أنطولوجيا الحاضر والنّقد

-فوكو قارئًا كانط-

مقدمة:

اهتّم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بنص كانط الشهير الذي كتبه في العام 1784 الموسوم بـ “ما التنوير؟” ودرسه في أكثر من مناسبة، حيث بيّن بشكل أساسي أن قيمة هذا النص هي أنه يطرح مسألة الحاضر، أي التساؤل عن أنطولوجيا الآنية، والذي يهدف من خلاله الفيلسوف لمعرفة ما يدور هنا والآن. هذا التساؤل عن “النحن” في نص التنوير يتسق مع المشروع الذي ألزم فوكو به نفسه، حيث نجده يفهم الفلسفة باعتبارها نشاطا يهدف لتشخيص الحاضر. وينطلق هذا النشاط من معرفة المحددات المعرفية والسلطوية التي تتحكم بهذا الحاضر وذلك كأساس لفهمه ووصفه، وبالتالي إدراك اختلافه ومميزاته. تلك هي وظيفة الفلسفة الأساسية عند فوكو. من ناحية أخرى ارتبط نص التنوير بالنسبة لفوكو بالنقد، وعلى الرغم من أنه يعود بتاريخ بروز الموقف النقدي لمراحل سابقة للقرن الثامن عشر إلاّ أنّ نص كانط يحمل سمات خاصة بالنسبة لفوكو، وذلك لأنّ النقد الكانطي يستهدف بشكل أكثر وضوحًا عدم الخضوع للسلطة في ارتباطها بالحقيقة، وذلك كأساس للتنوير الذي يعني خروج الإنسان من قصوره الذاتي.

فالإمكانية التي يفتحها فوكو من خلال نص كانط هي الاهتمام بالحاضر من جهة، ونقد هذا الحاضر أو الموقف النقدي من فنون الحكم من جهة أخرى. وذلك ما سأتناوله بالنقاش خلال هذه الورقة محاولًا الإجابة على سؤالين أساسين: ما التحول الذي يمكن أن يحدثه هذا الاهتمام بالحاضر الذي نجده في نص كانط على دور  ووظيفة الفلسفة؟ وماهي معالم الموقف النقدي كما يفهمها فوكو؟

تتفرع الدارسة إلى قسمين: الأول سيتناول، الحاضر كحدث فلسفي، والثاني سيكون عن النقد كفضيلة عامة.

الحاضر كحدث فلسفي:

على الرغم من الأهمية الكبرى التي تحظى بها نصوص كانط التأسيسية وأقصد هنا ثلاثيته النقدية التي لا زالت تتمتّع بحضور قوي في الفلسفة المعاصرة، إلّا أنّ فوكو يعيد الاعتبار لنص ربما يبدو للبعض هامشيًا وغير أساسي في النسق الكانطي وهو نص “ما التنوير؟”. وعلى الرغم من نشدان كانط للحرية، وخروج الإنسان من حالة القصور التي هو مسؤول عنها لتراجعه أو ربما تخاذله عن استخدام العقل، بالإضافة لأهمية فعالية الفرد في مقابل التقليد ووصاية الآخرين… إلّا أنّ فوكو يرى في النص – بالإضافة لما ذكر – أهمية أخرى وانطلاقًا منها  يتفاعل مع المتن الكانطي ويبيّن أهميته. فهذا النص بحسب فوكو ليس تاريخيًا بالمعنى الذي يسعى من خلاله الفيلسوف لطرح أسئلة تتعلق بالأصل ومن خلالها يتفاعل مع الحاضر وقضاياه، كما أنه ليس نصًا يبحث في الغاية من التاريخ، ويقصد تلك الغائية التي ميزت معظم  فلسفات التاريخ في العصر الكلاسيكي أو عصر التنوير. يقول فوكو أن “المسألة التي تبدو مطروحةً لأول مرة في نص كانط هذا هي مسألة الحاضر، أي السؤال عن الآنية: ماذا يحدث اليوم؟ ماذا يحدث الآن، وما هو هذا الآن الذي نوجد نحن وغيرنا فيه، ومن الذي يحدد اللحظة التي أكتب فيها”[1] هنا يغدو نص “ما التنوير”  سؤالًا عن هوية هذا الحاضر، وأحداثه، بالإضافة، لمن يشكل هذا الحاضر، أو يحدد لحظة “النحن”. الحاضر هنا يصبح حدثا فلسفيا منه تتحدد وظيفة الفلسفة ودورها كتفكير في الآني. هذا الآني الذي يمتلك محددات ثقافية معينة، وتعيش في ظله مجموعات إنسانية لها توجهاتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية. وإذا نظرنا لنص كانط نفسه سنجد هذا الاهتمام أو القلق ب”ما يحدث” خصوصًا عندما يطرح مسألة علاقة الفرد برجل الدين والسياسة. أو الفرد في مقابل الجماعة حيث يمارس كانط نوع النقد الذي يسعى من خلاله لفك ارتباطات وتشابكات اجتماعية يراها مدمرة وضد روح الإنسان ككائن عقلاني وأخلاقي. يوضح فوكو أن الفلسفة في نص التنوير تعمل على صياغة وتوضيح إشكاليتها الحاضرة وتتعامل مع الآنية كحدث تستنطقه وتفصح عن معناه ومن خلاله تجد تبريرًا لما تقوله، أو حتى سببًا لوجودها الفعلي، فمن خلال فوكو نفهم أن الفلسفة يجب أن تكون مرتبطة بهذه العلاقة التي تشكّل ماهيتها الحقيقية، وربما يصعب – إذا انطلقنا من نص كانط – الحديث عن فلسفة ما، في ظل غياب هذا التفكير في  أنطولوجيا الآنية.

إذن التساؤل الذي ارتبطت به الفلسفة في نص كانط يتعلّق بانتماء الفيسلوف لحاضر ذا معالم محددة، يتفاعل معها، ومنها يصيغ مفاهيمه ويحدد توجهاته. هذه القراءة الفوكوية للنص الكانطي تتوافق مع الاهتمام الفلسفي الذي إلتزم به فوكو، إذ نجد لديه تحديد – أو ربما وضع حدودا – للفلسفة نفسها، وذلك من خلال تأكيده على انتهاء صلاحية  تلك الحقبة من الفلسفة المعاصرة “حيث كان على نص فلسفي، أن يعطيك، في النهاية، معنى الحياة والموت ومعنى الحياة الجنسية، ويقول لك هل الله موجود أم لا، وما تكون الحرية، وما ينبغي عمله في الحياة السياسية، وكيف تتصرف مع الآخرين”[2] هناك عدم إمكانية لترويج هذا النوع من الفلسفة، وبدلًا من ذلك فإن الفلسفة يتوجب أن تعمل على جزئيات ذات معالم محددة. فالنشاط الفلسفي بالنسبة لفوكو يرتبط بميادين مختلفة ومنفصلة حيث يمكن للفلسفة أن تعمل في مجال التاريخ أو الأديان أو الأسطورة كما أن هناك تعددا في الخطاب الفلسفي، لكن هذا التعدد مرتبط في صميمه بمشكلات الحاضر، فنشاط الفلسفة هنا يصبح تشخيصيا هدفه فحص وتحليل النسق الذي يتحكم في التوجهات الاجتماعية والأخلاقية وذلك بغرض اكتشافه. إذن علاقة الفلسفة بالحاضر أساسية في تصور فوكو لدور الفلسفة وذلك ما يلاحظة الزواوي بغوره في مسيرة فوكو الفكرية حيث يقول “إن التشخيص  والحاضر هما من الكلمات التي تعلق بها فوكو ولم ينقطع عن استعمالها… ونستطيع التأكيد على أنه ومهما كانت التغيرات والانتقالات التي عرفها هذا الفيلسوف في مساره الفلسفي، فإن هنالك ثوابت منها على الأقل فعل ومهمة ووظيفة الفلسفة المتمثل في تشخيص الحاضر”[3] فسواء كان ينتمى فوكو للمرحلة البنيوية أو ما بعدها، أو الأنطولوجيا التاريخية أو الجينالوجيا فإن مشكلات الحاضر وأهمية ارتباط الفلسفة بها ظلت باقية، ومن هذه العلاقة مع الحاضر يكتسب مشروعه الأهمية الكبرى في عصر يرزخ تحت وصاية تختلف عن/ وتشابه في بعض جوانبها، تلك الوصاية الخارجية التي وصفها كانط في نصه “ما التنوير؟”. من خلال نص كانط يربط فوكو التنوير ليس فقط بالخروج من الوصاية بل بالقدرة على تشخيص الحاضر، وبهذا المعنى نحتاج التنوير في كل عصر ومهما تغيرت العلاقات السياسية والاجتماعية، فدائمًا يتوجب التوجه لفهم أنطولوجيا ذواتنا.

هذه القراءة لكانط نتج عنها تعريف غير تقليدي للحداثة، فعلى حين أننا نجد البعض يفهمها كقطيعة مع ماض ما، فإن فوكو يرى في نص كانط إمكانية جديدة لطرح الحداثة على نحو مختلف. إذ نفهم من خلاله أن ما يميز الفلسفة باعتبارها خطابا عن الحداثة هو ارتباطها بالآنية كموضوع للتفلسف، وفي ظل هذا التحديد فإن الفيلسوف لا يكتفي بطرح تساؤلات عن الحاضر بل لابد  أن يتخذ موقفًا منه. الحداثة هنا لا تفهم في المقابلة بين القدامي والمحدثين أو العصر القديم والحديث بل من خلال علاقة تقيمها الفلسفة انطلاقًا من آنية الإنسان الذي يعيش في ظرف تاريخي محدد. فلابد من التفكير في هذه الآنية، ومعرفة معناها، ومن ثم اتخاذ موقفٍ منها، موقف يتبعه نوع من التحديد للعمل الذي يمكن أن نقوم به تجاه بعض أشكال وصور هذا الحاضر. لذلك يشدد فوكو كثيرًا على فهم الإبستيم أو النسق الذي يظل حاضرًا في المجتمع وهو يتجاوز حتى أشكال السلطة السياسية المعروفة وأجهزتها التنفيذية. هذه المحاولة التفكرية في “الآن” يمكننا بحسب فوكو أن نُعرف الحداثة انطلاقًا منها حيث يقول “يبدو لي أن التفكير في الآن كاختلاف داخل التاريخ وكدافع نحو مهمة فلسفية خاصة هو الجديد الذي يحمله هذا النص، وكما يبدو لي أن التعامل معه بهذا الشكل يمكن أن نجد فيه نقطة انطلاق أو إرهاصًا لما يمكن تسميته بموقف الحداثة”[4] من خلال ذلك فالحداثة لا تعرف كحقبة تاريخية في مقابل ما قبلها أو حتى ما بعدها، بل يمكن فهمها كنمط من التفكير والانحياز، والاختيار الواعي الذي يرتبط ويدل على الانتماء للحظة الحاضرة. الحداثة هنا يمكن أن تُفهم وتُعرف على أنها مهمة تقع على عاتقنا ويجب فعلها. ومن المهم الإشارة إلى أن الحداثة بالنسبة لفوكو لا تتحدد من خلال تلك القيم التي ارتبطت بالتنوير مثل العقلانية والحرية والتقدم، وإنّما من خلال الوظيفة التي تقوم بها الفلسفة بوصفها تفكيرًا في الحاضر. من خلال قراءة فوكو فإن نص كانط يفتح إمكانية فهم الحداثة كسؤال وأشكلة للحاضر، كموقف، عوض اعتبارها حقبة.

الوجة الآخر للتساؤل حول الآنية هو ما طرحه كانط في سياق حديثه عن الثورة وعلاقتها بالتقدم، حيث يبيّن كانط أن المهم ليس نجاح الثورة أو فشلها؛ بل ما يكتسب أهمية هو الحماس للثورة وكيفية استقبالها خصوصًا من قبل المشاهدين غير الفاعلين فيها، أي تأثيرها الفعلي على الذوات أو الأفراد في الظرف التاريخي الذي تحدث فيه الثورة. هذا الاهتمام والتوصيف للثورة يمثل شكلا من أشكال التفكير في الحاضر كموضوع فلسفي. ومن ثم يبيّن فوكو أننا  نقف من خلال هذين النصين – نص الأنوار والثورة – على “موضع الأصل وعلى نقطة انطلاق سُلالة من الأسئلة الفلسفية؛ لأن هذين السؤالين: ماهو عصر التنوير؟ وما هي الثورة؟ هما شكلان لسؤال كانط حول آنيته ذاتها”[5] وبالتالي يشدد فوكو على أن الوفاء ليس لمبادئ أو أفكار حث عليها عصر التنوير، بمعنى لا يجب أن نكون مع الأنوار أو ضدها كقيم عامة، بل تتحقق العلاقة بينا وبين هذا التنوير، عبر موقف يستمر من خلاله نقد يهدف لمساءلة وجودنا التاريخي  وواقعنا المشخص. يجب أن نبقي على السؤال الذي يتعلق بالآنية كمادة للفلسفة.

النقد كفضيلة عامة:

السؤال عن الآنية كما بيناه سابقًا هو سؤال نقدي في أساسه، حيث أسس كانط بالنسبة لفوكو ركنيين رئيسيين في النقد، الأول يبحث في شروط إمكانية المعرفة، والثاني يتناول الحاضر كموضوع للتفكير. ويموضع فوكو فلسفته ضمن التيار الثاني وهو ما يسميه أنطولوجيا الحاضر. ما هي معالم هذا النقد كما يفهمها فوكو؟ النقد الذي يدافع عنه فوكو نقد محايث لا يقف عند حدود المعرفة وبنياتها الكلية بل يستهدف خطابات نفكر من خلالها، ولها تأثيراتها على ما نقوم به من فعل. يُمارس هذا النقد كما يقول فوكو “كبحوث تاريخية من خلال الأحداث التي أدت إلى تكوننا والتعرف على أنفسنا كذوات لما نقوم به وما نفكر فيه وما نقوله… وسيكون نقدا جينالوجي الغاية واركيولوجي المنهج”[6]، أي نقد يتعامل مع خطابات تربط ما نفكر فيه ونقوله ونفعله ضمن سياق تاريخي محدد. بمعنى آخر يبحث في الأحداث التاريخية التي تؤثر في ذواتنا الحاضرة، أو التاريخ من خلال علاقته بأنطولوجيا الحاضر. وهو نقد غرضه تحديد مواقع التغيير التي حدثت، لضبط ومعرفة حدود الخطابات التاريخية في إطار علاقتها بكينوتنا الحاضرة.  إذن يتمثل هدف هذا النقد الفوكوي في معرفة هذه الخطابات من خلال تحليل تاريخي يستهدف معرفة الحدود التي وضعت لنا أو التي جعلت تجربتنا ممكنة، وذلك بغرض مجاوزتها. وبحسب فوكو ليس هناك شكل واحد  لهذا النقد،  وذلك لأنّ النقد لا يوجد إلاّ في إطار علاقته بموضوع ما، فهو يرتبط بالمجال الذي يعمل فيه وبالتالي يختلف النقد استنادًا لوظيفته وطبيعته، ومجال اشتغاله.

يقترح فوكو كتابة تاريخ للموقف النقدي يبدأ بالرعوية المسيحية وذلك لأنّ هذه المرحلة مرتبطة بفنون محددة للحكم، حيث كان وجوبًا على الفرد أن يكون محكومًا وخاضعًا لشخص يوجهه نحو خلاصه، ويرتبط به بعلاقة طاعة عامة ودقيقة في الوقت نفسه. هذه العملية التوجيهية ترتبط بالحقيقة كمذهب، وكتقنية تتطلب قواعد ومعارف يختص بها أفراد دون غيرهم. حدث لهذا التوجيه للضمير أو فن حكم الناس نوع من الانفجار والتوسع منذ القرن الخامس عشر وذلك داخل ما أشار له فوكو بالمجتمع المدني. حيث برزت أسئلة عن كيفية حكم الأطفال والجيش والجماعات والدول والروح والجسد…الخ. وفي مضمار هذا  التطور لفنون الحكم ظهر في الاتجاه المقابل الموقف النقدي باعتباره شريكًا وخصمًا في الوقت نفسه. ولد النقد كموقف من فن الحكم، وطريقة للشك فيه بغرض زعزعة ثوابته وتغييره، إذ مثل النقد طريقة في التفكير وموقفا أخلاقيًا وسياسيًا يقول عنه فوكو “هذا ما أسميه ببساطة فن أن لا نخضع للحكم، أو بالتحديد فن أن لا نخضع بهذه الطريقة وبهذا الثمن. وإنني أقترح، على سبيل التحديد الأولي للنقد، هذه الخاصية العامة ألا وهي أن النقد هو فن أن لا نخضع كثيرا للحكم”[7] يشير فوكو إلى أن هذا النقد ارتبط في بعض مراحله في اتصال بالكتاب المقدس ومن ثم تطور كنقد قانوني للسياسة، بالإضافة إلى أنه نقد لحقيقة الحكم حيث يسائل ويشكك ويحاول التثبت مما تشيعه وتثبته السلطة. كما أنه يهدف إلى محاولة أن لا نعتبر أمرًا ما حقيقيًا إلّا إذا اعتبرناه كذلك بأنفسنا.  هذه العلاقة بين فن الحكم والنقد نتج عنها تطورات متعددة في مجالات مختلفة سواء تعلّق الأمر بفقه اللغة أو التفكير أو القانون، وأدت إلى تحولات حاسمه في تاريخ الثقافة الغربية. ومهدت لظهور علاقة كل من السلطة والحقيقة والذات يقول فوكو “إذا كان فن الحكم هو هذه الحركة المتعلقة في حقيقتها بالممارسة الاجتماعية لإخضاع الأفراد بواسطة آليات سلطوية تستند إلى الحقيقة، فإنني أقول بأن النقد هو هذه الحركة التي بواسطتها تكون للذات الحق في التساؤل عن الحقيقة وآثارها السلطوية وعن السلطة وخطاباتها في الحقيقة”[8] فالنقد هنا يصبح وسيلة للذات تسائل من خلالها آثار السلطة وما تروج له في إطار ارتباطه بالحقيقة، وهي الحقيقة التي تعمل عبرها السلطة من أجل تكرّيس نوع من السيطرة على الأفراد وإخضاعهم لإرادتها ومنطقها. النقد فن للرفض الاختياري والواعي، ويهدف لإثبات سلطة مضادة ومقاومة لسلطة السلطة وحقيقتها.

هذا النقد بالنسبة لفوكو ليس بعيدًا عن النقد الكانطي ولكن ليس ذلك الذي يثبته كانط في الثلاثية النقدية، بل ما نقرأه في نصه عن التنوير. وذلك لأننا نجد كانط يحدد حالة القصور بعدم القدرة على استخدام العقل والاعتماد على موجه يقرر نيابة عنا، وفي الوقت نفسه يحدد التنوير بوصفه تنشيطا للعقل واستعماله عموميًا. بالتالي هناك ربط بين القصور الذي ينتج نوع من الوصاية من جهة، وغياب الشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار من جهة أخرى. وبهذا فإن نص التنوير كما يبيّن فوكو ليس تاريخيًا وجدليًا لأنه يتضمن نوعا من التحديد والدعوة للشجاعة، كما يستهدف تخليص الناس من كل ما من شأنه أن يَحُول دون أن تبلغ الإنسانية رشدها، فهو يوضح لنا المرتكزات الأساسية التي ينشدها التنوير كحالة مضادة للقصور  لذلك يقول فوكو “إن ما يصفه كانط بالتنوير هو ما كنت أحاول أن أقدمه لكم قبل قليل بوصفه نقدا”[9] وبالنسبة لكانط فإن تلك الشجاعة التي تهدف إلى استقلال الإنسان من وصاية السلطة تقتضي الاعتراف بنوع من الطاعة أو التقييد الذي يمكن أن يحدث للعقل الخاص. ولكن هذه الطاعة للحاكم التي تحدث بواسطة العقل الخاص تتوافق مع الاستقلال الذاتي لأنها تعتبر نتيجة لما أعرفه وأكتشفه بنفسي، بدل السلطة التي تأمرني بالطاعة.  فالطاعة يمكنها أن تتأسس على الاستقلال الذاتي. إذ بواسطة استقلال الذات يمكن أن أعرف مخاطر التفكير وبالتالي حدوده.  ولكن ما لا يقل أهمية بالنسبة لفوكو هو أن “كانط قد حدد النقد في مشروعة بعدم الخضوع للعبة السلطة، والحقيقة، والمعرفة، وذلك بوصفه مهمة أولية، ومقدمة لكل تنوير في الحاضر والمستقبل”[10] ما يحاول أن يستهدفه فوكو بالتحليل والنقد يتمثل في علاقة آليات القهر الذي تمارسه السلطة بمضامين المعرفة. والأمر بالنسبة له لا يتعلق بإنفصال للمعرفة عن السلطة، فبحث فوكو يبيّن بشكل أساسي الروابط بينهما، فلكي تعمل المعرفة فإن ذلك غير ممكن إلاّ في ارتباط بنوع من السلطة، وبهذا فالمعرفة تنتج السلطة. من ناحية أخرى أي ممارسة للسلطة تستوجب المعرفة، وذلك لأن فعلها يتطلب تصورات محددة تظهر في شكل تشريعات وقواعد تحث الناس على نوع محدد من السلوكيات والالتزامات. بالتالي يمتلك الموقف النقدي الكانطي أهمية كبيرة بالنسبة لفوكو لأنه يناقش كيفية استعمال العقل بشكل يؤدى للوعي بآثار السلطة ومن ثم تجاوزها، بمعنى أن العلاقة التي يطرحها فوكو بين السلطة والذات حاضرة بشكل أو آخر في نص ما التنوير. وبذلك يظهر لنا تأثير نص كانط على فيلسوف  الأنطولوجية التاريخية.

خاتمة:

ناقشنا فيما سبق قراءة فوكو لكانط من خلال تركيزه على نص “ما التنوير؟” حيث وضحنا أن هذا النص كما يبين فوكو يطرح مشكلة الحاضر باعتباره حدثا فلسفيا، أي ترتبط به الفلسفة وتفكر في أحداثه، وانطلاقًا منه تصيغ  إشكاليتها وتلعب دورها أو تؤدي وظيفها. وبينا أن فوكو ارتبط بهذا التوجه من خلال تأكيده لأهمية أن تصبح الفلسفة نشاطًا تشخيصيًا للحاضر. واستنادًا لذلك يقترح تعريف الحداثة كموقف من الحاضر، ونمط من التفكير والانحياز الواعي الذي يدل على الارتباط بالآنية التي ينتمي لها الفيلسوف. كما بينا أن الوجه الآخر لسؤال الآنية هو ما تناوله كانط في سياق حديثه عن الثورة.

في القسم الثاني تحدثنا عن النقد عند فوكو، وحددنا مجال اشتغاله حيث يشمل الخطابات التي لها دور في تكوين ذواتنا الحاضرة، أو تلك التي تحدد لنا ما نفعله  ونفكر فيه. ويتعدد هذا النقد وفقًا لموضوع اشتغاله، وذلك لأنه لا يوجد إلاّ في ارتباطه بمجال محدد، ومشكلات لها معالمها الخاصة. وبينا أن الموقف النقدي ظهر كمقابل لفنون الحكم التي تطورت منذ الرعوية المسيحية إلى العصر الحديث مما أدى بفوكو لتوصيف النقد بأنه فن عدم الخضوع كثيرا للحكم. والنقد عند فوكو يهدف لمساءلة الحقيقة وإكراهات السلطة وتحليل الروابط والعلاقات بين كل من السلطة والمعرفة. وهذا النقد كما يوضح فوكو ليس ببعيد عن ذلك الذي يثبته كانط في نص التنوير.

******

[1] ميشيل فوكو، كانط والثورة، ترجمة يوسف الصديق (مجلة الكرمل، العدد13، 1984)، ص66.

[2] ميشال فوكو، همّ الحقيقة، ترجمة مصطفى المسناوي…وآخرون (الجزائر، منشورات الاختلاف، 2006)، الطبعة الأولى، ص27.

[3]  الزواوي بغوره، ما بعد الحداثة والتنوير موقف الأنطولوجيا التاريخية (بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 2009)، الطبعة الأولى، ص107

[4]  ميشيل فوكو، ماهي الأنوار، ترجمة رشيد بوطيب، موقع حكمة، 15/11/2015.

[5]  ميشيل فوكو، كانط والثورة، مرجع سابق، ص70

[6]  فوكو، ماهي الأنوار، مرجع سابق، موقع حكمة، 15/11/2015.

[7] ميشيل فوكو، “ما النقد”، في كتاب التنوير والثورة، تحرير وترجمة الزواوي بغوره (الجزائر، ابن النديم للنشر والتوزيع، 2015)، الطبعة الأولى، ص90-91

[8] فوكو، المرجع السابق، ص92

[9] فوكو، المرجع نفسه، ص93

[10] فوكو، المرجع نفسه، ص95

******

المصادر والمراجع:

فوكو ميشال، همّ الحقيقة، ترجمة مصطفى المسناوي..وآخرون، الجزائر، منشورات الاختلاف، 2006، الطبعة الأولى.

فوكو ميشيل، “ما النقد؟”، في كتاب التنوير والثورة دراسة وترجمة لمواقف ميشيل فوكو، ترجمة الزواوي بغوره الجزائر، ابن النديم للنشر والتوزيع ، 2015، الطبعة الأولى.

فوكو ميشيل، كانط والثورة، ترجمة يوسف الصديق، مجلة الكرمل، العدد13، 1984.

فوكو ميشيل، ماهي الأنوار؟، ترجمة رشيد بوطيب، موقع حكمة، 15/11/2015.

بغوره الزواوي، ما بعد الحداثة والتنوير موقف الانطولوجيا التاريخية، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 2009، الطبعة الأولى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This