قراءة في كتاب: “العلمنة والدّين: الإسلام – المسيحيّة – الغرب” لمحمد أركون

في نقد العلمنة المناضلة ومقاربتها الظاهرة الدينية

توطئة: إن هذا الكتاب الذي ترجمه هاشم صالح ونشرته دار الساقي في طبعته الأولى بلندن، سنة 1990، ضمن سلسلة بحوث إجتماعية، كتاب من الحجم الصغير (10× 19 سم)، عدد صفحاته 136 صفحة وهو في الأصل محاضرة ألقاها المؤلف في مركز توماس مور Centre Thomas More  الذي يعقد ندوات سنوية حول موضوعات محددة يدعو إليها كبار الباحثين للتداول والنقاش وهي ثاني محاضرة يلقيها محمد أركون في المركز المذكور. كانت المحاضرة الأولى قد ألقيت في شهر ديسمبر من سنة 1978، تحت عنوان ” الإسلام والعلمنة ” وقد ترجمها هاشم صالح وأصدرها ضمن كتاب محمد أركون “تاريخية الفكر العربي الإسلامي”. ثم في عام 1985 يدعى أركون مرة ثانية للتحدث ليس فقط عن الإسلام والعلمنة وإنما أيضا وبشكل أوسع عن ” العلمنة والدين ” ولكنه يركز تحليله على الإسلام والمسيحية والغرب المعلمن. هكذا ينتقل أركون في تناول موضوع العلمنة من تجربة مخصوصة هي تجربة الإسلام إلى تجربة أعم وأشمل يضع فيها الظاهرة الدينية في مواجهة تيار العلمنة، وبذلك يتأكد الترابط بين المحاضرتين، ينبغي على القارئ العربي الإطلاع على كلتيهما حتى تتضح له مقاربة أركون لمسألة العلمنة والدين. مما يلاحظ في الكتاب كثرة الهوامش والشروحات التي أرفقها المترجم بالنص الأصلي والتي تمسح ما يفوق الثلاثين صفحة، يقول المترجم في التقديم متحدثا عن ذلك: ” لقد أرفقت النص المترجم بالكثير من الهوامش والشروحات من أجل توضيح المرجعيات المعرفية والإشارات المرتبطة بالثقافة الفرنسية والتي قد تبدو بعيدة عن المرجعيات المعهودة للقارئ العربي أو المسلم بشكل عام.” (1) إن الكتاب بحكم كونه محاضرة قد غلب عليه الطابع الشفوي الذي يلحظه القارئ من كثرة الإستطرادات وبعض التكرار مما جعلنا نعمل على إعادة ترتيب المادة الموجودة في الكتاب وتبويبها في محاور إستعنا في صياغتها بالهوامش والشروحات التي أوردها المترجم.

1 – نحو مقاربة جديدة للعلمنة

منذ البداية يتخذ أركون من نفسه مثالا للمسلم العلماني المنخرط في مسار العلمنة، فهو عضو كامل في التعليم العام الفرنسي، وهو مدرس علماني يمارس العلمنة في دروسه ومع ذلك فهو مسلم، كل ذلك من أجل أن يمحو تلك الفكرة الشائعة لدى الجمهور الغربي والتي تتمثل في أن المسلم لا يمكنه أن يكون علمانيا لأنه يخلط بين الديني والدنيوي، في حين أن المسيحي أو اليهودي يمكنهما أن يفصلا بين تينك الذروتين. ويذهب أركون إلى أكثر من ذلك فيعتبر أن إنتماءه للإسلام يخول له وللمسلمين عامة وإنطلاقا من تجربتهم التاريخية العمل على إثراء العلمنة وفي الآن نفسه تصحيح المسار الذي آلت إليه تلك العلمنة المناضلة la laïcité militante   والتي بفعل الظروف التاريخية الحافة بنشأتها تحولت إلى خطاب إيديولوجي يعمل على رفض كل دراسة للأديان. فالأديان في نظرها ينبغي أن تحذف كليا ليس فقط كشعائر وعبادات وإنما أيضا كمادة للدراسة العلمية وإزاء هذا الموقف من الأديان يشعر أركون وغيره من الباحثين المسلمين  أن عليهم العمل مع الباحثين الكبار في الغرب على نحت معالم علمنة جديدة  une nouvelle laïcité   تكون أكثر إنفتاحا من علمنة القرن التاسع عشر وتعمل على ضرورة إدخال ” مادة تاريخ الأديان ” في المدارس العمومية مع إستبعاد تعليم الشعائر والطقوس أو العبادات لأي دين من الأديان،  فالشعائر تمارس في أماكنها ( الكنيسة، المعبد،  الكنيس، الجامع ) وليس في الفضاء العام للمجتمع أوفي المدرسة لأن ذلك من مكتسبات علمنة القرن الماضي التي لا يمكن التنازل عنها. إن العلمنة في نظر أركون هي إحدى فتوحات الروح البشرية وهي مرادف للحرية وبما أن الحرية مشروطة فكذلك العلمنة ومشروطيتها تختلف من عصر إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ففي نظره يمكن القول إن العلمنة كانت موجودة في عصر المأمون ومع المعتزلة بشكل أكثر مما هي عليه الآن وفي أي وسط ثقافي عربي أو إسلامي وبالتالي فالعلمنة هي تحديدا موقف أمام المعرفة يحاول أن يكون منفتحا وحرا إلى أقصى حد تسمح به، ليس فقط الشروط السياسية والإجتماعية، وإنما أيضا التقدم المنهجي والمعرفي والتقني السائد في زمن ما ومكان ما.

2 – تعقد الظاهرة الدينية

الظاهرة الدينية ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، فهي معقدة ويصعب الإمساك بها ويؤكد أركون أنه لا يوجد اليوم باحث وأحد في أي إختصاص علمي كان قادر على أن يقدم لنا مقاربة علمية وموضوعية ومقنعة عن ماهية الظاهرة الدينية. (2) بل إنه رغم توفر كل أنواع الدراسات الوصفية والتقسيمات والتحديدات والتعريفات، فإنه لا توجد حتى الآن طريقة للتحدث عن الظاهرة الدينية قادرة على تحقيق إجماع عقلي يتجاوز كل الإيديولوجيات والصراعات التأويلية أو التفسيرية بين الأديان والمذاهب المختلفة أي تناول تلك الظاهرة من منظور أنتروبولوجي واسع لا خصوصي ضيق، وإن ما يطمح إليه أركون هو دراسة مقارنة للأديان وليس دراسة منفصلة لتاريخ كل دين على حدة. هذا هو المنظور الأنتروبولوجي الواسع الذي يريد أركون فرضه على دراسة الظاهرة الدينية أية ظاهرة دينية كانت وفي أي مجتمع كان، لذلك ينتقد المؤلف البحث العلمي في الغرب لأنه إنصب على دراسة المسيحية وأهمل بقية الأديان، فالإسلام ترك للمستشرقين الذين يمثلون فئة من الباحثين الهامشيين في الجامعات الفرنسية والغربية (3) وأما المعرفة بالأديان الإفريقية فهي تكاد تكون منعدمة لأنها حسب زعمهم ذات أصل وثني وملتصقة بالعقلية ” البدائية ” .إن تصور أركون للدين ينبني على أن الظاهرة الدينية لا تخص فقط الأديان التوحيدية الثلاثة وإنما تخص أيضا بقية الأديان كالبوذية والكونفوشيوسية وكل تجليات المقدس في كل مجتمع بشري، فلا يمكن أن يوجد مجتمع بدون مقدس وحرام .(4 )فالأديان الوثنية تمثل التقديس في مجتمعاتها ولذلك يرفض المنظور الأنتروبولوجي الحديث إستبعادها من ساحة الدراسة كما تفعل النظرة التقليدية التي تدين هذه الأديان سلفا، ويرى أن ما فعله هذا التوجه التقليدي هومن آثار العلمنة المناضلة التي لا بد من تجاوزها لأنها قد أدت إلى إلى حصول إستبعاد عقلي وعلمي لقطاع كامل من قطاعات المعرفة ومن ضحايا هذه النظرة يشير أركون إلى حالة الإسلام بصفتها تحديا، فالإسلام مرتبط من الناحية العقلية والثقافية بالفكر الغربي، ولكنه كمسار تاريخي لمجتمعات عديدة غير مدروس إلا قليلا وغير معروف بل إنه مرفوض ومرمي في الفضاء ” الشرقي ” المفترض أنه بعيد جدا عن الفضاء الأوروبي والغربي.، أضف إلى ذلك أن العديد من معاهد الأديان في الغرب لا تمتلك كراسي جامعية (Chaire) خاصة بالإسلام وهنا ينبغي أن نتساءل عن أسباب هذا الإستبعاد الذي يصيب الإسلام.

3 – الدين في الفضاء الإجتماعي والتاريخي

يقسم أركون الواقع إلى خمسة حقول أو ساحات يعددها بدون إقامة أية تراتبية هرمية بينها وهي كيفما إتفق: الساحة الدينية، الساحة الساسية، الساحة الفكرية، الساحة الإقتصادية والساحة الثقافية (5) هذه الحقول les champs  تشكل كلية الفضاء الإجتماعي والتاريخي الذي تنبغي قراءته. إن القراءة التي يقترحها أركون تبحث عن مواطن الوصل والفصل بين هذه الحقول، كما أنها تقدم تفسيرا لكل العلائق التي تربط بينها مستندا في ذلك إلى نظرة علمانية جديدة ومنفتحة من شأنها أن تزيح الكثير من الأوهام والخلط، يقول: ” وهنا لا غنى عن النظرة العلمانية التي تعلن أنها تذهب إلى أعماق الأشياء، إلى جذورها من أجل تشكيل رؤيا أكثر صحة وعدلا ودقة. ” (6)

الساحة الدينية: إننا نجد وراء التعديدات التيولوجية والقوالب الموروثة التي ترسخ خصوصية كل دين وتعزله عن بقية الأديان الأخرى لكي يبدو فريدا من نوعه ومتفوقا على كل ما عداه، نجد أن الاديان جميعها قد قدمت للإنسان الأجوبة العملية القابلة للتطبيق والإستخدام في ما يخص علاقته بالوجود وبالآخرين وبالمحيط الفيزيائي الذي يلفه بل وحتى بالكون كله، هذه الأجوبة ندمجها في حساسيتنا الأكثر عمقا ليس فقط عن طريق اللغة وإنما أيضا عن طريق الشعائر والعبادات أي عن طريق تدريب معين لجسدنا كما في الصلاة مثلا لتصبح حقائق منصهرة في أجسادنا ومرتبطة كليا ونهائيا بكينونتنا العميقة وبهذا المعنى يصبح كل ما ندعوه بالأديان ليست إلا عبارة عن أنماط للصياغات الطقوسية والشعائرية التي تساعد على دمج الحقائق الأساسية وصهرها في أجسادنا. ويميز أركون بين هذه الأنماط الشعائرية التي يمكن بفضل المنهج التاريخي تبين لحظة منشأ كل شعيرة من صوم وصلاة وحج إلخ وكذلك علاقتها بالشعائر السابقة سواء في المجتمع العربي القديم أوفي الأديان التوحيدية الأخرى أو حتى في أديان الشرق الأوسط القديم وبين البنى القاعدية العميقة التي تؤثر علينا فعليا وتشكل حقيقتنا ككائنات إنسانية مرتبطة باللغة وبشبكة التحسس والإدراك التي تتضمنها.  ويعتبر أركون أن هذه البنى العميقة التي تربض خلف هذه الشعائر في جميع تجلياتها هي التي تحكمت بنظرة البشر إلى العالم طوال قرون وقرون وهي التي أدت إلى إختراع هذه الشعائر والطقوس. (7)

الساحة الفكرية والعقلية: في حديثه عن هاتين الساحتين يؤكد أركون أن ما ندعوه ب” العقل” لا يمارس فعله أبدا بشكل مستقل على عكس ما أوهمنا بذلك تاريخ طويل من الفلسفة واللاهوت في الغرب الأوروبي كما في الإسلام،  فالعقل ١يمارس دوره دائما في علاقة بالمخيال والمتخيل l’imaginaire  .لقد عاش الغرب منذ نهاية العصور الوسطى في أحضان ما ندعوه ب” عبادة العقلانية ” .إن أركون وهو ينتقد عقلانية العصر الكلاسيكي لا يعني أنه ضد العقل والعقلانية، فالرجل يرصد العقل في مشروطيته التاريخية ويلاحظ أن العقل الجامد الخالص من كل شيء وغير المختلط بأي شيء آخر، أصبح مفهوما قديما بالنسبة إلى للنظرة الإبستيمولوجية الحديثة.  ويفرق أركون بين العقل اللاهوتي والعقل الديكارتي الذي إفتتحت الفلسفة على يديه إستقلاليتها وتمكنت من إفتكاكها من براثن العقل اللاهوتي. فالعقل اللاهوتي في نظره كان يعترف على الأقل بذله وتواضعه أمام معطى الوحي،  في حين أن العقل الديكارتي ما إنفكت سيادته تترسخ شيئا فشيئا وتتفاقم وأصبحت تستبعد ما عداها. فديكارت الذي فرغ العقل من أية عاطفة أو خيال وآعتبر المخيلة ” مجنونة المسكن ” la folle du logis  التي ينبغي طردها، قد أسس الحضارة الأوروبية العلمية والصناعية الحديثة ولكنه في الآن نفسه قد قضى على الخيال وعلى دوره في صنع الحضارات. (8)

الساحة السياسية: في حديثه عن الساحة السياسية يؤكد أركون على أنها تلعب دورا حاسما بالقياس إلى الساحة الفكرية والعقلية وبالقياس أيضا إلى الساحة الدينية. وهنا نجد مشكلة العلاقة بين الدين والسياسة تطرح نفسها بكليتها ولا نستطيع أن نغلب أحدهما على الآخر بالسهولة التي يفعلها البعض وإذا ما فعلنا ذلك، فإننا نهجر الأرضية الصلبة التي ينبني عليها التحليل ونسقط في المتخيل أو الإيديولوجيا. وتؤكد إكتشافات الأنتروبولوجيين المعاصرين أن الأمور أكثر تعقيدا وأن التاريخ لا يتحرك بواسطة عامل واحد كما زعمت الماركسية الأرثوذكسية وإنما بعدة عوامل وأحيانا يكون أحد العوامل أكثر أهمية من بقية العوامل حسب الظروف والأحوال الإجتماعية، يضاف إلى ذلك أن عامل الخيال أو الأسطورة أو ما ينتمي إلى البنية الفوقية قد يتحول إلى قوة مادية ضاغطة على مصير التاريخ والمجتمعات البشرية مثله في ذلك مثل العامل المادي أو أكثر. فمثلا ما يردده المسلمون عادة من أنه لا توجد سيادة سياسية على وجه الأرض غير مرتبطة بالسيادة الإلهية ومرتكزة عليها وخاضعة لها، هو نوع من المتخيل الواسع الكبير أي ذلك الوهم الكبير المسيطر على وعي الأغلبية والذي يحذر أركون الباحث من الوقوع تحت سطوته لأنه يغشي البصيرة ويساعد على ترك أرضية الواقع كمنطلق للتحليل، والغريب إستمرار هذا الوهم المذكور والذي تكون منذ عهد الأمويين عندما قبل الفقهاء أن يخلعوا رداء الشرعية على النظام الجديد الذي وصل إلى السلطة عن طريق القوة المسلحة لا عن طريق الشرعية الدينية. فالوهم قديم وله جذور ولكن عندما يستمر منذ ذلك التاريخ وإلى الآن فإنه يتحول إلى حقيقة مادية توجه مسار التاريخ. إن ما يردده الكم الأكبر من الناس داخل المجتمع من أن الله أو الدين الموحى به هو الذي يحكم أو ينبغي أن يحكم فإن الواقع يكذب هذا الخطاب الإجتماعي ويعلن أن الحكام ليسوا خاضعين لكلام الله ولم يخضعوا له أبدا حتى في القرون الوسطى بعد ما كانوا يستغلون الدين في ممارساتهم للسلطة، ثم يؤكد أركون أن ما ندعوه بكلام الله هو في الواقع عبارة عن مجموعة نصوص من توراة وإنجيل وقرآن وأن هذه النصوص متروكة لتفاسير رجال الدين والفقهاء. هذا التحديد لكلام الله يعيدنا إلى سلطة اللغة وإلى التآويل والتفاسير التي هي من صنع القوى الإجتماعية الموجودة والمتنافسة من أجل السيطرة على الساحة السياسية ثم على الساحة الفكرية.(9) أما فيما يخص مسألة خلط الإسلام بين العامل السياسي والعامل الروحي، فيؤكد أركون أن الإسلام لا يخلط بين الروحي والزمني ولا يفصل بينهما، وإنما ظروف المجتمع ودرجة تطوره هي التي تفرض الخلط أو الفصل. فعندما كانت المجتمعات الأوروبية تعيش مرحلة العصور الوسطى كانت تخلط بين الروحي والزمني وعندما إنقلبت بنيتها الإقتصادية والإجتماعية عن طريق التصنيع والثورة العلمية والفكرية الحديثة راحت تفصل بينهما. هذه حقيقة الأمور حسب أركون وليست المسألة متعلقة بخصوصية للإسلام تميزه عن بقية الأديان، فالإسلام عندما كان يعيش الحضارة الكلاسيكية شهد بعضا من العلمنة.(10)

الساحة الإقتصادية: يولي أركون هذه الساحة أهمية كبيرة ولكن دون أن يجعل منها مفتاح كل شيء، في هذا المجال ينبغي أن نشير إلى أهمية الدور الذي لعبته البرجوازية والتي هي طبقة إجتماعية من بين طبقات أخرى. وقد قامت بدور حاسم في زحزحة الحدود بين الساحة الدينية والساحة الفكرية والساحة السياسية في الغرب الأوروبي. ثم إن أركون عند مقارنته للمجالين الإسلامي من ناحية والغربي من ناحية أخرى يؤكد على أن الإسلام قد عاش فترة شهدت ولادة طبقة برجوازية لعبت دورا في تطور المجتمعات الإسلامية، لقد كانت بورجوازية تجارية غير رأسمالية بالمعنى الغربي، متمحورة حول تجارة السلع والبضائع، وقد نتج عنها ثراء إقتصادي لعواصم العالم الإسلامي كطهران وإصفهان وشيراز في إيران ثم بغداد في العراق ودمشق في سورية إلخ. يلاحظ أركون أن كلا من البرجوازية الغربية ومثيلتها الإسلامية قد عرفتا مصيرا مختلفا.  فنجاح البرجوازية الغربية ورسوخها يتمثل في عامل الإستمرارية التصاعدية التي حظيت به منذ القرن السادس عشر، في حين أن التطور الحضاري والعقلاني في المجال العربي الإسلامي كان متقطعا وقصير الأمد – لحظة هارون الرشيد، لحظة المأمون ثم لحظة عضد الدولة -. إن إنهيار البرجوازية التجارية قد أدى إلى إنهيار الحضارة العربية الإسلامية في العصر الكلاسيكي وذلك لأن القوة المادية هي دعامة أساسية للنهضة العقلية ولحرية التفكير في كل مكان في العالم. إن البرجوازية الأوروبية كانت في بداياتها تجارية ثم أصبحت رأسمالية وصناعية وآستمر الحال على هذا النحو حتى يومنا هذا. وهكذا إستطاعت أوروبا أن تفتتح دائرة مستقلة ومنفصلة عن الدائرة الدينية وفي موازاة ذلك أيضا راحت تتشكل دائرة ثقافية مستقلة أكثر فأكثر عن الدائرة الدينية وراحت كل هذه الدوائر المتمايزة والمستقلة، تشكل ما ندعوه بالغرب l’ Occident، إذ قبل إنتصار مفهوم الغرب بالمعنى العلماني للكلمة كانت أوروبا كلها تدعى بالعالم المسيحي la chrétienté ، وعلى إثر هذا التحول العميق آضطرت الساحة الدينية لآتخاذ صيغة أخرى فقد آنسحبت من الحياة العامة كي تحشر في الحياة الخاصة للفرد بدلا من هيمنتها السابقة على الفضاء العام للمجتمع. (11)

4 – العلمنة القاسم المشترك بين المسيحيين والمسلمين

يرى أركون أن هناك خطان للإلتقاء بين المسيحيين والمسلمين أولهما الخط التقليدي المتمثل في مناقشات تتصل بمشاكل المقارنة الخاصة باللاهوت في كليهما وكل ذلك يعالج بطريقة تقليدية ومن خلال مفردات المعجم اللاهوتي القديم، فحتى ما يسمى بالحوار المسيحي – الإسلامي يرفضه أركون لأن كلمة حوار في نظره تخلع المشروعية على ذاتيتين إثنتين وعلى متخيلين جماعيين يدخلان في صدام مباشر على صعيد تصوراتهما الموروثة. أما الخط الثاني فيسير ضمن ممارسة علم الأنتروبولوجيا والألسنيات والتاريخ على طريقة أحدث المؤرخين المعاصرين الذين يقدمون رؤى مختلفة عن الظاهرة الدينية ولا يعتقد أركون أن هذه الممارسات ستؤدي إلى تسفيه الإيمان في عمقه الأساسي كإيمان بل إن ذلك سيوصلنا في نهاية المطاف إلى إيمان جديد أكثر إتساعا ورحابة من الإيمان السابق، الضيق المتعصب في أحيان كثيرة، لهذا يفضل المؤلف التحدث عن ضرورة ” التضامن ” أي تحمل مسؤولية كل تراثاتنا الدينية والثقافية بشكل متضامن بدلا من الحديث عن الحوار الذي يحيلنا إلى مفهوم التسامح الكسول واللامبالي بالرهانات التجديدية لإنتاج المعنى وتحولاته. (12) إن تحمل المسؤولية بشكل متضامن عند كلي الطرفين من شأنه أن يجبرنا على طرح المشاكل بطريقة أكثر جذرية وأكثر عمقا من ذلك المستوى السطحي الذي توقف عنده الفقهاء وعلماء اللاهوت التقليديون والميتافيزيقا الكلاسيكية وكذلك أن نغوص في الأعماق حتى نصل إلى القاعدة المشتركة أو الجذر الجامع الذي تأسست عليه تلك العقائد التي تنفي بعضها البعض. يعتقد أركون أن الإسلام بحد ذاته ليس مغلقا في وجه العلمنة وكي يدرك المسلمون حقيقة العلمنة، عليهم أن يتخلصوا من الإكراهات والقيود النفسية واللغوية والإيديولوجية التي تضغط عليهم وتثقل كاهلهم، ليس فقط بسبب رواسب تاريخهم الخاص وإنما أيضا بسبب العوامل الخارجية والمحيط الدولي، وحتى يتوصلوا إلى ذلك عليهم أن يعيدوا الصلة مع الحقيقة التاريخية للفكر الإسلامي في القرون الهجرية الأربعة الأولى. لقد وجدت في الإسلام بين القرنين الثاني والثالث للهجرة حركة ثقافية يتزعمها المعتزلة وكان هؤلاء المفكرون قد عالجوا بعض المسائل الأساسية للساحة الفكرية التي تهمنا وذلك بسبب مرجعيتهم المزدوجة والمتمثلة بظاهرة الوحي من جهة والفكر الإغريقي من جهة أخرى، لقد وصل الأمر بهؤلاء وبمقتضى منطقهم الداخلي إلى طرح مشكل يتعلق بأصل الوحي وهوما عرف بمسألة ” خلق القرآن “، إن مجرد إعترافهم بأن القرآن مخلوق يمثل موقفا فريدا تجاه ظاهرة الوحي إنه يعد موقفا حداثيا في عز القرن 2 هج/ 8 م .إن هذا الموقف المعرفي المبتكر الذي إتخذه المعتزلة يفتح حقلا معرفيا جديدا قادرا على توليد عقلانية نقدية مشابهة لتلك العقلانية التي شهدها الغرب الأوروبي بدءا من القرن 13 م،لولا معارضة الأورثوذكسية الظافرة في القرن 5 هج / 11 م وخصوصا على يد الخليفة القادر. إن القول بأن القرآن مخلوق حسب أركون يعني إدخال بعد الثقافة واللغة في طرح مشكلة الوحي – وهما – أي الثقافة واللغة من صنع البشر لا من صنع الله ويعني أخذهما بعين الإعتبار في ما يتعلق بالجهد المبذول لإستملاك الرسالة الموحى بها، وذلك يعني أيضا الإعتراف بمسؤولية العقل ومساهمته في هذا المجهود، في حين أن الموقف المضاد للمعتزلة يقضي كليا على تاريخية النص وينكر حتى ماديته اللغوية والحرفية وهو الموقف الذي إنتصر وساد حتى اليوم. (13) إن هذه الحركة الفكرية الأصيلة – المعتزلة – كانت حسب أركون مرتبطة بالأطر الإجتماعية للمعرفة وليس بالإسلام كدين، بمعنى أن التطور الإقتصادي والإجتماعي للمراكز الحضرية الكبرى قد تحكم مباشرة بآنتشار العلوم العقلية المؤدية إلى علمنة الفكر والوجود أو إنحصارهما وإضمحلالهما، وهنا تبدو مشروطية الفكر ووقوعه تحت وطأة الظروف والعوامل المادية المحيطة ويفسر أركون إندثار الفكر المعتزلي بعوامل تاريخية وإيديولوجية وسياسية وليس بلعبة تنافس الأفكار الطبيعية كما كان عليه الحال طوال القرون الهجرية الأربعة الأولى .(14)

بعد ذلك ينتقل أركون للحديث عن الغرب وعن الفصل الحاصل عندهم بين الكنيسة والدولة. ويحذر منذ البداية من الوقوع في مطب المغالطات التاريخية عند بحثنا عن الظروف التاريخية والإجتماعية التي حفت بعملية الفصل بين الديني والسياسي. فطوال القرون الوسطى وحتى لحظة الفصل لم تكن مشروعية السلطة السياسية تحظى بالإعتراف من قبل المواطنين إلا ضمن مقياس خلع مشروعية السلطة الروحية عليها بواسطة القداس الكبير الذي كان يجري لملك فرنسا أو إمبراطورها أثناء التنصيب على العرش في كاتدرائية مدينة رانس Reims الفرنسية، فهناك دائما ذروة السلطة العليا التي تخلع القدسية والمشروعية على هذه السلطة،  فحتى مع مجيء عهد الجمهورية في فرنسا راحت الجمهورية تشهد طقوسا للتقديس وكان جورج بلاندييه Georges Balandier  عالم الأنتروبولوجيا الفرنسي قد بين أنه لا توجد سلطة سياسية في أي مجتمع بشري من دون إخراج مسرحي يؤبد نوعا من الإحتفالات والتقاليد ذات النمط الديني، وسواء أكان المحيط الذي تمارس فيه السلطة دينيا أو علمانيا، فإنها بحاجة إلى ذروة السيادة العليا والمشروعية. (15) ويبين أركون أن مسألة السيادة العليا كانت محلولة طوال كل العصور الوسطى حيث هيمن معطى الوحي وآشتغل ومارس دوره بصفته مصدر كل حقيقة متعالية ولكن بدءا من اللحظة التي حل فيها حق التصويت العام محل الوحي كمصدر للحقيقة والمشروعية، لقد أصبحت للدولة طرائقها الخاصة لإثبات شرعيتها. في هذه النقطة التي بلغها أركون من تحليله للعلائق الجدلية بين السيادة العليا والسلطة السياسية، يطرح سؤالا مهما: بآسم ماذا وبآسم من يقبل إنسان ما أن يقدم الطاعة لإنسان آخر يتمتع بممارسة السلطة؟ الجواب يجده عند الباحث الفرنسي مارسيل غوشية Marcel Gauchet  الذي يببن أن أصل العلاقة أي علاقة الطاعة هو” مديونية المعنى ” ويعني بذلك أنني أقبل بإطاعة ذلك الشخص الذي يشبع رغبتي في التوصل إلى معنى مليء، طبقا لضرورة داخلية وذاتية وليس لإكراه خارجي. وعندئذ تكون للسلطة سيادة عليا تمنحها مشروعية كاملة لا تحتاج إلى اللجوء للقوة من أجل أن يطيعها الناس، وهذا ما حصل في التاريخ فقد إستمد الحكام مديونية المعنى طوال قرون عديدة من الوحي وذلك في عالم المسيحية كما في عالم الإسلام، ويحاولون اليوم بكل قوة أن يستمدوه من حق التصويت. (16) في الواقع إن التاريخ في العصور الماضية يصنع عن طريق القوة، ثم تخلع المشروعية على السلطة المنتصرة فيما بعد، وذلك عن طريق محاولة إيجاد ” مديونية للمعنى ” في مكان ما، أي إيجاد مشروعية ما لسلطتهم. وهذه المحاولة في العثور على المشروعية قد أصبحت منذ الآن فصاعدا، أي منذ الثورة الفرنسية ملقاة على كاهل الإنسان المقطوع عن التعالي وعن الرمزانية الدينية التي تتيح للإنسان أن يتأمل في المطلق ويعيش في مناخاته. لا يتردد أركون في الكشف عن البنى المشتركة لكل مجال إخترقته، تاريخيا، ظاهرة الكتاب المقدس، بغية إبراز النقاط المشتركة بين الأديان التوحيدية الثلاثة. ففي الفضاء الإسلامي تحول القرآن الكريم من نص شفهي إلى مدونة نصية رسمية مغلقة أي إلى مصحف وأصبح عرضة للتأويل المنفتح بآستمرار من أجل قيادة التاريخ وتوجيهه، أي التاريخ الأرضي المعيش ضمن المنظور الأخروي الذي يدعوه المسيحيون بتاريخ النجاة L’ histoire du Salut ، ثم يفرق أركون بين القرآن ومفهوم ” كلام الله ” . فكلام الله لا ينفد ولا يمكن إستنفاده ونحن لا نعرفه في كليته، فأنواع الوحي التي أوحيت بالتتالي إلى موسى وأنبياء بني إسرائيل ثم عيسى وأخيرا إلى محمد ليست إلا أجزاء متقطعة من كلامه الكلي. ف”الكتاب السماوي ” يعني أن هناك كتابا آخر يحتوي على كلية كلام الله – أم الكتاب – وبهذا المعنى يتحدث القرآن الكريم عن ” اللوح المحفوظ ” وهو يعني بذلك كليانية كلام الله والموجود فقط في السماوات. أما في ما يخص المسيحية، يؤكد أركون على أن يسوع كان قد تكلم طوال ثلاثة أعوام وقال أشياء عن الأب – الله – نقلها للبشرية، لقد تكلم بالآرامية وفي فلسطين حيث كان يوجد حاخامات اليهود وكانت سلطة الإمبراطورية الرومانية قائمة وباسطة نفوذها على المنطقة، كان المسيح مضطرا أن يعطي “لقيصر ما لقيصر وما لله لله” لأن القوة لم تكن إلى جانبه، فلو إستطاع المسيح عليه السلام أن يستولي على السلطة الزمنية لما إكتفى بالسلطة الروحية، وهذا ما فعله محمد صلى الله عليه وسلم لأن الظروف التي وجد فيها كانت مختلفة وكانت تتطلب توحيد العرب وبالتالي الإنخراط في العمل السياسي المباشر. إذن الظروف المختلفة هي التي فرضت ذلك الإختلاف الأولي بين تجربة المسيحية وتجربة الإسلام ولكن ذلك لم يستمر طويلا بالنسبة إلى المسيحية فسرعان ما إستولى أتباعها على السلطة السياسية أيضا عندما أصبحت الظروف مواتية لهم.  ففي لحظة نشوء المسيحية، وجدت قوتان تضغطان: قوة الكنيس معبد اليهودية القوي جدا وقوة حكومة أجنبية لا تقل جبروتا وهيمنة وهي سلطة الحاكم الروماني وبالتالي لم يكن بآستطاعة يسوع أن يحتل تاريخيا إلا موقعا هامشيا فيما يتعلق بالقوة والسلطة وبالتالي راح كلامه يحتل موقع الكلام الديني والتبشيري الروحي. (17) ومما يلاحظ أيضا في التجربتين المسيحية والإسلامية هو أن التواصل اللغوي كان شفويا في البداية وكان هناك تلاميذ وحواريون وصحابة يصغون إلى كلام المعلم وكانوا يحفظون عن ظهر قلب أوفي ذاكرتهم ما يسمعونه. ومما لاحظه أركون أيضا هو أنه بعد تشكل المدونة النصية الرسمية المغلقة راحت طبقة خاصة من المؤمنين يشمرون عن سواعدهم لإستثمار هذا النص وراحوا يقرؤونه أو يفسرونه كي يستخرجوا منه الفقه أو القانون ويشكلوا لاهوتا أو علم الكلام وينجزوا منظومة أخلاقية …وهذا ما يدعوه أركون بتشكل ” مدونات نصية مفسرة ” وقد ساد نفس هذا التعامل مع الكتاب المقدس في المجال المسيحي الأوروبي حتى مجيء الثورة الفرنسية. فنحن نجد في المسيحية نفس المرجعيات ونفس المجريات العقلية والثقافية التي آستخدمت في الإسلام لآستثمار معطى الوحي. ثم يوضح أركون آستراتيجية الرفض التي يعتمدها التيولوجيون الدوغمائيون لإحتكار الحقيقة وإدعاء آمتلاكها كليا، تقوم هذه الإستراتيجية على إنكار وجود الأرضية الرمزية والتاريخية المشتركة لدى أديان الكتاب. (18) والتركيز على خصوصية التأويلات والتركيبات الدوغمائية، أي خصوصية كل تيولوجيا من هذه التيولوجيات الثلاث وآنقطاعها عما عداها.

5- نحو مقاربة جديدة للإسلام

يدرك أركون أن مقاربته في دراسة الإسلام تتجاوز الإجتهاد والتأويل وتقع في مسار لم تتضح معالمه بعد، ولكنه يعتمد على موقف الإنسان أمام مشكلة المعرفة. هذا الموقف هو في طور التبلور والتشكل من خلال علوم الإنسان والمجتمع وتبعا لذلك يدعو أركون إلى إتباع إستراتيجية معرفية تشمل المثال الإسلامي وتتجاوزه في الآن نفسه. (19) وأولى خطوات هذه الإستراتيجية المعرفية الجديدة وضع الإسلاميات الكلاسيكية أو بعبارة أخرى الإستشراق على محك النقد والشك. ويحدد أركون هذه الإسلاميات الكلاسيكية بأنها خطاب غربي عن الإسلام  ومما يعيبه على هذا الخطاب أنه خطاب ملتزم بثقافة المستشرقين عندما يراقبون الإسلام، فهم يتحدثون عنه إنطلاقا من فرضيات مسبقة ومسلمات فلسفية ولاهوتية وإيديولوجية خاصة بهذه الثقافة ثم إنهم مؤمنون بأن المشكلة الدينية كما هي مطروحة في المجتمعات المسيحية مختلفة جذريا عن تلك التي تطرح في المجتمعات الإسلامية ولا رابط بينهما وبالتالي فهم لا يدرجون الإسلام إبستيمولوجيا ضمن إشكالية عامة تخص الظاهرة الدينية بمجملها، أو إنهم إذا ما أدخلوه في دراسة مقارنة فإنها تكون إيديولوجية أو لاهوتية أكثر منها علمية بحتة. (20) إن الموقف الذي يتبناه أركون في إتباع إستراتيجية معرفية جديدة ينبني على الشرود والذهاب في كل المسالك والدروب. إن البحث المطارد للحقيقة يشبه ذلك المسلك الذي يعبر فيه الصوفي عن حرقته وشوقه للإلتحام بالمطلق ولكن ينبغي أن نشرد طلبا للحقيقة ونحن نتمتع ببعض الثبات الداخلي الذي يجعلنا لا نخشى أية مغامرة فكرية للروح وإذا ما إعتمدنا موقف الروح هذا في دراسة الإسلام فإننا نستعيد عندئذ كل مضامين التراث الإسلامي ضمن الإطار الواسع لأركيولوجيا المعنى (21) إن هذه المراجعة النقدية للتراث تتمثل في تحديد شروط صلاحية إعادة قراءة القرآن وذلك لأن الإسلام إنطلق بدءا من حدثين تدشينيين إثنين لا ينفصمان، إنهما متكاملان، الحدث الأول يتمثل في الخطاب القرآني والحدث الثاني يتمثل بتجربة المدينة. ففي الحدث الأول المتصل بفضاء الخطاب القرآني، يثير أركون عدة مسائل تتصل بالنسيج اللغوي للقرآن من أجل مقاربته في مستويين مختلفين: الأول مستوى التلفظ الشفهي به لأول مرة، والثاني مستوى النص بعد أن تحول إلى كتاب أو إلى نص مكتوب. فهذه النسخة المتعارف على تسميتها بالمصحف هي عبارة عن نص مكتوب ولم تعد كلاما شفهيا حرا كما كانت عليه في البداية وهذا من شأنه أن يغير كليا من شروط فهم كلام الله وتفسيره وآستخدامه، لأن عملية الإنتقال من مرحلة النص الشفهي إلى مرحلة النص المكتوب تصحب حتما بضياع جزء من المعنى بسبب فقدان بعد هام من أبعاد هذا النص فقدانا أبديا لا يمكن إسترجاعه ونعني بذلك وضعية الخطابdu discours  la situation .(22) أما في تناوله للحدث الثاني أي تجربة المدينة فيعتبرها أركون حدثا تاريخيا بالكامل، وهنا يميز أركون بين بين الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية، فالظاهرة القرآنية حدث ثقافي ولغوي وديني قسمت المجال العربي إلى مسارين مسار الفكر المتوحش ومسار الفكر العليم، هذا التقسيم يصفه المؤرخون عامة من وجهة نظر خطية بقبل القرآن وبعده. وأما الظاهرة الإسلامية فهي حدث يعقب الفترة التأسيسية وهو علامة على إكتمال الدين وتحوله إلى مؤسسة متأثرا في ذلك بالظروف التاريخية التي تنشأ فيها المؤسسة ونقطة بدايتها تجربة المدينة وهي تجربة رجل إسمه محمد إستطاع بدءا من سنة 622 م أي في السنة الأولى للهجرة أن ينجح في عملية ذات نمط تاريخي ومرتبطة بقوة الخطاب الديني المكثف في القرآن ويقصد بهذه العملية  التاريخية  إقامة مدينة – دولة أو دولة المدينة.(23) إن الإنسان الذي يتبنى الموقف الديني يتميز بالخاصية التالية وهي تبني ما يدعى”  بمعطى الوحي ” دون أن أي تساؤل أو نقاش، ولكنه إذ يفعل ذلك يفترض ضمنيا بأن هذا المعطى هو متعال وآت من الله وبالتالي فهو يقع في منأى عن كل مناقشة بشرية. وتشكل العقائد والقوانين المشتقة تبعا لمعطى الوحي سياجا دوغمائيا أو عقائديا مغلقا يقبل العقل البشري أن ينحصر داخله وهذا ما كان قد دعاه أركون بـ” العقل الإسلامي ” تحديدا كما يوجد عقل مسيحي وعقل يهودي وعقل ماركسي بتلك المواصفات. وحدهم فئة رجال الدين مؤهلون لإستخدام هذا العقل الذي تمارسه السلطة العقائدية. إن كل مؤمن يستبطن بكل معاني الكلمة الرؤية التي تبنيها هذه السلطة للأشياء وتتحول هذه الرؤية إلى ممارسة يومية بواسطة الشعائر والطقوس، إن هذه الرؤية تستبطن جسديا لدى المؤمن على هيئة ما يدعوه بيير بورديوPierre Bourdieu  بالعادة المتجسدة un habitus  أي بالشيء الذي يسكننا من الداخل والذي لا يمكننا التخلص منه بسهولة. (24) أما الموقف العلماني فيتميز حسب أركون بإحداث القطيعة مع كل ما له صلة بالموقف الديني ويتحكم به. فالوحي عنده يمثل بالنسبة له ظاهرة أو معطى مثله في ذلك مثل أي معطى آخر ويمكننا أن ندرسه كمؤرخين وكعلماء إجتماع، ولكن لا يمكننا التقيد به .ويذهب الموقف العلماني في تفكيكه للموقف الديني إلى أقصى نقطة ممكنة فيرى أن المسألة ليست فقط مسألة سياسية ينقسم الناس حولها بين مؤيد ومعارض وإنما هي أكثر من ذلك وأعمق غورا. فهناك الإختيار المستبعد le cerf arbitre  أي خضوع العقل لمعطى خارجي عنه، أي الوحي وهناك الإختيار الذاتي الحر le libre arbitre  هذا الإنقسام يصيب كل شخص في بنيته النفسية العميقة. (25) ولكي يصل المرء إلى تحقيق الإستقلالية الكلية للعقل، يجب عليه أن يحدث القطيعة الجذرية مع الوحي، إلا أن أركون يذهب في الإتجاه المعاكس لما تذهب إليه العلمانوية المناضلة والوضعية le positivisme  بدءا من عصر النهضة والتي تحذف الموقف الديني وتعتبره قديما وباليا، وأيضا لما تذهب إليه الماركسية التي تعتبر العامل الديني لا يعدو أن يكون قشرة سطحية أو بنية فوقية قليلة الأهمية. لقد راحت هذه التصورات المختلفة حول العامل الديني تدعم بعضها البعض لكي تفرض تفسيرا إختزاليا للعالم. في حين يلح أركون على ضرورة إنبثاق تصور آخر في مواجهة  العلمانوية المناضلة والماركسية والوضعية يكون فيه المتحدث عن الدين مؤرخا لا عقائديا وتنصب دراسة الوحي على تبين تأثيره في المسار التاريخي للشعوب والثقافات والنفسيات وأنظمة الفكر وتهدف هذه المعرفة أيضا إلى إعادة النظر كليا وبواسطة نظرية معرفية مختلفة تماما في كل المعطيات والصراعات التاريخية التي شهدتها مجتمعاتنا تحت غطاء المزدوجات والمصطلحات الثنائية بآستمرار مثل: الإيمان/ العقل، العلم / الدين،  الزمني / الروحي،…ولذلك يعتبر أركون أن المزدوجة الثنائية العلمانية / الدين، ليست إلا طريقة جديدة لإستعادة هذه المزدوجات الثنائية الموروثة عن الماضي. إنها آخر تحول لتلك الثنائية التي تخترق مرحلة العصور الوسطى بوجهيها المسيحي والإسلامي كي تضرب بجذورها في أعماق الفكر الإغريقي الذي شهد ذلك التنافس الطويل بين الأفلاطونية التي تعترف بالأسطورة والخيال/ وبين الأرسطوطاليسية التي تحذفها بحجة العقلانية. فاللوغوس والميتوس Logos/Mythos  أو العقل والأسطورة كانا يشكلان منذ ذلك الوقت فضاء للتضاد والصراع ثم جاء عصر أديان الكتاب وتدخل الوحي التوحيدي في التاريخ ولم يفعل إلا أن ألهب المناقشات وأشعلها من جديد بين الإيمان والعقل ولا نزال نحن نتجادل ونتصارع ضمن إطار هذه المزدوجات الثنائية بتعبيراتها العديدة. يلاحظ أركون اليوم أن علوم الإنسان والمجتمع وممارستها التطبيقية أضحت الآلة الوحيدة للتفكير، فعدم ظهور فلسفة كبرى يعزوه أركون إلى أن الفلاسفة لم يعد بإمكانهم ممارسة عملية التفكير إلا بعد المرور بعلم التاريخ والألسنيات والإتنولوجيا والأنتروبولوجيا وعلم النفس…وخلافا لما يبدو من تشظ وتبعثر يصيبان مجال المعرفة ظاهريا، يرصد أركون حركة ضمنية غير بادية تهدف إلى تجميع شتات المعرفة وتوحيد إختصاصاتها المتعددة، وضمن هذا المنظور إنبثق تصور لا علاقة له بالمزدوجات الثنائية البالية ولكنه موحد للإنسان بصفته ذاتا متكاملة مزودة بخيال وعقل في آن معا وبشكل لا ينفصم، لهما دور في فعالية الإنسان ونشاطه في المجتمع، هذا التصور يعترف بنصيب الخيال أو المتخيل من تركيبة الإنسان ولا يحذفها. إن هذا التصور الحديث والواسع لعلوم الإنسان يمكننا من إدماج ” معطى الوحي ” في هذه التجربة التي نعيشها اليوم والتي لا تزال حديثة العهد.

الخاتمة:

إن أهمية كتاب ” العلمنة والدين “، على صغر حجمه، تكمن في ثرائه التاريخي وتميزه بنزعة مقارنية بين تجربتي المسيحية والإسلام، كما تغلب على أحكامه الصرامة العلمية التي عرف بها مؤلفه وخاصة إخضاعه الظواهر التي يتناولها بالتحليل للمقاربة التاريخية، فالدين في نظره هوما تفرزه الظروف التاريخية والعوامل الإقتصادية والإجتماعية. وبقدر ما تعمل الأديان بفضل تعاليها وكثافة خطابها على التأثير في مسار التاريخ أو الدفع بأحداثه في إتجاه ما، فإنها وهي تفعل ذلك تتقلص إطلاقيتها ويظهر فيها فعل التاريخ. في الفصل الخاص بالدين في الفضاء الإجتماعي والتاريخي، قسم أركون الفضاء إلى خمس ساحات وبحث في العلاقات فيما بينها، مؤكدا في الوقت نفسه أن العلمنة الجديدة والمنفتحة على التجربة الدينية هي وحدها القادرة على ضبط الحدود بين هذه الساحات وحفاظ كل واحدة على إستقلاليتها دون أن ينفي ذلك التأثير المتبادل فيما بينها ومؤكدا على دور كل منها في الحفاظ على توازن المجتمع وتطوره، لقد إنبنى هذا الفصل ضمنيا على تعريف بيتر برغر Peter Berger  الدقيق للعلمنة، يقول: ” إنها ذلك المسار الذي يتم بواسطته إفتكاك قطاعات من المجتمع ومن الثقافة من سلطة المؤسسات الدينية ورموزها.” (26) لقد عمل المؤلف على التوسع في شرح مدلولات هذا التعريف معوضا قطاعات المجتمع والثقافة بالفضاء الإجتماعي والتاريخي، مبينا أن العلمنة لا تعني فصل الدين عن الدولة فحسب وإنما تعني كذلك تخليص الفكر والثقافة والإقتصاد من براثن سلطة المؤسسات الدينية ورموزها، كاشفا ظروف تشكل هذه الساحات ونضالها من أجل إستقلاليتها. بقي أن نتحدث عن نوعية المتلقي لهذا الخطاب حول العلمنة والدين، إنه في المقام الأول الجمهور الحاضر للإستماع للمحاضرة مشافهة من صاحبها وهم جماعة الباحثين المهتمين بأنشطة مركز توماس مور، ثم يأتي في المقام الثاني جمهور المسلمين المهاجرين والمقيمين في البلدان الغربية. إن هذا الجمهور يعيش معاناة قد وصفها الباحث في مجال التحليل النفسي فتحي بن سلامة والمقيم بفرنسا في كتابه ” تخييل الأصول ” بقوله: ” فالغربة لدى كثير من الناس تجربة لا تطاق تضيع فيها المراجع وتتوارى الصورة الشخصية وتتحطم الروابط والأنساب وتتداخل الأزمنة والأمكنة والآلهة وتنتزع شرعية النسب ويحقد فيها المرء على الذات جراء التعرض لأحقاد الآخر وتضيع أحيانا من الوجود تماما الإستعارات الأولى.” (27) إن هذا التمزق المخيف الذي يعيشه المغترب والمفضي إلى التيه والضياع قد يجد في مثل هذه الدراسة معالم للخروج من المأزق الذي فرضته الغربة، فالمهاجرون المسلمون سيجدون في تجربتهم، حسب المؤلف، ما يمكنهم من المساهمة في صنع تجربة جديدة من العلمنة المنفتحة، العالم اليوم في أمس الحاجة إليها.

******

الهوامش والتعليقات:

1 – محمد أركون، العلمنة والدين: الإسلام – المسيحية – الغرب، لندن، 1990، الطبعة الأولى، ص 6.

2 – المصدر نفسه، ص 12.

3 – المصدر نفسه، ص 14.

4 – المصدر نفسه،  ص 111.

5 – يفرق أركون بين الساحة الفكرية والساحة الثقافية، فالأولى في نظره هي أقرب للفلسفة والبحوث العلمية في حين أن الثانية تشمل النشاطات الفنية كالشعر والأدب والرسم والسينما والمسرح.

6 – محمد أركون، العلمنة والدين، ص 23.

7 – المصدر نفسه، ص 24.

8 – المصدر نفسه، ص 27.

9 – المصدر نفسه، ص 31.

10 – المصدر نفسه، ص 117.

11 – المصدر نفسه، ص ص 34 -35.

12 – المصدر نفسه، ص 55.

13 – المصدر نفسه، ص 61.

14 – المصدر نفسه، ص 62.

15 – المصدر نفسه،  ص 65.

16 – بمعنى أن الوحي كان يشكل بالنسبة إلى البشر في أوروبا مشروعية عليا يطيعها كل الناس دون نقاش وبما أن الملك أو الإمبراطور كانت تخلع عليه مشروعية الوحي، فإن تقديم الطاعة له من قبل الرعية كان عفويا وفوريا لا نقاش فيه، لأن له دين الطاعة عند الرعية. ولكن مديونية المعنى هذه التي سيطرت طوال قرون عديدة، قد سقطت وتكسرت بمجيء الثورة الفرنسية. والواقع أن النيل منها قد حصل منذ أن شهدت أوروبا حروب الأديان الفظيعة بين المذاهب المسيحية المتناحرة، وإنتهى العمل بذلك الشكل من المديونية بعد إنتشار أفكار عصر التنوير بشكل خاص كرد فعل على هذه المجازر وعلى التعصب الديني، بعدئذ ولدت مديونية جديدة للمعنى متمثلة بحق التصويت العام. فالرئيس المنتخب بهذه الطريقة يفرض طاعته أو مديونية الطاعة حتى على القسم المضاد من المواطنين الذين ضده لصالح خصمه المهزوم.

17 – محمد أركون، العلمنة والدين، ص 83.

18 – إنه ذلك المخزون المشترك من الرموز والعلامات لدى كل أنواع الوحي التوحيدي من توراة وإنجيل وقرآن. لقد أحدثت هذه جميعها القطيعة مع الأديان التعددية التي سادت البشرية طوال قرون عديدة من قبل في بلاد الرافدين ومنطقة الشرق الأوسط القديم بشكل عام وشكلت مخزونا رمزيا جديدا. القطيعة لم تكن كلية فقد إستفادت ديانات التوحيد من عناصر سابقة.

19 – محمد أركون، العلمنة والدين، ص ص 36 – 37.

20 – المصدر نفسه، ص  38.

21 – يعني أن المعنى ليس نهائيا ولا أزليا كما تتوهم النظرية المثالية الشائعة وإنما له لحظة تشكل وإنبثاق مثلما له لحظة تفسخ وإنهدام كي يحل محله معنى آخر جديدا.

22 – لفهم هذا المصطلح يمكن الرجوع إلى كتاب: Oswald Ducrot, Tzevtan Todorov,  Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, Paris, éditions du seuil,  1972, PP 417- 422.

23 – محمد أركون،  العلمنة والدين،  ص 49

24 – المصدر نفسه، ص 71

25 – المصدر نفسه، ص  72

26 – Peter Berger,  La religion dans la conscience moderne,  Paris, 1971,p 174.

27 – فتحي بن سلامة،  تخييل الأصول،  تعريب شكري مبخوت،  تونس،  1995، ضمن سلسلة معالم الحداثة، ص 50.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This