البناء المنطقي للّغة

من ضيق التصورات الصورانية إلى سعةِ التركيبية

البناء المنطقي للعالم:

يقف التصور الذّي يستندُ على البنيات المكونة للغة ورصدِ أثرها تعاقبياً، من جهةِ الوظيفة (التركيبية، الدلالية، التداولية) وتحديد المعنى والسياق، أو التطور التاريخي من معجمٍ إلى معجم، معَ رصد الإيقاع الداخلي والخارجي للغة (البطيء أو السريع) الذّي قد يخضع لعملية التطور حسبَ احتكاك اللغة مع مستجدات كلّ حقبة تاريخية، أو حسب تقديم رؤية معينة، تجعلها في مواجهةِ مباشرة مع طموح معرفي ينظر إلى العالم بصورةٍ واضحة وصافية[1]، هو في الحقيقة استنادٌ يقوم بالأساس على رصدِ تحولاتِ الفكر عبرَ الأحقاب الزّمنية. آي الكشف عن علاقة الفكر باللغة واللغة بالفكر، ومدى تطور الفكر بحدّ ذاته، وما يشكلُ الإطار النظري لهذا العنصر هو انطلاقه من فحص مَدعى الوضعية المنطقية في القرن العشرين القائم على صورنة اللغة الطبيعية the formalization of the language، وفحص مرتكزاتها وكشفِ جملة تناقضاتها. بينما تعمل دعاوى أخرى على مبارزةِ هذهِ المسلمات انطلاقاً من الرفض التام لصورنة اللغة الطبيعية، ومن جهةٍ آخرى يؤثث لفضاءاتٍ فلسفية موسعة تُغاير الدّلالة المعهودة للفلسفة. ومن خلال هذهِ المقتضيات سيتمُ عرض المقام الموسع الذّي تتيحه اللغة الطبيعية والدلالات الفلسفية المتعددة، فماهي خصائص اللغة الصورية وماهي خصائص اللغة الطبيعية؟ وهل هناكَ خصائص مشتركة بين اللغة الطبيعية واللغة الصورية؟

إن الإعتقاد القائل بأنّ وظيفة اللغة تنحصر في بعدها الوصفي، هو اعتقاد يقر بداهة بخللٍ في الفهمِ حول طبيعة اللغة بالدرجة الأولى. وذلك ما دفع الوضعية المنطقية The Positivism Logical، إلى طرحِ رؤيةٍ علمية للعالم من أجل مواجهة الميتافيزيقا. حاول الوضعانيون أن يأسسوا للغة انطلاقاً من قواعد المنطق الصوري الحديث، الذّي يُخضع اللُّغة لقواعدِ التركيبِ السليمِ، فالعبارات التّي ليست سليمة التركيب –حسب التصور الوضعاني- لا يمكنُ أن يسند لها قيمة صدقية. وبالتّالي؛ فالعبارات الميتافيزيقية هي أشباه العبارات، ومكوناتها لا تحتوي على أي قيمة صدقية.

إنّ مشروع كارناب  Carnap بالخصوص قامَ على هذا المدعى، يتحدث قائلا في مقالهِ العلم والميتافيزيقا طبقا للتحليل المنطقي للغة: “لقد صار منَ الممكن الحصول على أجوبةٍ جديدةٍ وجد محددة/دقيقة، لقضايا الميتافيزيقا بفضلِ تطورِ المنطق الحديث”[2]، أي بفضل المنطق الرمزي القادر على ضبطِ العبارات السليمة تركيبياً من أشباهها، وعزلِ سقيمها من صحيحها، فالعبارات تبعاً لكارناب ثلاث:

  • عبارات تحليلية: تحصيلية لا تتضيف شيئا عن العالم.
  • عبارات تناقضية: هي نفي للعبارات للتحليلية، أي أنّها بالمحصلة لا تقول شيئاً.
  • عبارات تركيبية (تجريبية): يتوقف صدقها وكذبها على ما تقوله حولَ العالم الخارجي.

تظل العبارات الأولى والثانية في طائلة المعنى الفارغ أو كما يسميها كارناب بعبارات خالية منَ المعنى،  [3]enoncée     sans signification وهي ذات صيغة تركيبية غير سليمة، أما العبارات السليمة التركيب هي عبارات تركيبية (تجريبية) أي لها قيمة صدقية في العالم الخارجي[4]. ومن هنا يمكن إخضاع اللغة للمنطق الرمزي لأنها قابلة للخضوع لمقتضياته التركيبية، التّي تتجه بالأساس نحوَ العالم الخارجي دونَ الالتفات إلى المورفيمات morphisme المكونة للعبارة. وعبرَ هذا التصور يتمُ مجاوزة الميتافيزيقا وبناء لغة سليمة التركيب تبعاً لقواعد المنطق الصوري/الرمزي.

ينسى كارناب أنّه يختزل اللغة تبعاً لموقف أو طموح ابستمولوجي يقوم أساسا على نقضِ الميتافيزيقا. فهذا التعسف في فرضِ مقتضيات منطق ثنائي القيمة، كانت نتيجته فهم مختزل لطبيعة اللُّغة، فالبرنامج الإبستمولوجي للوضعية المنطقية يقومُ بالأساس على مجاوزة الميتافيزيقا واحلال معرفة علمية، بتخليص اللُّغة من العناصر المتسربة عبر أبنية معرفية أخرى كالأسطورة، الاستعارة، المجاز، الميتافيزيقا، … الخ. وعلى بناء المعرفة العلمية بناءً عقلياً/ تجريبياً صارماً. وإذ كانَ كارناب يعتقد أنّ الُّلغة الصورية التّي تقوم بالأساس على النسق الرياضي في بناء اللُّغة العلمية والمبنيةِ على خاصيةِ الصورية، فإنّ اللُّغة الطبيعة تقف أساساً على الالتباس والغموض بكثرة الإحالات، متجاوزةً افتراض كارناب القائم على تجريبية اللغة وحصرها في قيمتي   الصدق والكذب.

يطرح كارناب تصورهُ الوضعاني للعالم، في كتابهِ الأساس وباكورة نضجهِ المعرفي، البناء المنطقي للعالم (1928) في مقدمة الطبعة الثانية مايلي: “تتعلق المسألة الرئيسة بإمكانية إعادة بناء عقلي لمفاهيم كل مجالات المعرفة باعتماد المفاهيم التي تحيل على المعطى المباشر تعني هنا إعادة البناء العقلي البحث عن معارف جديدة للمفاهيم القديمة. فهذهِ الأخيرة لم تصدر عادة من طرق صياغة إرادية، بل عن تطور تلقائي ولا واعي قد يزيد أو ينقص. يجب أن تفوقَ التعاريف الجديدة تلكَ القديمة، من حيث الوضوح والدّقة، وفوق هذا وذاك يجب أن تتلاءم مع بنية نسقية من المفاهيم”[5]. هذه النسقية التي يتحدث عنها كارناب، تتجلى في بناء شروط موضوعية للعبارات (القضايا، المفاهيم، الأشياء) العلمية وذلك كشرط لصحة القضايا.

يقف هذا المعيار الذّي يضعه كارناب، معياراً للتحقق من صدقِ القضية أساساً على النزعة التجريبية التّي تعطي الأولوية للمعطيات المباشرة. بل ويُعد المنهج الأنسب لحيادية الذاتية ازاءَ اللُّغة، لأنّ اللُّغة الصورية بحسبِ المنطق الرمزي لا تدعُ أي مجالٍ للتأويل أو التأويل الميتافيزيقي للغة، فالعبارات/ المفاهيم الميتافيزيقية من قبيل: “المبدئ (التي تحيل على معنى الكينونة) وليست ذات مبادئ المعرفة أو المعرفة الرياضية/الأكسيومتية. فكل الميتافيزيقيين عند سؤالهم عن ماهو المبدأ الأعلى في العالم، أو ماهو مبدئ الأشياء، أو الوجود أو الكائن، فعادة ما يقومون بالإجابة عن هذهِ الأسئلة بكونها تحيل [عندهم] إلى: الماء كمبدأ أو أصل للعالم، أو العدد أو الصورة، أو الحركة، أو الحياة، أو الروح، أو الفكرة، أو اللاّوعي، أو الفعل، أو الخير، … الخ. كل هذه المفاهيم من أجل ايجاد معنى مناسب لعبارة المبدأ/ Principe. حول هذا السؤال الميتافيزيقي، نسأل الميتافيزيقيين أيضا تحتَ أي شكل يمكن أن نصنفَ هذهِ العبارة (كاذبة/صادقة)؟ وبعبارة آخرى ماهي المؤشرات التّي يمكننا بوساطتها تمييز أو تعريف عبارة المبدأ/ Principe؟ يأتينا جواب الميتافيزيقيين كالتالي: “أ “هو مبدأ “ب”،  وبالتاّلي؛ فإنه يعني ” ب” هو مطلق “أ”، أو شيء يقارب هذا المعنى، لكن هذه الكلمات غامضة وغير محددة”[6].

لا يقف كارناب على المعنى الدقيق الذي يمكن بوساطتهِ أن نحدد به معنى العبارة واحالتها إلى نظامٍ واحدٍ (العبارة التركيبية)، إلاّ أنه يقوم برمي العبارات التي تنتمي للحقل الميتافيزيقي بكونها عبارات غامضة ومبهمة. فأن نقيم شروطَ عبارة قابلة للاستنباط والاختبار، لا يعني أنّ قيمتها الصدقية تقتصر على المعطى المباشر، وكل محاولة لربطِ العبارات بالمعطيات الرّمزية للمنطق الصوري، هو إقصاءٌ للسياقات والظروف التاريخية والملابسات الثقافية لهذهِ المفاهيم. بيدَ إن أرادنا تخليص اللغة منَ التسريبات المجازية والاستعارية في نظرِ كارناب في اللغات الطبيعية علينا أن نتحقق منها فقط من كونها عدم متجانسة أي أنها “متوالية منَ الكلمات تشكل عبارة دالة أم لا”[7]. هذا من جملة ما أسست عليه حلقة فيينا Vienna Cercle بحضور كارناب، وماخ، وموريس شليك، وباقي المتعاطفين. إذ انبنى البيان (بيان حلقة فيينا أو ما يسمى بالمطبوعِ الأصفر)، في تأسيس نظرتهِ العلمية للعالم انطلاقاً من قضيتينِ، وهما في الحقيقة عبارة عن إدانة نظرية للغة الطبيعية والمتمثلة في مايلي:

  • يأتي خطأ الميتافيزيقا من كونها تعتمد بالأساس على اللّغة الطبيعية، وعدم الأخذ بجدية الإنجازات المنطقية للفكر.
  • يتملص الفكر من الإحالة التجريبية، والاعتماد على معطياته الذاتية.

في نظرِ حلقة فيينا Vienna Cercle أنّ هاتين القضيتينِ هما السبب في عدم تطور الأنساق الفكرية، وإذا كانَ من ضرورة لحل هذا المشكل، فهو استبعاد الميتافيزيقا التي تسبب الغموض في المعنى، وإنشاء لغة علمية صارمة تتأسس على بنية المنطق الرمزي، يقول كارناب: “غالبا ما لا يدركُ هذا الالتباس (أي التباس اللغة الطبيعية) مما يخلق صعوبات فلسفية جمة؛ كما أنّه أخرّ وبشكلٍ ملحوظٍ، تقدم المجال الذي نحن في صددهِ الآن، أعني صياغة النسق المفهومي، وتعقدت هذه المهمة حتى الآن. لسنا معنيين هنا لا بالالتباس الصريح كما يرد في الكثير من الكلمات ولا [حتى] بالالتباسات الأكثر تعقيداً التي تَرد في عدةِ تعابير من الحياة اليومية، والعلم والفلسفة، كما هو حال كلمات مثل: التمثل، والقيمة والموضوعي، والفكرة … الخ. نحن واعون، في حياتنا اليومية، بالنوع الأول من الالتباس، في الوقتِ الذّي نهتم في الفلسفة بالنوعِ الثاني، وبالتالي؛ يمكننا على الأقل أن نتجنبَ الأخطاء الواضحة”[8].

تتحدد قيمة المعرفة الفلسفية لدى الوضعية المنطقية، انطلاقا من الابتعاد عن القضايا التقليدية للفلسفة –وبالتأكيد الميتافيزيقا- فوجهة نظر الوضعية المنطقية ترتكز على استعمال التحليل المنطقي للعبارات. أو بصيغة آخرى تقوم على الطبيعة الأولية للأقاويل البروتوكولية وعلى بساطتها ونقائها purity،[9]  فالأقاويل/ العبارات البروتوكولية عند كارناب هي قاعدة المنظومة الكاملة للعلوم، فالقول الخبري هو ما يسمح بتأسيس الوحدة الأساس للعبارة، وأي تجزيئ فيها فهو خارج عن وحدة العبارة، وهذا ما دعى كارناب إلى إقامة تصورهِ الأساس في كتابهِ البناء المنطقي للعالم (1928) على محو الفوارق بينَ المفاهيم والأشياء والمواضيع، واحالتها إلى بنية واقعية/تجريبية[10]، وهذا ما ترتبَ عنه من خلال الموقف الذّي يؤشر على كون اللغة في أساسها عبارة عن علاقة تعيين، أي أنّ المفاهيم والأشياء ليست إلاّ عبارة عن علاقة إشارية.

يطرح كارناب تصوره عما يسميه بالنسق البنائي في كتابه البناء المنطقي للعالم قائلاً: ” نعني بالنسق البنائي ترتيب المواضيع تدريجياً بحيث تكون مواضيع كل مستوى مبنية انطلاقاً من المستويات الأسفل منها. ونظرا إلى أن القابلية للاختزال تتصف بالتعدي، فإنّ كل مواضيع النسق البنائي مبنية بشكل غير مباشر من مواضيع المستوى الأول. تشكل هذه المواضيع الأساسية أساس النسق”[11]. يشير هنا إلى النسق البنائي الذّي يقوم أساسا على قابلية/ معيار التحقق verification للمفاهيم وتحويلها إلى عبارات ومواضيع متعددة، إذ يتم تحويل العبارات إلى لغة الدوال القضوية يقول: ” إذا كانت “ب” قابلة للاختزال إلى “ج” و “ج” إلى “د”، فإن “ب” قابلة للإختزال إلى “د”. ومن ثم فإن القابلية للتحقق علاقة متعدية”[12]. هذهِ القضايا المعبر عنها رمزياً هي مَن تمكن من تحقيق مبدأ القابلية للاختزال الذّي يعني التوجه نحو وحدةٍ في العلم. لذا ينتهج كارناب في مقالتهِ، العلم والميتافيزيقا طبقا للتحليل المنطقي للغة – الآنفة الذكر- إجراءات وعمليات رمزية من أجلِ البرهنة على وحدةِ العلم من جهة، ومن جهةٍ آخرى في بيانِ لغة العلم التّي يجب أن تسلمَ من شبه العبارات ذات التصور الميتافيزيقي. يضرب كارناب مثال هيغل القائل: “الوجود الخالص والعدم الخالص، هما سيانِ لا يختلفانِ في شيء”. ويتخذه كنموذج واضح على كل تصور ميتافيزيقي، الذي سقط في المغالطات المنطقية – والسبب أن العبارة ليس لها سند تجريبي-وعليه سيتم تحديد كل تصور ميتافيزيقي والتموقع منه.[13]

يتخذ كارناب مثالا عن الأغاليط المنطقية التي تسقط فيها التصورات الميتافيزيقية – حسب ما يدعي- والأمر هنا يتعلق بمقولة ديكارت الشهيرة” أنا أفكر إذن أنا موجود Cogito ergo sum /”، إذ يرى أنّ هذه العبارة غير كافية لإيضاح المعنى ولا لتفسير تلك الحالة الوجودية – في الحقيقة لا يعتبرها تترجم تصوراً وجودياً، بل عبارة عن نزعة نفسانية فقط- لذا في نظرهِ تحتوي على مغالطتين منطقيتين تبعا للتحليل الصوري للُّغة.

  • الأولى في كلمة “أنا” ففعل “الكون” “Etre” يحيل على معطى الوجود (وهو مفهوم ميتافيزيقي بالدرجة الأولى) وليس له أي إحالة (واقعية)، وتبعا لهذا فإننا لا نفهم شيئاً من “الأنا” الديكارتية. اذن؛ هذه العبارة (مقولة ديكارت) تحجب القاعدة المنطقية التي ذكرنها آنفاً (المسألة هنا متعلقة بالقواعد الرمزية)، اذ لا يمكن اثبات صحة هذه العبارة إلاّ بالإحالة وليس بعلةِ الاسم (موضوعٍ أو اسم علم)”[14]. بمعنى أن العبارة الديكارتية، لا تقول شيئاً عن الوجود بقدر ما تعبر عن أنا خالصة، وهي بذلك ليسَ لها أي إحالة تجريبية، تجعلنا ندرك حقيقة ما هو هذا الوجود، سوى موقف سيكولوجي ذاتي فقط.
  • أما المغالطة الثانية في مقولة ديكارت فهي: ” موجودة في العبارتين “أنا أفكر” و ” أنا موجود”. يتم تحويل هذه العبارة الى قضية رمزية (ك “ب”) ]المكونة أساسا من الحد ب، لنعلم الظروف التجريبية ل “ب”، أو نستنبط “ك” من “ب”] فنستنتج بالتالي؛ عبارة وجودية، ومن خلال هذا الاستنتاج الأخير، يمكننا أن نُنسّبَ (من النسبية) الوجود انطلاقا من الإحالة التجريبية “ك”، وليس نسبة إلى المقولة الديكارتية [الفارغة من أي محتوى تجريبي]”[15].

هذهِ المغالطتانِ المنطقيتان التي يلاحظها كارناب على الكوجيتو الديكارتي، يمكن أن تنسحب على أي مشروع ميتافيزيقي، فالميتافيزيقا في تصور كارناب عبارة عن قضايا ليس لها وجود مباشر، وبالتالي؛ فإنّه من الأدعى مجاوزتها بمعنى إخراجها من دائرة المعرفة، والسبيل في ذلك هو تحليل قضايا اللغة إلى تركيبية وتحليلية، وطبقا لهذا يجب إخضاع اللغة لهذا المقتضى وتحريرها من المفاهيم والكلمات التي تحيل على فعل الكون والوجود،  لأنها عبارة عن قضايا “غير مناسبة وخطيرة”[16].

من هذه المنطلقات التي يعقدها كارناب في تصوره العلمي عنِ اللغة الرمزية/ الصورية، والميتافيزيقا، نلخص تصوره الصوراني في النقاط الأتية:

  • اللغة الصورية هي القادرة على مجاوزة الميتافيزيقا.
  • باللغة الصورية نحدد طبيعة العبارة (صادقة/ كاذبة) عبر المنهج التحليلي.
  • صورنة اللغة هو باب الفلسفة الوحيد، كي تعبر عن مضامين العلم الفيزيائي.
  • من ضيق الصورانية إلى سعة التداولية

يقف التصور الوضعاني في منطقةٍ حرجة ومُحرجةٍ في آنٍ. ذلك أن التناول الوضعاني للغة وكذا موقفها من الميتافيزيقا خلّف ردوداً ومواقف نقدية تجاهَ هذهِ المدرسة وبالخصوص لفيلسوفها كارناب، صحيح أنّ مجموعة منَ الفلاسفة داخل هذه الحلقة اختلفوا مع كارناب مثل: أوطو نوراث Otto Neurath في مقالهِ  الأقاويل البروتوكولية[17]. لا يعتبر نوراث الأقاويل البروتوكولية عبارة عن تأسيس لغة صناعية/ مثالية، لأنّ الأقاويل البروتوكولية ليست دقيقة بما فيهِ الكفاية حتى لقاعدةٍ عامة للعلم. وقد تخلى كارناب نسبياً عن مجموعة من تصوراتهِ، خصوصاً في كتابه المعنى والضرورة Meaning and Necessity  (1947)، موضحاً فيه أن البنية المنطقية لا يمكنها بأي حالٍ منَ الأحوال مجاوزة الميتافيزيقا. لكن يبقى النسق العام الذّي أطر تصور حلقة فيينا، هو البنية المتماسكة التي انبنت عليها رؤيتها فيما تسميه بالرؤية العلمية للعالم.

يقف تصور كارناب حول بناء اللغة بناءً صورياً، صورته الأساس تستجمع في القيمة الصدقية للعبارة (الصدق/ الكذب)، بمعزلِ عن المعنى/ المضمون الذّي تحتويهِ العبارة، لكن كارناب لم يكشف عن سبل التوصل إلى الحكم عن المعنى بفسادهِ من عدمهِ، ذلكَ أننا لا ننطلق من حالة الصفر معرفيا ووجدانيا[18]. من جهةٍ آخرى ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بالفكر، بل تعتبر اللغة المحدد الأساس للفكر حسب اللّساني اميل بنفنست في كتابهِ القضايا العامة للّسانيات Problems de linguistique générale (1966). فحقيقة اللغة مرتبطة بالإستعمالات “اللاَّواعية في غالب الأحيان، ومهما بلغت عمليات الفكر من تجريد فإنها تلقى وجودها في اللغةِ ذاتها”[19]. اللغة اذن؛ هي المحدد الأساس لكل عملية فكرية، وكل محاولة للانتقال باللغة الطبيعية إلى اللغة الصورية أو العكس، هو في الحقيقة نفي للفكرِ بحدّ ذاتهِ، إن لم نقل نفي للذات الإنسانية التي تقف على شرطِ اللغة.

يدعي كارناب أنّ التحليل المنطقي، هو تحليل يتوخى الحياد إزاء الوقائع، فالذات منعزلة أمام الواقعة كي تسود وحدة في الرأي أمام الوقائع التجريبية، أو تتسرب التصورات/ المضامين الميتافيزيقية عبر اللُّغة، لكنه يغفل أنّ الذّات لا تنعزل بآي حالٍ منَ الأحوال عن وقائعها المدروسة. بل الذّات عينها لا تنحل عن جملة الاسقاطات والاعتبارات القبلية كاللغة، فكيف يمكن أن تسود هذه الوحدة أمام رمزية اللغة المطبوعة بالذاتية والتعدد؟ هل يمكن أن يكونَ المنطق الصوري أداةً ناجعة لتحليل مكونات العبارة ومحاربة الميتافيزيقا؟ وهل المنطق الصوري قادر على محاربة الميتافيزيقا المترسخة في الأبنية الثقافية والاجتماعية باعتبارها محايثةً لوجود الانسان؟ وعن حق يقول بناصر البعزاتي: “إن اختزال العلمية في المنطقية (الصورية) إفقار لمضامين البناء العلمي؛ هذا البناء الذي يغتني بدون توقف، عبر استيعاب مجالات تجريبية متجددة. بينما يقتصر المنطق الصوري على النظر في العلاقات بين القضايا، ولا يستطيع الولوج إلى بيان أثر المضامين في تحديد العلاقات بين العبارات العلمية. إذ يمكن انتقاد المسلمات الميتافزيقية للبناءات المفهومية، لكنه من غير المفيد ادعاء إلغاء كل شكل من أشكال حضور المضامين الميتافيزيقية في البناء العلمي ذاته”[20]. وإذا كان المنطق الصوري يبث في القضايا الخبرية، فإنّه بالضرورة يشكل نواةَ مجالهِ من أشكال صورية فقط، دون الالتفات إلى المقتضى الطبيعي في اللغة (بالأساس المعنى، الدلالة، الاستعارة، البناء النفسي-الاجتماعي). والمنطق الصوري لا يقيم وزناً لهذه الاعتبارات المكونة لحدّ اللّغة، وكما يرى بنفنست أن اللّغة الصورية التي تأسست عليها المقولات المنطقية (الأرسطية) تتضمن وحدات صغرى وعلى عدة مستويات تعطي للفكر وجوده وشكله[21]، أي أنّ المقولات المنطقية بحدّ ذاتها تتضمن ميتافيزيقا، تشكلها اللُّغة بالأساس، وليس المنطق الأرسطي كما اعتقد من ذي قبل. ثم هل من الضرورة أن يدخل المنطق في محاربة أبنية معرفية كالميتافيزيقا؟ أليس من الأجدر محاولة فهم سيرورة بنائها ومنطق اشتغالها؟ إذ ليس من الضروري أن تقف نداً للميتافيزيقا وتدعي تخليص اللُّغة من تسريباتها، وكما يقول بناصر البعزاتي: ” فقد تطور المنطق في حلقة وارسو، ما بينَ الحربين، وانتقد مناطقتها المذهبية الميتافيزيقية، لكن من غير أن يدّعوا إقصائها أو أن يدعوا إلى ذلك. بل إنّ من بينهم من حاول تطعيم الميتافيزيقا بالأداة المنطقية. وهذه قرينة على أن المنطق ليس بالضرورة ضد الميتافيزيقا؛ إذن، فالدعوة إلى إقصاء الميتافيزيقا لم تنبع من تطور المنطق المعاصر، بل من التصور الوضعاني الجديد”[22].

اعتباراً من هذا الوضع سعى فلاسفة اللُّغة الطبيعية، إلى بيانِ وجه القصورِ في اللغات الصورية، فالإستناد إلى قواعد المنطق الصوري والمتمثل بالأساس في مبدأ الثالث المرفوع (الصدق/الكذب)، لا يمكنه ضبط الخطاب الطبيعي المنفلت عن الصورنة formalization أو حصر الإمكانات والوظائف التّي تزخر بها اللُّغة الطبيعية. وإذ كانَ البرهان هو المنهج الأساس الذّي يُستند إليه لصورنة اللغة الطبيعية فإنّ الحجاج والخطابة بالتحديد هما المناهج التي تعتمدها اللغة الطبيعية في تصديها لمحاولة الصورنة، ذلك أنّ البرهان يقصي الذّات والسياق والمعنى والاحالة، بينما الحجاج يترك المجال واسعاً للاعتبارات الدلالية والتداولية بالأساس، ويسمح أيضا بالاعتبارات الذاتية (السيكولوجية/ السوسيولوجية).  هذه الاعتبارات التّي تميز بنية اللُّغة الطبيعة توفر لها أساليب وطرائق متنوعة ومتعددة للتحليل وللفهم والتأويل والتركيب، وهو ما يؤشر على طبيعة هذه اللُّغة في حدّ ذاتها التي تتسم بالغموض بدل الوضوح، بالباطن بدل الظاهر.

يتضح اذن، التمايز بينَ اللغة الصورية واللغة الطبيعية، وهو ما أكده جون أوستين John Austin حين حَاج ضد طبيعة اللُّغة الصورية التي تدعي الوقوف على الوصف في كتابه كيف ننجز الأشياء بالكلام؟ إذ ليست كل القضايا  الصادقة منها والكاذبة تدلُ على الوصف[23]. تخرج اللغة عن الوصفية كنطاق تتحرك فيهِ، وبالتالي؛ فإنّ اللُّغة من هذا الجانب تنزاح عن الوصف وعن الاخبار وعن الاثبات، وهي الملاحظة الأولى في هذا الباب. من جهةٍ آخرى انتبهَ أوستن إلى البعد الإنجازي في اللغة حينَ اعتبرَ أنّ النطق باللغة هو إنجازها وإنشاؤها[24]. فحينما نحيل على عبارة ما وننعت شيئاً معيناً فإنه يمثل واقع ذلك الشئ، فعبارة مثل: الثلج أبيض، فإنه ضرورة يحيل على مضمون العبارة وعلى وظيفتها المستعملة في الاخبار أيضاً، وهنا نثبت للغة فعلها أو إنجازها. فالمعنى المتوقف على عبارة ما يدل على فعلٍ معين، ومن هنا نفهم القصد التداولي الذّي يطرحه أوستين، الذّي يحدد المضمون (المحتوى) انطلاقاً منَ البعد الوظيفي في اللغة، ومن هذا الاعتبار يتحدد المعنى وليس من التصورات التركيبية التّي شاهدنها مع كارناب، حيث يختزل البعد الدلالي للغة في العملية الوصفية. اذن؛ يتبدى لنا أساس النزاع القائم هنا، وهو يتعلق تحديداً بالدّلالة، في محاولة الإمساك بها والاستحواذ عليها، لأنها تحدد طبيعة الفكر بالأساس وتؤثر في مساراتهِ التي ينبغي أن يسلكها.

بالعودةِ إلى أوستن فإنّ اللغة حينما تأخذ بعدها الإنجازي فإنها تنجز فعلاً ما بالقوة force. هذهِ القوة متضمنة من قبل في العبارة، التّي تؤدي هذه القوة وظيفة قصدية أو لنسميها قصدية تواصلية أثناء الكلام، فقوة كلمة أو عبارة ما، تحدث حينما نتلفظ بها، أو نكتبها بعبارة ما، تكون دلالتها في العمق قائمة على القصديةِ التواصلية التي تفسر هذه الوظيفة التمريرية.[25] اذن؛ ليسَ هناك أي سبب للحكم على لغة العلم كونها ذات معنى أو غير معنى، فنحن هنا نرى الأهمية التّي تعطى للغة بكونها ذات أبعاد ودلالات عدة. وعبر ذلك نجد أوستين يؤكد على أسبقية التداولية على علم الدّلالة كما يتصوره كارناب.

إنجاز الأفعال بالكلام هو فعلاً إنجاز لفعلٍ ما (التأثير في المخاطب على سبيل المثال)، وهذا ما يعطي للكلام بعده التأثيري أو ما يسميه أوستن بالأفعال التأثيرية Perlocutionary[26]، ولو شئنا تسمية هذهِ العملية التي تتم بلغة آخرى سنقول: أنها إشارية بالأساس أي تستهدف توسيع المعنى. بدل العبارة فالإشارة هي ذات طبيعة دلالية وتدوالية أوسع، وأمكننا أن نقول: الدّلالة هي جزء من التركيب والعكس، فلا يمكن فصل أحدهما عنِ الآخر وإلاّ لما تركبت لغة عن فكر ولا فكر عن لغة.

  • البناء المركب للعالم

إنّ فهم العالم لا يعني اختزاله وتبسيطه واحالتهِ إلى منظومة بسيطة تستجمع في صيغٍ رياضية واضحة (أو تبدو وكأنها كذلك). والأدهى من ذلك هوَ الانطلاق من اللغة الطبيعية ذات الحمولة الإنسانية، ومحاولة تفسير العالم بها انطلاقاً من لغة ذاتِ صيغَ رياضية – فيزيائية هي أقرب للعلمِ منه إلى الفلسفة. هذا الفكر الذّي يقوم على هذا النسق يهمل الفكر الإنساني بحدّ ذاتهِ، أو بلغة إدغار موران يهمل الفكر المركب[27]، الذي تجاوزَ الأنماط التقليدية للتفكير الموروثة منَ القرن التاسع عشر. والتّي وَرثت هذا الفصل بينَ الكونِ والعالمِ والأشياء، ومن ثم بينَ الإنسان ومحيطهِ، فأحالته إلى ثنائيات وجود وعدم، روح وجسد، عقل ولاعقل، الخ. وبناءً على هذهِ الثنائية في النظر جُزئتِ المعارف وفصلت بنايتها الإبستمولوجية[28]، فليسَ هناكَ علاقة –على حد الزعم- بينَ الفلسفةِ والأدب، وبين الاجتماعيات والمنطقيات وهكذا، بالرغمِ من هذا الادعاء المختزل والمبسط فإنّ الفكر بحدّ ذاتهِ هو نظيمة من التعقد والتداخل المعرفي. وإذا كان منطقنا في هذا النّص هو رصد تحول التصورات والتحولات في بنيةِ الفكر انطلاقا من الفهم المنطقي للغة، فإن ذلك فهم يقتضي الاندماج أو التداخل المعرفي لكشفِ هذهِ التصورات المعرفية للغةِ. يقول بنفنست: ” من دون شك أنّه ليس مصادفة أنّ الإبستمولوجيا الحديثة لا تؤسس لنظيمةٍ/ قاعدةٍ من المقولات. إذ يجب تصور الفكر كخصوبة أكثر من كونهِ إطاراً، ودينامية أكثر من كونهِ بنية. فمن الأكيدِ/المحققِ أن الفكر يخضع لتصورات المناهج العلمية، التفكير ينسجم مع أي لغةٍ كانت ليعبر بها عن وصفِ تجربتهِ”[29]. لذا حينما تختار أي لغةٍ الأداة المنهجية لتأويل أغراضها (رؤيتها للمفهوم، للعالم، للإنسان)، فإنّ هذهِ اللُّغة تعتمدُ على طرائقَ متداخلة ومتضافرة في العمق، كي تؤدي وظيفة التفسير والفهمِ للأشياء، ومن هنا تكمن تركيبية الفكر، أو الحاجة إلى فكرٍ مركبٍ Penséée compléxe، يوشجُ العلاقات ويكشف عن مبدأ التعقيد الذّي يلف العالم، أي الانتقال من البنيات الواحدية (البسيطة/المختزلة) إلى المنظومات المتعددة المتواشجة. وهو ما يعطي للفكرِ ديناميته وسيرورتهِ، سواءٌ في تفاعلهِ مع الظاهرة العينية باعتبارهَا حركة خارجية، أو معَ المعطيات الثابتة كالنّص باعتبارهِ حركة داخلية، وفي إطارِ هذينِ الحركتينِ يتفاعل الفكر وينفعلُ، ويبني سيرورته المنفتحة على المتشابك والمختلط والمركب، إنّها ومن دون شك طبيعة الفكرِ المتشابكِ.

وإذا كانَ من ضرورة لبيانِ هذا المدعى، فلا أدل من الممارسات التأويلية المعاصرة التّي تفدُ من مناهجَ وإشكاليات ومعارف متداخلة، لِتُكون جملة النّظر التأويلي الذّي تقاربهُ. وبالتّالي؛ فإنّ الفلسفة في سيرورتها المتعددة عرفت منعطفات عدة، من أهمها هذا التطور الخلاّق في بنيتها الإبستمولوجية، وعلى هذا المنوال توسعت الدّلالة الفلسفية وتعددت طرق المقاربة المنهاجية، وأضحى المفهوم الفلسفي قابلاً للتقليبِ والتّقلبِ أينما وقع، حسبَ المنهج واستناداً للمجال المعرفي. فمعَ الحفريات Archéologie، غذا المفهوم يعبر عن الممارسة الخطابية وبيان وجوه تشكل هذه البيانات المعرفية خارجياً. ومعَ الهيرمينوطيقا Herméneutique المعاصرة تعددت أوجه المقاربة النّصية، من محاولة لفهم طبيعة النصوص الدينية، إلى إخراجها عن هذا المقتضى المعرفي مع هايدغر وغادامير، إلى المنحى السردي الأدبي مع ريكور[30]. ومع التفكيكيات Déconstruction المعاصرة، نجده (الفكر) يحيل على التقويض والهدم، والنظر في كيفية تشكل الكتابة الفلسفية. كل هذهِ المناهج تبدي التنوع الذّي أضحت عليهِ الدّلالة الفلسفية من جهة، ومن جهةٍ ثانية تؤكد على قضيتينِ أساسيتين:

  • الأولى: اللغة الطبيعية لا يمكن تسييجها ولا اختزالها في دعاوى الصورنة.
  • الثانية: تتسم هذه الخطابيات[31] بأنطولوجية الضّيافة، فهي تتقابل أكثر مما تتنابذ.

وبناءً على المسلمة الثانية، فإنّ الخطابيات الفلسفية المعاصرة، تجسد تلكَ العملية المركبة التّي يتسمُ بها الفكر المركب/البنائي، ومن هنا نعثر على الغنى الدلالي للمفهوم وتعدد النّظر في فهمِ النّصِ والعالم. إذ بمقتضى هذا التصور فإنه لا شيء تام ولا كامل. وبالتالي؛ فالمفهوم بحدّ ذاتهِ غير تامٍ ولا كامل، لذا لا الفكر ولا اللغة مكتملانِ، وهو ما يجعل الفلسفة متشابكة مع باقي المعارف، وخصوصا الأدب والإنسانيات والاجتماعيات، نطراً لطبيعة التناول الإنساني الفسيح.

******

[1]  يقوم البرنامج الابستمولوجي للوضعية المنطقية، على نقاءِ اللغة وتخليصها من الميتافيزيقا والاستعارات، وقد استندت هذهِ الحلقة العلمية في برنامجها الابستمولوجي على تصورات فتجنشتاين، وكوتلوب فريجه، بيدَ أنه نوجد ملاحظة نسوقها هنا، وهي تتعلق بفتجنشتاين وتحولهِ، لذا قامت حلقة فيينا بتعضيدِ رؤيتها بناءً على الموقفِ السالف لدى فتجنشتاين، وقد كانّ هذا التحول في فلسفة فتجنشتاين، بدايةً لفشل المشروع الوضعاني.

[2] R. Carnap, la science et la Métaphysique devant l’analyse logique du langage, tr. De l’allemand par E. Vouillemin, Herman, (Paris, 1934) 155.

[3] Ibid, 161.

[4] Ibid, 156.

[5] رودولف كارناب، البناء المنطقي للعالم، ترجمة يوسف التيبيس، (المنظمة العربية للترجمة الطبعة الأولى 2010) 13.

[6] R, Carnap, Ibid, 160.

[7]  رودولف كارناب، المصدر السابق، 175.

[8]  المصدر نفسه، 175.

[9] R, Carnap, ibid, 173.

[10]  المصدر نفسه، 135.

[11]  المصدر نفسه، 109.

[12] المصدر نفسه، 108.

[13]R, Carnap, ibid, 169.  لل

[14] ibid, 170.

* ملاحظة: ما يوجد بينَ معقوفتين من عنديتي لتدقيق المعنى ولتناسبهِ معَ الترجمة.

[15] ibid, 170- 171.

[16] ibid, 170.

[17]  أنظر في مقاله العبارات البروتوكولية، أوطو نوراث في كتاب الباحثة أنطونيا سوليز بعنوان: حلقة فيينا” طروحاتٌ ورؤى”، بالفرنسية.

[18] تتشكل معارفنا منذ المراحل العمرية الأولى، لذا معارفنا هي نسيج، من التجارب، الوعي، الإدراك، منذ الطفولة المبكرة، ولا يمكن بأي حالٍ بعد أن تسربت إلى الذّهن مجموعة من التصورات والأبنية المختلفة طردها أو حتى مجاوزتها كما تدعي التصورات الوضعانية عامة.

[19] Emile Benveniste, Problème de Linguistique générale, (Paris- France, Gallimard 1966), 63.

[20]  البعزاتي، الاستدلال والبناء: بحث في الخصائص العقلية العلمية، (الدارالبيضاء- المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1999) 53.

[21] E, Benveniste, ibid, 65.

[22]  البعزاتي، مرجع سابق، 53- 54.

[23] جون أوستين، كيف ننجز الأشياء بالكلام، ترجمة عبد القادر قنيني، (الدارالبيضاء- دار إفريقيا الشرق، طبعة 1991) 15-14.

[24]المصدر نفسه،17.

[25] المصدر نفسه، 19.

[26] انتبه جون سيرل تلميذ أوستين، في كتابه “العقل واللغة والمجتمع: الفلسفة في العالم الواقعي”، الى التمييز الحاصل بينَ الأفعال التمريرية والأفعال التأثيرية، حيث الأولى تتسم بالقصدية بينما الثانية تكون فيها القصدية غير مباشرة، يقول: ” غير أنّ الأفعال التأثيرية لا يجب أن تؤدى قصدياً بالضرورة. قد تقنع شخصاً بشئ ما، أو تدفعه إلى فعلِ شيء ما، أو تزعجه، أو تحيره دونَ أن تقصدَ ذلك. وكون الأفعال التأثيرية قد تكون وقد لا تكون قصدية هي نتيجة مترتبة على كونِ الفعل التمريري هو وحدة المعنى في الاتصال”، 203.

[27] إدغار موران، مدخل الى الفكر، ترجمة: أحمد القصورا ومنير الحجوجي (الدارالبيضاء- الطبعة الأولى 2004).

[28] المرجع نفسه، 15. هناكَ سردية طويلة اختزلت العلم والفلسفة والانسان، في نظيمة مبتسرة تطورت عبر مراحل وقرون عديدة، اكتسبت فيها المعرفة هذا الفصل المميت للدينامية المعرفية بصفةٍ عامة، حيث يرصد ادغار موران في كتابه ” مدخل الى الفكر المركب” هذه السمة الاختزالية، يقول: إننا نحيا تحتَ سلطانِ مبادئ الفصل والاختزال والتجريد التي تشكل في مجموعها ما أسميهِ ب ” منظومة التبسيط “. صاغ ديكارت هذه المنظومة المسيطرة على الغرب عن طريق الفصل بين الذات المفكرة (ego-cogitons) والشئ الممدود (res-extensa) أي الفصل بين الفلسفة والعلم، وكذا عن كريق وضع الأفكار. الواضحة والمميزة، كمبدأ للحقيقة، أي فصل الفكر الفاصل نفسه. ولا شك أنّ هذهِ المنظومة التي تراقب مغامرة الفكر الغربي منذ القرن السابع عشر سمحت بحدوث تقدم كبير على صعيد المعرفة العلمية والفكر الفلسفي. ولم تبدأ مخلفاتها الضارة الأخيرة تنكشف الا في القرن العشرين.

وبسبب التقلصِ الى أبعدِ حد للتواصلات بينَ المعرفة العلمية والفكر الفلسفي، سيحرم مثل كهذا فصل العلم في النّهاية من كل إمكانية لمعرفة نفسهِ والتفكير فيها، بل وحتى من أن يتصور نفسه بطريقة علمية. أكثر من ذلك عزل مبدأ فصل الحقول الثلاثة الكبرى للمعرفة (الفيزياء، البيولوجيا، علم الانسان) بشكلٍ جذري عن بعضها البعض”.

[29] E, Benveniste, Ibid, 73. “sans doute n’est-il pas fortuit que l’épistémologie moderne n’essaie pas de constituer une table des catégories. Il est plus fructueux de concevoir l’esprit comme virtualité que comme cadre, comme dynamisme que comme structure. C’est un fait que, soumise aux exigences des méthodes scientifiques, la pensée adopte partout les mêmes démarches. En quelque langue qu’elle choisisse de décrire l’épérience.

[30]  لمزيدٍ منَ التوضيح حولَ هذا الانتقال انظر على سبيل المثال: كتاب جان غراندان ” المنعرج الهرمينوطيقي”.

[31]  نستفيد من د. طهَ عبد الرحمن، في تسميتهِ للمناهجِ بالخطابيات ويعلل ذلكَ في كتابهِ “فقه الفلسفة: الفلسفة والترجمة، (الدارالبيضاء، المركز الثقافي العربي، الجزء الأول، الطبعة الثالثة 2008)38. يقول:” نقصد “بالفلسفيات الخطابية” جملة الاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي اشتغلت بالنظر في الخطابات الإنسانية: الدينية والعلمية والفلسفية”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. W. Alansari

    ارحمونا ايها الكتاب..تعلموا اصول الكتابة اولا..
    عاودت قراءة الجملةالأولى (هي فقرة وليست جملة) عدة مرات علني اربط “يقف” بمتعلقه:

    يقف التصور الذّي يستندُ على البنيات المكونة للغة ورصدِ أثرها تعاقبياً، من جهةِ الوظيفة (التركيبية، الدلالية، التداولية) وتحديد المعنى والسياق، أو التطور التاريخي من معجمٍ إلى معجم، معَ رصد الإيقاع الداخلي والخارجي للغة (البطيء أو السريع) الذّي قد يخضع لعملية التطور حسبَ احتكاك اللغة مع مستجدات….

    جمل اعتراضية طويلة تنسيك ما بدات به…
    رحم الله والديك..لو كتبت هذا في المدرسة لطالبك المدرس بإعادة كتابتها..

أضف تعليق

Share This