في السّياسة الاجتماعيّة: الجزء الثاني

المجالات والتّطبيق

إذا، يمكن تعريف السياسة الاجتماعية على أنها مجموعة من القرارات والممارسات التي تقوم بها الدولة من أجل ضمان الصحة والتعليم والسلامة والتغذية والإسكان والتوظيف لمواطنيها من أجل سعادتهم ورفاهيتهم. ويشار إلى السياسة الاجتماعية بمعاني: ضيقة وواسعة. فهي بالمعنى الضيق، تشير إلى الممارسات التي تهدف إلى حماية العمال والعمالة من رأس المال من ظروف العمل السيئة التي خلقتها الثورة الصناعية وبالتالي منع الصراعات الطبقية والفئوية في المجتمع والحفاظ على وجود المجتمع والدولة، حسب الرؤية اليسارية-الماركسية. وهي بالمعنى الأوسع، علم إنساني يهدف إلى ضمان العدالة الاجتماعية والرفاهية، والتي يتوازى نطاقها مع المشاكل الاجتماعية، لإضافة بُعد اجتماعي للاقتصاد والموازنات وضمان التوازن الاجتماعي من خلال ضمان تشكيل سياسات تصحيحية في أداء الاقتصاد.

يعتبر علم الاجتماع والسياسة الاجتماعية تخصصين أو مجالين من مجالات العلوم الاجتماعية مترابطين بشكل وثيق. حيث كانت التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الغرب والمشاكل الاجتماعية والأفكار والمؤسسات الجديدة الناجمة عن هذه التحولات فعالة في تأسيس كلى العلمين. فقد وُلد علم الاجتماع الحديث وتطور في المجتمعات الغربية في منتصف القرن التاسع عشر، وخاصة في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا – إذا ما اعتبرنا أن علم الاجتماع الحديث ولد على يد أوغست كونت ومن بعده إميل دوركهايم ولم نهمل أن عبد الرحمن بن خلدون هو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع في مقدمته الشهيرة، وانتشر إلى أمريكا الشمالية وتدريجيًا إلى العالم بأسره. فعلم الاجتماع كنظام علمي تم إنشاؤه قبل السياسة الاجتماعية؛ وهو مبحث في المجتمع، والمؤسسات التي يتكون منها، والطبقات والجماعات، ودرس المشاكل الأساسية للمجتمع في سياق اجتماعي؛ يحلل المجتمع، ويحدد مشاكله، ويركز على التغيرات والتحولات في المجتمع والمشاكل الاجتماعية التي تُسببها؛ ويضع المناهج والنظريات والمفاهيم ويطورها لشرح وحل العديد من المشاكل الاجتماعية. بينما تُعتبر السياسة الاجتماعية تخصصا نشأ وتطور بعد علم الاجتماع؛ كان يُنظر إلى السياسة الاجتماعية في البداية على أنها مجالٌ تطبيقي بدلا من كونه علمٌ اجتماعي أساسي. وقد استفاد هذا المجال من نتائج تخصصات كعلم الاجتماع والاقتصاد والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم السياسية في حل المشكلات الاجتماعية؛ وفي وقت لاحق، حصل على هوية علمية أكاديمية.

واليوم هناك ثلاث آراء مختلفة في المجالات الأكاديمية والسياسية حول العلاقة بين علم الاجتماع والسياسة الاجتماعية؛ حيث يذهب الرأي الأول إلى لزوم استخدام المعرفة الاجتماعية في مجال السياسة الاجتماعية لكونه ضروري ومفيد. ويجادل الرأي الثاني بأن علم الاجتماع (يجب أن يكون) علما اجتماعيا نقديا، وأنه لا يمكن إصلاح أو تحسين المجتمع بمعرفة علم الاجتماع، وأن المشكلات الاجتماعية لا يمكن حلها إلا من خلال التحولات الجذرية مثل الثورة؛ وعادة ما يدافع الماركسيون عن هذا الرأي. في حين يجادل الرأي الثالث بأن علم الاجتماع هو تخصص أكاديمي نظري وليس له علاقة بالممارسة، غالبًا ما يدافع “ما بعد الحداثيين” عن هذا الرأي.

ويعتبر أهم ممثل للرأي الأول هو “أنثوني غيدينز”. ووفقا لرأيه؛ يجب أن يكون علم الاجتماع فعالا في مجال السياسة الاجتماعية! فلعلم الاجتماع أربعة فوائد عملية. وهي: فهم المجتمع – فهم الاختلافات الثقافية وزيادة الوعي بها – تعريف الفرد بنفسه – التوظيف في سياسات الحكومة. والاتجاه العام للسياسيين الاجتماعيين في فهم العلاقة بين علم الاجتماع والسياسة الاجتماعية، هو اعتبار أن علم الاجتماع غير مُدرج في مجال البحث التطبيقي المجتمعي وحل المشاكل الاجتماعية، وبالتالي يعتبر علم الاجتماع مصدرا للتزويد بالمعلومات.

في المقابل تتكون السياسة الاجتماعية، من عدد من العناصر أو المكونات؛ هي: القانون (التشريعات)، المعلومات، التمويل، المؤسسات، التنفيذ، التقييم. يمكن شرحها بإيجاز على النحو التالي:

1- السياسة الاجتماعية مجال حديث يقوم على القانون والتشريع؛ ولا يتم أبدا تضمين الممارسات التي ليس لها أساس قانوني في السياسة الاجتماعية الحديثة؛ على سبيل المثال: إن تقديم المساعدة للفقراء على أساس التقاليد الاجتماعية موجود في الأعراف الاجتماعية! ومع ذلك، فإن السياسة الاجتماعية المعاصرة تعتبر هذه المشكلة واجب من واجبات الدولة الاجتماعية، حيث تعمل الدولة الاجتماعية وفقا للدستور والقوانين، وتطور حلولا مؤسساتية وفعالة للفقر وفق قانون مضبوط ومؤسسة شرعية، وليس عبر التبرعات والعطايا والهبات والمنح والأعمال الخيرية.

2- المعلومات عنصر قيم للغاية يُستخدم في عملية السياسة الاجتماعية؛ وفي هذا النطاق يتم استخدام نتائج أبحاث العديد من العلوم مثل علم الاجتماع والاقتصاد والقانون وعلم الإنسان وعلم النفس والجغرافيا والعلوم السياسية والإدارة العامة.

3- يغطي التمويل الأدوات والالتزامات والمصاريف المالية الأخرى؛ بدون التمويل يستحيل تنفيذ السياسات الاجتماعية.

4- تتم السياسة الاجتماعية ضمن إطار مؤسسي؛ كالأسرة والاقتصاد والتعليم والصحة والرياضة والفنون، إلخ. على سبيل المثال: يتم حل المشكلات التعليمية في إطار المؤسسة التعليمية؛ ومع ذلك، في بعض الحالات، قد تشارك أكثر من مؤسسة واحدة، كالأسرة والأندية الثقافية، وحتى القطاع الخاص ضمن اطار قانوني ما.

5- يمكن اعتبار التنفيذ بمثابة التحقيق والممارسة العملية للسياسة الاجتماعية. يتم تنظيم الأنشطة المخطط لها والمنظمة في عملية السياسة الاجتماعية؛ وبالتالي تكون السياسة الاجتماعية فكر وتطبيق.

6- يتعلق التقييم بقياس ونجاح السياسة الاجتماعية المطبقة؛ ويتم تقييم كل سياسة اجتماعية بشكل مؤكد، ويتم تحديد أين نجحت، وفي أي نقاط، ولماذا فشلت.

إذا، تحدث عملية السياسة الاجتماعية بشكل عام عند تقاطع محاور القانون والسياسة الاجتماعية والسياسة المؤسسية والتنفيذ. وعندما يتم تحليل وتقييم هذه العملية يتم اتباع بعض الخطوات. يمكننا التعبير عن هذا على النحو التالي:

1-  تحديد المشكلة.

2- جمع المعلومات حول المشكلة.

3-  تحديد أسباب المشكلة.

4-  تقييم السياسات الحالية، والبنية التحتية القانونية.

5-  تطوير السياسة أو السياسات.

6- المفاضلة بين السياسات وتحديد السياسة الأنسب.

7- فحص التكاليف والفوائد.

8- تحديد القوى أو العوامل التي تدعم وتعارض تنفيذ السياسة بمعنى تحليل السياق وتحديد كيفية التعامل مع المعارضين له والاستفادة إلى أقصى حد من الداعمين.

9- وضع استراتيجية (خطة التنفيذ).

10-  تطبيق الاستراتيجية.

11- تحليل النتائج والتقييم.

يمكن تعريف تحليل السياسة الاجتماعية على أنه تقييم عناصر وعملية السياسة الاجتماعية ككل، من خلال تحليلها ضمن إطار عمل المبادئ والمعايير الموضوعة لأجل إنشاء هذه السياسات والهدف منها؛ كما أن قياس نجاح السياسات الاجتماعية، يتم من خلال التقييم النقدي للممارسات ونتائجها؛ وهذا يتطلب تحليلا منهجيا:

ما هي المشكلة في السياسة الاجتماعية التي يتم التعامل معها؟ هل هي محددة بشكل جيد ومضبوطة؟ هل السياسات الحالية والبنية التحتية القانونية تقوم بدورها بشكل جيد وهل تم تقييمها بشكل كاف؟ ما هي التكلفة والمكاسب لتطوير سياسات جديدة وتنفيذها؟ ما هي الاستراتيجية المقترحة ومدتها وإطارها المنطقي؟.. إلخ.

يعتبر النهج والمصلحة العامة والحل الأنسب هم المبادئ الأساسية في تحليل السياسة الاجتماعية، فيجب أن تتسق السياسات مع الدستور والتشريعات والقوانين، والنقاط السابقة؛ بينما تكون المصالح الفئوية التي تنطوي على مجموعات صغيرة ضيقة غير متوافقة مع جوهر السياسة الاجتماعية، بل وأقرب إلى الفساد؛ بالمقابل فإن المواضع التي تتصدى السياسة الاجتماعية لها هي: البطالة – التوظيف – المسنين والعجزة – ذوي الاعاقات – التعليم – الصحة – الهجرة – عمل المرأة والمساواة – المجتمع المدني… وغيرها ومن ذلك تعتبر السياسة الاجتماعية هي دراسة متخصصة أجريت في إطار المبادئ والمعايير التي تحدد مشكلة اجتماعية ما وتجمع المعلومات عنها وتقيّم الواق والقوانين والاجراءات الحالية والممارسات وتضع خطتها للتطوير أو الإنشاء وتشرع بالتنفيذ ومن ثم تعود لتقييم ما قدمته من خلال التحليل المنهجي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This