چو جوه بينغ: حرية البشرية في زمن الوباء أولًا / مي عاشور

“أثق بأن عام 2020، سيُسَجل في صفحات التاريخ بخط أسود سميك. وستتحدث عنه الأجيال القادمة بخيال مرعب يبث الخوف في قلوبهم، تمامًا كما كنا نتحدث نحن عن السنوات الكارثية السابقة. لكننا اليوم في قلب الحدث، ونعلم جيدًا أنه لا يحق لنا أن نجعل الخوف يتملكنا طويلًا، فعلينا أن نصارع الوباء. وبعد أن ينتهي الوباء، سنعيش في عالم مختلف تمامًا، سيكون أكثر صعوبة من ذي قبل، ومهمتنا أن نجعل كلًا من الحب، والمساواة، والعدالة، والتعاون، أفضل من السابق. أثق أن التاريخ سيسجل أيضًا جسارة أمجاد عام 2020، وهذا ما علينا أن نسعى إليه”.

چو جوه بينغ
چو جوه بينغ
(*) سيد چو، قلت إن “عام 2020 سيُسجل في صفحات التاريخ بخط داكن سميك، وستتحدث عنه الأجيال المقبلة برعب، كما تحدثنا نحن عن السنوات الكارثية السابقة”. ولكن تاريخ البشرية حافل بالسنوات الكارثية، فهل سيختلف ما نعيشه الآن عن تلك السنوات الكارثية السابقة؟
هذا صحيح، مرت عديد السنوات الكارثية على البشرية، مثل الإنفلونزا الإسبانية، التي انتشرت قبل مئة عام، وكانت أكثر ضراوة من فايروس كورونا، فقد أصابت مليار شخص حول العالم، وراح ضحيتها بين 25 و40 مليون شخص. ولو تحدثنا عن أوجه الاختلاف، سيبدو لي أنها تكمن في نقطتين رئيستين: الأولى: أن الطب الآن تطور جدًا، ومنذ اكتشاف اللقاحات والمضادات الحيوية، صارت البشرية تمتلك مقدرة وقوة أكبر للتعامل مع الأوبئة والأمراض المعدية. ولذلك ارتبك الجميع مع ظهور وباء يجتاح العالم كله. وقد يكون قد جال في خواطرنا أن هذا الأمر طبيعي جدًا لو حدث في العصور التي كان فيها الطب متخلفًا، ولكن لا ينبغي حدوثه في عصرنا الحالي. أما النقطة الثانية: أن كل السنوات الكارثية السابقة صارت صفحة مطوية من التاريخ، ولكننا في اللحظة الراهنة نعيش سنة صعبة، نسمع ونرى يوميًا الوضع المأسوي، بل ونعيشه فعليًا، ومن الطبيعي أن شعورنا وحالتنا الذهنية أيضًا تختلفان تمامًا عما سمعناه على مدى التاريخ.

(*) الوباء أثر على العالم كله بشكل كبير، وخاصة على الحالة النفسية للناس، فمن وجهة نظرك كيف يمكننا أن نواجه، بل ونحكم في مدى تأثيره على نفسيتنا؟
في رأيي، هنالك سلوكان، أي نوعين من التصرف لمواجهة أي واقع تعيس، الأول: تقبله، ولا تخاصمه. فهو قد حدث بالفعل، ومقاومتك له، ونقمتك عليه، سيكونان بلا جدوى. علاوة على

“لا أخاف أبدًا الوحدة، لأن العزلة هي وضعي الطبيعي والمألوف، ففي العزلة أقرأ، وأفكر، ولا أشعر بفراغ أبدًا”
ذلك، سترهق نفسك. الأمر الثاني: بعد أن تتقبله، لا تنغمس فيه، وتتشاءم وتُحبط، بل عليك أن تضع حاجزًا بين نفسيتك وبينه، وتحافظ على حرية التفكير والتصرف. فينبغي أن تكون مواجهة الوباء بنفس هذا الشكل. فلو تحكمنا في أنفسنا إلى الدرجة القصوى، ولم نتركها فريسة لمشاعر الفشل والتذمر، فسنتحكم تمامًا في تأثير الوباء على نفسيتنا إلى أبعد مدى. بالطبع، الكلام سهل، لكن التطبيق صعب. وفي ذلك الجانب، سنحتاج إلى مساعدة الفلسفة، بل والتطرق إلى تاريخ الكون والبشرية، والتفكير في الوباء بأفق أكثر اتساعًا، والنظر إلى ما نعيشه اليوم بنظرة أكثر شمولًا. وحينها سنرى أن كل مصائب الحياة تمر مرور الغيمات العابرة في هذا الكون الأبدي. فالكوارث، وإعادة البناء، هما أمران من الطبيعي مقابلتهما في تحولات التاريخ.

(*) سيد چو، قلت إننا بعد الوباء سنعيش في عالم مختلف، وسيكون أكثر صعوبة من ذي قبل. هل يمكنك توضيح ما قصدته؟
ما كان يجول في خاطري أن العالم سيتغير تغيرًا كبيرًا بسبب اجتياح وباء كورونا للعالم كله على ثلاثة أصعدة رئيسة، الأول سيظهر توجه معارض للعولمة في العلاقات الدولية، وستتوتر العلاقات بين بعض الدول، وخاصة بين أميركا والصين؛ وستقل رغبتهما في التعاون، وقد يزداد الخلاف، ويحتدم الصراع بينهما. والصعيد الثاني هو أن الاقتصاد على المدى الطويل سيتضرر، وسيحدث ركود طويل الأمد في الاقتصاد العالمي. أما الصعيد الثالث فهو متعلق بنفسية المجتمع وشعوره، فالذكرى الأليمة التي سيحفرها الوباء، والحقيقة المؤلمة التي سيخلقها انتكاس الاقتصاد، سيولدان مشاعر سلبية شتى، وكل هذا سيقودنا إلى وضع متأزم وصعب.

(*) في أيام الوباء، تغزو الوحدة قلب المرء، فيشعر أنه وحيد، وفي معزل عن العالم. فمن وجهة نظرك، كيف في وسعنا التعامل مع تلك اللحظات التي تبدأ فيها المشاعر السلبية في التكالب على قلوبنا؟
ينقطع التواصل المعتاد بين البشر في الأوبئة، والعديد من الناس لا يعتادون على هذه الوحدة الإجبارية. ولكنني لا أخاف أبدًا الوحدة، لأن العزلة هي وضعي الطبيعي والمألوف، ففي العزلة

“الذكرى الأليمة التي سيحفرها الوباء، والحقيقة المؤلمة التي سيخلقها انتكاس الاقتصاد، سيولدان مشاعر سلبية شتى، وكل هذا سيقودنا إلى وضع متأزم وصعب”
أقرأ، وأفكر، ولا أشعر بفراغ أبدًا. إن العزلة والتواصل كلاهما من احتياجات الإنسان، وتختلف نسبة كل منهما، باختلاف البشر. الآن، الوباء أحدث تغيرًا عنيفًا في هذه النسب، فصار وقت عزلة المرء في تزايد. ما أود قوله: لماذا لا نواكب هذا التغير، وأن نمرن أنفسنا على مستوى أعلى من العزلة؟ الوحدة حياة في حد ذاتها، لها متعتها أيضًا، ربما تكتشف أنكَ بعيد عن العالم المحيط بكَ، لكنك قريب من المعبود، وكذلك من نفسك.

(*) العالم كله رأى نجاح الصين في السيطرة على الوباء. أجزم أن كثيرين لديهم فضول لمعرفة كيف فعلت الصين ذلك. هل يمكن أن تحكي لنا عن ذلك بشكل مفصل؟
في ما يخص سيطرة الصين على الوباء، كان لديها تنظيم محكم، وكذلك إجراءات صارمة وحازمة للدرجة القصوى. تمسكت الصين منذ البداية وحتى النهاية بفحص الكود الصحي(*) في كل الأماكن العامة، وكذلك ارتداء الكمامات. وفي أي مكان تُكتشف فيه العدوى، يصدر تحذير، ويوضع كل الذين ترددوا عليه قيد الحجر الصحي. وبسبب أن انتشار الوباء خارج الصين كان شديدًا، تم تحديد بصرامة عدد الطائرات القادمة إلى الصين، وكذلك إلزام كل القادمين إلى الصين بتقديم شهادة فحص السلامة من الوباء، ووضعهم قيد الحجر الصحي لمدة أسبوعين. وهكذا، فإن مؤسسات وأجهزة الحكومة الصينية تعمل بفاعلية كبيرة جدًا، والشعب الصيني أيضًا متعاون إلى أبعد حد. وفي هذه النقطة، وجدت العديد من الدول صعوبة في محاكاة وتطبيق ذلك. ولكنني، أعتقد أن على كل الدول اتخاذ إجراءات وتدابير صارمة لمواجهة مثل هذا الوباء الخطير، ولا تسمح له بالانتشار. يمكن أن يضحى المرء بحياته في سبيل حرية البشرية، ولكن ينبغي عليه أيضًا أن يقيد حريته في سبيل حياة البشرية.

(*) الوباء كان قدرنا هذا العام، فماذا علينا أن نفعل عندما نكون عاجزين عن الهرب من قدرنا؟ وفي رأيك، كيف في وسعنا أن نتصرف ونتعامل مع الوضع الراهن؟
لطالما قلت: سر مع قدرك. من الوارد جدًا أن يبقى فايروس كورونا لوقت طويل، بل وتطرأ عليه تغيرات شتى، ويصعب تطوير لقاح فعال في فترة وجيزة. لذلك علينا أن نتعايش مع الوباء لوقت طويل، بل ونكافح داخل هذا الإطار، في سبيل أن نحيا بشكل طبيعي بقدر المستطاع.

(*) جعل الوباء العديد من الناس يشعرون أنهم يعيشون كابوسًا، وتملكت بعضهم مشاعر الاكتئاب، وصاروا يخافون من المستقبل الضبابي والمجهول، فماذا تقول لهم؟
إذًا، فلنعتبره كابوسًا. وبعدما نستفيق من نومنا، ونفرك عيوننا، سنرى أن الشمس قد شقت الأفق بنورها، فدعونا نستأنف العمل والحياة، بما فيها من أكل وشرب وحب وتكاثر تحت ضوء شمس هذه الأرض الشاسعة. ها هي حياة البشر منذ الأزل، والتي تعجز أي قوة عن تدميرها، بما في ذلك الأوبئة. وبإدراك ذلك، لن يكون المستقبل ضبابيًا مطلقًا.

چو جوه بينغ: كاتب ومترجم وفيلسوف صيني معاصر، باحث في معهد الفلسفة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية. ولد عام 1945 في مدينة شنغهاي، وتخرج في جامعة بكين في قسم الفلسفة عام 1967. ترجم أعمال نيتشه إلى الصينية، وله العديد من المؤلفات النثرية التي يطغى عليها الطابع الفلسفي.
هامش:
(*) الكود الصحي: تطبيق استخدمته الصين يعتمد على رمز الاستجابة السريع، الذي يعتبر بمثابة شهادة إلكترونية تحدد الوضع الصحي لكل مواطن، وعلى أساسه يتحرك المواطنون، وعن طريقه تستطيع الحكومة الصينية تحديد احتمالية تعرض الأشخاص للعدوى، والأماكن التي ترددوا عليها، وبالتالي تحجيم الوباء.
حاورته وترجمت الحوار عن الصينية: مي عاشور.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This