المدرسة حقل لممارسة التّفاوتات الطّبقيّة: نحو تفنيد مبدأ تكافؤ الفرص

إن تأملا بسيطا في بنية المجتمعات الإنسانية يوحي للناظر أنها مجتمعات بنيت على قاعدة أساس وهي قاعدة التفاوت. طبيعي جدا أن ننظر للتفاوت أنه مسألة طبيعية، إذا نظرنا إليه بوصفه ظاهرة بنيوية ارتبطت بالنظم الاجتماعية وبمفهوم الهيمنة والسلطة، مما يجعل أي حديث عن مبدأ تكافؤ الفرص أمر شبه مستحيل. ولعل هذا ما جعلنا نلفت نظرنا نحو التفاوت في التعليم ـ غياب مبدأ تكافؤ الفرص ـ كإحدى المشكلات الاجتماعية التي باتت تؤرق بال الباحثين في علم الاجتماع وعلوم التربية نظرا لأهمية هذا الموضوع الذي أسهب فيه التحليل الفلسفي لكن من زاوية نظرية خاصة.

يعد التفاوت إحدى المؤشرات المهمة التي تؤشر على وجود ظواهر اجتماعية كالهشاشة، الفقر، البطالة، والجريمة …إلخ. لذلك يؤخذ هذا المؤشر بعناية بالغة في معادلة الحد من الهشاشة والتفكك لضمان تماسك البنيات الاجتماعية، لكن المتغير المتحكم في حركية المجتمع يبنى على التفاوت كقانون طبيعي يتم النظر إليه من الزاوية الاقتصادية للحفاظ على الهيمنة والمصالح الاقتصادية للطبقة البورجوازية، التي تستعمل كل الوسائل الممكنة للحفاظ على ذلك.  لذا عملت على تثبيت التفاوت كقانون مطلق من خلال بوابات عملت على نقل وتثبيت هذه الحقيقة، بل وتكريسها كممارسة ـ براكسيس ـ من خلال جملة من الوسائط كالمدرسة، وسائل الاعلام، الأحزاب، الجمعيات …إلخ. فانعكس ذلك على حركية المجتمع وواقع أفراده، مما جعل الحديث لا يستقيم أبدا عن إمكانية تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في مجتمع طبقي متشبع بالفكر الرأسمالي. وهذا ما يجعلنا أمام سيل من التساؤلات التي تتجه للبحث عن السبيل نحو خلق توازن اجتماعي أمام انعدام أي حديث عن تحقق مبدأ تكافؤ للفرص بين أفراد المجتمع.

لا يمكن أن نفصل حديثنا عن التفاوت كظاهرة اجتماعية عن بعده الإيديولوجي، وارتباطه بالسياسة كمجال لتدبير المعيش اليومي للناس على أساس الاستقامة والعدل، لكن العمق الإيديولوجي الذي يوجه عملية التدبير السياسي يدافع عن فكرة التفاوت ويسعى جاهدا نحو تكريسها لتصبح ممارسة اجتماعية.

لقد خلصت معظم الدراسات السوسيولوجية لهذه المعضلة إلى نتيجة واحدة وهي، غياب مبدأ تكافؤ الفرص داخل المجتمعات ذات البناء الطبقي، لأنها بنيت في الأصل على فكرة التفاوت منذ البداية، مما يفند أي خطاب إيديولوجي حول الرغبة في تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع الواحد، هذا ما يفتح الباب أمام الفرضية التي قامت عليها السوسيولوجية الأكاديمية والعفوية القائمة على أن تطور التمدرس في المجتمعات الصناعية يؤدي إلى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، لكن الواقع الاجتماعي عكس الأطر النظرية. وهذا ما ينفي إمكانية دحض مفهوم التفاوت أو تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص مادامت البنية الرمزية للمجتمعات الطبقية يحكمها التفاوت.

تتعدد الحقول السوسيولوجية التي يتمظهر من خلالها حضور مؤشر التفاوتات وعدم تكافؤ الفرص، لكنه يبدو جليا في حقل التعليم، وإذا كان ريمون بودون قد أسهب في الحديث عن مبدأ تكافؤ الفرص في المجتمعات الصناعية، فإن حديثنا عن تحقيق هذا المبدأ في المغرب، بأرضتيه الشبه صناعية وبمجتمع سياسته مستلهمة من رحم الفكر البورجوازي، أمر شبه مستحيل.

يعد قطاع التعليم القطاع الذي يبرز فيه بشكل بيّن غياب تشبه تام لمبدأ تكافؤ الفرص، ويحضر ذلك في السياسة التعلمية للدولة من خلال مؤشر البرامج التي تتم صياغتها وفق قوالب التفاوتات الطبقية، هذه الأخيرة التي لا تسمح بتحقيق هذا المبدأ بين أفراد المجتمع مادام المتحكم في ذلك هو القوة الاقتصادية. فالمخططات التعليمية منذ الاستقلال كرست كل أشكال التفاوت، وهو موروث عن الإدارة الاستعمارية التي قامت بإنشاء مدارس البعثات كمدارس نموذجية يلجها أبناء الطبقات الميسورة، ببرامج تعليمية خاصة تراعي الخصوصية الثقافية للانتماء الطبقي، ولا يمكن لأصحاب الطبقات الشعبية الولوج لهذه المدارس، وفي هذا تكريس لمسألة التفاوتات الطبقية داخل المجتمع، ذلك أن الطبقات الشعبية تحظى بتعليم موجه بقوى إيديولوجية تسعى وراءه هذه الجهات بغية الحفاظ على البناء المجتمعي وتركيبته الطبقية حفاظا على مصالحها الاقتصادية.

إن الأبحاث التي قام بها السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو وجون بول باسرون خلصت إلى توضيح تصور الدولة البورجوازية لمسألة التعليم، ذلك أنه حقل تمارس فيه كل أشكال التفاوتات من خلال التدخل المباشر من طرف الدولة، والعمل على تكريس السياسة الطبقية من خلال تبني أكثر من نموذج تعليمي خاص بكل طبقة. وهنا يتبين أن أبناء الطبقات البورجوازية لا يلجون المدارس التي يلج لها أبناء الطبقات الفقيرة، بل تخصص لهم معاهد ومدارس خاصة ببرامج تعليمية خاصة تراعي خصوصية انتمائهم الطبقي البورجوازي. وفي المقابل لا يمكن لأبناء الطبقات الشعبية الولوج للمعاهد المخصصة لأبناء الطبقة البورجوازية لعدم قدرتهم على استيفاء الشروط التي تؤهلهم لولوج هذه المعاهد، كونهم لا يتوفرون على الشهادات التي تمنحها مؤسسات الدولة، والتي تخول لهم الولوج لتلك المعاهد، وهذا يعكس طبيعة التكوين الذي يتلقاه أفراد الطبقات الشعبية في المدارس العمومية وطبيعة البرامج التعليمية الموجهة لأبناء هذه الطبقات، وكذا نوعية وجودة التكوين الذي يتلقاه الفرد داخل هذه المدارس. وينعكس ذلك في صورة المواقع التي يحتلها الفرد داخل المجتمع من خلال باب الوظائف والمراكز التي يشغلها كل فرد حسب انتماءه الطبقي، فلا غرو أن نجد أبناء الطبقات البورجوازية يحصلون على مناصب سامية في الدولة، بينما تبقى الوظائف الأخرى (كالتعليم، الشرطة، الجيش …) من نصيب أبناء الطبقات الفقيرة. بهذا يكون قطاع التعليم يكرس كل أشكال التفاوت الطبقي، بل الآلية الأكثر نجاعة للحافظ على بنية الطبقية للمجتمع من خلال توجيهه والتحكم فيه .

اتسعت في المغرب الهوة وتباينت التفاوتات الاجتماعية، فسعت الدولة جاهدة لتقليص هذه الهوة والحد من التفاوتات. محاولة نهج سياسة تعليمية لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الطبقات، بدأت مع الإصلاحات الشاملة فيما سمي التقويم الهيكلي، وتم تثمين هذه الخطوة بتبني إصلاح جديد متضمن في الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي سرعان ما أبان عن هفوات عديدة واختلالات كبرى في قطاع التربية والتكوين. ولتجاوز ذلك تم التعجيل بإصلاحها والرفع من وثيرة العمل بمقتضيات ميثاق التربية والتكوين من خلال تبني مشروع المخطط الاستعجالي، وهذا الأخير لم يقدم حل لهشاشة القطاع، بل أزال الغطاء عن عمق الفشل في السياسة التعليمية. فأسرعت الدولة مستنجدة بالمجلس الأعلى للتربية والتعليم، والذي وضع خطة تعليمية للنهوض بقطاع التربية والتكوين بدعوته إلى تبني الرؤية الاستراتيجية بشعار: مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، من خلال رافعات تسعى لتجويد المدرسة وتحقيق المساواة بين الجميع.

والواقع أن الأطر النظرية التي تضع القوالب للسياسة التعليمية في المغرب بعيدة كل البعد الممارسة الميدانية، لأن واقع الممارسة يختلف كثيرا عن الوعاءات النظرية التي تطرحها اللجان التي تهيئ القوالب التعليمية الجاهزة وتضع البرامج التعليمية. وهنا تكمن المفارقة بين واقع الممارسة وإكراهاته، وبين السعي نحو تنزيل سياسات تعليمية بمضامين لا تراعي واقع العمل. ذلك أن إصلاح المنظومة التعليمة ـ في نظرهم ـ لا ينطلق من واقع الممارسة العملية، أي من قلب المدرسة كواقع حقيقي لرصد الاختلالات الحقيقية ووضع اليد على مكمن أزمة التعليم، وإنما يتم تبني سياسة تعليمية معظمها مستورد من مراكز بحث خارجية.

على هذا النحو يتم الحفاظ على التفاوتات الاجتماعية، فيستحيل تحقيق أي مبدأ لتكافؤ الفرص، بل سيستمر ذلك ما دام البناء المجتمعي هو بناء طبقي، وطالما هناك تفاوت صارخ بين مكونات البنية المجتمعية. ولعل مؤشر التعليم بين الوسط الحضري والوسط القروي يكشف ذلك البون الشاسع واهتراء السياسة التعليمية، حيث اختلاف المقررات الدراسية حسب طبيعة المجال الجغرافي، بعد المدرسة عن المتعلم، حجرات غير مؤهلة، غياب وسائط تعليمية، الأقسام المشتركة، الأقسام الافتراضية، وعدم توفر الوسائل الرقمية للولوج للمنصات الافتراضية … غياب تجربة في التدريس عن بعد وعدم توفر آلياته لأبناء الطبقات الشعبية يجعل أي حديث عن تحقق مبدأ تكافؤ الفرص أمر مستحيل بل وضرب من الخيال.

إن الوضع الحالي الذي تمر منه البلاد جراء جائحة كوفيد 19، رفعت الغطاء عن واقع التعليم المرير، مما جعل الوزارة المسؤولة تتخبط في القرارات التي تتخذها بشكل فجائي، لدرجة أصبح المتعلم والأستاذ يتوصل بكم هائل من التعليمات اليومية والمذكرات الوزارية التي تحمل في طياتها قرارات أغلبها تتنافى مع بعضها البعض. وهذا ما جعل البعض يصف ذلك بسياسة ” الترقيع “. وهو ما يعكس واقع الهشاشة في تدبير السياسة التعليمية، التي كشفت مقدار التفاوتات بين طبقاتها.

إن تبني خيار التعليم عن بعد، والذي يفترض توفر أرضية ملائمة لذلك، جعل هذا الخيار يؤول إلى الفشل ويكشف عن الهوة بين المدرسة العمومية المخصصة للطبقات الشعبية، والمدارس والمعاهد الخاصة بأبناء الطبقات البورجوازية. ذلك أن نسبة كبيرة من أبناء الطبقات الشعبية لم يستفد من العملية التعليمة عن بعد، ويرجع ذلك لغياب أرضية ثقافة التدريس عن بعد، وغياب الوسائل الرقمية لتحقيق الهدف التربوي، أضف إلى ذلك عدم قدرة الأسر على توفير الربط بالأنترنيت لأبنائها ما جعل أبناء الطبقات الفقيرة تحرم من التعليم، وهو الأمر الذي استفاد منه أبناء الطبقات الميسورة لتوفرها على الوسائل المتاحة لإنجاح التعليم عن بعد.

لقد استوعبت المجتمعات الغربية أن غياب تكافؤ الفرص في التعليم يؤدي إلى خلخلة توازن البناء الاجتماعي، لذلك سعت جاهدة لتقليص الهوة من أجل علاج الانحرافات الاجتماعية التي آلت إليها المجتمعات، والتي ولدت ظواهر اجتماعية أخرى [الفقر، البطالة، الجريمة، التشرد …] وأدركت أن تصحيح هذه الانحرافات يبدأ بالعمل بمبدأ المساواة بين أبناء الطبقات، رغم أن المتحكم في بنية المجتمع منطق البورجوازية، لكن حركية المجتمع خاضعة لمنطق التقدم والذي يتجه من خلاله المجتمع في حركية تقود نحو التغيير.  ينطلق من التفاوتات الموجودة واقعيا، ورغبة البنية الفوقية في الحفاظ على البنيات الاجتماعية وثباتها بنهج سياسة تعليمية تكرس التفاوت بين أبناء جميع الطبقات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This