التديّن في العالم المعاصر*

بقلم/ مصطفى ملكيان**

من المسائل التي يواجهها المفكّرون في عصرنا الحالي، خاصة في العالم الإسلامي، وبالذات في بلادنا (إيران) – بما في ذلك العاملين في الشأن الديني، ورجال الدين، والعديد من المثقفين الدينيين – هي كيفية جعل الدين قابلا للفهم بالنسبة للإنسان الحديث والمعاصر، وكيفية جعل الدين مقنعا إذا كان ذلك ممكنا. ففهم الدين والاقتناع برسالته يشكّلان قلقا للمفكر في الشأن الديني، فهو يعتقد بأنه لم يوفّق عمليا في إقناع الإنسان المعاصر بذلك، ويشاهد بأن خطابه لا يناسب ذائقة هذا الإنسان، لذا يحتاج إلى جهد جهيد ليحقق نتيجة في هذا الشأن.

في جميع الكتب والأبحاث والمقالات الصادرة عن مدارس الفكر الديني والتي نقلت تاريخ الدين، تُطرح العديد من الأسئلة المتعلّقة بالأسباب التي جعلت الإنسان المعاصر لا يتقبّل الخطاب الديني، أو بعبارة أدق، لا يفهم هذا الخطاب، ويمكن تلخيص ذلك في نقطتين: الأولى تتعلق بالمشكلات التي تقف في طريق إفهام الإنسان المعاصر بالخطاب الديني، والثانية تتعلق بإقناع الإنسان المعاصر برسالة الدين. لذلك، يجب على المفكّر في الشأن الديني أن يجيب على هذه الأسئلة: ما هو الدين الذي ينوي أن يُفهم ويُقنع به الإنسان المعاصر؟ أو بمعنى آخر، ما هو الخطاب الذي ينوي أن يجدّده ومن شأنه أن يعكس ماهيّة الدين؟ ثم، ما هو الخطاب الديني الذي من المفترض أن يكون مفهوما ومؤدّيا إلى الاقتناع برسالة الدين؟ وما هو الفرق بين الإنسان الحديث وبين الإنسان التقليدي أو الإنسان ما قبل الحديث؟ فمواقف المفكّر في الشأن الديني تجاه هذه المسائل يجب أن تكون واضحة.

في عالم المسيحية وخلال 1650 سنة الأخيرة تم تشكيل حوالي 35 مجلسا عالميا، وسعى رجال الدين المسيحيون خلال مشاركتهم في تلك المجالس إلى وضع قائمة تشتمل على مسائل يعتقدون بأنها تمثّل المسيحية. في الواقع، أوضحت القرارات والبيانات والنتائج الختامية لاجتماعات كل مجلس من تلك المجالس بأن الفرد المسيحي هو الذي يعتقد بالمسائل الموجودة في تلك القائمة ومن يلتزم نظريا وعمليّا بها. ورغم عدم إنكاري بوجود الكثير من النواقص في تلك المجالس، لكنها امتلكت مزيّة، وهي أنه إذا أراد شخص ما وفي أي مكان في العالم أن يعتبر نفسه مسيحيا، وبالذات مسيحيا كاثوليكيا، سيعرف ما الذي يجب أن يلتزم به. وعليه، أصبح الانتماء إلى المسيحية واضحا، وبات النقاش بين شخص مسيحي وآخر غير مسيحي جليا، أي تشكّلت للفرد المسيحي هوية واضحة وصريحة. المزيّة الأخرى هي أنه بما أن هذا الفرد المسيحي ملتزم نظريا وعمليا بالمسائل الموجودة في القائمة، فلن يستطيع أحد تكفيره أو إخراجه من الملّة المسيحية. ولأن هذا الفرد أحسّ بوجود أمان بانتمائه إلى دائرة المسيحية، فهو قادر على أن يعبّر عن رأيه في إطار هذه الدائرة. وإذا كان هناك مسيحي يتفق مع مسيحي آخر في نقطة بالعقيدة، هي مثلا النقطة “ن” من نقاط هذه المسائل، ويختلفان في نقاط عديدة أخرى، فأنهما سيبقيان مسيحيين. هذه الأمور قلّلت من هيمنة وتدخّل المفاهيم الإقصائية مثل التكفير.

في العالم الإسلامي، وللأسف، لم يكن هناك أي تأسيس لمجلس إسلامي عالمي. لهذا السبب، نجد انتشارا لقضايا التكفير ضد المفكّرين، بعدما افتقدوا أي إحساس بالحرية والأمان، فأصبحوا يمارسون رقابة ذاتية على أقلامهم، وباتوا غير قادرين على التعبير عمّا في ضمائرهم من آراء وعمّا في أذهانهم من أفكار. (من جانب آخر) إذا أراد مفكّر مسلم أن يعرض دينه – الذي هو الإسلام – على إنسان معاصر، لن يجد اتفاقا وإجماعا على أنّ ما يجب أن يعرضه هو الإسلام، بل الذي يعرضه قد لا يُعتبر من الإسلام عند آخرين. يقول البعض بأن التوحيد والنبوّة والمعاد يعتبر محل إجماع بين المسلمين، إلاّ أن هذا الإجماع هو إجماع من حيث الكم لا من حيث الكيف والشرح. فمن حيث الكم توجد عدة أصول في الإسلام مثل التوحيد والنبوّة والمعاد وأحيانا العدل والإمامة، لكن لا نستطيع أن نقول بأن تلك الأصول هي التي جعلت المسلمين مسلمين. توجد اختلافات عميقة بين المسلمين في تفسير كل أصل بحيث أن الشخص المنصف يحسّ بأن المسلمين يشتركون مع بعضهم البعض في تركيب العبارات والجُمل وفي قواعد اللغة. بمعنى أن هذا الاشتراك لا يمكن أن يصل إلى المسائل الذهنية. فجميع المسلمين يقولون بأن “الله واحد”، لكن لا يمكن الوصول إلى معنى واحد من هذه العبارة، ولا يمكن إنتاج الوحدانية منها.

استنادا إلى ذلك، فإن جميع من يقولون بأن “الله واحد” هُم في واقع الأمر لا يردّدون عبارة واحدة، بل يعبّرون عن تصورات مختلفة حول الله وحول الوحدانية. وهذا السيناريو ينطبق كذلك على النبوة وعلى المعاد. إنّ المشكلة تكمن في الآتي، أن المسلم حينما يقول بأنه يريد أن يعرض الدين على الإنسان الحديث المعاصر، ماذا يريد أن يعرض بالضبط؟ وما هو الموضوع الذي يريد أن يدافع عنه؟ وما هي المسائل والقضايا التي لا يقبل أن يتراجع عنها أيًّا كان الثمن؟ إن من نوجّه إليه حديثنا هنا هو الإنسان المعاصر، أي الإنسان الذي يختلف في أفكاره وعواطفه ومطالبه عن ذاك الذي كان يعيش قبل خمسمائة عام. الإنسان الحديث انتشر في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وكندا وأستراليا ثم بعد ذلك في مختلف بقاع العالم. فجميع من نوجّه إليهم حديثنا هم حداثيون، ومن لم يصبح حداثيا فهو في طريقه نحو الحداثة. ولكي نعرّف الدين للإنسان الحديث ونقنعه به، يجب قبل ذلك أن نعترف بوجود فروق بينه وبين الإنسان الذي عاش قبل ألف عام. بعبارة أوضح، نستطيع أن نقسّم الصفات التي تفصل الإنسان الحديث عن الإنسان التقليدي إلى قسمين: الصفات التي لا يمكن الاستغناء عنها، والصفات التي يمكن الاستغناء عنها. الأولى هي الموجودة عند الحداثي، أي طالما هو حداثي فلا يستطيع الاستغناء عنها. أَضربُ مثالا، فحينما نمعن النظر في السماء ليلًا فإن إدراكنا الحسي وتصوّراتنا حول ذلك لا تختلف عن إدراك وتصوّرات أباءنا وأجدادنا حينما كانوا ينظرون إلى السماء قبل مئات الأعوام. أي أن المعطيات الحسية التي من شأنها أن تؤثر على ما نملك من أعصاب بصرية، لا تختلف عن المعطيات الحسية التي من شأنها أن تؤثر على الأعصاب البصرية لأسلافنا. وبعبارة أخرى، فإن أثر ضوء النجوم والكواكب على أعيننا لا يختلف عن أثر ذلك على أعين أسلافنا. لكن أسلافنا كانوا ينظرون إلى السماء على أنها سقف ملئ بالأضواء، وهذا السقف هو الوحيد في العالم الذي لا تسنده الأعمدة. فأسلافنا حينما كانوا ينظرون إلى السماء كانوا يقولون لأبنائهم: انظروا إلى هذا السقف كم هو كبير، إذا أردنا أن نبني سقفا بمساحة 2×2 يجب قبل ذلك أن نبني أعمدة تسند السقف، لكن انظروا إلى السماء فهي سقف كبير دون أي أعمدة. أيضا كانوا يقولون: انظروا إلى النجوم والكواكب كيف هي ملتصقة بإحكام بالسماء، فحينما نعلق مصباحا ضوئيا في السقف فإن حبله يرتخي بعد فترة زمنية ويسقط المصباح على الأرض، لكن حبل هذه النجوم والكواكب لا يرتخي وضوءها لا يقلّ. في الواقع، هذه النظرة إلى السماء والنجوم والكواكب كانت هي السائدة.

ولننظر في الوقت الراهن إلى السماء ونتساءل: هل يمكن أن نشاهد سقفا لا يستند إلى أعمدة وتلتصق به الكثير من الأضواء التي لا تسقط على الأرض؟ يوضّح الظاهراتيون (phenomenologists) أنّ معطياتنا الحسيّة لا تختلف عن المعطيات الحسيّة لأسلافنا، لكن هذه المعطيات، وخلال فترة زمنية بسيطة جدا تقلّ عن المائة من الثانية، فُسّرت في أذهان أسلافنا على أنها سقف لا يستند إلى أعمدة وملئ بالأضواء الجميلة، لكنها لم تُفسّر على هذه الشاكلة في أذهاننا. إذًا نحن لا نملك خيارا آخر إلّا اللجوء إلى تفسيراتنا، كذلك أسلافنا فلم يكونوا يملكون خيارا آخر إلاّ اللجوء إلى تفسيراتهم. لذا هناك أذهان لا مفر إلا القبول بما تريد أن تُفسّر. في مكوّنات نظرة الإنسان الحديث، هناك البعض منها ممّا لا مفر إلاّ القبول بما تريد أن تفسّر، بمعنى أنه طالما بات الإنسان حديثا، لن يستطيع أن ينظر إلى الكون نظرة غير حديثة، ولا إلى الإنسان، سواء إلى نفسه أو إلى الآخرين، ولا إلى الله، ولا إلى الماضي، ولا إلى المستقبل، ولا إلى العالم، ولا إلى الآخرة، ولا إلى أي شيء آخر.

إذا كان من صفات المكوّنات أنه لا يمكن الاستغناء عنها، وسواء اعتبرها أحد المفكّرين الدينيين بأنها مكوّنات صحيحة أو اعتبرها غير صحية، واعتبرها حقّا أو اعتبرها باطلا، لا توجد أمامه حلول سوى أن يتوافق معها. في الواقع فإن عملية التوافق هذه تشبه أن يقول طبيب لمريضه بأنه لن يكتب له وصفة طبية دوائية وأن المريض لا يحتاج لأي نظام غذائي، لأنّ المرض بحاجة إلى دورة زمنية يجب أن تنقضي، وإذا لم تنقض فإن التقيّد بتنفيذ آلاف الوصفات الدوائية لن يساهم في علاج المريض وسيبقى على حاله. والآن لنفترض بأنه من وجهة نظر المفكّر الديني، أنّ بعض ملامح نظرة الإنسان الحديث هي من النوع المضطرب، أي هي مكوّنات لا يمكن الاستغناء عنها، حينها لا نستطيع أن نكون عدوانيين مع هذا الإنسان (الحديث) ولا يمكن أن نستخدم العنف معه ولا يمكن أن نجبره على ترك طريقه وطريقة تفكيره وهجر مواقفه، بل جلّ ما يستطيع المفكّر الديني أن يفعله هو أن يعتبره إنسانا مريضا، لكن لا يستطيع أن يصرف له دواء، إنما سيضطر للقبول بأنّ المرض بحاجة إلى دورة زمنية يجب أن تنقضي، وأنه لا يوجد طبيب قادر على معالجته.

لكن هناك مكوّنات تتّصف بإمكانية الاستغناء عنها، وعلى الرغم من أن هذه المكوّنات أصبحت جزءا من نظرة الإنسان الحديث، إلا أنه يمكن من خلال الاستدلال، والحوار، وتصحيح الآراء، وتعديل وجهات النظر، وتعزيز أو تقويض الحجج، أن نستغني عنها. على المفكّر الديني أن يميّز بين شيئين: الأول هو المكوّنات التي يمكن الاستغناء عنها وتكون جيدة ومرغوب فيها ويمكن الدفاع عنها، والثاني هو المكوّنات التي لا يمكن الاستغناء عنها لكنها من حيث الفكر الديني غير مرغوب فيها. فتلك التي يمكن الاستغناء عنها وفي نفس الوقت سيئة، على المفكّر الديني أن يستخدم الاستدلال والحوار لكي يستردّها من الإنسان الحديث. أي في واقع الأمر، وبتعبير قِيَمي، يجب إصلاح تفكير الإنسان المعاصر بهذه الطريقة. إذا تمّ ذلك، يستطيع المفكّر الديني أن يعرض خطابه الديني على الإنسان المعاصر وبالمعنى القابل للإصلاح وأن يدافع عن خطابه بل وأن يقنعه بذلك أيضا. ولكي يتم ذلك يجب توضيح أمر، وهو أنه توجد 3 معان في ثنايا كل دين قابلة للمراجعة. بعبارة أخرى، يجب أن نفكّك 3 مجالات عن بعضها البعض داخل كل دين ومذهب. بمعنى أننا حينما نتحدث عن الإسلام، قد يكون القصد من ذلك هو مجموعة النصوص المقدسة الدينية والمذهبية للمسلمين، فنسمي ذلك إسلام1. وقد يكون قصدنا هو الشرح والتفسير والبيان والتبيين تجاه إسلام1 خلال 1400 عام، ونسمي ذلك إسلام2، أي هو التراث الثقافي للمسلمين الذي تم جمعه خلال 14 قرنا، حيث نجد آثار ذلك عند الفقهاء وعلماء الأخلاق والمتكلمين والفلاسفة. وهناك إسلام3 الذي هو عبارة عن ممارسات المسلمين خلال 1400 عام والنتائج المترتبة على تلك الممارسات، أي الإسلام في مجال الممارسة. إذًا، لكي يستطيع المفكّر الديني أن يعرض خطابه الديني، وبالمعنى القابل للإصلاح، على الإنسان المعاصر، يجب أن تحدث تغييرات في إسلام2 وإسلام3، ولا يجب أن يحدث أي تغيير في إسلام1. لماذا؟ لأنه لا يمكن لأي دين أو مذهب أن يصرف النظر عن “نصّه المقدّس”، وحتى لو كان المتديّن بوذيا أو هندوسيا أو مسيحيا فلا يستطيع أن يفعل ذلك. بينما يجب أن تكون هناك تحولات في دين2 ودين3، وحدوث هذه التحولات ليس من أجل الحصول على مصلحة، بل من أجل تحقيق العدالة. فهذا العمل لا نمارسه لكي يتماشى الدين مع ذائقة الإنسان الحديث ولا من أجل الحصول على مصلحة معينة بل نمارسه بمقتضى البحث عن الحقيقة.

باعتقادي أن أول أمر يجب أن يعيه المفكرون الدينيون في العالم الإسلامي بل في العالم أجمع هو أن يعرّضوا النص الديني المقدّس لتدقيق تاريخي وأدبي، أن يمارسوا نقدا تاريخيا وأدبيا، من أجل الكشف عن مقدار الوثاقة التاريخية التي يحتوي عليها النص. فلا نستطيع القول بأن أي نص جاء إلينا بصورة مكتوبة هو نص مقدّس ويجب الدفاع عنه مهما كان ثمن ذلك. في البدء يجب التأكد من أنّ هل النص المكتوب هو خطاب شخص أو أشخاص مقدّسين لا يخضعون لأي سؤال، أو أننا لا نعتبرهم كذلك؟ ففي كل دين هناك شخص أو أشخاص يُعتبر خطابهم بالنسبة لأنصارهم خطاب لا جدال فيه ولا خلاف حوله، بل إن أي خلاف لن يتم حسمه إلاّ بالرجوع إلى الخطاب. غير أنّه، هل ذلك الذي يسمّى بالنص المقدّس هو في واقع الأمر خطاب ذاك الشخص أو هؤلاء الأشخاص؟ وهل هناك تحريف بالزيادة أو بالنقصان في هذا النص؟ أو حصل تدخُّل من أشخاص لتغيير النص أثناء تدوينه؟ كل تلك الأسئلة تحمّلنا مسئولية عرض النص الديني والمذهبي لمراجعة تاريخية وأدبية حقيقية وعادلة. ورغم المراجعات التي جرت في أوقات تاريخية سابقة، لكن لابد من مراجعة جديدة قائمة على منهجية بحث تاريخي حديث، خاصة منهجية البحث التي جاءت في زمن الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم (توفى في 1776) وصاعدا. لقد جرت في القرن الأخير مراجعات منهجية حديثة وجيدة في الديانتين اليهودية والمسيحية بشأن وثاقة نصوصهما الدينية والمذهبية، غير أنه لم يكن هناك عمل مماثل لذلك في العالم الإسلامي، أي لم تكن هناك مراجعات تاريخية أكاديمية موثوقا منها ويمكن الدفاع عنها. وإذا لم تُجر هذه المراجعات، سنكون في حيرة من أمرنا بشأن النص الذي يجب الدفاع عنه والنص الذي لا يمكن الدفاع عنه.

منذ زمن ديفيد هيوم وصاعدا، هناك جزئية في منهجية العلوم التاريخية أصبحت مسلّمة، تتمثّل في أنه لا يمكن الحديث بصورة قطعية ونهائية (certain) حول أي مسألة مرتبطة بالتاريخ. هذا الارتباط بالتاريخ يبدأ منذ ثانية مضت وحتى مئة مليون عام قبل. إذا التحق شيء بالتاريخ فإنه سيُعتبر من الماضي ولا نستطيع الحديث حوله بصورة نهائية. على هذا الأساس فإن الأمر الثاني الذي يجب الإشارة إليه، هو مساعدة الإنسان الحديث في مسألة تقليل اعتماده في دينه وفي مذهبه على الأحداث التاريخية الخاصة. وبتعبير الفيلسوف واللاهوتي الدنماركي سورين كِركيغور (توفي في 1855): “لا أستطيع أن أصدّق بأن الإله العادل الخيّر، يربط السعادة الأبدية للإنسان بقبوله لبعض الأحداث التاريخية التي لا يمكن تأكيد حدوثها بصورة قطعية”. مثلا، هل يمكن القول بأن الله ربط السعادة الأبدية للمسيحيين بقبولهم لثلاثة أحداث تاريخية هي: العشاء الأخير، وقصة آلام المسيح، والقيامة؟ وأنهم إذا لم يقبلوا بتلك الأحداث التاريخية فسيكونون في جهنم؟ كِركيغور كان يقول بأن الأحداث التاريخية تتّسم بعدم القطعية، وبنسبة معينة من إمكانية الحدوث، وبعدم اليقين (أي الشك). ويمكن الإشارة إلى هذه النتيجة مع كل دين. أو بعبارة أخرى، لابد من تقليل اعتماد الخطاب الديني على أحداث تاريخية خاصة.

الأمر الثالث الذي يجب الإشارة إليه، وإلى حد ما يُعتبر نتيجة للأمر الثاني، هو ضرورة عدم الخلط بين الدين وبين تاريخ الدين، وأنه يجب ألاّ ننتظر من المسلم أن يصبح مؤرخا في الدين بدلا من أن يصبح متديّنا. إن الأسئلة المتعلقة بتاريخ الدين وبتاريخ الشخصيات الدينية هي ليست دينا. فمن الغفلة بمكان أن نعتقد بأن المسلم الذي يملك معلومات وفيرة عن الشخصيات الدينية التاريخية يمكن اعتباره متديّنا وعالما بالعقائد ومتعلّقا باللاهوت، هو ليس إلا مؤرخا في الدين، ويمكن أن يكون باحثا في الشأن الديني أيضا، لكن لا يمكن أن يكون عالما بالعقائد. فمثلا إذا عرفنا عدد أبناء رامانوجا وشانكارا، لا نستطيع بعد ذلك أن نقول بأننا استطعنا معرفة الديانة الهندوسية، فلا علاقة لهذه الديانة بمعرفة عدد أبناء رامانوجا وشانكارا. فعلى الرغم من أنه يجب عدم الخلط بين الدين وبين تاريخ الدين، إلا أن هذه القصة موجودة. ففي الدين الذي يقول “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، هل يجب أن تأتي الأخلاق في المرتبة الأخيرة من حيث الأهمية؟ وهل معرفة أسماء شهداء معركتي بدر وحنين يجب أن تكون جزءا من الدين؟ لذا يجب أن نفكك الدين عن تاريخ الدين، وأن نعرّف الدين بدلا من أن نشدّد على تعريف الشخصيات التي لعبت دورا محوريا في تاريخ الدين. هل يجب تنبيه المؤمن بأن تكون ذاكرته قوية لكي يتذكر المعلومات المرتبطة بتاريخ الدين؟

الأمر الرابع الذي يجب الإشارة إليه هو التالي: بما أن أحد عناصر نظرة الإنسان الحديث والذي لا يمكن التخلي عنه، هو الاستدلال والابتعاد عن مفهوم التعبّد، لذا يجب أن نعمل وبقدر ما نملك من إمكانيات على التقليل من اتكاء الخطاب الديني على التعبّد، وأن نزيد من اتكائه على الاستدلال والتجربة. بالنسبة للإنسان التقليدي والإنسان الذي كان يعيش قبل خمسمائة عام فإن الاستدلال الذي يقول إن “ألف هي باء لأن X قال ذلك”، لم يكن استدلالا لاذعا. من هذا المنطلق، كان الإنسان التقليدي إنسانا متعبّدا. بالنسبة إليه فإن هذا النوع من الاستدلال لا يُعتبر “مغالطة” (fallacy).

لكن إذا لم أقل بأن هذا النوع من الاستدلال بالنسبة للإنسان الحديث هو مائة بالمائة مغالطة، فيجب أن أقول بأنه استدلال لاذع وكذلك مفاجئ إلى حد كبير. فإذا قلنا للإنسان الذي يعيش في العصر الراهن إن “ألف هي باء” فإنه يطالب بدليل على هذا القول، ونحن في المقابل يجب أن نرد عليه بالقول بأن “ألف هي جيم، وجيم هي باء، إذن ألف هي باء”. فهذا استدلال مقبول ومتطبّع بطباع وعقل وضمير الإنسان الحديث. ويبدو أن هذه الخاصية التي لا مفر منها، هي أحد العناصر التي لا مفر منها في تفكير الإنسان الحديث. نعم، توجد شخصيات في كل دين لها مكانة دينية خاصة ويقوم المؤمنون التقليديون بعبادتهم، وأنا لا أريد أن أقول بأنه يجب إغلاق باب العبادة تماما. لكن حينما نريد أن نعرّف الدين، يجب أن نسعى قدر الإمكان لطرح أدلة في مواجهة العبارة التي تقول بأن “ألف هي باء لأن X قال ذلك” أو لأن شخصيات دينية لا يمكن مساءلتها هي التي قالت ذلك، أو نضع مقدّمات مقبولة أو واضحة وعقلانية نستطيع عن طريقها أن نستنتج بأن “ألف هي باء لأن X قال ذلك”. رغم ذلك، إلا أنه من الأفضل اللجوء إلى التجربة، لكي يتوضح ادّعاء أن “ألف هي باء”، ولكي يحس الإنسان كيف استطاعت “ألف” أن تصبح “باء” حتى لو لم يقل ” “Xذلك. لكن بعض المتدينين وانطلاقا من مفهوم الهيمنة، يريدوننا أن نقبل ما يقولون من دون أن يعوا بأن الإنسان الذي يخاطبونه اليوم ليس هو الإنسان الذي كان يعيش قبل خمسمائة عام.

العمل الآخر الذي يجب القيام به، حسب رودولف بولتمان (اللاهوتي الألماني المتوفي في 1976)، هو إزالة الأساطير عن الدين. وفق هذا التعبير فإن كلمة أسطورة (myth) لا تعني الخيال والتزييف والكذب. فأحد المعاني اللغوية للأسطورة هو الخيال والحديث بخلاف الواقع. لكن بولتمان أراد إيصال معنى آخر للأسطورة، أي المعنى الذي استخدمه في أوائل القرن الماضي وانتشر بعد ذلك في فلسفة الدين وفي علم اللاهوت المسيحي، أي مجموعة الافتراضات التي تبدو في البداية وكأنها أحداث تاريخية، لكن حين الفحص والتدقيق فيها يتبيّن بأنها ليست أحداثا تاريخية، وأن المهم فيها هو الرسالة التي تختبئ خلف ذلك، والتي يريد البعض أن يتجاهلوا تلك الرسالة.

أطرَحُ مثالا بسيطا. تقول الآية (30) من سورة البقرة “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون”. فحين قراءة هذه الآية ستعتقد بأنها تشير إلى أحداث تاريخية، لكنها في واقع الأمر تريد عن طريق الكناية والصورة الرمزية (symbolic) أن ترسل لنا رسالة أخرى، وانطلاقا من ذلك يمكن أن نَصِفَ قصة خلق آدم وحواء بالأسطورة، لكن ليس بالمعنى السلبي في أنها قصة كاذبة وشيء من الخيال، وإنما بمعنى أنه يجب العبور من المعنى الحقيقي إلى المعنى الدال على المجاز والاستعارة والتمثيل والتشبيه والكناية. مثلا العلامة محمد حسين الطباطبائي (المتوفي في 1980) يقول في تفسير “الميزان” حول قصة آدم وحواء إنها لم ترد في التاريخ. بعبارة أخرى، هو يريد أن يقول بأنها تدل على معنى رمزي، أو بتعبير بولتمان، معنى أسطوري.

 

حينما نقول بأنه يجب إزالة الأساطير عن الدين، فماذا نعني بذلك؟ إذا لم تقع حادثة ما في التاريخ ولم تظهر قط، فما الرسالة التي كان النص الديني يريد إيصالها؟ عندما يتم كشف مضامين هذه الرسالة، فإننا في واقع الأمر نكون قد أزلنا الأسطورة عن النص الديني. ويبدو أننا نحتاج اليوم إلى نزع الأسطورة عن الكثير مما ورد في القرآن والأحاديث. وأؤكد مجددا بأن الأسطورة لا تعني الكذب، هي جملة لا يكمن معناها الحقيقي في ظاهرها، بل يكمن في إحدى المعاني السبعة الأخرى.

لقد كان مقبولا لدى الإنسان التقليدي أن تكون الكثير من الأساطير بمثابة وقائع تاريخية. بمعنى أن عقلية الإنسان التقليدي كانت تقبل بذلك. فمن وجهة نظره، هناك احتمال أن تكون هذه الحادثة قد وقعت في التاريخ. ولكن بالنسبة للإنسان الحديث، من الواضح أن العديد من هذه الأحداث لم تقع في التاريخ، لذلك من الواضح أنها أساطير ويجب إزالة الأسطورة عنها، بمعنى أنه يجب كشف الرمز والكناية في معانيها. وللأسف أننا لم ننجز هذا الشيء حتى الآن.

الأمر الآخر الذي يجب أن نقوم به وقصّرنا في ذلك، هو أن ما جاء به الدين، باعتبار أنه ظهر في مكان وزمان وظروف خاصة، قشور مرتبطة بذاك المكان والزمان والظروف، لذا يجب إزالة هذه القشور للوصول إلى اللب لتقديمه للإنسان الحديث.

لا شك أن كل دين ظهر في مرحلة مكانية وزمانية وفي ظروف تاريخية، حيث يوجد في داخل كل دين متحدثون باسمه، يتحدثون بصورة مباشرة من دون واسطة، وكذلك أشخاص خاصّون لهم لغة، عقل، ثقافة، ومشاكل عملية خاصة. جميع هذه الأمور تكاتفت واستطاعت أن تلبس الدين لباسا مكانيا وزمانيا وظرفيّا خاصّا. هذا الزمان والمكان والظروف، تؤثر في ثلاثة أمور: في لغة الدين، وفي المشاكل النظرية، وفي المشاكل العملية التي كان مؤسّس الدين يتعامل معها في ذاك الزمان. مثلا، وُرد في القرآن “يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعِنا وقولوا انظُرنا واسمَعوا”، فحينما كان ينزل الوحي على نبي الإسلام، ولأنه كان يحرص على إيصال رسالة الوحي إلى الناس بصورة سريعة، كان يسرع في التعبير عن ذلك. فالجمهور الذي كان ملتفا حول النبي، كانوا يطالبون النبي بمراعاة أحوالهم في أن يتحدث إليهم ببطء لكي يستوعبوا رسالة الوحي، لذلك كانوا يقولون له “راعِنا”. وكان اليهود يسخرون من النبي فاستبدلوا كلمة “راعِنا” بكلمة “راعينا” (من عبارة راعي الغنم)، فجاءت الآية لتدعو المسلمين بأن يقولوا “انظُرنا” بدلا من “راعِنا”.

والآن أستطيع أن أتساءل: ماذا يمكن أن تكون رسالة هذه الآية في أيامنا هذه؟ لا شك أن لا فائدة من ظاهرها. وإذا أردنا أن نستفيد منها، فيجب أن نكشف عن باطنها وعن الرسالة التي تخبأها لنا. فإذا استمرينا في الحديث مائة مرة عن ظاهر هذا الآية فلن نحصل على أي نتيجة جديدة. وإذا لم تتشابه الكلمتان “راعنا” و”راعينا” لما نزلت الآية. وهذا ليس بمعنى إنكار الآية، وإنما بمعنى وجوب الكشف عن الرسالة التي تتواجد خلفها ورفض الأخذ بظاهرها، فالرسالة قد تكون دعوة لعدم إعطاء العدو الفرصة لكي يستهزئ بالمسلمين.

من جهة العقل واللغة، فإن المسائل النظرية والمشاكل العملية المتعلّقة بالرسالة الأصلية للدين، يجب ربطها بلغة ومكان وظروف خاصة، بل الأهم هو الثقافة المرتبطة بالزمان، وظروف تلك الثقافة. أو بعبارة أخرى، يجب أن نقطع رسالة الدين عن المتعلقات المحلیة التي تعلقت بالدين. فكل ما يتعلق بالدين الإسلامي من تاريخ نزول ومكان نزول وثقافة خاصة بالعرب، يُعتبر من ظاهر الدين وقشوره، ويجب أن نضعه جانبا ونستخرج لب الرسالة. بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نعرض رسالة الدين على الإنسان الحديث، الذي يختلف عن الإنسان التقليدي معرفيا وعاطفيا ومكانيا وزمانيا.

هذا يعني أننا نريد أن يبقى خلود الدين محفوظا. وهذا الأمر لا يخص الدين الإسلامي فحسب، بل حتى لو كنا مسيحيين فلن يختلف الوضع. فمثلا هناك إشارات عديدة في القرآن إلى الجَمَل (البعير) “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت”، مثل هذه القصة وردت في ثلاثة كتب مهمة في الديانة الهندوسية: بهغودغيتا، مهابهاراتا، اوبانيشدها، فهناك إشارات عديدة إلى الجَمَل في القرآن، بينما هناك إشارات عديدة إلى الفيل في هذه الكتب. وهذا أمر طبيعي. ففي الهند لا وجود للجَمَل، لذلك جاء الفيل وضُرب فيه المثل. أما في الإسلام فجميع الأمثلة هي عن الجَمَل. فلو لم يكن هناك وجود للجَمَل في الجزيرة العربية، هل كنّا سنشير إليه باستمرار؟ لذلك هو حالة خاصة بتلك الأرض.

بالطبع هناك رسالة تقف خلف آية “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت” (سورة الغاشية، آية 17). ولم تعد هذه الرسالة محلية أو متعلقة بمكان وزمان وظروف خاصة، إنما يمكن تعميمها على أمكنة وأزمنة وظروف مختلفة.

وأريد الآن أن أؤكد على القضايا النظرية المرتبطة بذاك الزمان وكذلك على المشاكل العملية. القضايا النظرية لعرب ذاك الزمان منعكسة في النصوص المقدسة، ولابد أن ننزع القشور عنها كلها. وفي الوقع فإن نزع القشور للوصول إلى لب الموضوع ليس خطأ نحن نرتكبه. فثمن فهم النص المقدس هو في أن تصبح رسالة الدين عالمية. قلت مرارا، بأنه إذا قال شخص لا تلمسوا الصندوق الكرتوني الذي تم وضع الجهاز الكهربائي فيه، فإنه لا يعرف وظيفة (function) الصندوق. فالفلسفة الوجودية للصندوق هي أن نضع فيه شيئا، وأن يكون الصندوق حافظا لهذا الشيء، ولابد لهذا الشيء أن يخرج يوما خارج الصندوق، ويمكن بعد ذلك تمزيق الصندوق وإزالته. لذا من يقول بأنه يجب عدم تمزيق الصندوق بعد إخراج الجهاز منه، لا يدرك الفلسفة الوجودية للصندوق. أعتقد أن الدين هكذا أيضا، ففي واقع الأمر هناك رسالة توجد خلف كل مظاهر الدين ويجب أن تخرج إلى الوجود. وللوصول إلى هذه الرسالة لا نملك إلا أن نتجاوز قشور الدين.

الشيء الآخر الذي يجب أن نقوم به، هو الالتفات إلى النقطة التالية من أجل إيصال رسالة الدين إلى الإنسان الحديث، ألا وهي أن البشر من حيث التصنيف النفسي (typology) لا يتشابهون. فلا يمكن أن يكون لدى جميع البشر تديّن خاص. فالذي لا يلتفت إلى التصنيف النفسي للبشر، هو من يريد أن يلزمهم بتديّن خاص، أي يريد أن يلزمهم بأداء مناسك وشعائر ولوائح خاصة. لذا لا يمكن أن نجبر البشر الذين يختلفون من حيث التصنيف النفسي على الالتزام بنوع واحد من التديّن. فإذا كنا نحن عبارة عن عشرة أشخاص ومؤمنين بكل صدق وجدية بدين واحد، كالإسلام، ولا نحمل أي مقاصد من أجل تحريف الدين أو أن نكون كسولين تجاهه، فإن تديّننا، بناء على التزامنا بالقرآن والأحاديث، لن يكون متشابها. في واقع الأمر، إن الدين كالصيدلية. فمن الممكن أن يكون في الصيدلية 1000 نوع من الدواء. فإذا اشتريت 3 أنواع من الأدوية، لا يمكنني أن أدعي بأن 977 نوعا من أنواع الدواء الأخرى ليس دواء وإنما مجرد سموم، وإنما أستطيع أن أقول بأن الأنواع الثلاثة من الأدوية التي اشتريتها هي التي تنفعني في علاج المرض الذي أعاني منه، والبقية لن تنفعني. وفي الماضي، كان بعض المفسّرين يفسّرون الآية التالية وفق هذا المعنى “فبشّر عباد الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه” (سورة الزمر، آية 17 و18)، فكانوا يتساءلون: هل يوجد في كلام الله قول أحسن وقول أسوأ؟ وكانوا يجيبون: بالنسبة للجميع، هناك آيات أفضل من آيات أخرى. وهذا لا يعني أن هناك من يرفض الآيات الأخرى أو لا يؤمن بها، بل يعني أن التصنيف النفسي يجعل حاجة بعض البشر لآيات أكثر من الأخرى.

باعتقادي أن التاجر الذي يضع على مكتبه الآية التالية “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” (سورة الزمر، آية 9)، هو تاجر غير صادق. فإذا كان صادقا يجب أن يضع الآية التالية “أحلّ الله البيع وحرّم الزنا” (سورة البقرة، آية 275). فهو في هذا المجال قد يواجه مشكلة، ويجب أن ينتبه. فهذه الآية هي المهمة بالنسبة له كتاجر، لكن ذلك ليس بمعنى إنكار الآيات الأخرى.

إن التصنيف النفسي مختلف بيننا نحن البشر. وجميع الأديان التي انتبهت إلى ذلك، هي أكثر نجاحا. فالأديان الشرقية مثل “البوذية” و”الهندوسية” و”الطاوية”، والتي اهتمت بالتصنيف البشري، اعتنت بالمطلب التالي بأنه حينما يأتي دين ليشارك في الظروف الوجودية للبشر المختلفين، فإنه يكتسب صورا وأشكالا وألوانا مختلفة، لذلك نجت هذه الأديان من الدوغمائية (الجزمية أو الجمود الفكري) ومن الشكلية (formalism)، واستطاعت أن تتأقلم مع الوضع الجديد والظروف الجديدة.

لكن، وللأسف، لم يكن هذا المطلب محل اهتمام المسلمين باستثناء الصوفيين. في التعاليم الهندوسية، تم تقديم تصنيف نفسي جميل حول الإنسان، وقُسّم إلى أربعة أقسام مختلفة: أولئك الذين يتطوّرون عن طريق العلم والمعرفة، وأولئك الذين يتطوّرون من خلال المحبة، وأولئك الذين يتطوّرون عن طريق شهودهم الباطنية، وأولئك الذين يتطوّرون من خلال خدمة الناس. فحينما يتم عرض الدين الهندوسي على الناس، فإن كل إنسان ينجذب نحو الآيات التي تتوافق مع تصنيفه النفسي، ولا يوجد أي مشكلة في هذا الأمر. هذه النقطة مهمة، وباعتقادي يجب أن تكون درسا لأولئك الذين تسيطر الآراء الفقهية على تفكيرهم. تأملوا العلامة محمد حسين الطباطبائي والإمام الخميني. الأغلبيّة هنا يوافقون على أن الاثنين كانا صادقين وجادّين فيما يتعلق بالأمر الديني. لم يكونا كسالى ولا أهل كذب. والاثنان كانا ينتميان إلى دين واحد ومذهب واحد (التشيّع الاثنا عشري). لكن كان لكل واحد منهما تصوّرات مختلفة عن الثاني، فشملت هذه التصوّرات تباينات جديّة. فالاثنان سعيا لوضع تعريف عن الدين ولم يسعيا إلى تشويه صورة الدين. لكن لماذا كان أحدهما يعتبر آية معينة من القرآن ذات أهمية تفوق الآيات الأخرى، بينما الآخر يعتبر آية أخرى مختلفة هي التي تحوز على أهمية أكبر؟ فالاثنان كانا يؤمنان بكل القرآن وبكل الأحاديث الصحيحة، لكن، سواء أرادا أم لم يُردا، فإن لكل شخص منهما، وبسبب التصنيف النفسي، آيات معينة لها أهمية أكبر وتساهم في رسم حياة كل واحد منهما.

أنظروا إلى الدعاء. فشخص يُتقن اللغة العربية، يردّد في قنوته أدعية لها مكانة خاصة في نفسه. هو لا ينكر وجود بقية الأدعية، إنما يفضّل البعض منها. فلماذا هذا الاختلاف بينه وبين آخر قد يركّز على ترديد أدعية مغايرة؟ السبب هو وجود اختلاف في التصنيف النفسي بين الشخصين. وهذا ينطبق على آيات القرآن أيضا. فهناك من يعتقد بأن بعض الآيات أقرب إلى نفسه من آيات أخرى، وشخص آخر سيختلف مع الأول في اختيار الآيات القريبة إلى نفسه. هذا التباين أو الاختلاف لا يعني عدم الأمانة، وإنما يعني أن كلَّ شخص منّا لديه تصنيفا نفسيا خاصّا به. وبشكل عام هناك أربع تصنيفات: النشاط الخارجي، النشاط الداخلي، إمكانية النشاط الخارجي، إمكانية النشاط الداخلي. ووفق هذه التصنيفات، لدينا أديان مختلفة. لذا همومنا لابد أن تكون منصبّة على أن الإنسان الحديث، المدافع عن الدين أو المتكلم أو المفكّر الديني، لا يجب أن يفقد تديّنه، لا أن تكون همومنا منصبّة على أن تديّنه مثل تديّني.

آخر نقطة هي أنه لكي ينجح الخطاب الديني في هذا العصر، لا يوجد حل سوى أنك حينما تكون منتميا لدين من الأديان وتريد أن تعرض هذا الدين على الإنسان الحديث، يجب أن تستفيد من التجارب الدينية لجميع الأديان والمذاهب. ليس من الصواب ولا من المناسب أن نحرم أنفسنا من (تجارب) الأديان والمذاهب الأخرى. في واقع الأمر، لدينا كنوز غنية في هذا العالم، وهذه الكنوز مبعثرة من أمريكا الجنوبية وحتى الصين وما بعد الصين. وفيما نحن نؤمن بدين ومذهب خاص، لا يجب أن نحرم أنفسنا من مجموعة التجارب الدينية والمذهبية المتعلّقة بمختلف الأديان والمذاهب. وحتى لو نظرنا إلى الموضوع من منظور ديني داخلي، فإن علي بن أبي طالب قال في “نهج البلاغة” في عدة أماكن وبعبارات مختلفة: “خذوا العلم ولو من المنافق”، أو “الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها أخذها”، أو “اطلبوا العلم ولو بالصين”. وإذا ما وجدنا كلاما معيّنا في تعاليم كونفوشيوس أو المسيح أو بوذا، فلماذا نرفض أن نقوله لمستمعينا؟ هذا الأمر يشبه تماما الطبيب الذي يقول بأن مراجعيه هم المرضى الوحيدون الذين يشفون. إذا كنت طبيبا وتحترم الإنسانية، يجب أن تتمنى الشفاء لجميع المرضى، سواء راجع هؤلاء عيادتك أو راجعوا عيادات أطباء آخرين. الأهم من هذا أنه إذا كنت – أيها الطبيب – تقرّ وتصرّ على صحة تشخيصك وعلاجك للمرضى، ما المانع في أنك تتباحث وتتحاور مع الأطباء الآخرين؟ في تصوّري، لا يجب – لا من الناحية الحقوقية ولا من الناحية المصلحية – أن نُحرم الإنسان الحديث من الاستفادة من الكنوز المعنوية الموجودة في شرق العالم وفي غربه بمبرّر أننا نمتلك أحد هذه الكنوز. هو أحد هذه الكنوز وليس كل هذه الكنوز.

******

* أحد عناوين نصوص كتاب المفكر الإيراني مصطفى ملكيان، الصادر عام 2015. عنوان النص بالفارسي: “دينداري در دنياي معاصر” (التديّن في العالم المعاصر). اسم الكتاب: “در رهگذار باد و نگهبان لاله” (في مهب الريح وحامي زهرة التوليب) الصادر عن دار “نشر نگاه معاصر” – الطبعة الأولى 1394 هجري شمسي (2015 ميلادي).

**مفكر إيراني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This