاية المطاف يبقى مطلقا لارتباطه بماهيّة لا تُرى، أي المحرّك الّذي لا يتحرّك. ونجد في كتاب المقولات لأرسطو “والحركة على الإطلاق الّتي هي الجنس يضادّها السّكون على الإطلاق الّذي هو الجنس أيضا للأشياء السّاكنة، والحركات الجزئيّة يضادّها السّكون الجزئيّ”[17]، فمن خلال هذا التّعريف للحركة يمكننا ملاحظة وجود عنصر أساسيّ هو المكان، بهذا المعنى يمكننا اعتبار الزّمان هو الحركة في المكان، وهو الأمر الّذي نجده فيما بعد موجودا في التّصوّرات الحديثة جلّها، لكنّ هذا هو ما قد يحيله إلينا كلام أرسطو، إلّا أنّ الفيلسوف اليونانيّ لم يربط بين الزّمان والمكان إذ اعتبر كلّ واحدة منهما مقُولة منفصلة عن الأخرى، والزّمان يتحدّد من خلال الحركة لا من خلال المكان عنده. إذن نحنُ أمام عمليّة انتقال جسم من “آن” إلى “آن” وهو ما يفسّر مفهوم الحركة، فهي مجموع من الفواصل الزّمنيّة، فنحن أمام متقدّم ومتأخّر في الزّمان، ينتقل عنصر من لحظة إلى لحظة في “المكان” فتكون الحركة، فالزّمن في هذه الحالة مقدار يمكن قياسه، حسب حركة عنصر من النّقطة (أ) إلى النّقطة (ب).  وبالتّالي فإنّ الزّمان عند أرسطو يقتضي ضرورة وجود عمليّة تغيّر، حيث التّحرّك في الزّمن وفي “المكان” يقتضي عمليّة تغيّر على المستويين المذكورين (في المقولتين المذكورتين)[18]، فالزّمان هو “قياس عدد الحركة أو تقدير بعدها بالنّظر إلى المتقدّم والمتأخّر”[19].

من بين ما يحدّد مقولة الزّمان عند أرسطو هو مفهوم “الآن” حيث الآن هو اللّحظة الفاصلة بين المقاطع الزّمنيّة (الماضي والحاضر والمستقبل)، وفي هذه الحالة فإنّ مفهوم الآن يصبح غير موجود، فهو إن صحّ التّعبير منفلت. فنحن نتحدّث عن التّحرّك من آن إلى آن، باعتبار الآن هو ماض سابق (المتأخّر) وماض ينقضي (الحاضر) ولهذا يجب أن نميز بينهما، “فكما أنّه لا يمكن أن يكون زمان إذا لم يحصل تمايز بين هذا الآن وذاك، بل دائما كان آن واحد بعينه، فكذلك يظهر أنّه لا يوجد زمان بين آنيين إذا لم نوفّق في أن نميز بينهما”[20].

من بين المنطلقات الأولى لأرسطو في تحديد مقولة الزّمان كان السّؤال: هل يوجد الزّمان؟ في تعريفه للمقولة يذهب أرسطو إلى أنّ الزّمان:

-ماض انقضى فلم يعد يوجد.

-حاضر هو حتما ليس جزءا من الزّمان.

-مستقبل هو على وشك الوقوع لكنّه لم يقع بعد.

فالزّمان في هذه الحالة غير موجود، بمعنى أنّ الماضي بما أنّه منقض فهو غير موجود الآن، أمّا المستقبل فلم يحدث بعد وبالتّالي هو غير موجود، أمّا الحاضر باعتباره اللّحظة الّتي تنقضي في آنها هي أيضا غير موجودة، وهذه الثّلاثيّة هي الّتي تكوّن أجزاء الزّمن أو مقاطعه. ولهذا حدّد أرسطو مقولة الزّمان من خلال الحركة[21] إذ هي الّتي تمثّل الدّليل على وجود آن معيّن على خطّ الزّمن ومن خلاله تتمّ عمليّة القياس، أو عمليّة عدّ الحركة، وهي الّتي توصل نحوَ وجود الزّمان، والزّمان ليسَ الحركة بل هو عدد لها، فالحركة تختصّ بالمحرّك كما أسلفنا القول. فـ”الزّمان هو ما بين آنيين”[22].

إذا حاولنا تلخيص ما يذهب إليه أرسطو في عمليّة تحديده لمقُولة الزّمان سوف نجد أنّها:

-تتحدّد من خلال الزّمان في حدّ ذاته بمعنى أنّها منعزلة عن بقيّة المقولات، فالمكان مقولة وحده والزّمان مقولة وحده، بينما نحنُ عندما نُمقْوِلُ الزّمان عند أرسطو فإنّه يتحدّد من خلال الحركة بينما لا نستطيع الحديث عن وجود حركة دون وجود مكان، ففي عدّ أرسطو للزّمن فهو لا يعدّ تماما الانتقال من نقطة مكانيّة إلى أخرى مكانيّة، بل من آن زمنيّ إلى آن زمنيّ، وما بينهما هو الزّمن، ولهذا فنحنُ بصدد الحديث عن زمان مطلق.

-يحدّد أرسطو مقولة الزّمان من خلال مفهومين رئيسين هما الحركة والآن. فالزّمان هو مقدارُ الحركة، وهو ما بين آن متأخّر وآن متقدّم، فلا يوجد الأوّل دون وجود الثّاني وإلّا يسقط وجود الزّمن. فإن كانت أجزاؤه غير موجود في عمليّة منطقيّة (الماضي والحاضر والمستقبل) فذلك لا يعني انعدام وجود الزّمان فعلا، بل هو ما يتمّ تقديره بين آنين.

-من بين أسباب تحديد أرسطو لمقولة الزّمان كان الجدال مع أفلاطون حولَ الدّهر. ولهذا فإنّ الحدود الّتي رسمها هي لإثبات هذه الغاية. إذن هي عمليّة إثبات أنّ الزّمان قد وُجد وليس بموجود من البداية. ومن جهة أخرى فهو يربطه بمفهوم المحرّك الّذي لا يتحرّك، فالزّمان ليسَ هو الحركة إذ الحركة ترتبط بالمحرّك بينما الزّمان هو عدد الحركة، وهو ما يتمّ قياسه بين آنيين.

في ما سبق ذكرنا تحديد أرسطو لمقولة الزّمن، وسوف ننظر في ما يلي إن كانت العناصر الّتي حدّد من خلالها الفيلسوف اليونانيّ هذه المقولة قد تغيّرت أو إن كانت النّظريّات اللّاحقة قد قطعت مع هذا التّعريف –إن شئنا- تماما أم أنّها حافظت عليه، سواء كلّيّا أو جزئيّا.

  1. مقولة الزّمن في نظريّة الطّراز:

ذكرنا سابقا في المقدّمة أنّ الطّراز هو أفضل ممثّل لمقولة مّا. ومن بين الآليّات الّتي يمكن أن ينشأ من خلالها هذا الطّراز هو التّواتر حيث التّواتر هو الضّامن الوحيد لاستقرار التّفاعل بين الأفراد[23]. أمّا عناصر مقولة معيّنة فتتحدّد حسب درجة قربها أو بعدها من الطّراز، وبالتّالي فعلى عكس ما نجده في منوال (ش.ض.ك) فإنّنا في نظريّة الطّراز نجد عمليّة تفاضل بين عناصر المقولة الواحدة. وقد ظهرت نظريّة الطّراز مع إلينور روش الّتي حاولت من خلالها تجاوز نموذج الشّروط الضّروريّة والكافية لأرسطو، وقد اعتمدت في ذلك على ما أتى به فيتغنشتاين في علاقة بالتّشابه الأسريّ (من ميدان الفلسفة إلى ميدان علم النّفس، باعتبار روش هي عالمة نفس). وقد قسّمت روش عمليّة التّصنيف (في المقولة) إلى ثلاثة مستويات: المستوى الأعلى، والمستوى القاعديّ والمستوى الأدنى، أمّا المستوى القاعديّ فهو “المستوى الّذي يثبت به الأفراد بأكثر سرعة عناصر المقولة”[24]. وقد مرّت نظريّة الطّراز عند روش بمرحلتين اثنين:

-الأولى “فيها تقتضي المقولة وجود طراز يمثّل في الذّهن مرجعيّة عرفانيّة ترتَّب في ضوئها أفرادُ المقُولة ترتيبا تفاضليّا بحسب شدّة مشابهتها لذلك الطّراز أو ضعفها”[25].

-الثّانية هي النّظريّة الموسّعة “وتقوم لا على الإقرار بوجود طراز يكون أمثل ممثّل للمقُولة وبوجود أفراد تتفاوت درجات مشابهتها له، بل تقوم على مدى التّشابه الأسريّة ولو في خصّيصة واحدة بين المعنى المركزيّ أو القاعديّ”[26].

ويذهب عبد الله صولة إلى أنّ النّظريّة الموسّعة تختصّ بعلم الدّلالة (خاصّة المشترك اللّفظيّ) أكثر من كونها تساعد في مقْولة الأشياء الطّبيعيّة والصّناعيّة وفي مقْولة المفاهيم.

عموما فإنّ نظريّة الطّراز قد اختلفت عن منوال الشّروط الضّروريّة والكافية حيث أنّ المقُولة لا تتحدّد من خلال هذه الشّروط المتميّزة بالدّقّة والصّرامة، بل يُمكن القول ربّما إنّها تتميّز بانسيابيّة معيّنة، وفي نهاية المطاف وفي الوقت ذاته هي ليست بنظريّة تجعل المقُولة نفسها تضمّ جميع العناصر الموجودة في الكون كما قد يذهب ذلك لايكوف (Lakoff) في كتابه مرأة والنّار وأشياء خطرة.

إذا حاولنا تحديد طراز لمقُولة الزّمن فإنّنا سوف ننظر ضرورة في المدخل المعجميّ من خلال مجموع العبارات الّتي قد تُحيل إلى كونها عناصر معجميّة لهذه المقولة في اللّغة العربيّة، وربّما يمكن أن نعدّد بعضها في اللّغة العربيّة: الزّمن واللّحظة والمدّة والبرهة والوقت والآن والحين والفترة والهنيهة والتّوقيت وغيرها. إذا حاولنا أن ننظر إلى هذه العبارات معجميّا فسوف نجد أنّ بعضها لا توجد في لسان العرب بمعنى يُحيل على الزّمن، على سبيل الذّكر لا الحصر نذكر اللّحظة. إلّا أنّنا في الوقت نفسه يُمكن أن نعود إلى المفاهيم الاصطلاحيّة لهذه العبارات، أو بعضها، لتحديد مدى قربها للفظة الزّمن. وفي هذه الحال يُمكن اعتبار أنّ لفظة “الزّمن” هي الطّراز في هذه المقولة (في العامّيّة قد نشير إلى كلمة “وقت” باعتبارها الممثّل الأفضل للمقُولة)، وذلك أوّلا لتواترها هي في الاستعمال، وثانيا لاعتبارها هي الممثّل الأبرز للمقُولة فهي الّتي نحدّد من خلالها الاختلاف الدّلاليّ بينها وبين بقيّة العبارات، فالأغلب أنّ بقيّة العبارات تندرج ضمن أجزاء من الزّمن. في هذا الإطار ربّما يمكننا استعمال منوال برلين لتحديد مستوى الزّمن (الزّمان) حسب الكلّيات الخمس، وذلك كالآتي:

-المملكة (Kingdom): الزّمكان.

-شكل الحياة (Life form): الزّمان.

-الجنس (Genus): الزّمن.

-النّوع (Species): الوقت.

-الفصيلة (Variety): البرهة.

إذا عدنا إلى البوعمراني فنجد أنّ مستوى الجنس يتميّز بكونه: يسمّي الإنسان الأشياء بسرعة أكبر في هذا المستوى، واللّغات تعطي أسماء بسيطة للأشياء في هذا المستوى، وإنّ أسماء الجنس هي أوّل ما يتعلّمه الأطفال، والأشياء في هذا المستوى يقع تذكّرها بسرعة أكبر من الأشياء في المستويات الأخرى، والأشياء في هذا المستوى لها دلالة ثقافيّة أكبر، وهي الأسرع تخزينا في الذّاكرة[27]. من خلال هذه الخصائص –إن شئنا- يُمكن القول إنّ هذا المستوى هو الأقرب للمستوى القاعديّ عند إلينور روش. وقد حاولنا في عمليّة تحديد مقولة الزّمن في منوال برلين (هذه المحاولة تبقى مجرّد محاولة، ربّما أصابتْ وربّما لم تصبْ) الانتقال من المجرّد إلى الأقلّ تجريدا، حيث أنّ الزّمان ينتمي إلى مقُولة أكبر منه هي مقولة الزّمكان، وبطبيعة الحال فإنّنا لا نحدّد الزّمان إلّا من خلال المكان في الدّراسات الحديثة سواء في الفيزياء أو في الفلسفة أو في غيرها من الميادين الأخرى، فلا يمكننا الحديث عن زمان دون وجود مكان، وبالتّالي فإنّ الزّمان والمكان هما مقولتان ينتميان للمستوى نفسه وللمملكة نفسها، أمّا المستوى الأقلّ منهُ فنجد فيه الزّمن، مرّة أخرى كما اعتبرنا في بداية المقال أنّ الزّمن هو يقترب إلى ما هو حسّيّ أكثر من لفظة الزّمان باعتبار أنّ لفظة الزّمان تعبّر عمّا هو مطلق، ولكن في الوقت نفسه لا يمكننا اعتبار أنّ مقولة الزّمن هي حسّيّة بالمعنى الاصطلاحيّ للكلمة، إلّا أنّنا كما أشرنا في البداية أنّ الزّمن يتمثّل في فواصل زمنيّة في البنية العصبيّة للإنسان، فله ميكانيزمات تحدّده داخل الدّماغ كما أنّه في نهاية المطاف يرتبط باللّغة كوننا نعبّر عن الزّمن عن طريق اللّغة. وفي عمليّة ارتباط الزّمن بالمكان يمكننا اعتماد بعض الأمثلة الّتي تبرز أنّه في استعمالنا اللّغويّ نعبّر عن مقولة الزّمن من خلال مقولة المكان، كما في الأمثلة التّالية:

1-تركت الماضي خلفي.

2-أتقدّم نحوَ مستقبلي.

في هذه الجمل على سبيل المثال تمّ تحديد زمن الماضي (1) من خلال ظرف مكانيّ هو خلف، أمّا في الجملة الثّانية فقد تمّ التّعبير عن المستقبل (2) عن طريق تقدّم الّذي يحمل في معناه التّحرّك من نقطة في مكان مّا نحو نقطة أخرى، وهو ما يذكّرنا بكلّ بساطة بتحديد أرسطو لمقولة الزّمان إذ يُقدَّرُ الزّمن من خلال الانتقال من آن إلى آن ثان يتمّ تعيينهما في الواقع، والحركة ضرورة لا تكون إلّا في المكان، وتسري في زمن. لكن هنا نجد أنّنا أمام إشكال آخر، يتمثّل في كوننا نتحرّك داخل المكان كما أنّ المكان في حدّ ذاته يتحرّك (دوران الأرض على سبيل المثال)، الأمر الّذي قد يقودنا إلى القول بوجود نموذجين يسمحان بتحديد إحالة زمنيّة، الأوّل هو نموذج تحرّك الزّمن، أمّا الثّاني فهو نموذج تحرّك الذّات.

في النّموذج الأوّل نجد أنّنا نحدّده “من منطلق أنّ الزّمن ثابت والذّات تتحرّك عبره”[28]، ففي هذه الحالة نعتبر أنّ الزّمن ثابت والذّات متحرّكة وهو ما يمكن تمثيله من خلال الجملة:

3- تقترب المباراة من النّهاية.

إذ الذّات هي المركز الّذي تمّ من خلالها تحديد الزّمن، والنّقطة الإحاليّة بطبيعة الحال هي الحاضر أو لحظة التّلفّظ أو الآن، فالماضي خلف والحاضر الآن والمستقبل أمام. هكذا نجد أنفسنا أنّنا قمنا بالتّعبير عن مقولة الزّمن من خلال مقولة المكان. فالماضي قد تمّ تركه في نقطة زمنيّة معيّنة تمّ تحديدها بناء على الحاضرِ، الحاضِرُ الّذي هو لحظة وجود الذّات، أمّا نهاية المباراة الّتي تحدّد في لحظة معيّنة فإنّ الذّات تسير نحوها بينما هي ثابتة، فهي تنتهي في ساعة معيّنة تمّ تحديدها سلفا في خطّ زمنيّ ثابت. فإذا أردنا تمثيل هذا النّموذج سوف نجد أنّ الذّات تتمركز في الوسط (الحاضر) بينما خلفها الماضي وأمامها المستقبل، هذا الخطّ هو خطّ ثابت (مسألة أن يكون بنهاية أو ببداية أو دونهما لا يهمّنا في هذا الإطار) والذّات تتحرّك عبرهُ، فالزّمن إذن موجود بغضّ النّظر عن وجود الذّات في هذه الحالة، أمّا الذّات فلا تُدرَكُ إلّا في إطار الزّمن، وبالتّالي المكان. هذا يقودنا إلى القول بأنّ الزّمن سوف يدرك من خلال حركة الذّات داخله ومن خلال الأحداث الّتي تحدث أثناءه، فـ”لا يمكننا أن نلاحظ الزّمن في حدّ ذاته –حتّى إن وجد الزّمن باعتباره شيئا في حدّ ذاته. إنّ ما يمكننا ملاحظته هو الأحداث ومقارنتها”[29]. وهذه النّماذج استعمل لتفسيرها كلّ من لايكوف وجونسون في كتباهما الفلسفة في الجسد باستعارة التّوجيه الزّمنيّ وفق الخطاطة التّالية:

موقع الملاحظ – الحاضر.

الفضاء الّذي أمام الملاحظ – المستقبل.

-الفضاء الّذي وراء الملاحظ – الماضي.[30]

إذن هنا ربّما نحن نتحدّث عن الزّمن باعتباره موجودا سواء وُجدت الذّات أم لم توجد، حيثُ أنّه ثابت بينما الذّات متحرّكة، والحركة هنا تحدّدها الذّات وليس الزّمنُ، إلّا أنّ هذا لا ينفي أنّنا نحدّد الزّمن من خلال الحركة، تماما كما رأينا في منوال الشّروط الضّروريّة والكافية، فهي عمليّة تحرّك من آن إلى آن، آن متقدّم وثان متأخّر، وذلك لا يكون إلّا داخل حيّز مكانيّ.

أمّا النّموذج الثّاني فهو نموذج تحرّك الذّات، وهو يرتكز “على الذّات باعتبارها مركزا إحاليّا رئيسيّا، ونقطة مرجعيّة في بنائها”[31]، فالذّات من خلال نقطة زمنيّة معيّنة يمكنها أن تعبّر عن بقيّة المقاطع الزّمنيّة، وربّما من خلال هذا النّموذج يُمكن العودة إلى فكرة النّسبيّة، حيثُ أنّ الأمر سيتطلّب ذاتا تنظر إلى أمر معيّن من زاوية معيّنة هي غير زاوية ذات غيرها، على عكس النّموذج الأوّل الّتي قد نعتبر فيه أنّ الذّوات تنظر إلى الحدث نفسه بطريقة واحدة، فلا اختلاف في الزّمن حيث الزّمنُ (بأحداثه) يعبر الذّات. أمّا الزّمن هنا فهو مرتبط بوجود الذّات، هذا قد يحيلنا في جزء منه إلى ما نسمّيه بالزّمن النّفسيّ، فالزّمن ليسَ معطى منذُ البداية، بل هو –بالنّسبة للذّات- يوجد بوجودها وينتفي بانتفائها، والمحدّد له هو الذّات عينها. في هذا النّموذج إذن الذّات هي الّتي تحدّد مقُولة الزّمن، فهي مقولة توجد بوجود هذا الكيان، في حركة داخل المكان، فنزيد عنصرا آخر محدّدا للزّمن هو الذّات.

إذا حاولنا أن نجمع العناصر الّتي يمكن أن نحدّد من خلالها مقُولة الزّمان فسوف نجد: الحركة والمكان والأحداث والذّات، وربّما غابت عنّا عناصر أخر. وتقسيمنا القائم على كون الزّمن في النّموذج الأوّل هو زمن ثابت أو “موضوعيّ” بينما في النّموذج الثّاني هو زمن نفسيّ، أي هو مرتبط بالذّات بدرجة أولى حيث هي المحدّد وهي النّقطة الّتي تحيل إلى باقي المقاطع الزّمنيّة، لا يمكن أن يكون إلّا في إطار فضاء معيّن (المكان) وهو ما يذهب إليه أغلب الباحثين، فلا يمكننا مقْولة الزّمن دون اعتبار بقيّة العناصر، لكنّ هذا لا يمنع أنّ الزّمن هو مقولة مستقلّة عن باقي المقولات لكنّها تتفاعل فيما بينها في جدليّة طبيعيّة. من خلال ما سبق سيكون تحديدنا لمقُولة الزّمن مبنيّا على كونها نفسيّة بدرجة أولى، فهي من مكوّنات الذّهن البشريّ، فالذّات عنصر محدّد في القول بوجود الزّمن، فـ”الدّارس للتّصوّر العرفانيّ يلاحظ أنّ الزّمان دلالة ذاتيّة لأنّها تتحقّق في ذهن المتكلّم”[32].

  1. اللّغة العربيّة وتحديد الزّمن:

إنّ المعجم العربيّ زاخر بالعبارات المعبّرة عن مقولة الزّمن في محاولة لتحديده، ويتمثّل ذلك في العديد من الألفاظ، بعضها تمّ ذكرها مثل اللّحظة والمدّة والهنيهة والآن والبرهة والوقت وغيرها. وفي الوقت نفسه نجد أنّ العرب قد اهتمّوا بالزّمان المطلق، ولذلك فنحن نجد له تسميّات عدّة تختلف الواحدة عن الأخرى دلاليّا: الأزل وهو ما لا بداية له ولكن له نهاية، والأبد وهو ما له بداية ولكن لا نهاية له، والسّرمد وهو ما لا بداية ولا نهاية له، والأمد وهو ما له بداية ونهاية. من خلال هذه النّماذج على سبيل المثال يمكن الذّهاب إلى كون تحديد الزّمن يرتكز على نقطتين رئيستين هما البداية والنّهاية، وهو ما يحيلنا إلى مفهوم اللّحظة (إذا اعتبرناها الوقت القصير بمقدار لحظ العين) الّذي وجدناه عند أرسطو، فالزّمان المطلق في حدّ ذاته يتحدّد من خلال مفهوم الآن أيضا، فالأمد على سبيل المثال يتحدّد من خلال نقطة بداية ونقطة نهاية، أمّا في بقيّة الألفاظ فإنّنا نجد إمّا بداية أو نهاية أو لا بداية ولا نهاية، يبقى تحديد نقطة معيّنة غير ممكن، لأنّنا لا نأخذ الزّمن باعتباره ما يُقاس في العالم الحسّيّ/الواقع، ولكنّه أمر منوط للخيال أكثر منهُ للمعاينة. فهذا الزّمان إذن هو زمان خارجيّ، لا يُمكن تحديده فعليّا، إلّا أنّ عمليّة تحديد المطلق تتمّ من خلال اللّغة وذلك عبر تقريبه من الجانب الحسّيّ من خلال نماذج معيّنة كأن نرسم خطّا ونحدّه من الجانبين بنقطتين أو لا نحدّه، وذلك في إطار محاولة عمليّة فهمه.

من جانب آخر نجد في الثّقافة العربيّة اهتماما آخر بالزّمن، وهو ما يتمثّل في المواقيت[33] والّتي تحيل إلى مواعيد الصّلاة عند المسلمين، والّتي من خلالها تمّ تقسيم النّهار إلى فترات معيّنة، وهنا نتحدّث عن الفجر والصّبح والضّحى والظّهر والعصر وغيرها، وإن كان تقسيم اليوم أساسا يقوم على ثلاثيّة أساسيّة هي الصّباح والمساء واللّيل. إذا اعتبرنا أنّ كلّ لفظة في اللّغة العربيّة تحمل دلالة معيّنة أوّليّة نوويّة خاصّة بها وحاولنا تحديد هذه الألفاظ في الوقت عينه فسوف نجد أنّنا أمام عدد كبير منها (الظّهر، العصر، الصّبح، المساء، العشيّة، اللّيل، الغسق، الغُبشة…) وهو الأمر الّذي قد يجعل منّا نقول إنّ العرب قد اهتمّوا اهتماما كبيرا بمقولة الزّمن وحاولوا تحديد أجزائها ما استطاعوا ذلك. وعمليّة تحديد لفظ لمرحلة معيّنة من اليوم، أو من السّنة، أو من غيرهما، يمكن اعتبارها عمليّة مقْولة زمنيّة، أمّا الجامع لهذه الأجزاء فهو لفظة “الزّمن”، وربّما هو ما يعود بنا مرّة ثانية إلى القول إنّ “الزّمن” هو الممثّل الطّراز لهذه المقُولة (هذا إن استطعنا تحديد مفهوم الزّمن فعليّا أصلا، لأنّنا في نهاية المطاف قد نذهب إلى كون الزّمن إمّا منفلت أو هو غير محدّد أو هو أمر يخضع إلى تعريف ذاتيّ حسب طول المدّة أو الضّغط النّفسيّ)، فنحن مرّة أخرى لا نستطيع تحديد مفهوم الزّمن من خلال التّعبير عنهُ لغويّا (أو ربّما أكثر طريقة نجاعة في التّعبير عن الزّمن هي اللّغة)، وبالتّالي فإنّ الطّراز بالنّسبة إلى هذه المقُولة سوف يكون لغويّا أيضا، أو هو المعبّر الأمثل عنها في المستويات الّتي تمّ ذكرها سابقا، لأنّنا وبكلّ بساطة نجد أنّ “الزّمن” هو اللّفظة الأكثر تواترا في الاستعمال وهو ما نجده في المستوى القاعديّ في منوال إلينور روش. هذا الأمر لا يجعلنا نقول تماما إنّ لفظ الزّمن هو طراز المقُولة فعلا بكلّ بداهة، لأنّنا في عمليّة تحديده نعتمد على عنصر معيّن ألا وهو الآن أو اللّحظة، وهو ما سيقودنا إلى البحث عن مفهوم اللّحظة، أو عن اللّحظة وكيف نتصوّرها في علاقتها بمقُولة الزّمن.

  1. اللّحظة، بين كونها عنصرا محدّدا، وبين كونها كلّ الزّمن:

يمكننا النّظر إلى اللّحظة منذ الوهلة الأولى باعتبارها الثّقب الأسود للزّمن. بأيّ معنى؟

الذّات بكلّ بساطة توجد في اللّحظة الّتي توجد فيها، فهي تتعيّن من خلالها، وهي لا توجد في غيرها. الإشكال يتمثّل في كون اللّحظة منفلتة، ونقصد بذلك أنّها تمرّ بسرعة فلا تبقى حاضرا بل هي حاضر منقضٍ في لحظته تلك، فإذا قلت إنّني أكتب الآن حول اللّحظة، فإنّ تلك الـ”الآن” الّتي أتحدّث عنها لم تعد تمثّل الحاضر بل صارت ماضيا منذ لحظة التّلفّظ بها، ونحن لا نملك في العربيّة ما قد يحيلنا إلى حاضر ممتدّ –إن صحّ التّعبير- من حيث البنى الصّرفيّة للأفعال، فنحن نعبّر عن لحظة ثابتة معيّنة على خطّ الزّمن، وبالتّالي إذا قلت الآن ورسمتُها على خطّ زمنيّ تكون الذّات تتحرّكُ فيه سوف تصبح في الخلف في لحظتها تلك. لقد رأينا أنّه سواء مع أرسطو في منوال الشّروط الضّروريّة والكافية أو مع المفاهيم الحديثة الّتي حاولت تحديد الزّمن فإنّ مفهوم اللّحظة مركزيّ، فلا يمكننا تحديده إلّا عبرهُ في نهاية المطاف، وذلك قد يعود إلى كون الذّهن البشريّ في تحديده للزّمن يقوم على مجموعة من الفواصل الزّمنيّة الّتي تجتمع لتكوّن المقُولة في حدّ ذاتها، والصّورة الذّهنيّة للزّمن بطبيعة الحال ترتبط بصور ذهنيّة أخرى (في نهاية المطاف لا يمكننا الحديث عن اشتغال الدّماغ في منقطة معيّنة أو من خلال خطاطة وحيدة مقابل تجاهل بقيّة الخطاطات، فهو يعمل بكلّيّته دون عمليّة فصل كما قد تذهب إلى ذلك الدّراسات الكلاسيكيّة، هنا نتحدّث عن ديالكتيكيّة لا تفصل بين الأشياء). إذن اللّحظة هي الجامعة لكلّ الزّمن، باعتبار أنّ الذّات توجد فيها أوّلا، وثانيا باعتبار أنّ الزّمن لا يتحدّد إلّا من خلال الذّات وهو ما تحدّده الذّات، وهنا يمكننا القول إنّ مفهوم الزّمن سوف يختلف باختلاف الأفراد، فكلّ فرد كيف يرى الزّمن اعتبارا للّحظة الّتي هو موجود فيها، أو المركز الإحاليّ الّذي هو فيه. في الوقت نفسه نحن نتحدّث عن مفاهيم مختلفة للزّمن بين الثّقافات، بل إنّ اللّغات تختلف في كيفيّة تعبيرها عن الزّمن حتّى من خلال ارتباطها بالفضاء المكانيّ وهو ما نجده مذكورا عند لايكوف وجونسون في كتابهما الفلسفة في الجسد. إذا أخذنا مثال كرة القدم بين فريقين الأوّل فائز والثّاني خاسر، الأمر البديهيّ أنّ مشجّع الفريق الفائز سوف يشعر بكون الوقت يمرّ ببطء وذلك لكونه في انتظار نهاية المباراة بالنّتيجة نفسها على عكس مشجّع الفريق الثّاني. هنا نتحدّث عن مباراة كرة قدم يكون الوقت فيها محدّدا بغضّ النّظر عن المعطيات الخارجيّة، إلّا أنّ كيفيّة النّظر إلى الزّمن في هذه الحالة يختلف بين فرد وفرد أو بين مجموعة ومجموعة، وهو ما يحيلنا إلى القول ثانية إنّ الزّمن هو معطى نفسيّ بدرجة أولى، وهو هنا لم يُقَسَّم كونه ماض وحاضر ومستقبل، بل هو صورة ذهنيّة ارتسمت في ذهن المشاهد حسب معطيات معيّنة مثل الرّبح والخسارة. في هذا الإطار أيضا يمكننا الذّهاب إلى اعتبار الزّمن بضاعة أو سلعة، حيثُ أنّ الفريق الفائز سيحاول كسب الوقت أو ربحه، وبالتّالي فهو يتعامل معه على أساس نفعيّ (ربّما يسمح هذا لنا بالقول إنّ نظاما أرسى هذا المفهوم، حيث المفاهيم الاقتصاديّة قد استوطنت جلّ المفاهيم حتّى المجرّدة، حتّى أنّها مسّت المفاهيم الرّوحانيّة إن شئنا القول). إذن المشاهد في هذا المثال حدّد الزّمن من خلال ذاته، أو من خلال شعوره، فالزّمن مفهوم يرتبط بالمشاعر هو الآخر، وذلك وفق اللّحظة الّتي تنظر منها الذّات، وهي اللّحظة “الحقيقيّة”، يقول برغسون “وحدها اللّحظة الحاضرة، مدركة ضمن حركة أبديّة، هي لحظة حقيقيّة”[34]. فباقي اللّحظات لم توجد بعدُ، وهنا ما يحيلنا مرّة أخرى إلى تعريف أرسطو مقولة الزّمان، فهي ماض انقضى فلم يعد يوجد، ومستقبل لم يقع بعد فهو لا يوجد، وحاضر حتما لا يوجد في الزّمن.

إنّ اعتبارنا اللّحظةَ الثّقب الأسود للزّمن يعني أنّ الذّات تنصبّ بكلّيتها فيها، ففي تشكّلها ككلّ، هي استمرار الماضي ونتاجه وهي التّشكّل الّذي ساهم فيه الزّمن، وهي مجموع ما سيأتي باستمرار في انفلات اللّحظة. ربّما أمكننا اعتبار البنية الزّمنيّة في هذه الحالة متكسّرة/غير ثابتة، فهي استمرار للحظة سبقتها من جهة وهي تمهيد للحظة تلحقها من جهة أخرى، كما أنّها لا ترسو في الزّمن. بعبارة أخرى يمكننا قياس اللّحظة بالقول إنّها جزء من الثّانية إن أردنا، وفي هذه الحالة قد نعتبرها من أصغر الأجزاء في مقولة الزّمن، إلّا أنّها من حيث القيمة قد تحمل المقُولة بكلّها. في اللّغة العامّيّة على سبيل المثال قد نستعمل لفظة “اللّحظة” للتّعبير عن مدّة قصيرة قبل القيام بفعل معيّن، فمن حيث تواتر الاستعمال ربّما يمكننا إدراجها الثّانية بعد لفظة الوقت.

في نهاية المطاف، لا يمكننا اعتبار اللّحظة هي أفضل ممثّل للمقُولة المدروسة بطريقة بديهيّة، إلّا أنّها عنصر أساس في تحديدها، منذ أرسطو وإلى حدود اللّحظة الحاليّة. وربّما نعتبر أنّ الزّمن هو معطى نفسيّ بالأساس، فلا هو مطلق ولا هو نفسه بالنّسبة للأفراد جميعهم وبالنّسبة للثّقافات جميعها.

الخاتمة:

حاولنا من خلال هذه الورقات النّظر في مقُولة الزّمن من خلال بنيتها الدّلاليّة وفي ذلك ربّما نكون أهملنا بعض البنيات الأخرى المعبّرة على الزّمن في اللّغة العربيّة ونحن نتحدّث هنا عن البنى التّركيبيّة والبنى الصّرفيّة والّتي في حدّ ذاتها تحمل معنى زمنيّا، بل لا نستطيع تحديد اللّحظة الزّمنيّة أحيانا إلّا من خلالها، بل يُمكن اعتبارها الممثّل الحسّيّ أو طريقة تجسيد هذه المقُولة المجرّدة. وذلك يعود إلى كوننا حاولنا البحث في مقُولة الزّمن باعتبار هذا المفهوم هو مفهوم مجرّد كما أشرنا في بداية البحث، ويعود ذلك إلى كوننا نبحث عن الزّمن دلاليّا بمعنى (Time) وليس في بنياته الأخرى أي (Tense)، ولذلك فإنّ هذا البحث كان محاولة بسيطة لتحديد كيفَ يقوم الذّهنُ البشريّ بمقْولة الزّمن باعتبار أنّ عمليّة المقْولة هي عمليّة ذهنيّة عقليّة.

ربّما يمكننا في النّهاية استخلاص أنّه لا يمكن تحديد الزّمن بطريقة صارمة، ولكنّه يتعلّق بعناصر معيّنة هي الأساس في مقْولتِهِ مثل الحركة والحدث والذّات، ويمكننا ملاحظة أنّ عنصر الحركة هو عنصر ثابت منذُ تعريف أرسطو للزّمان ضمن مقولاته العشر وإلى حدود الدّراسات الحديثة والمعاصرة. ولئن كان أرسطو يذهب إلى كون الزّمان هو عدد الحركة (وليس الحركة باعتبار أنّ الحركة ترتبط بالمحرّك الّذي لا يتحرّك بالنّسبة إليه كما أسلفنا القول) فإنّه لم يربطها بوجودها في المكان بطريقة واضحة حيثُ أنّ المكان هو الآخر مقولة مستقلّة بذاتها ضمن مقولات الأعراض (مقولة الجوهر ومن ثمّ مقولات الأعراض). نجد هذا الأمر نفسه فيما بعد تقريبا إلّا أنّ تحديد الزّمن ارتبط بالمكان أو الفضاء، فلا حديث عنهُ إلّا في علاقة بالمقُولة الثّانية.

ونجدُ نماذج عديدة للزّمن، منها النّموذج الدّائريّ أو نموذج التّسلسل الزّمنيّ، أو غيرها من نماذج حاول الإنسان أن يمثّل بها الزّمن بطريقة حسّيّة، أيضا إلى ذلك نستطيع أن نذهب إلى أنّ البعض قد يعتبر أنّ الزّمن عشوائيّ وذلك إذا عذنا إلى كون أنّه يوجد من يذهب إلى عشوائيّة التّاريخ والتّاريخُ يُحمَلُ في الزّمن في نهاية المطاف. إلّا أنّنا حاولنا أن نبيّن كيف أنّ مقُولةَ الزّمن هي نفسيّة داخليّة ذهنيّة عرفانيّة بالأساس، حيثُ أنّ الذّات هي الّتي تحدّدها اعتمادا على وضعيّتها ومكانها وثقافتها، فالزّمن هو الآخر نسبيّ بين الثّقافات. وهو نسبيّ حسب مكان الرّؤية أيضا، وهنا يمكننا العودة إلى مثال أينشتاين المتمثّل في الشّخص الّذي يشعل ثقابا في القطار ويوجد شخص في آخر القاطرة وآخر في الجهة الأخرى من القاطرة وهما على المسافة نفسها من الشّخص الأوّل، الشّخص الملاحظ من خارج القطار من زاوية معيّنة سوف يلاحظ أنّ الضّوء سوف يصل إلى أحد النّاظرين قبل الآخر، وإذا كان هناك شخص من زاوية أخرى فسوف يلاحظ العكس، وذلك اعتبارا للمدّة الزّمنيّة الّتي سوف يقضيها الوقت للوصول إلى بصر أحدهما، وهي بالتّالي نسبيّة بين النّاظريْن.

إضافة إلى هذا فقد اعتبرنا أنّ الممثّل الأفضل لمقُولة الزّمن هو لفظة “الزّمن” باعتبارنا ندرس كيفيّة التّعبير عن هذه المقولة لغويّا، وفي نظرنا لمفهوم اللّحظة وما تمثّله بالنّسبة للمقُولة ربّما يمكننا الخروج بكون الحاضر هو الطّراز في مقاطع الزّمن لأنّه هو الّذي يحمله كامله من جهة ولأنّه هو الدّليل الأبرز على وجود الذّات فيه وهي الّتي تحدّده، كلّ ذات حسب ذاتها. وبالتّالي فنحن لا نستطيع الحصول على تعريف واضح لمقُولة الزّمن من جهة لأنّنا ننظر إليه من منحى نفسيّ (وهو بالتّالي يتعلّق بالأفراد أساسا لا بالمجموعات)، ومن جهة أخرى  فنحنُ نجد اختلافا للمقُولة ذاتها بين الثّقافات وبين المجتمعات حتّى في طرق التّعبير عنها لغويّا، أمّا الحاضرُ فهو المشترك الأكبر –إن شئنا القول- باعتبارها ممثّلا للّحظة الحاليّة، أي هو دائما مركز الإحالة بالنّسبة للذّات.

ختاما تبقى هذه الصّفحات مجرّد محاولة بسيطة في البحثِ عن مقُولة الزّمن بين منوالين: الأوّل هو منوال الشّروط الضّروريّة والكافية لأرسطو والثّاني هو نظريّة الطّراز الّتي برزت مع إلينور روش، لكنّها تبقى محاولة قاصرة وناقصة ضرورة، لتحديد شيء ربّما لا يُحدّد.

******

[1] Carolyn B. Mervis: Categorization Of Natural Objects.

[2] صولة (عبد اللّه): المقولة في نظريّة الطّراز الأصليّة.

[3] جوهاري (أحمد): المقْولة ظاهرة معرفيّة: من التّأسيس إلى التّوسيع.

[4] البوعمراني (محمّد الصّالح): دراسات نظريّة وتطبيقيّة في علم الدّلالة العرفانيّ، الصّفحة 9.

[5] نفسه، ص17.

[6] (الخوري) موسى ديب: هل الزّمن موجود؟

[7] (فوق العادة) فائز: ما هو الزّمن؟

[8] ابن منظور: لسان العرب، المجلّد الثّالث عشر.

[9] (العسكري) أبو هلال: الفروق في اللّغة، الصّفحة 263.

[10] (بن مفتاح) رجاء: الزّمان والجهة والمظهر بين النّحاة والأصوليّين، الصّفحة 38.

[11] البوعمراني، الصّفحة 14.

[12] (الحسني) عبد الكبير: البنيات الدّلاليّة للزّمن في اللّغة العربيّة، الصّفحتان 18 و19.

[13] Marcel Harpaintner, Natalie M. Trumpp and Marcus Kiefer : The Semantic Content Of Abstract Concepts : A Property Listing Study Of 296 Abstract Words, https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpsyg.2018.01748/full

[14] البوعمراني، مرجع سابق، الصّفحة 17.

[15] (الخولي) يمنى طريف: الزّمان في الفلسفة والعلم، الصّفحة 64.

[16] أرسطو: السّماع الطّبيعيّ، ترجمة عبد القادر قينيني، الصّفحة 135.

[17] ابن رشد: نصّ تلخيص منطق أرسطو، كتاب العبارات، الصّفحة 74.

[18] Ursula Coope : Time for Aristotle. https://ndpr.nd.edu/news/time-for-aristotle/

[19] أرسطو: مرجع سابق، صفحة 136.

[20] نفسه، الصّفحة 135.

[21] في الفيزياء مثلا يتمّ تحديد الوقت من خلال الحركة والمسافة: الزّمن= المسافة*السّرعة.

[22] Ursula Coope : Time for Aristotle, p85.

[23] البوعمراني: مرجع سابق، الصّفحة 27.

[24] نفسه، الصّفحة 46.

[25] (صولة) عبد الله: المقْولة في نظريّة الطّراز الأصليّة.

[26] نفسه.

[27] البوعمراني: مرجع سابق، الصّفحة 39.

[28] الحسني: مرجع سابق، الصّقحة 95.

[29] جورج لايكوف ومارك جونسون: الفلسفة في الجسد، ترجمة عبد المجيد جحفة، الصّفحة 202.

[30] نفسه، الصّفحة 205.

[31] الحسني: مرجع سابق، الصّفحة 93.

[32] بن مفتاح: مرجع سابق، الصّفحة 62.

[33]نستعمل هنا لفظة “المواقيت” بمعنى دينيّ، أي بما هي تحديد لأوقات الصّلاة عند المسلمين. ولكن إذا عدنا إلى لسان العرب لابن منظور فإنّنا سوف نجد أنّ الوقت هو مقدار من الزّمان دون تحديد ذي صبغة دينيّة. وفي إطار علاقة الزّمان بالمكان كما ذكرنا في بحثنا يذكر ابن منظور أنّ سيبويه استعمل لفظ الوقت في المكان، تشبيها بالوقت في الزّمان.

[34] الخوري: هل الزّمن موجود؟

******

*قائمة المصادر:

-ابن منظور: لسان العرب.

*قائمة المراجع:

-قائمة المراجع بالعربيّة:

+الكتب:

-أرسطو: الفيزياء السّماع الطّبيعي، ترجمة عبد القادر قينيني، أفريقيا الشّرق، 1998.

-(الألوسي) حسام: الزّمان في الفكر الدّيني والفلسفي القديم، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت، 1980، الطّبعة الأولى.

-ابن رشد: تلخيص منطق أرسطو المجلّد الثّاني، دراسة وتحقيق جيرار جهامي، دار الفكر اللّبنانيّ، 1992، الطّبعة الأولى.

-(بن مفتاح) رجاء: الزّمان والجهة والمظهر بين النّحاة والأصوليّين مقاربة لسانيّة، دار نقوش عربيّة، تونس، 2016، الطّبعة الأولى.

(البوعمراني) محمّد صالح: دراسات نظريّة وتطبيقيّة في علم الدّلالة العرفانيّ، مكتبة علاء الدّين، صفاقس، 2009، الطّبعة الأولى.

-(الحسني) عبد الكبير: البنيات الدّلاليّة للزّمن في اللّغة العربيّة من اللّغة إلى الذّهن، دار كنوز المعرفة للنّشر، عمان، 2015، الطّبعة الأولى.

-(الخولي) يمنى طريف: الزّمان في الفلسفة والعلم، مؤسّسة هنداوي للتّعليم والثّقافة.

-(العسكري) أبو هلال: الفروق في اللّغة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1973، الطّبعة الأولى.

+المقالات:

-(جوهاري) أحمد: المقولة ظاهرة معرفيّة: من التّأسيس إلى التّوسيع.

https://jilrc.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D9%92%D9%88%D9%8E%D9%84%D8%A9-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B3-%D8%A5%D9%84%D9%89/

-(الخوري) موسى ديب: هل الزّمن موجود؟

http://maaber.50megs.com/issue_february14/epistemology1.htm

-(فوق العادة) فائز: ما هو الزّمن؟

http://maaber.50megs.com/issue_december04/epistemology1.htm

-(صولة) عبد الله: المقْولة في نظريّة الطّراز الأصليّة.

-قائمة المراجع بالانجليزيّة:

+الكتب:

-Ursula Coope : Time for Aristotle, Oxford University Press, New York, 2005.

-Vyvyan Evans : The Structure Of Time, John Benjamins Publishing Company, 2005.

+المقالات:

-Anna M. Borghi, Laura Barca, Ferdinand Binkofski and Luca Tummolini : Varieties of abstract concepts : development, use  and representation in the brain, https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6015829/

-Marcel Harpaintner, Natalie M. Trumpp and Marcus Kiefer : The Semantic Content of Abstract  Concepts : A Property Listing Study of 296 Abstract Words, https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpsyg.2018.01748/full

-Classification and Categorization, https://courses.lumenlearning.com/boundless-psychology/chapter/classification-and-categorization/

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This