تأمّلات نقديّة حول جون راولز

آلان تورين (Alain Touraine)[1]

إنّ إجراء تحليل عام للمجتمعات الحديثة كما تبدو عليه، أي كإفرازات للتغييرات التاريخية لمسار الابتكار والاستثمار، بالتالي تركيز الموارد والقوة بتجلياتها المادية، كلّ ذلك يحدّد الواقع العام القائم، ويشير إلى الاستنتاج الذي تؤكدّه إلى حدّ كبير الملاحظات التاريخية عن النمو الشامل في قدرة هذه المجتمعات على التصرف وفقًا لذاتها. هذا هو ما يبرر تسميتي المجتمع الذي ندخله بـ” فائق الحداثة”، عندما ينظر إليه العديد من الأيديولوجيين على أنه التعبير الابرز عن تحلل المجتمعات الحديثة في شكلها السابق. وينبغي اتمام هذا الاستنتاج العام بملاحظتين هامتين:

الملاحظة الأولى، وهي تعد راهنية، تعتبر أن الحداثة يمكن أن تؤدي إلى كوارث باعتبارها ثمرة التدخل البشري نفسه. ففي وقت مبكر، بعد الحرب العالمية الأولى، تمكن «بول فاليري» من القول إننا “حضارات” فانية. هذا الأمر نعرفه بشكل أفضل منذ اندلاع العنف النازي في أوروبا، وانتشار مشاريع الإبادة الجماعية، فكان أوّل مثال على ذلك قرار القوة التركية بالحرب مع الأرمن، بينما كان الأكثر ضخامة هو الخطة النازية لإبادة اليهود، وفئات أخرى من السكان مثل: الغجر والمثليين جنسياً. هذا فيما يتعلق بالحرب العالمية الثانية، لكن، ألا نشهد اليوم تدمير الشعب السوري الذي طرد نصف من وطنه؟ ثمّ من منا يجرؤ الآن على إنكار أننا لا نواجه أزمة مناخية لها عواقب وخيمة كما هو بيّن من اختفاء هائل للأنواع النباتية والحيوانية؟ إنّه لا أحد يستطيع أن يقول إنّ المجتمعات الأكثر حداثة هي التي ستنجح في نهاية المطاف في ضمان بقائها، حتى وإن كنّا ندرك تمامًا الإدراك بأنّ مستقبلنا يعتمد في المقام الأول على أنفسنا، وعلى قدرتنا في التصرف.

الملاحظة الثانية المهمة، هي أن تحليل المجتمعات الحديثة يجب أن يتجاوز الاعتبارات “الأخلاقية” التي تزعم إعطاء الأولوية للاندماج الاجتماعي على حساب القدرة والاستعداد للتغيير. لكن ماذا يعني هذا التعالي الضروري؟ يمكننا، بل يتوجب علينا، أن نؤكد إرادتنا لإنقاذ هذه المجتمعات بالرغم من ميلها إلى زيادة عدم المساواة والدعوة إلى العدالة من أجل تنفيذ نظام مقبول للجميع؛ وهذا نظام قائم على وعي الانتماء الذي يعارض أي شكل من أشكال الانتقاء الطبيعي للأقوى، والذي ادعى بعض مؤيدي “الداروينية الاجتماعية” إثباته خاصة في القرن التاسع عشر.

بعبارة أخرى، نستطيع تحقيق ذواتنا تمامًا بالمطالبة بـ “الحقوق الطبيعية” التي تحدّث عنها فلاسفة القانون الطبيعي، مثل «روسو» و«كانط»، ودون القول إنّه يلزم أن تسود المطالبة بهذه الحقوق ضرورة ميول نحو احتكار الموارد، وبالتالي أن لا تفضي إلى عدم المساواة.

لعلّ هذا هو السبب في كوني أفترض الصراع الاجتماعي كأحد الأبعاد الأساسية الثلاثة للحداثة. وهذا ما يجعلني في مواجهة مع الفكرة التي عبر عنها بقوة «جون راولز» بشأن الأولوية التي ينبغي إعطاؤها لتقليل التفاوتات الشديدة؛ وهي الفكرة التي منحها أهمية مركزية في نظريته.

وأنني لأعتقد أنّه من الضروري الابتعاد بشكل كلّي عن نهج «جون راولز» الذي اكتسب تأثيرًا بارزا اليوم في الفلسفة السياسية، باسم التحليلات التي أقدمها هنا ، والتي تستند إلى على فكرة أن أهمية الصراع في المجتمعات الحديثة تنبع مما تفترضه الحداثة في نفسها من تركيز القدرة على الاستثمار واتخاذ القرار والنظام. مع ذلك، فإنني لا أنكر الإسهام الذي أسهم به «جون راولز»، وأثّر به على الديمقراطيين الاجتماعيين الأوروبيين.

ويكمن الاختلاف الرئيسي بيني وبينه في هذا الأمر: في المقام الاوّل، يدافع الليبراليون، مثلما يفعل «راولز»، عن المصلحة العامة للمجتمع؛ بينما أنا أصرّ من جهتي أكثر على الحقوق الكونية لكل فرد. فهناك فرق حاسم في نظري بين المطالبة بحقوق الإنسان الأساسية، كما صاغها واضعو إعلانات حقوق الإنسان، وبين اعطاء الأولوية للمصلحة العامة ولبقاء المجتمع، على حساب عدم المساواة التي أدخلتها أو طورتها الحداثة في كل مرحلة من مراحلها.

والواقع أنّ في المنظور الثاني يكون للاندماج الاجتماعي أكبر فرصة للعمل لصالح ضمان هيمنة الأقوى على الأضعف، بحيث يتم جعله في خدمة المجموعات التي لديها أكبر قدرة على الاستثمار واتخاذ القرار. وهذا الامر لا ينتقص، بأي شكل من الأشكال، من أهمية الأفكار التي تسعى إلى إبراز أسس التطلع إلى الديمقراطية كما هو عليه الامر في ظلّ أفكار «راولز» وكلّ “الليبراليين السياسيين”.

ومهما يكن من أمر، فإنّ اعتراضي لا يزال قائما؛ إذ ليس الدفاع عن المجتمع هو ما يمكن أن يوازن بين القرارات والاحتكار الضروري للاستثمارات، وإنّما التأكيد الكوني لحقوق الإنسان (الذي أجد أساسه في الإبداع البشري والمجتمع الحديث، وليس في الدفاع عن المصلحة العامة) هو ما أرى فيه دفاعا عن الضعفاء عوض المسيطرين. لذا، سيظل نقدي محدودًا لأنني أدرك أن الدفاع عن الحق لا يمكن أن يكون على حساب الأغلبية، رغم أنّها الحقوق التي تُمارَس غالبًا لصالح النظام القائم، ولكن يجب التأكيد على حقّ كلّ فرد في المشاركة الفعّالة في مختلف وسائل وآثار إبداع الإنسان الحديث. ويبقى الشيء الأكثر أهمية هو الفصل الواضح والعملي بين المبادئ الأخلاقية التي يمكن أن تفسرها المجموعات المهيمنة بطريقة مواتية لمصالحها الخاصة وسيطرتها عليها.

باختصار، مع الاعتراف بالطابع الديمقراطي العميق للنظريات السياسية من مثل نظرية «جون راولز»، فإنّني أعتقد من الضروري تحديد المعارضة العميقة المتبقية بين هذا الموقف الأخلاقي للدفاع عن المصلحة العامة، وتأكيد الدور الإبداعي لـ «الصراع الاجتماعي» الذي أربطه بالاعتراف بالإبداع، وبالتالي بحقوق الإنسان في التاريخ الحديث، وذلك كما يتضح من تاريخ الحركات الديمقراطية في المجتمع الصناعي الأوروبي. لذا، فأيّ شيء يشير إلى أن هذه ستكون قضية مركزية في عالم الغد.

******

[1] – Alain Touraine, «Réflexion critique sur John Rawls», in : Défense de la modernité, éditions du Seuil, Paris, 2018, pp52 – 56.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This