مفهوم الإبداعيّة في اللّسانيّات التّوليديّة

المقدّمة:

اهتمّت الدّراسات اللّسانيّة التّقليديّة باللّغة باعتبارها وسيلة وأداة للتّعبير عن الموجودات الخارجيّة، وباعتبارها نظاما من العلامات اللّسانيّة الّذي يجري وفقَ قواعدَ مُعيّنة لا تخرق. هذا النّظام يتمّ اكتسابه عن طريق التّجربة (التّجربة الاجتماعيّة، أي من خلال الاحتكاك بمتكلّمي لغة معيّنة وإثر ذلك يحدث اكتساب اللّغة الّتي هي في الأصلِ لا توجد عند المتكلّم). هذا الأمر قد يحيلنا إلى المدرسة السّلوكيّة الّتي تذهب إلى أنّ الفرد يكتسب اللّغة من خلال مؤثّر ومستجيب وهو الأمر الّذي ينقده على سبيل المثال بياجيه (Piaget) الّذي يرى أنّ الدّماغ يحتوي على سمات ذهنيّة معيّنة هي الّتي تسمح للطّفل بتعلّم اللّغة وهو في ذلك يقسّمه إلى مراحل عمريّة مختلفة في عمليّة الاكتساب تلك. فعمليّة اكتساب اللّغة إذن تتمّ عبر مراحل معيّنة، هذا الاكتساب يكون حسب تشومسكي (Chomsky) اعتمادا على معطى أوّليّ قبليّ ألا وهو الملكة اللّغويّة الّتي لدى الإنسان، فلم يعد الحديث مع المدرسة التّحويلّة التّوليديّة (وفي الدّراسات العرفانيّة) عن عمليّة تجميع –إن صحّ التّعبير- لمجموع من الألفاظ الّتي هي خارج المتكلّم فـ”يلتقطها”، إنّما الإنسان مجهّز منذ ولادته بجهاز لغويّ هو الّذي يسمح له باكتساب اللّغة، “ويفترض تشومسكي وجود آليّة اكتساب لغويّ عند الطّفل بها يتمكّن من بناء نحو ذهنيّ يستخلصه من الأقوال الخليط بأن يهتدي إلى البنية الكامنة فيها جميعا ويستنبطها لتستوي في ما يسمّيه اللّغة المضمرة”[1]. فمن تشومسكي إذن أصبحنا نتحدّث عن اللّغة باعتبارها فطريّة من جهة أولى، ومن جهة أولى أصبح درس اللّغة يتمّ عبر اعتبار اللّغة عضوا طبيعيّا لدى الإنسان يوجد على مستوى الدّماغ. وقد كانت عديد العوامل مؤثّرة في فكر العالم الأمريكيّ، ولربّما من بينها الفكر الدّيكارتي (Descartes) الّذي تحدّث هو الآخر عن فطريّة اللّغة، وتأثّر بنحو بور روايال (Port Royal) الّذي حاول من خلاله تشومسكي الأخذ في محاولة لتأسيسه نحوا كلّيّا/كونيّا (ووجود نحويّ كلّيّ يحيلنا ضرورة إلى وجود أنحاء خاصّة)، وتأثّر بفلسفة هامبولدت (Humboldt) في علاقة بمفهوم الإبداع أو الخلق اللّغويّ. هذا إضافة إلى تأثّره بأستاذه زيليغ هاريس (Zellig Harris) ومدرسته التّوزيعيّة. وربّما لا يمكننا حصر مجموعة العلوم الّتي تأثّر بها تشومسكي في تنظيره للّسانيّات التّوليديّة في هذه المقدّمة حيثُ يحتاج الأمر ورقة بحثيّة كاملة، إلّا أنّه ولا ريب فقد تأثّر تشومسكي بعديد العلوم الأخرى مثل علم النّفس وعلم الحاسوب والتّكنولوجيا وعلم الأعصاب، وخصوصا اعتماده المنهج الغاليلي، وغيرها من العلوم الأخرى الّتي مثّلت قاعدة وأرضيّة حاول تشومسكي بالاستناد عليها إقامة نظريّته، الّتي تحاول القطع مع بعض النّظريّات اللّسانيّات السّابقة له أساسا المدرسة البنيويّة والمدرسة السّلوكيّة. فلا تُدرس اللّغة باعتبارها نظاما من العلامات فقط أو باعتبارها خاضعة لثنائيّة المؤثّر والمستجيب، وإنّما تُدرس في إطار عمليّة تفسير العمليّات الذّهنيّة الّتي تجري في ذهن المتكلّم/السّامع والّتي ترتبط باكتساب اللّغة وتعلّمها واستعمالها. إنّ عمليّة التّوليد الّتي يسعى إلى تفسيرها تشومسكي تتعلّق بقدرة المتكلّم على الإنتاج والفهم، وهو ما يحيلنا إلى مفهوم الإبداعيّة (Creativity) لديه، وفي هذه الورقات سوف نحاول البحث عن مصادر ظهور هذا المفهوم في اللّسانيّات التّوليديّة، ومن ثمّ سوف نحاول البحث عن هذا المفهوم في حدّ ذاته، مبرزين من خلال ذلك ترابطه بمجموعة أخرى من المفاهيم الّتي تشكّل شبكة مفهوميّة متكاملة في النّحو التّوليديّ. ولربّما حاولنا في بحثنا عن هذا المفهوم تتبّع كتاب تشومسكي Language and Mind والّذي يبرز فيه التّحوّلات الّتي طرأت على عمليّة دراسة اللّغة داخل الذّهن البشريّ والعلاقة بينهما في الماضي وكيف يراها هو ومحاولة إبراز بعض الجوانب المستقبليّة.

الإبداعيّة: بين الأخذ والنّقد

إنّ تشومسكي يعود في تحديده لمفهوم الإبداعيّة في اللّغة إلى مصادر شتّى، ولربّما كان أهمّ هذه المصادر هو الفيلسوف الفرنسي ديكارت. يذهب ديكارت إلى كون الإنسان يحمل سمات مختلفة عن الحيوان لربّما أهمّها هو العقل والّذي يعتبر أهمَّ خصائصه إنتاج اللّغة[2]. والعقل عند ديكارت مهمّ في عمليّة التّفكير المجرّد (الكوجيتو الدّيكارتيّ في نهاية المطاف ما هو إلّا تعبير مجرّد عن كينونة الإنسان)، فالعقل وسيلة تمكّن الفرد من التّصرّف في وضعيّات متعدّدة على عكس كائنات أخرى أساسا الحيوان. من خلال هذا يمكن القول مباشرة بارتباط اللّغة بالفكر وهو الأمر الّذي نجده تقريبا في الدّراسات اللّسانيّات الحديثة كلّها، فاللّغة هي انعكاس للفكر أو هي الفكر نفسه عند البعض، وإذا كان الفكر عند ديكارت هو غير متناه فإنّ استعمال اللّغة يكون كذلك حيثُ أنّه يعتبر أنّ الفكر أداة لاستعمال اللّغة، واللّغة أيضا لا يمكن تفسيرها بطريقة ميكانيكيّة حيث أنّ الفكر متجدّد وخلّاق. مجموع هذه العناصر الّذي يذهب إليها ديكارت عاد إليها تشومسكي في تحديده مفهوم الإبداعيّة اللّغويّة، فمن خلال ما سبق يتحدّث ديكارت عن المظهر الإبداعيّ للّغة والّذي يمكن ربطه بمفهوم الإنتاجيّة المتعلّق بمدخلات ومخرجات. وحسب تشومسكي فإنّ ديكارت يحدّث عن المظهر الإبداعيّ للاستخدام العاديّ للّغة.

ويذهب ناصر فرحان الحريّص إلى أنّ إرهاصات المظهر الإبداعيّ للّغة تعود إلى الطّبيب الإسبانيّ خوان هوارتاي (Juan Huarte)  “الّذي ميّز بين ثلاثة أنواع للذّكاء: (أ) ذكاء الحيوان، ذلك الذّكاء الطّبيعيّ الّذي هو في الأساس انعكاس وردّة فعل. (ب) الذّكاء البشريّ الّذي ينطوي على على الاستخدام العاديّ للّغة، ثمّ أخيرا (جـ) الذّكاء الّذي ينطوي على الخيال والإبداع الفنّيّ الّذي هو مسحة من الجنون في مصطلحات أفلاطون”[3]. من خلال هذا الاقتباس يمكن الذّهاب إلى أنّ اللّغة ضربان: الأوّل هو الاستخدام العاديّ أمّا الثّاني فهو الاستخدام الإبداعيّ، وفي الحقيقة وإن كان تشومسكي قد عاد إلى هذا حسب صاحب المقال، فإنّ ما يُسمّى بالاستخدام العاديّ للّغة هو الّذي ينضوي على الإبداعيّة، حيثُ أنّ الذّكاء الّذي ينطوي على الخيال والإبداع إنّما قد يتعلّق بما يوجد بالإبداع في الأدب عموما.

أمّا المصدر الأكبر الّذي قد يكون تشومسكي قد عاد إليه في تعريفه للإبداعيّة هو الفيلسوف الألمانيّ همبولدت الّذي تكون اللّغة عنده “بنية من الصّيغ والمفاهيم المرتكزة على نظام من القواعد الّتي تحكم العلاقات المتبادلة فيما بينها وتحكم انسجامها وتنظيماتها، غير أنّ بوسع هذه المعطيات المحدودة أن تتضامّ لتخلق نتاجا لا ينضب”[4]. ويلخّص الحريّص فكرة هامبولدت حول إبداعيّة اللّغة في أمرين اثنين هما عمليّة إنتاج جمل غير نهائيّة انطلاقا من وسائل محدودة، والثّاني هو كون اللّغة الّتي يكتسبها المتكلّم المثاليّ هي نشاط إبداعيّ توليديّ فطريّ متجدّد. ولربّما تكون هذه النّظرة للفيلسوف الألمانيّ هي نفسها الّتي نجدها في تعريف تشومسكي للإبداعيّة، إلّا أنّ هذا الأخير لا ينحو المنحى الفلسفيّ المحض لهذا المفهوم إنّما هو إلى ذلك يربطه بالأرضيّة العصبيّة الّتي يقيم عليها نظريّته. ولربّما أيضا استقى تشومسكي مصطلح التّوليد من الفيلسوف الألمانيّ، والتّوليد يعني القدرة الّتي لدى الفرد المتمثّلة في إنتاج عدد لامتناه من الجمل وذلك باستخدام عدد متناه من القواعد.

إذن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ أغلب الأفكار حول مظهر الإبداع في اللّغة قد استلهمها تشومسكي من ميدان الفلسفة، وذلك في عمليّة الرّبط بين الفكر واللّغة، وهنا تجدر الإشارة إلى كون اشتغال تشومسكي على الفكر يندرج ضمن ثنائيّة الدّماغ (Brain)/ الذّهن (Mind) والمرتبطة بالجانب العصبيّ البيولوجيّ للإنسان عنده وليستْ مجرّد مقُولة مجرّدة، فإذا قلنا إنّ تشومسكي هو الممهّد للمدرسة العرفانيّة فسنسلّم بأنّه يذهب مذهبَ الفكر المجسدنِ، لا الثّنائيّة الفلسفيّة الكلاسيكيّة الّتي تقيم فصلا بين جزأين هما الرّوح والجسد. وبالتّالي فتشومسكي لم يقف عند حدود المفهوم المجرّد لمفهوم الإبداعيّة وإنّما حاول تركيزَهُ داخل الذّهن الإنسانيّ وذلك لاعتباره أنّ اللّغة فطريّة في الإنسان، وقد جمع هذه المعطيات وأدخلها مجال بحثه ألا وهو اللّسانيّات. إضافة إلى هذا فإنّ مفهوم الإبداعيّة عند تشومسكي كان نقدا لما أتت به المدرسة البنيويّة في عمليّة الوصف (فقط) للّغات الطّبيعيّة، وكعمليّة نقد للمدرسة السّلوكيّة الّتي تحصر فعل الفرد في ثنائيّة هي ثنائيّة التّأثير والاستجابة.

مفهوم الإبداعيّة عند تشومسكي:

بناء على ما سبق فإنّ الإبداعيّة (Creativity) تعني أنّ الفرد قادر على توليد مجموعة لانهائيّة من الجمل من خلال عدد محدود من القواعد. وربّما نجد الإشارة إلى ذلك في كتابة “اللّغة والذّهن”، حيث نجد من بين الأسئلة المركزيّة الّتي يطرحها: ما هي طبيعة معرفة المتكلّم بلغته، المعرفة الّتي تجعله قادرا على استعمال اللّغة بطريقة عاديّة وإبداعيّة؟[5]

هذا السّؤال سوف يحيلنا مباشرة إلى مجموعة من المفاهيم والإشكاليّات الّتي يمكن الخوض فيها. أمّا المفاهيم فتتمثّل في مفهومي التّكرار والإبداعيّة أساسا، والّتي نجد أنّ تشومسكي يربطها مباشرة بنقده للمدرسة السّلوكيّة، حيث لا يرى أنّ اللّغة قائمة على مثير ومستجيب (عامل خارجيّ) وإنّما هي تتولّد من القدرة الذّهنيّة العرفانيّة للفرد (عامل داخليّ)، وبالتّالي فهو يتحدّث عن عمليّة لاواعية يقوم به المتكلّم بلغة معيّنة. وإضافة إلى ذلك فإنّنا نجد أنّ تشومسكي هنا يقرن العاديّ بالطّبيعيّ، وبالتّالي فإنّ عمليّة الإبداع اللّغويّ هذه الحاصلة عند المتكلّم هي جزء من الطّبيعة وهو الأمر الّذي يحيل عليه في مناظرته الشّهيرة مع فوكو (Foucault) حيث يقول إنّ المتحدّث النّاضج اكتسب بطريقة ما مجموعة مذهلة متنوّعة من القدرات الّتي تمكّنه من قول ما يقصده ومن فهم ما يقوله النّاس، هذه القدرات تمكّنه من التّكلّم بأسلوب يمكن وصفه بأنّه إبداعيّ للغاية، ومجموعة القدرات تلك هي ما نسمّيه معرفة اللّغة. إذن الإبداعيّة وإن كانت تُطلق في هذه الحال كوصف للّغة إلّا أنّها ليست كذلك تماما، حيثُ أنّ الإبداعيّة تكون في قدرة المتكلّم على توليد عدد لانهائيّ من الجمل انطلاقا من مجموعة القواعد المحدودة الّتي لديه في لغته، فكلّ لغة لديها قواعدها، وفي هذه الحال فنحن نتحدّث عن البراميترات (Parameters) والّتي تتعلّق بالأنحاء الخاصّة في نظريّة تشومسكي التّوليديّة، وذلك في مقابل المبادئ (Principles) والّتي تكون متعلّقة بالنّحو الكلّيّ أو الكونيّ. هذا التّوليد من مجموعة محدودة من القواعد ناتج حسب تشومسكي من اللّاوعي، وليست مهمّة المتكلّم (المثاليّ) البحث عن كيفيّة استعمال وتوظيف المعرفة اللّغويّة، وإنّما تلك هي مهمّة العلماء. هذا الاستعمال يحيلنا إلى ثنائيّة معيّنة عند تشومسكي هي ثنائيّة القدرة/الإنجاز، وهو ما يمكن أن نجده ممثّلا في أمرين: المعرفة اللّغويّة (مستوى القدرة)، الصّوت والمعنى (مستوى الإنجاز). فالاستعمال اللّغويّ يتعلّق بمستوى الإنجاز إلّا أنّ هذا الأمر ليسَ هو الّذي يدرسه تشومسكي، بل هو يبحث عن القدرة الّتي تخوّل للفرد أن ينجز عددا لا متناه من الجمل باستعمال مجموعة محدودة من القواعد الّتي تسمح بتوليد عدد لا محدود من الجمل على مستوى الإنجاز. فالإبداعيّة قد تكون متعلّقة بمستوى الإنجاز في شكلها الظّاهريّ، إلّا أنّها إلى ذلك مرتبطة بمستوى القدرة باعتبار أنّ اللّغة أوّلا وقبل كلّ شيء هي منظومة ذهنيّة فطريّة، فعمليّة الإنتاج تتمّ بدرجة أولى في مستوى الذّهن، وثانيا فإنّ عمليّة التّوليد تشمل الإنتاج كما تشمل عمليّة الفهم، والفهم هو عمليّة إدراكيّة تمكّن المستمع من فهم مجموعة من الجمل الّتي توجّه إليه وإن كان يسمعها للمرّة الأولى. وإذا قلنا إنّ الإبداعيّة تكون على مستوى الإنجاز، فذلك لا يعني انحصارها في هذا المتسوى دون المستوى الثّاني، أي القدرة اللّغويّة. عمليّة إنتاج جمل لانهائيّة من خلال قاعدة واحدة قد تسمح لنا بالقول بأمرين: الأوّل هو أنّ عمليّة الإنتاج هذه ترتبط بالسّياقيّة، والثّاني هو أنّه للمستعمل القدرة على الإتيان بالمعنى المقصود من خلال عمليّة تعجيم المواضع الّتي توجد في القاعدة محاولا فكّ الالتباس، وبالتّالي فإنّ المستعمل قادر على إنتاج وفهم مجموعة لانهائيّة من الجمل وإن لم يكن قد سمعها أو استعملها من قبل، وذلك بناء على مجموعة قواعد اللّغة الّتي يتكلّم بها والمخزّنة في الذّهن، “إنّ النّحو بهذا المعنى، آليّة تتّصف بتكراريّة قواعده؛ أي بإمكانيّة توليد جمل من اللّغة تكون دائما جديدة. ويراد بتكراريّة القاعدة récursivité des règles استعمالها اللّامنتهي”[6]. ومجموعة القواعد الّتي يتمكّن منها المتكلّم تتعلّق أساسا بالصّورة الصّوتيّة والصّورة المنطقيّة، تتعلّق الأولى بالجانب الصّوتيّ الّذي يصدره المتكلّم والعلاقة الّتي تجمعه بالثّانية، أي الصّورة المنطقيّة، الّتي تقوم على المعنى الّذي يريد المتكلّم إيصاله، وتتحدّد العلاقة بين هذين الصّورتين من خلال المعجم والنّظام الحوسبيّ للنّحو. وتعني الصّورة المنطقيّة المعنى الّذي يحدّد التّراكيب النّحويّة والخصائص المنطقيّة الأساس لبنية الجملة في المستوى السّطحيّ، أمّا الصّورة الصّوتيّة فهي ليست بذات تأثير على الصّورة المنطقيّة، فهي تشتقّ من البنية الصّوتيّة عن طريق الصّرافة والصّواتة، وهما معا يخضعان إلى مبدأ عامّ هو مبدأ التّأويل التّامّ (Principle of full interpretation). و”يشكّل المستوى الصّواتيّ والمستوى المنطقيّ الوجاهة المشتركة interface بين البنية الشّكليّة والمكوّنات الأخرى للذّهن/الدّماغ الّتي تتفاعل مع الملكة اللّغويّة في مستوى الاستخدام والتّفكير والتّأويل والتّعبير”[7]. وهكذا يشكّل التّركيب جسرا بين الأصوات والمعاني. أمّا التّكرار فقد يكون على مستوى القواعد حيث أنّ المتكلّم المثاليّ ينتج مجموعة من الجمل حسب قاعدة هي القاعدة نفسها، وهنا يختلف مصطلح التّكرار بين تشومسكي والسّابقين له حيثُ أنّ من بين عوامل ظهور النّظريّة التّوليديّة هو نقده للمدرسة السّلوكيّة الّتي ترى أنّ الفرد يقوم بعمليّة تكرار للّغة وكأنّه يعيدها حسب سياقات مختلفة بطريقة ميكانيكيّة، حيثُ كلّ تأثير تكون له استجابة محدّدة، بينما الأمر ليسَ كذلك تماما حيثُ أنّ هذا الأمر يساوي الثّبات على عديد المستويات من بينها المعجم المستعمل والأساليب المستعملة وغيرها، فتشومسكي يرفض معاملة الإنسان كآلة.

إذن، تعريف تشومسكي للإبداعيّة اعتمادا على معرفة المتكلّم للغته يكون عبر أمرين: الأوّل هو القواعد المحدودة، الثّاني هو توليد جمل لا متناهية، “وهنا، يتّضح أنّ تشومسكي يرجع القدرة الإبداعيّة لمتكلّم اللّغة المثاليّ إلى تمكّنه من النّظام النّحويّ للغته”[8]، وبالتّالي فإنّ المظهر الإبداعيّ مرتبط أشدّ الارتباط بمستوى القدرة اللّغويّة. وهذا المظهر يتحقّق من خلال شرطين، أمّا الشّرط الأوّل فهو مفهوم النّحويّة (Grammaticality) ونقصد بذلك أن تكون الجملة سليمة من حيث القواعد التّركيبيّة للّغة المتكلَّم بها، وأمّا الشّرط الثّاني فهو مفهوم المقبوليّة (Acceptability) وهو مرتبط بالجانب الدّلاليّ أكثر منهُ بالجانب التّركيبيّ، حيثُ تكون الجملة مناسبة في هذا المستوى من حيث المعنى أساسا وليسَ حصرًا. ولربّما ارتبط الحدس (Intuition) بالشّرط الثّاني أكثر منه بالشّرط الأوّل حيثُ قد تكون الجملة مقبولة ولكنّها ليست على درجة كبيرة من النّحويّة (قد يكون الأمر متداولا أكثر على مستوى اللّهجات)، إلّا أنّ المتكلّم المثاليّ يمكنه أن يعرف إن كانت الجملة مقبولة أم لا ونحويّة أم لا من خلال حدسه لأنّه يتفاعل مع اللّغة بطريقة جُوّانيّة عرفانيّة، فالمتكلّم مستبطن (Introspection) لمجموع هذه القواعد النّحويّة الّتي تجعله مكتسبا للقدرة على إنجاز عدد لانهائيّ من الجمل.

الخاتمة:

تُعتبر اللّسانيّات التّوليديّة ثورة في علم اللّغة، ويُعتبر تشومسكي الأب الرّوحي الثّاني للّسانيّات بعد مؤسّسها الأوّل فيرديناند دي سوسير (De Saussure)، وقد حاول تشومسكي أن يعلي من الكفاية التّفسيريّة (Explanatory adequacy) لنظريّته وهو ما قام به على سبيل المثال من خلال مفهوم الإبداعيّة الّذي تطرّقنا إليه. ولا عَجَبَ أنّ تشومسكي قد عاد إلى مجموعة من الأفكار الفلسفيّة والعلميّة في محاولة منهُ البحثَ عن الجمع بينها وتوريد هذا المفهوم إلى اللّسانيّات. ولتقوية الكفاية التّفسيريّة لنظريّته عمد تشومسكي إلى استغلال مجموعة من العلوم الطّبيعيّة الأخرى مثل البيولوجيا وعلم الأعصاب والفيزياء وغيرها الّتي ساعدتهُ أيضا على “تأطير” مفهوم الإبداعيّة والبحث عن كيفيّة توليد المتكلّم المثاليّ للجمل في ذهنه، وفي حقيقة الأمر فإنّنا إن عدنا إلى مناظرته مع فوكو على سبيل المثال فإنّنا سوف نجد أنّه يعتبر هذا الأمر ما يشبه “اللّغز” إلّا أنّه يصنّفه ضمن الطّبيعة البشريّة. فاللّغة باعتبارها نظاما يتّصف بالكمال، وذلك بالنّظر إلى طبيعة الدّماغ والذّهن البشريّ، فإنّ مجموع ما يصدر منها يكون على تلك الشّاكلة.

ولقد حاولنا في هذه الورقات أن نبيّن مفهوم اللّسانيّ الأمريكيّ للإبداعيّة في اللّغة، محاولين من خلال ذلك إبراز وجود هذا المفهوم في شبكة اصطلاحيّة كاملة مرتبطة به مثل مفاهيم المقبوليّة والنّحويّة والتّكرار والحدس، وممّا لاحظناه هو ارتباط هذا كلّه بثنائيّة أكبر هي ثنائيّة القدرة والإنجاز، الّتي في مستوى ما يمكن ربطها بثنائيّة البنية العميقة والبنية السّطحيّة وإن كان تشومسكي في مرحلة ما “شبه” تخلّى عن البنية العميقة وعوّضها بالمعجم (يظهر ذلك خاصّة في البرنامج الأدنويّ The Minimalist Program, 1993). وقد حافظ تشومسكي في تعريفه على مجموعة من المبادئ الّتي يشتغل عليها مثل فطريّة اللّغة وكون المتكلّم المثاليّ ينتجها بطريقة لاواعيّة. ولربّما استطاع تشومسكي تقوية الكفاية التّفسيريّة لمظهر الإبداع في اللّغة خصوصا في المرحلة الأدنويّة.

******

[1] (الزّنّاد) الأزهر: نظريّات لسانيّة عَرفنيّة، الصّفحة 45.

[2] (Chomsky) Noam : Cartesian Linguistics, p59.

 [3] (الحريّص) ناصر فرحان: “المظهر الإبداعيّ للّغة: مقاربة أدنويّة-إدراكيّة”، مجلّة اللّسانيّات العربيّة، العدد السّادس، يناير 2018، الصّفحة 30.

[4] نفسه، الصّفحة 33.

[5]  )Chomsky) Naom ; Language and Mind, 2006, p91.

[6] (غلفان) مصطفى: اللّسانيّات التّوليديّة، الصّفحة 86.

 [7] نفسه، الصّفحة 311.

 [8] (الحريّص) ناصر فرحان: مرجع سابق، الصّفحة 36.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This