في السّياسة الاجتماعيّة: الجزء الأول

المفهوم والوظيفة

هناك العديد من التعاريف للسياسة الاجتماعية، والتي يشير معظمها إلى المشكلات الاجتماعية والفئات الأكثر هشاشة وعرضة للخطر والضعيفة وسياسات حمايتها. ومع ذلك، فهو عمل احتياجات وصراعات وتطورات، سواء كانت ضيقة أو واسعة. خلال القرن الثامن عشر في البلدان الصناعية كإنجلترا، ظهرت بعض الممارسات في مواجهة مشاكل مثل زيادة البطالة والفقر؛ وبعد المشكلات والصراعات التي حدثت خلال القرن التاسع عشر، ظهرت ممارسات محدودة وضيقة النطاق عكست نهجا أكثر أخلاقية. وفي أوائل القرن العشرين في العديد من الدول الأوروبية تم التعامل مع مشاكل مماثلة. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، يمكن القول أن هذه الممارسات أصبحت مجموعات قانونية ومنهجية ودائمة وواسعة النطاق، وتوسعت أهدافها.

يأخذ مفهوم السياسة الاجتماعية ومجالاتها عدة أشكال؛ فقد يتقلص وقد يتمدد إلى مجالات مختلفة. وقد شهدت السياسة الاجتماعية تغيرًا من حيث المعنى والممارسات بسبب التطورات العالمية، فمثلا تؤثر العولمة على ظروف العمل والعمالة وتزيد من خطر البطالة؛ وفي ظل النيوليبرالية ظهرت تغيرات في مفهوم الدولة وهياكلها؛ وتحديدا في القانون والبنية الاجتماعية للدول؛ مما ضيق القدرة على المناورة من خلال سن السياسات واتخاذ التدابير الحكومية ضد الآثار السلبية الناتجة عن هذا الوضع. ذلك لأن السياسة الاجتماعية مرتبطة بالاقتصاد والسياسة؛ فإن التغييرات التي تحدث في مفاهيم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والخدمات الاجتماعية ستنعكس على هيكلية الدولة واقتصادها وسياستها وبالتالي على قراراتها وسياساتها الاجتماعية. كذلك فإن التغييرات في البنية الاجتماعية تُغيير في السياسة الاجتماعية؛ مثل زيادة عدد المسنين، المساواة بين المرأة والرجل، ارتفاع نسبة البطالة، فهذه التغيرات ستتطلب قوانين وتدابير تتصدى لاحتياجاتها ومشاكلها، كل هذا يدلنا على مفهوم السياسة الاجتماعية التي تعتبر مجموعة من السياسات والقوانين والاجراءات والتدابير الحكومية التي تعالج من زاوية اجتماعية مشاكل الفئات الأكثر عرضة للخطر في المجتمع.

إن السياسة الاجتماعية اليوم كمفهوم وممارسة في تراجع بسبب الهيمنة العالمية للرأسمالية. كون السياسة الاجتماعية ليست مجالا مستقلا، فهي جزء من الاقتصاد الاجتماعي السياسي أو النظام الاجتماعي السياسي للدولة والمجتمع الدولي. والتطورات العالمية تتجاهل الأساس الواقعي لفهم السياسة الاجتماعية، وتستبدله بإطار أيديولوجي مرتبط بالضرورات الأخلاقية التقليدية، مما يدمر معنى ووظيفة السياسة الاجتماعية.

ومع تراجع دور الدولة الاجتماعي في الحفاظ على التوازن والحماية الاجتماعية من أجل علاج عدم المساواة والمشاكل، ازداد الظلم وعدم المساواة؛ وطالما أن الدول الوطنية تقف عاجزة أو لا مبالية في مواجهة المشكلات الاجتماعية، هذا يعني أن المنظمات الدولية لن تقف متفرجة، لكنه لا يعني أيضا أنها ستغير النظام.. رغم أن المنظمات العالمية قد لا تستطيع التدخل والدعم، بسبب تزايد المشاكل، لكنها تقوم بنشر مؤشرات التنمية البشرية والفقر والبطالة والأمية؛ أو تنفذ بعضا من مشاريع وبرامج التنمية المساعدة. وبهذا الشكل يصبح مفهوم السياسة الاجتماعية هو المساعدة الأخلاقية، والتنموية من خلال توفير الديون والقروض والمساعدات الإنمائية لتلبية احتياجات الأسواق التي يجب أن تنمو. وبذلك تقوم القوى التي تقف وراء فهم السياسة الاجتماعية الحديثة بهذا الشكل، وربطه بالواجبات الأخلاقية والعمل الخيري، بتدمير أسس مفهوم ووظيفة السياسة الاجتماعية، الذي يجب أن يكون قانونا حكوميا مستقلا عن العمل الخيري أو التقليدي الاجتماعي.

كما أن معالجة المشكلات الاجتماعية المتنامية، تدفع إلى مراجعة الأسس التي يتم اعتبار الدولة بموجبها دولة رفاهية؛ وتجعل من الضروري إعادة التفكير في معنى ووظيفة السياسة الاجتماعية. فالبطالة طويلة الأمد تؤثر على حالة الرفاه الاجتماعي؛ وبالتالي يجب اقتراح تعديلات جذرية لفهم حالة الرفاهية. وهذا يمكن اعتباره تقدمًا وليس تراجعًا؛ من حيث استناد الاقتراحات على أساس المواطنة الاجتماعية، والقصد واجبات وحقوق المواطن الاجتماعية وليس السياسية فقط.

توجد روابط بين السياسة الاجتماعية والديمقراطية السياسية. ويمكن اعتبار السياسة الاجتماعية ذات علاقة وظيفية مؤثرة ومتأثرة بالسياسة والاقتصاد، ليس فقط في معالجة المشكلات الاجتماعية/ العالمية؛ بل أيضًا كنتيجة للسياسات الاقتصادية والقرارات السياسية. وبالتالي هناك حاجة كبيرة للانتباه إلى مفاهيم المساواة والعدالة والمواطنة الاجتماعية في النقاشات حول السياسة الاجتماعية.

إن الفوضى العالمية/ الاجتماعية التي نواجهها ترتبط إلى حد كبير بعولمة الرأسمالية للهيمنة على جميع النظم الاجتماعية الأخرى، لتصبح مجتمعا/ نظاما عالميا (أو إمبراطورية). لذلك، على الرغم من الادعاء بأننا نعيش في اقتصاد سوق مستقل يعمل بحرية، إلا أن العولمة التي نعيش فيها تتحدد في إطار احتياجات البلدان المتقدمة ورأس المال ومنطق الرأسمالية، فالرأسمالية بكل تأكيد أصبحت نظاما اجتماعيا/ عالميا يتجاوز النظام الاقتصادي للدول.

أما في مجتمعاتنا يُنظر إلى الإنفاق الاجتماعي على أنه عبء على المجتمع، ويصبح بعضها “ثقوبًا سوداء في الميزانية العامة. حيث لا يمكن النظر إلى السياسات الاجتماعية كعلاقة حقوق ومواطنة في بلداننا، ويتم التعامل مع المشكلات الاجتماعية إما بالطرق التقليدية أي الأخلاقية أو الليبرالية أي النفعية. علما أن فكرة الدولة الاجتماعية التي ازدهرت بالفعل في بلدان الرأسمالية المتقدمة، ذات الأهداف المرتبطة بالمساواة والعدالة والمواطنة الاجتماعية، مهددة بالتراجع حتى في هذه البلدان، في حين أن الظروف في العالم خارج بلدان الرأسمالية المتقدمة تزداد سوء. والدليل على ذلك أن تأمين الحد الأدنى من الدخل الأساسي في بلداننا ليس كافيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي والتحرر الاجتماعي من العوز.

سيصطدم هذا الفهم للسياسة الاجتماعية بالمحيط الليبرالي، وبقدرة الدول الفردية على علاج مشاكلها، وسينتج عنه أثار سلبية حتما؛ فالدول القومية عاجزة ويائسة أو لا تهتم لمشاكلها، والقوى التنظيمية الشعبية ممزقة ودون قدرة على التحرك، ولا وجود لقاعدة جماهيرية أو ايديولوجيا تجمعها، ورغم وجود تنظيمات مناهضة على مستوى العالم لكن صوتها غير مسموع، وحسب هذا الواقع لن تتجاوز المنظمات الدولية مفهوم الأخلاقيات الخيرية، أو يتم تصحيح فهم المنظمات الدولية للسياسة الاجتماعية. ومن الواضح أن كل طلبات المنظمات وبرامجها ومنشوراتها وعملها لا ينوي القضاء على المشاكل الاجتماعية. فمثلا تعتبر هيئة الأمم المتحدة الفقر هو الفقر المادي ونقص الفرص الاجتماعية، وبالتالي يصبح هدف السياسة الاجتماعية هو “الرخاء”، ولذلك يتم تقديم القروض والمساعدات والديون من أجل تنمية احتياجات الأسواق، وليس القضاء على الفقر.

تعتبر وظيفة الدولة الاجتماعية والسياسات الاجتماعية أساس المصالحة بين الرأسمالية والديمقراطية، وبسبب تراجع فهم السياسة الاجتماعية تفقد الدول هذه الوظائف على المستوى المجتمعي، ويمكن ملاحظة ذلك في غياب فهم أكثر شمولية وإيجابية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. وبذلك تصبح الأهداف السياسية والاجتماعية، مثل المساواة وتحقيق المواطنة الاجتماعية والمساواة السياسية دون أهمية؛ ولا تعتبر عندها السياسة الاجتماعية وسيلة لإقامة المساواة الاجتماعية والمواطنة الاجتماعية.

ويظهر فهم السياسة الاجتماعية المرتبط بالعمل الخيري قوة من حيث الانتشار، وهو ما أثر سلبيا بشكل كبير على وظيفة السياسة الاجتماعية والمجتمعات، كتدهور ميزان القوى بين العمل ورأس المال في الاقتصاديات المتقدمة، والقضاء على إمكانية إنشاء توازن قوى في الاقتصاديات النامية؛ ومنه فإن البحث عن آلية لإيجاد هذا النوع من التوازن، يعتبر زعزعة للأسس الإيديولوجية للقوى المهيمنة.

ولذلك، تجب صياغة الروابط بين الديمقراطية السياسية والسياسة الاجتماعية، على النحو التالي:

  1. المشاكل الاجتماعية العالمية لا تحدث من تلقاء نفسها، بل يمكن ملاحظتها وفهمها على أنها عواقب السياسات الاقتصادية والقرارات السياسية، أي الاقتصاد السياسي-الاجتماعي. وبالتالي السياسة الاجتماعية، يمكن اعتبارها دلالة على صلاح هذين المجالين.
  2. يجب فهم العلاقة بين السياسة الاجتماعية والديمقراطية السياسية وتقييمها، باعتبارها أدوات إجرائية ووظيفية، وضبط معانيها ووظائفها.
  3. يجب مناقشة مفاهيم المساواة والعدالة والمواطنة الاجتماعية من منظور السياسة الاجتماعية والديمقراطية.
  4. الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والمساواة والعدالة الاجتماعية؛ أهداف لا غنى عنها، لجعل حقوق الإنسان والأداء السياسي والديمقراطية أكثر مصداقية.

– تستند هذه المقالة بشكل أساسي على كتاب أ.د مريم كواري (2008)، “السياسة الاجتماعية”، وهو كتاب باللغة التركية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This