منطق الفكر ومنطق الرّغبة[1]

لا مراء أن الجسد الذي نخال أننا فيه نعيش بكل براءة، جسد لاهوتي-ديني: فهو ليس فحسب مخترقا بخطابات هستيرية، بل مسكون بجرعات قاتلة من الخوف والرعب، القلق والكآبة، جراء ترسانة هائلة من الكليشيهات الإيمانية من قبيل: الخطيئة، الذنب، الحلال، الحرام. من ثمة فنحن في واقع الأمر معدومي الأجساد، أو لنقل بصراحة أننا كائنات روحية تحيا بلا بدن، وفي أحسن الأحوال، في صراع وخصام دائم مع أجسادنا. لكن هذا الخصام الذي استغرق قرونا طويلة، وما يزال، إن كان يعود إلى شيء، فإنما يعود إلى كون ثقافتنا ثقافة ناقمة، مضادة للرغبة، وما فتئت تنتصر في كل مرة لمبدإ الواقع بدل مبدأ اللذة. كيف لا، ونحن سواء في علاقتنا بالجنس الآخر، أو برغبتنا ومتعتنا، نتصرف كمتدينين، مؤمنين، بمن فينا حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم ملاحدة أولا أدريين أو غير مؤمنين؟ وعلى هذا الأساس، تغدو أزمتنا، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه، سواء أجهرنا به أم كتمناه، أزمة علاقة مع الجسد. بدهي إذن والحالة هاته، أن كل ثورة وتغيير، ننشدهما، لابد لهما أن يبدأ من هذا المنطلق، أي بنزع الصبغة اللاهوتية عن البدن والسعي إلى جعله يسترد بعده المادي، المفقود لأكثر من ألفي سنة. مما يفيد أيضا الكف عن التفكير في الجسد وفق منطق إثنيني، فصامي، وسبك قصص ميتولوجية بصدده، بحيث نظل دوما رهيني أزليات آدم وحواء، نتجرع رغما عنا، عواقب الأخطاء والكوارث التي اقترفاها بحسب الأساطير الدينية. سعينا إذن عبر هذا الكتاب، إن كان يتجلى في شيء فإنما يتجلى في الكشف عن آليات التنميط التي ما فتئت تطال الرغبة وتعوق مصالحتنا مع أجسادنا؛ مما يضطرنا إلى إعادة صياغة تصور بديل لذواتنا، وخط إبستيم متعوي مغاير، للإبستيمات السائدة. ربما ذلك ما يشفع لنا الخوض طيلة هذا العمل، في استشكالات  عديدة تراوحت ما بين  الدين والسياسة مرورا بالطب والبيوطيقا، كما العقلانية والإيمان، المثلية والأقليات، الكتابة والصيرورة…إلى غيرها. لقد كان هاجسنا الواحد والوحيد، هو كيف نبني المتعة؟ وهل من سياسة لفن الاستلذاذ؟ وأية وضعيات اجتماعية أو سياسية يلزمنا الانفلات من قبضتها حتى لا تضمحل كياناتنا ونلوذ بحياة سعيدة؟ إن بناء المتعة فن يستلزم المقاومة، أقصد التحلي بخصال القنفذ والتمكن من مبدأ حساب الملذات، ومعرفة اتخاذ المسافة الضرورية تجاه الفخاخ الاجتماعية والترسيمات القطيعية، مادام الوقوع فيها أمر يكاد يجهز على حميميتنا ويودي بنا في غياهب جحيم لا يطاق.

******                                       

[1]   حسن أوزال، منطق الفكر ومنطق الرغبة، دار إفريقيا الشرق، 2013.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This