مصطفى زيور ومصطفى صفوان وأنا الواصِل بعدهما (ج2)

IV

1 – ثمة موضوعاتٌ أو نقاط أخرى تستدعي إليها منهج التحليل النفسي وغَرضه؛ ذاك هو منهجَ المحاكَمة المعاتِبة للصفوانية وأضرابها من المتشائمين، وحتى من المنتظِرين والذين يتمنّون الإنهيار والترنّح أو خسارةَ الموقع والقيمة للذات العربية؛ وذاك إنْ في مجتمعها الأكبر ولغتها، وإنْ في شخصيتها ووجودها الآيل إلى التضعضع والسقوط، واستدعاءِ الهاوية أو الهروب إليها.

2 – تَصْدق وتَصْلح، أي تَنجح وتَنْفع بلا توقّفٍ أو شبَعٍ نظريةُ “الخَلْق المستمرّ” (أيضاً، قا : البداء الفكري) في الوجود والطبيعة، الفكرِ والنظرِ والإبداع؛ وفي حقول الشرائع والإختلاف، التفسيرِ والتطوير كما التغيير، الكلماتِ التقنية والمصطلحات، المفاهيم والإبداع المستمرّ، الخَلْق أو الإنجاز. ومعنى هذا هو أنّ المدرسة العربية، أو النظرية الصراطية، نجحتْ في الفلسفة والنفسانيات أو الأدب والفنّ، الإصلاحِ الإجتماعي والتحديث، تفعيلِ الحداثة وإعمال العقل، كشفَ الحقيقةِ والمعنى، إكتشافِ دور الإنسان أو قيمتِه وحقوقه، تجديد وحَدْثنة الفقهِ  والإجتهاد والتأويل…

كانت الميتافيزيقا، كما الأخلاق، بدايةً تنطلق منها وتتأسس عليها الأفكارُ الفلسفية ومن ثم التحليلاتُ النفسية والذاتية. وفي هذا الزمن، صارت الأخلاق كما الميتافيزيقا حاضرةً متوِّجةً عند نهاية التحليل والنظر، عند نهاية المحاكَمةِ أو قمةِ النظرية.

3 – مقاربة الفلسفات الهندية مقاربةٌ للنفسانيات والتحليل النفسي والإجتماعيات، وما إلى ذلك من حقولٍ معرفية متداخلةٍ ومخلوطة ومتراصّة فيما بينها داخل ” الهنديات “. الأهَمّ بعد ذلك، هو أنّ النفسانيات الهندية، التي لم نُسرِف في مقارنتها وتفعيلها بل وتقريبها من النفسانيات العربية – الغَرْبية، اعتُمِدت في المدرسة الفلسفية العربية كثيراً؛ وبخاصةٍ في تحليل اليوغاوية واليوغاوي، الفيداويةِ والفيدانتية؛ وكذلك في العلاج النفسي بواسطة التصوّفات والسّحريات؛ الإيمانيات والتأمل والإسترخائيات.

4 – ألقينا فلسفياً وتحليلاً نفسياً العَتب، والنقد، على تيار المصابين بالإنبهار بالفكر الهندي؛ وبكل تحليلٍ هندوسي أو بوذي، وعقيدةٍ أو تعاليم لاهوتية… كان ناجحاً وسديداً العمل المؤسَّس في فضاء ” الهنديات ” الهندوسية كما البوذية، وفي المعتقدات الشرقية القديمة، والباطنيات، والسِّحريات المغرقة المظلمة (را: البيروني). قبل مرور عدة عقودٍ على رحيل ك. جنبلاط، كانت المدرسة العربية في الفلسفة والفكر، وفي التصوف والأديان المقارنة كما في المسكونية أو الكونية، قد ” مَرْتَبتْ ” و “موقعتْ” خطابه الفلسفي أو دوره ” المُستهنِد ” في فهم الوجود والخَلْق، وفي العقل الهندي داخل العالم، وفي التصوف والمذاهب الباطنية، وفي السياسة العالمية… وبات من المنخول، المستصفى أو المتَّفق عليه أو ” السائد “، تعيينُ مقامه أو عالمه وسِدَّته باعتباره مقاماً غير نقديّ، أي مسحوراً مفتوناً على نحوٍ قسري وغير مُحاكِم. وهذا موقفٌ حضاري، تاريخي أو فلسفي متقدِّمٌ أو، أقلّه، متجاوِزٌ ومتخطٍّ لمقام المتعصّبين ضدّ الشِّرك الهندي، وأصنامه ومعبوداته… وفي الواقع لقد حافظ الحكماء، والراغبون بالحكمة والمفتشون عنها والعاملون على تحصيلها، على التقدير والإحترام للموقف الحضاري الجدير والسديد الذي اتّصفتْ به المدرسة العربية في مَقعَد الفلسفة وأريكةِ التحليل النفسي العربية.

5 – غرضُ الدين والتديّن هو غرضُ الفلسفةِ الراهنة. لا معنى، ولا منفعةً قريبة، لمحاكمة أو تدبّرِ دور الدين ووظائفه في هذا الزمان؛ وبخاصةٍ في المجتمع والشروط كما في العقلية والتفكير عند الجماعات أو في الثقافات المتمسّكة بدور التديّن والتعبّدِ وإمكاناته في التنمويات والتربويات ومن ثم  في اللُّقمويات والمَدنيات. ومع التقارب في القراءات لذلك العامل الكبير، لكن غير الوحيد، بين أهل النفسانيات التحليلية والفلسفة والمجتمعي، عند العربي المعاصر ثم الراهن، فإنّه قد غدا ممكناً بل سهلاً القولُ المؤكِّدُ المؤكَّد بأنّ الفلسفة، وعلى غرار التحليل النفسي ذاته، تحظى بإمكان ومهارةِ أنْ تلعب دور الفكر اللاهوتي – الفلسفي، وتقوم بالوظائف نفسها التي كانت تُسْبَغ أو تُضفى على وظائفه ورسالته، أو على مراميه ومقاصده.

6 – إنّ أمرّ ما يشكو منه النفسانيون والمجتمعيون والمتفلسِفون، في البلد المنجرح سياسياً واقتصادياً ومن ثم حضارياً أو صحةً نفسيةً حضارية، هو الشكوى من استغلال الدين، بل التعبّدِ والتديّن، من أجل توكيد وتدعيم مصالح السياسي، ورغباتِ طائفته إنِ الدينية وإنِ الإجتماعية الاقتصادية. لا نلبث عند هذه الظاهرة أو الإشكالية؛ ولعلها تشبه أن تكون مأساةً وكوارث عند الحَرْفاني، والمحافِظ التقليدي الاستمساكي، والمجمَّد للتطور والتكيّفِ الإسهامي الإيجابي مع المعاصرة والحداثة أوالفلسفةِ والتنويرانية الفلسفية.

هنا نتذكّر أنّ صفوان أو زيعور، حتى محمد أحمد النابلسي ثم عدنان حب الله، كان أواستمرّ سبّاقاً إلى التمسك برفض هذه الرؤية الإستغلالية الإفتراسية التي تسلّطت على الوعي والسلوك طيلة تاريخ السياسة والمجتمعات والدول العربية؛ والإسلامية أيضاً وإلى حدٍّ كبير. يقودنا ذلك إلى التقاط حفنةٍ  من المبالغات والجزئيات أوحتى الإنجراحاتِ في قراءة صفوان، والنَّقدِ النقّار، للضلال واللاسويّ والخائبِ والمُمأزَق في المجتمع والفكر السياسي – الأخلاقي– اللاهوتي عند العرب…  وفي الواقع والنظر، بعد اكتشاف نواة المرض، العُصابِ الجماعي، إنتقلنا إلى تشخيص العوارض الخارجية، أو التجليات للجرح المطمور، المحجوب… ذاك ما سبّب الإلحاح الذي اقترب من أن يكون توصيفاً مبسَّطاً ومبسِّطاً أكثر مما هو تشخيصٌ للمَرَضيّ واللاسويّ، لفاقد الحيوية، ولليابس وعديم الكفاءة والاقتدار على التكيّفِ الاسهامي مع العقل والعلم، ومع المتخيَّل والصحة النفسية الحضارية للانسان والناس، للأمم الصناعوية أو الماهرةِ والمتحصّلة على كفاءة التطوير للواقع الحاضرِ كما المستقبليِّ الرؤية والنموذج.

V

1 – إنّ سهولة النقد والتجريح، أو التقويضِ البنّاء والإيجابي، عند رافض الواقع العربي، والقطاعات المنجرِحة داخل الصناعَوي، والعالَمثالثي، أدّت بهذا التقويضيِّ  إلى قتل الأمل بالنجاح وإعادةِ التكيّف الحضاري، أي إلى قبول التشاؤم والرؤية القاتمة، والوعي ِ الحاد بالخيبة والفشل، وبقلّة الثقة بالقدرة على البقاء والإستمرار.

2 – لكن، وبا ختصار، لماذا تلك السهولة في النقد والنقض، والنّقر ” الدّجاجي ” أو النَّقْبِ والثّقْب، عند النفسانيين وأضرابهم ممّن استسهلوا ذلك النموذجَ من التفكير بقسوةٍ ولذّةٍ للذات أو العقل، للفكر أو المجتمع، للشخصية أو المعنى، وللهويةِ والصحة الحضارية للذات العربية ؟ من اللابديِّ واللامناصيِّ ابتداءً واستهلالاً، وَعْينةُ ذلك النقدِ، بشتّى نماذجه وتشكّلاته، الموجَّهِ السهام إلى الهوية والإنتماءات كما الأجنحة أو السياسات والحضارات العربية الاسلامية… ثم إنّه، وبعد تلك الوَعْيَنة، يجب وضعُ هذه الظاهرة المطروحة أمام الوعي وإرادةِ التحليل ومن ثم الرغبةِ بالشفاء، موضعَ المساءلة والتنقيب في كشف وتحليل العوامل المضمَرة اللامفصوحة. هنا قد نلتقط أنّ ذلك “النّقد النقّار” سديدٌ لكنْ غير بريء؛ وأنّ المقصود هو النواة أو الأصل، النبع أو الجذر، المتخيَّل أو التديُّن. في عبارة تُفصِح وتوضِح، إنّ العقيدة الدينية هي المقصود الأكبر والأوّل عند كاره الأكثرية الحاكمة، والرافضِ الإستغلالِ للدين.

3 – من جهة أخرى، هناك عوامل ذاتية المنزع وغير واعية، أحياناً قليلةً وغير كثيرة، تَدفع ” الناقد ” إلى الحبّ المرَضي، الهوَسي القسري أو الإستحواذي، للتحطيم والهدم وتجريم العدو. إنّ العدو المعلَن المصرَّح عنه هو، هنا، المجتمع أو العقل، والحضارة والهوية؛ لكنّ العدو الحقيقي، وهو محجوبٌ مقنَّع أو ثاوٍ وغوراني، هو ” الناقد ” نفسه أي ميول هذا ” الناقد ” ودوافعه،  أمراضُه وانجراحاته، مفضّلاته ومراميه، نواياه وأغراضه… وقد ينفع تقديم حالةٍ واحدة، أو نموذجٍ واحد فقط؛ وذاك للتوضيح والإقناع… إنّ زميلاً قليل الحظّ والحصّة أو النسبةِ من الذكاء أو المهارةِ في الإنتاج، لم يجد مكاناً ميسّراً للعمل والظهور كمقتدرٍ أو ناجح إلّا في نقد  ” العقل العربي”… لعلّ معظم ما نكتبه من سلبيات ومثالب، عن العربي، صحيح؛ لكن المقصود الدفين اللا مفصوحَ، هنا، غير بريء وعطوب، كاذبٌ وغير أخلاقي، تابعٌ للعدو أوالقاهر الحضاري… إنّ النقد، هنا، تعويض وتغطية، إبدال وهروب، إنتقام ومعاقبة؛ وهو، بعدُ أيضاً، تبلسمٌ وتطهّر، تنفيس وغسلٌ.

4 – إنّ العتَب عندي على مصطفى صفوان كبير لأنّه كبير. وذاك في الواقع، أي داخل قطاع أو أريكة التحليل النفسي العربية في الثقافة العالمية والصحة النفسية – الحضارية. كان ينفعنا أكثر، نحن أبناء جلدته، لو أنّه خصّص الأكثر أو الأعمق من نشاطاته الفكرية من أجل التحليل للفلسفة والفكر والتصوف في الحقلَيْن العربي والغَرْبي، الخاص والعامّ، التراثي والمعاصر ومن ثم الراهن على نحوٍ محدَّد. هذا العتَب الحميمي والمخلِص بلا قيمة؛ وينتمي إلى عالم كأنّ، أو ليتَ، وما أشبه. لكنّ المقصود، المطمور معاً والمرغوب، هو أنه اختار لنفسه طريقاً انتهى به إلى أن يكون ذا قسوةٍ و ” سطوة ” على الذات العربية بخاصة، وبالتالي على تأسيسياتها ونُسغها، وأجنحتها واعتباراتها، وتجاربها أو تضاريسها، ونجاحاتها وأبعادها، و” خصوصياتها ” وميزاتها.

5 – لقد فسّرتْ المدرسة العربية في التحليل النفسي؛ وعلى غرار ما فعل صفوان، العائلةَ والمجتمع والسلطة، الكتابة والأمَّ والأب والولد، المحجوبَ أو اللاواعي والجنس وفق مناهج أو نظرية التحليل النفسي التي قد تُعِدّ مِمّن بناها ونظّمها صفوان نفسه… على هذا، أوعلى سبيل المَثَل، تقول المدرسةُ ما يقوله صفوان في اللغة والكلام، والقراءة  والكتابة، والسلطةِ السياسية أو الحاكم المستبد، والظلمِ والقمع، والتخلّفِ الحضاري والجهل… يُضاف إلى ذلك،  المقدّسُ واليقيني والمصادرات، التقهقرُ كما التراجع، والإنهيارُ ” الأُمَّتي ” للعربي المعاصر والراهن، وما يبدو متوقَّعاً أو منتظَراً، حتمياً أو قادماً بلا ريبٍ أو أملٍ أو رجاء.

إنّ هذه التشخيصات، ثم التحليلات، المتّفَق عليها بيننا وبين زيوار ثم صفوان وحبّ الله، لا تمنع الإمكانَ والشروطَ التي تُتيح إشهار العتب و النقد الأخوي المحبّاوي ؛ بل تمنع النّقر الخشن المعنِّف، والتهجّميّ والتجهُّمي كما الهجومي، ” الدجاجيَّ ” الأسلوبِ وفاقد المردودية والنجاح. ولعلّ محاكمة الثقافة وفعلِ السياسةِ والمجتمع، عند صفوان، تبدو دليلاً على فهمه وتفسيره، وعلى رؤيته للدين والواقع الإجتماعي والتأويل. فهو واثق جداً بأنّ الإسلام هو ” حُكم الواحد “، واستبدادي جدا وبإطلاق؛ وأنّه انتصر بالسيف والجزية… يضاف أيضاً أنّه سياسةٌ سيطرية وعنيفة وإرغامية، وتسلّطيةٌ لا تعترف بحقوقٍ للفرد، وتَفرض عليه الطاعة للحاكم والانقيادَ والخضوع التام.

6 –  في مقابل هذه التفسيرات والأقوال أو المُقال، ترى المدرسة العربية أنّنا أمام محلِّلٍ نفسي لا يُخضِع نفسه للمبدأ الذي يقضي بضرورة أوجدوائية أنْ تقوم بين المحلِّل والمحلَّل، أو المعالِج والمعالَج، علائقيةُ ثقةٍ ومرونةٍ منفتحة، أو تفاهميةٌ وتفهّمية، احتراميةٌ ومحبّاوية، غير معنِّفةٍ وغير تبخيسية.  وصفوان، في فهمه هذا للإسلام، يتعامل مع التاريخي والمعقَّد متأسِّساً ” متسلِّحاً ” بفهمٍ ثباتي سُكوني، وجامدٍ أو يقيني، وغير تطوّري بل وحَرْفاني، ومحافظٍ يُعادي النمو والتغيّر والتحوّل. وفي الواقع، تبدو المدرسة العربية في التحليل النفسي غير متنكّرة للتاريخي والتطور، للتفاعلية الجدلية بين الطبيعة والبشرية، أو اللغة والفكر، والكلمةِ والشيء، أو النص والتأويل… فالإسلام، بحسب تلك المدرسة، ليس هو الشريعة فقط؛ ولا هو السياسي النقلي أو المعهود أي حيث انعدام الشورى والمبايعةِ الجماعيةِ الحرّةِ  الديمقراطية؛ وليس هو العنفُ والإستبداد، فقط. ففوق كلّ ذلك، إنّ الاسلام خبرةُ حضاراتٍ عديدة، وتاريخٌ امتدّ سبعة أو ثمانية قرونٍ كان خلالها متقدّماً عالمياً ومنتِجاً للعلم والمعرفة، وللأدب والفكر والفنّ… والإسلام تديّنٌ ومناسك، ثقافاتٌ متراكمة، وعقولٌ متعاقبة ومنقِّبة…؛ وهو أعراف وتقاليد، ومتخيَّل أبدع في حقول مخصوصة كالحُلميات والرِّمازة، والخرافيات والبلاغيات؛ وفي الشِّعر والنّقد والمقامة، كما في الفقه والأصول أو منطق الإجتهاد، وفي علم التفسير والفهمِ والتأويل… فهو، ليس فقط آيةً تُحرِّضُ أو تجيِّش؛ إنّه، أيضاً، قابل لأن يُدرَك كخطابٍ إنسانوي، كوني ومسكوني. وهو، أيضاً وأيضاً، نراه قابلاً وقادراً لأن يحترم كرامةَ الانسان، ويثق بإمكان الخلاص، أو الفَوْزيْن والإنعتاق.

7 –  وثمة فرضية أخرى عند صفوان مفادها أنّه لا وجود لفكرة الخطيئة في الإسلام، أي أنّ هذا دين يقوم على الطاعة؛ وليس لفكرة الخطيئة مكان فيه، ولا للشعور بالذنب… فالخلاص، فيه، يقوم على اتّباع الشورى والشريعة، أي على السياسي المنقول المثبَّت، والمجمَّدِ المخلَّد؛ وبالتالي على مبايعة الحاكم الواحد الأوحد، أو المتفرّدِ والمسؤول أمام الله عن الرعية أو “السائمة البشرية “، وعن حمايةِ الدين والسلطة، النّصِّ والحَرْفِ وطاعة الله وأولي الأمر. لا ندافع في الأريكة العربية للتحليل النفسي عن الإسلام كدينٍ أو تاريخ، وثقافاتٍ أو حضارات، وأُممٍ أو أوطان، وأعراق. أنا لستُ إختصاصياً بالدين أو الأديان والعقائد. لكنّي أقول، إنطلاقاً وتأسّساً على اختصاصي ومهنتي وثقافتي، إنّ ذلك التفسير والتحليل الصفواني للإسلام أفكار غامضة ومسبقة. إنّ الشعور بالذنب أو بالخطيئة عقيدة الأقوياء، راهناً، في أنضودة الحضارات. أنا لا أتملّقهم؛ وأفكّر مليّاً مَديداً في إمكان كون الشعور بالعيب والعار هو المفسِّر الأكبر للحياة والسلوكات في هذا الزمان.

8 –  لا تقسو جماعة المدرسة العربيةُ على المؤسِّسِ الثاني للتحليل النفسي :  فمصطفى صفوان يحلِّل بدقةٍ أفهوماتٍ تحليلنفسيةٍ معقَّدة، أو يفسِّر ويُفَهِّم مفاهيم فلسفية ومقولاتٍ تاريخية واجتماعيةٍ مطوِّرة ومفيدة. فهو صاحب قولٍ أو نظرٍ يفرض الإحترام، ويستجلب التقدير، ويبدو أحياناً جمَّة جاذباً إليه، ويشدّ العقولَ إلى تحليلاته وأحكامه. وهذا، ليس أقلّ مما قد نجد عنده من أطروحاتٍ تغييرية إيجابية، أو من نظرياتٍ وآراء مَشْفَوية وعلاجية، إسهاميةٍ وتعميرية، أو استراتيجيةٍ هادئة وغير قاتمةٍ أو تشاؤمية.

VI- محاكمة البُعد السياسي الإقتصادي والاجتماعي كما التديّني والتاريخي عند صفوان – زيعورحبّ الله وآخرين. (1)

1 – يحضُر الدين في كل مجتمع. فما من مجتمعٍ لا دين له، وهذا تماماً لأنه لا دين خارج المجتمع. الدين أساسيٌّ في قيام المجتمعات، وعاملٌ مفسِّر لقيام السياسة والحكْم، وظهورِ التشريع أو ” القوانين “. ولا  سلطة سياسية بلا دين لها. فالدين والسياسة يكونان معاً، وفي وحدة أو كلّ، في نسقٍ أو نظام أو بنية. هنا نمط أرخيّ تعرفه السياسة في ” الشعوب ” القديمة… فالسياسة أمُّ الدّين، والدّين أمُّ السياسة… تأخر التطوّر طويلاً قبل أن يبدأ العمل أو التفكير في مبدأ فصل التوأمَيْن اللصيقَيْن، ومن ثم في مبدأ القطيعة بين الوجهَيْن الديني والسياسي.

2 –  يَعتبر صفوان وزيعور تغييبَ العلمانية، أو رفضها وتكفيرها، إحدى أكبر جارحات الصحة السياسية الاقتصادية ومن ثم الحضارية والتاريخيةِ في الذات العربية. هنا تُعد من المُمرِضات الأخرى عودةُ الاستعمار إلى العَرَبْلاد بشكلٍ مباشر ملحوظٍ مفصوح، وبشكلٍ كولونيالي إفتراسيٍّ نهّاب للثروات، ومغذٍّ للمخاطر اليهودية الإسرائيلية، ومن ثم للمهدِّدات الإمبراطوريةِ، وكاسرٍ حقوق المواطَنة والوطنِ وما بين الأوطان.

3 – والنوع الثالث من الجارحات المُمرِضات، بحسب الأريكة العربية، هو إشكالية الجنسنة والأنثنة. هنا يرد بطَلَتان يجب أن توضعا في ينابيع تاريخ الوعي الديني والثقافي – الحضاري للإسلام. إنّهما، بعد السيدة خديحة الكبرى، فاطمة بنت الرسول؛ وعائشة زوجته، أمّ المؤمنين.

هذا التعيين الجنوسي (الأنوثي، الأُنثوي، المؤنثَن، النسوي…) يُسهِّل ولو شكلاً، إعادة الجَنسَنة للوجود، وحتى للمعرفة والفنون. وهنا ترِد أيضاً واقع وموقع المرأة التاريخية.

4 – الفلسفة والدين متمايزان ومنفصلان؛  لكنهما غير متجافِيَيْن، لكلّ دوره ومكانه، موقعه وأعلامه. هنا، في المدرسة العربية في الفلسفة، موقف مخالف وغير عدماني؛ وعلى الضّدّ من صفوان يَرى أنّهما حقلان  يختلفان، ولكنهما يتعايشان ويتساكنان، يتَتَوأمان ويتبادلان الوظيفة والدور. يضاف أنّه بحسب فلسفة صفوان ، لقد انتصَر وانتشر الاسلام بالسيف؛ والجزية. حتى  لو سلَّمنا، ريثماوياً، بهذا الحكم الإعدامي أو بهذه ” التأبيدة ” والرغبة الإنتقامية، فإنّ التعميم مرفوض وغير جائز، غير نافع  وسلبي أوغير مجدٍ. لا حقّ لي أن أبقى سجين التفسير الحرْفاني والأحادي، كما الثابت الجامدِ والبدائي للاسلام. لا يُقدَّم الاسلام للقاصي والداني، وللدار العالمية في الأديان والمتخيّل البشري وفي التاريخ والمستقبل، بمثابة دين عنفٍ وقتل، أو سيفٍ وتعصّب، أو تدميرٍ وتخريب أو تخريف واختلاق.

5 – إنّ الاختصاص بالصحة النفسية والروحية، وبالفكر الكوني المسكوني، وبالحكمة العالمية والصحةِ الثقافية – الحضارية، إنْ في الدار الاسلامية، وإنْ في الدار العالمية الكوْكبية، اختصاصٌ لا يَسمح لنا، عقلياً وحضارياً واستراتيجياً، بالقراءة السلبية جداً، وبالنَّقر والنقض، وبالنّقّ والنّقيق، والتلطيخ أو التبخيس، بل والتنْجيس لِما هو في الحضارة العربية الإسلامية  خَلْقَنة وروحنة، أمثلةٌ وكملنة، أنسنة وطريق من الطرق السديدة إلى الانعتاق والحكمةِ الأخلاقية والقيمية، وإلى السعادةِ والإسعاد، والخلاصِ أو الفوزَيْن في الدارَيْن الجسدية والنفسية، المادية والمعنوية.

6 – سقوط المطلق  أو عدم الإنطلاق منه والإنتهاء فيه هو، في الواقع، سقوطٌ للانسان كلّه، ولمعنى الانسان وكونه قيمة، أو لإنسانويته وللكينوني واليقيني نفسِه، وللحقيقة وطرائق النظر فيها والبحث كما التنقيب عنها. وفي جميع الأحوال، قد يقبل الفكر العالمي الراهنُ بالقول بمُطلَقَيْن أو أكثر، كما قد يقبل بإعدام المطلق الواحد. هنا نقول إنّ لصفوان قولاً في الإلحاد غير مبسَّطٍ وغير بسيط. وقد يكون نافعاً أي غاسلاً ومطهِّراً. لكنّه ليس حلّاً. إنّه تنمية جزئية، عطوبة وناقصة، قاصرة وساذجة جداً وجيِّداً.

7 – يرى صفوان في ” اللغة العامية ” وفي الكتابة باللهجة العاميّة، إمكاناتٍ وشروطاً من شأنها أن تُفتّح العقول، وتُوسّع الفكر العام، وتبني المتخيَّل.  وعلى ذلك، فهي أداةٌ للإنتصار والظّفرَ، وللحياة والبقاء، والتطوّرِ كما التقدّم والتّرقّي الحضاري التّعدّديِّ الأبعادِ والمستويات والصُّعُد. وصفوان نفسه يرى أنّ إسقاط الفصحى، في منظورٍ تحترم المدرسة العربية الراهنةُ مقاله وفرضيته، إحياءٌ لقيمٍ كالعدالة والأخوة، والمساواة أمام القانون أو التكافؤ في الفُرَص، والكرامةِ الشخصية والحريات. وفي رأينا لا تتفسَّر الظاهرةُ اللغوية بعوامل ذاتيةِ النزوع، أو بمتغيّراتٍ نفسية وغير موضوعية. فلا منفعة أو جدوائية من إلغاء الفصحى قراءةً وكتابة. فالقضية أعمق وأوسع من أن تُحصَر في قفصٍ. وخسارة اللغة العربية لا تعوَّض. لكن التشذيب والتهذيب ربحٌ لا يقدّرَ بثمن، والترشيق و” الهَندمة ” مجْزٍ مجدِّدٍ، ومردوده تطويري وارتفاعيّ.

8 – إنّ المدرسة العربية الراهنة، وذلك عَبْر الفلسفة الصراطية، تَنْصر نقد صفوان لخطاب الدولة ” السلطانية “، وتأليهِ السلطةِ  المترسِّبِ في اللاوعي السياسي؛ ونقدَه لتأجّج فكرٍ رجعي ما  زال معادياً للحرية والديمقراطية ( = الشورانية الراهنة، أي المراقِبة والمنتخَبة دورياً وبنزاهة ). فهنا دولةٌ لاهوتيةٌ سياستُها الراهنةُ عدمُ غرسِ القيم المدَنية، وعدم إنضاجِ أو تعزيزِ  حقوقِ المواطن… ويَسْتدعي ذلك النظام السياسي الظالمُ مفاهيم ومَذاهب متعدّدةً متداخلةً ومتساكنة، من أهمها: المذهب الدّولتيّ أو الدَّولاني، الدّولانية الملهوَتة، الإستبداد التسلّطي الهيمَني، قمع الحريات والشعوب، الحاكم الظالم، المتفرّد السَّيطري، الطاغية، الجبّار…

9 – لا يبدو أنّ الصفوانية تفصل بين العروبة والإسلام؛ لكن قد ينفع وإنْ لم يكن سديداً التمييزالقطعي  بينهما. فالعروبة حليفةٌ وسندية للإسلام الحضاري،المسكوني والكينوني. والإسلام، الدين والتديّن وجهاز التعبّد  (شعائر، طقوس، مناسك، سلوكات، تاريخ…)، ليس عدوَّ التقدّمِ والمعاصَرَة، أو المجتمعِ والفكر. كان جورج زيناتي، للشاهد، أستاذاً في جامعة الكونغو، مراراً ذكر لنا في الندوة الزُّملائية، أنّ السكان الأفريقيين المسلمين كانوا يقبّلون يديْه، ويطلبون بَرَكته. وهذا، على الرغم من أنّه لم يُخفِ عنهم أنّه ليس مسلماً. وهم  لم يكونوا مهتمّين بدينه. فسيّان عندهم. كانوا يكتفون  بقوله إنّه عربي، ويعرف البلاد العربية والقرآن. وكانوا يقولون لأيّ عربي : أنتَ من سلالة النّبي، وأنتَ رئيسنا.

10 – هناك، في عالم الفلسفة الأخلاقية، وجهان متداخلان وتكامُليّان هما المذهب في الاصطبار وصِنْوه المذهبُ في الانصياع والطاعة  داخل الفكر الأخلاقي العربي التاريخي. ذاك أنّه يتلاقَى عند القاع، في غورانية الخطاب الأخلاقي القائمِ داخل الفكر والفلسفةِ والآدابية، المذهبُ المتمحوِر حول الصبر والتحمّل، أو الاصطبارِ والتجَمّل مع المذهب المتمحوِرِ المتمركِز حول المبدأ القاضي بأنّ الانصياعَ لأوامر السلطة السياسية – الدينية، قانونٌ عامّ وشامل، واجبٌ وأمْري، لا يُنازَع ولا يناقَش؛ وصعبُ الخضوعِ للرقابة أو المحاسبة أخلاقياً، أو اجتماعياً وسياسياً، أو إدارياً وقضائياً.الوجهان للمذهب الأخلاقي – السياسي الواحد، الصبرُ ثم الطاعة، متساكنان ومُتوأمان. إنّهما معاً : وجهٌ وقفا؛ وهما يتبادلان التعريف؛ والتعزيز… ويعملان سويةً وفي” كما واحديةٍ ” أو ” مَعْبعضيةٍ ” تُعرِّف وتعيِّن الحاكمَ من جهة؛ ثم يستغلّها هذا الأخير ويثمّرها لأغراضٍ شهيرة مشهودة في التاريخ، والحاضرِ المأساوي؛ من جهة أخرى.

11 – المذهب الإجتماعي السياسي في الطاعة والانصياع مذهبٌ هو، عند الجذور وفي اللاوعي الثقافي الأُمَّتِيِّ، ديني.  وهو، أصلاً، قابل لأن يُدرك ويعاد ضبطُه أو تسميته بحيث يُقدَّم ويَظهر بمثابة مذهبٍ في الأخلاق والسياسة والآدابية، وفي الواجبية والأمريات والوِعاظة، والمناقبيةِ واليَنْبغيات والمرايا (2).

12 – ماذا درسْنا، بصفتنا نفسانيين، في شخصية وسلوكات الفلاسفة؛ ابن سينا، كشاهد؟ وماذا تعقّبنا ونقّبنا مفتشين عن محجوباته، ومفسِّراتِ وعيه من خلال تحليلنا النفسي والألسني الإناسي لسيرته الذاتية، أو تاريخه الشخصي، وعالمه الفكري، أومجال شخصيته؟ هنا، في ميدان التحليل النفسي للفلاسفة والفلسفة، أكثرت إنتاجها المدرسة العربية الراهنة؛ ونَدر عمل صفوان ظناً منه، ربّما، أنّ ذاك عمل مبسَّط وعطوب.

13 – ما زال التعليم مشكلة أولى في الثقافات العربية الراهنة. مشكلة التعليم في مصر، وسائر الدول العربية الأخرى، مستعصية. تعرفها جيّداً، وتَعزف ذاك اللّحن، المقالاتُ “المجلّاتية ” و ” الجرائدية ” وحتى رجال السياسة البخسة. لا التعليم ولا الجامعات؛ ولا المستوى المدرسي، قابلٌ لأن يُعَدّ مقبولاً، أو متفاعلاً مع روح العصر، أو موقَّداً بالتكنولوجيا أو التقننةِ والعقلية المَعروفة في العالم المتقدِّم، والنظامِ السياسي المعولِم والمعولَم (را : المذاهب في التعليم والتربية، 11 جزءاً).

تأجيل النظر الفلسفي ليس فضيلة عند المحلِّل النفسي ولا عند الفيلسوف والعالِم الإجتماعي

1 – يصرّح صفوان، في مناسباتٍ غير قليلةٍ ولا  كثيرة، أنّه كان ينوي التخصص في الفلسفة التي، كرر التعبير عن إنجذابه نحوها، وانجذابها إليه…. وكتب صفوان أيضاً في ميادين فلسفية صِرفة.  وهو، في هذه الأمور، يفتخر أو يعتز بها… لم يُخفِ مشاعره تجاه الفلسفة؛ وكان كلّ ذلك على عكس ما هو خاصٌّ بفرويد الذي أخفى تقديره للفلسفة، وزعم أنه ربما فعل ذلك بسبب أنّه أراد أن يُظهِر أنّه علمي صرف ، ومعادٍ للدين، أي ملحد وتجريبي. وكذلك، فقد  قال فرويد إنّه لم يأخذ عن نيتشيه والفكر الهندي. وبحسب المدرسة العربية، والمصرية ضمناً،  في التحليل النفسي، نلحظُ التواءةً ثالثةً عند فرويد. فهذا، فرويد، في أشياء أخرى يُخفي أيضاً مصادره ومفضَّلاته، وأغواره أو طفولته وتجاربها ” المنسية ” الكبيرة والكثيرة (را : النقد الخجول الخاطف عند صفوان تجاه فرويد).

2 – يتجاهل صفوان أو يُغفل الإشادة بل وحتى مجرد الإشارة (أحياناً غير قليلة) إلى زارعين وأصدقاء  كبار في حقول النفسانيات والتحليل النفسي والفلسفةِ والفكر؛ من أولئك ” الجماعة” أنا أختار سامي علي، حسين عبد القادر، عبد الله عسكر، أحمد فايق… هنا عادةٌ عند بعضِ الكبار مفادها رفضُ الإشارة إلى المغمورين، والأعداء المشهورين.

3 –  قد يصدُق ما قالته المدرسة العربية في النفسانيات والفلسفات تحت عنوان “ المذهب الإنسانوي في فكرنا التأسيسي وفي القطاع الفلسفي الراهن ” : ” نحن إنْ رفضنا فكريات عبد الرحمن بدوي، مثلاً، المعادية للعلم والعقلانية، فلكيّ نستدلّ على الطريق. لم تكن فلسفة بدوي الطريق،  لكنّها كانت ضروريةً للإرشاد إلى ما تكون الطريق، وإلى ما يجب أن نكون ونرى ونفعل. نظريتُه علّمتنا، وأرشدتنا إلى نقائصها. فمعظم نقائص ما قالته الوجودانية العربية هو المتبقّي، والمنعِش؛ وسقطاتها نوّرتنا ”  ( جريدة الحياة، بيروت، السبت، 29 تموز (يوليو )، 2017). في عبارةٍ أوضح، هل الفيلسوف ع. – ر. بدوي يوضع في كفةٍ توازي ما قدّمه مصطفى زيور ومصطفى صفوان وعلي زيعور في كفةٍ أخرى هي التحليل النفسي. إنّه شبه سؤال. وشبه سؤالٍ آخر هو هل البَطَلان، صفوان وبدوي، قامتان متوازيتان؟

4 – درسْنا عقدة الهجران والمتروكية عند ” الناقد ” للعقل العربي، أو عند المبخِّس لذلك العقل.  وحلَّلنا هرب الماركسي ” الخائب الأمل ” إلى أخصام الماركسية المعروفين، أي إلى الذين كانوا أعداءً للمادية التاريخية، وللفلسفات الوَعْيوية أو نظرياتِ الحضور والذات (را: رفض الماركسية عند الفيلسوف والمحلّل النفسي في الفكر العربي الراهن)… وصفوان داخل المدرسة الراهنة في الفلسفة، عانى من إفلاسٍ ريثماوي وقع على ” أبطاله ” وينابيعه.

5 – المتخيَّل استمرار للعقل أو بديل، وإكمالٌ له أو حلولٌ محلّه حين عجزه عن تقديم الأجوبة على مسائل الوجود، وألغازِ الحياة أو مغزاها وفحواها، بدايتها ومصيرها، غورانيتها وتضاريسها. هذا المتخيَّل بخَّسَه، على غرار ما فعلوا بالعقل، صفوان وزملاء صفوان.

6 – الدعوة إلى المحلّل النفسي، والنفساني بعامة، التي تبقى قائمةً أو حاضرةً ماثلةً، تكمن وتَتَمَظهَر في الإلحاح على ضرورة ومعنى الإهتمام بالصغائر والهنات، الشِّيات والتفصيلة والجُزَيأة كما الجزئية. هنا نشير إلى أنّ المدرسة العربية الراهنة قد أدخلت إلى تاريخ النفسانيات والفلسفة ” أعلاماً ” مغمورين ومنسيين، أو كانوا مطرودين وملحِدين…؛ وموضوعاتٍ أو حقولاً ومفاهيم كوّانة ومُربِحة، وذات مردوديةٍ وتأثيرٍ ادّخاري ملحوظ .

7 – النجومية، البطولية، ممثَّلةً بالروسي دوستويفسكي أو تشيخوف لا تقل حدّةً أو نوعاً (أو درجةً) عن البطولة ممثّلةً حاضرةً بنيتْشيه أو هايْدغر، مايكل أنجيلو أو دي لا كروا؛ عبد الرحمن بدوي أو عثمان أمين أو عبد العزيز الحبابي؛ أم كلثوم أو محمد عبد الوهاب؛ فُلان أو “عُلتان ” الهندي، أو الكوري، أو الصيني… كلُّهم أبطال، أسهموا في صُنع الفكر والحضارة أو الأنسَنة والحرية والعدالة.

VIII

1 – المتكافئة حلٌّ تسوَوي بين طَرفيّ الإرادة أو الرغبة؛ فذاك حلٌّ بين الرغبة في الشيء والرغبة عنه، بين القبول به ورفضه، بين الإفراط والتفريط، بين القيمتَيْن للعاطفة الواحدة، أو للإدراك الواحد، أو التجربةِ الواحدة… وذاك نفسه أيضاً حلٌّ  بين الحَتْمانية الناعمة والحتمانية الصلبة، بين الحب والكراهية، بين الموقفَيْن المتناقضَيْن من قضايا المرأة، أو طرَفَيّ فكرٍ وعاطفةٍ أو موقف. (را: الثُّناقيمة، العطاأخذية، الإدراك الملتبس المزدوج للشيء الواحد).

2 – كأنّ صفوان، في رفضه الحادّ للإسلام، وللدين في مناسبات كثيرة، ينزلق في مناسباتٍ أخرى إلى القبول ويعبّر عن الإعجاب بالتاريخ العربي وحضاراته، وبأبطاله ونجاحاته. إنّنا بحاجة إلى الثناء؛ حتى على البطل الفاشل؛ وذاك من أجل أن نحقق في الذات الإتزان. فالكراهية للمنفِّر الساقطِ يلزمها كي تبقى حاضرةً وفعّالةً مرافَقةُ  ومواكبةُ نقيضها، أي المحبة والتقدير، الاحترامَ للخائب والمودَّة وحتى الشكر نفسه. لكأنّ المودّة القليلة في علاقتنا مع الخائب (الفاسد، الضّال) ضرورةٌ من أجل أن نحافظ في شخصيتنا على احترام الانسان بصفته إنساناً ممثِّلاً للبشرية كافة.

ليس كشفُ صفوان لإعجابه بانتصارات الحضارة العربية الإسلامية هو كشفاً قد يعاد إلى قطاع الأفعال الناقصة (الفاشلة، الزَّللية). هنا، في الأنا الأعلى، ثنائية والتباس، ضغوطٌ شخصية ذاتية، غَرَضية وعَرَضية.

******

(1) نؤجِّل فقط، ولا ننكِر أو نرفض نجاحات كلٍّ من الأصدقاء الزملاء : حسين عبد القادر، عبد الله عسكر، محمد أحمد النابلسي؛ وبخاصةٍ مصطفى حجازي، عباس مكي، فيصل عبّاس…

(2) را : تصنيفنا للمذاهب الأخلاقية في تاريخ الفلسفة والفكر والتصوف داخل الحضارة العربية – الإسلامية.

******

(1) حُكْم القاضية النزيهة، رجاء بن سلامة، في قضية (دعوى) زيوار – صفوان – زيعور على الفلسفة. إنقفال التحليل النفسي على ذاته أو إنفتاحٌ على الفلسفة.

(2) را : صفوان – زيعور – عدنان حب الله. أيضاً : صفوان – حبّ الله – مصطفى حجازي.

(3) را : زيعور ومحمد أحمد النابلسي وحسين عبد القادر (وعبد الله عسكر).

(4) را : دور دار الإذاعة والجامعة في تأسّس علوم النفس والتحليل النفسي (إختبارات زيعور– شيخاني؛ الرائز اللفظي أو الرورْشاخ العربي عند زيعور – محمد أحمد النابلسي).

(5) عن الثالوث الإلحادي، را : صفوان ومحمد عبد الرحمن مرحبا. الإلحاد الفلسفي السلفي ثم الصوفي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This