“الجنّة المقفلة”: مأساة متكاملة واستطالة غريبة عنها

عاطف أبو سيف أحد ممثلي الرواية الفلسطينية في طورها الثالث، مع آخرين، منهم وليد الشرفا، وأكرم مسلّم. بدأ مساره الروائي برواية “حياة معلّقة”، التي صوّر فيها، بموهبة لافتة، وقائع الفلسطينيين اليومية في مدينته غزة، التي حوّلها إلى مرجع روائي متعدد الوجوه، تضمنت بطولات أهلها، وحماقات يرتكبها “أصحاب المراتب”. اتخذت رواياته المتلاحقة، المتفاوتة المستوى، من المآل الفلسطيني موضوعًا، كما لو كانت وقائع غزة تأريخًا لأحوال مدينة، وسجلًّا يشهد على ما انتظره الفلسطينيون ولم يصل. استكمل في روايته الجديدة “الجنّة المقفلة” (الأهلية، عمّان، 2021، 213 صفحة) ما قالت به روايته الأولى، متحدثًا، هذه المرة، عن “أحلام معلّقة” تختزنها ذواكر “اللاجئين”، وتنتظر التحقيق. جاء في الصفحة الأخيرة لروايته: “كُلٌّ له جنّته المقفلة. لكن كل مقفل لا بدّ أن يفتح وكل محبوس لا بدّ أن يخرج”. أنهى روايته بدعاء تآلف معه المستضعفون، الذين يعهدون إلى الأمل بتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه.
أقام روايته، وبحذق كبير لم يبلغ مداه، بمأساة فلسطينية ثنائية البعد: مأساة الشتات الذي ينتزع اللاجئين من مواقعهم، ويوزّعهم على أراض تبعدهم عن أحلام العودة، ومأساة الذاكرة الوطنية التي تقنع ذاتها، بإخلاص كبير، أن ما عاشته في فلسطين قابل للاستئناف. فحكايات الفلسطينيين كثيرة، من دون أن تكون فلسطين المغتصبة حكاية أخرى. ولعل ما يجعل هذه الرواية، أَبَلغت مداها المنتظر، أم لم تبلغه، جديرة بالتأمل الجاد، هو المأساوي البليغ الذي قامت عليه، ذلك أن رواية فلسطينية لا تتمثل المأساوي، وهو جوهر الوجود الفلسطيني، تحبير حكائي يلوذ بهوامش عارضة.
ترجم أبو سيف منظوره الروائي بحاملين فنّيين واضحي الدلالة: الأم اليافاوية الأصل التي

“ما يجعل هذه الرواية، أَبَلغت مداها المنتظر، أم لم تبلغه، جديرة بالتأمل الجاد، هو المأساوي البليغ الذي قامت عليه”
تساقط أولادها في طرق الشتات، وقاتلت كي تحميهم وتجمعهم من جديد، وشخصية ابنها الأصغر، الذي ابتعد أهله عنه وظل مخلصًا للمكان الذي أرادته أمه أن يظل فيه، كما لو كان حارسًا لأحلام أمه، ومدافعًا عن أحلام موروثة “لن تتبدّد”، رغم ظلم المسافات.
ارتكن الروائي على مجاز شعبي: “اللّمة”، وأداره في فضاء شعبي متوالد الحكايات. جاءت الأم بالمجاز في البداية، وحمله، بعد رحيلها، الابن الأصغر، وحمل معه فرقة عن إخوته حارقة. و”اللّمة”، التي تعرفها العائلات السعيدة، اجتماع الأم والأبناء حول عشاء، يصبح ذكرى مؤلمة إن كان “أخيرًا”. أخبر أبو سيف بمجاز اللّمة عن وعي فنّي نافذ، يشتق المركّب من البسيط، والمأساوي العميق من الأمر العارض، فما يبدو عند غير اللاجئين أمرًا مبذولًا، يغدو فلسطينيًا، حلمًا شاسعًا غير قابل للتحقّق. المأساوي أن يحلم الفلسطيني، طويلًا، بما يبدو لغيره دعابة. إنه ظلم الفرق بين الممنوع القاتل البديهي العادي الذي أصبح ممنوعًا. أثّث الروائي مجازه بما يحتاج إليه: شرشف الطاولة، الطاولة، شرشف اللقاء، بهجة الأم المنتظِرة، أبناء الابن الأصغر ينتظرون أعمامهم، واللّمة التي جعلها الشتات حلمًا مستحيلًا، وأغلقها بمفتاح لا يمكن العثور عليه.
أيقظ “أثاث اللقاء” ذاكرة فلسطينية حفظت رائحة الصور القديمة، وربطت الصور بأصوات متباعدة، وجمعت بين الصور والأصوات وأطياف يافا الغائبة. ذاكرة فلسطينية تتدفق حكايات تلغي المسافة بين البشر ومواضيعها. فلكل تفصيل في ذاكرة المغترب حكايته، كأن النكبة حزن وانتظار ومتواليات حكائية. يصير الشرشف، في هذه الحدود، شخصية تهمس باسم “سوق الدير في يافا”، وتصبح الطاولة صورة عن “عوني السعيد” الذي ابتلعته الفاجعة بعد خروجه

“ارتكن الروائي على مجاز شعبي: “اللّمة”، وأداره في فضاء شعبي متوالد الحكايات”
القسري من يافا، وتغدو “اللّمة” طقسًا من طقوس عائلية تقطّعت بها السبل بعد عام النكبة. فرش الروائي نصه بآثار قديمة لها طعم النشيج، فذكر نوح إبراهيم وثورة 1936، وسينما الحمراء في يافا، و”الثلاثاء الحمراء” وشهداءها الثلاثة، وعشاقًا ألغت النكبة لقاءاتهم المنتظرة.
تكشّفت المأساة البليغة، أو فنيّة المأساوي، إن صح القول، في الأم التي اخترع خيالها “لمّة” في زمن لا يسمح بها، وفي الابن المقيم الذي استأنف خيال أمه، وجعله طقسًا سنويًا، تعبيرًا عن إخلاص الأحياء للأموات، وعن حوار صامت بين الحاضرين والغائبين. ربما تكون هذه الصورة من أعمق ما جاءت به الرواية الفلسطينية، وأكثرها نبلًا: لمّة سنوية، أخذت شكل العادة، تواجه النكبة والشتات، تحرسها الذاكرة الوطنية، وتحتضنها الروح ولا تتحقق، رغبة لا تقف على قدميها ولا تسقط أرضًا.
مع رغبة الروح المتوثّبة المؤجّلة تنتهي، منطقيًا، الرواية، وتبدو كاملة متكاملة رحبة المعنى. تنغلق فنيًا في الصفحة: 102، فإن “ساير” القارئ المؤلف سار معه إلى الصفحة: 118، إذ لا شيء بعد ذلك يأتي بإضافة دالّة. بيد أن أبو سيف، الروائي المتدفق العبارة، ألزم الرواية بتحمّل مائة صفحة أخرى من دون أن يدري، وهو المتمكّن من حرفته، أن الإضافة استطالة زائدة، تربك عمله الجميل، ولا تسنده.
وسّع وقائع الرواية زمنيًا مجسّرًا، إنشائيًا، المسافة بين النكبة، ووصول “السلطة الوطنية”، تجسيرًا لا معنى له، ولا جديد فيه. فالإلماح إلى الفساد أمر يعرفه الجميع، والإشارة إلى سيطرة “الزوان على القمح” ظاهرة فلسطينية زهد بها بسطاء البشر. فرضت عليه الاستطالة النافلة “تراكمًا كلاميًا” لا ينسجم مع بدايات الرواية الرائعة، أثقله شيء من “التجمّل الأيديولوجي”، إذ قابلت الأم في مسارها المتتابع الذي لا تمليه ضرورة فنية، قادة وشخصيات معروفة الاسم والحظوة والمقام. كما لو كانت شخصية ذات حظوة “بين الكبار”، أكثر منها أمًّا فلسطينية سقط عليها المنفى ثقيلًا، كما سقط على غيرها من الأمهات. تقاطعت ملامحها في البداية مع “أم سعد”، التي كتب عنها غسان كنفاني، وجعلها نموذجًا شعبيًا مقاومًا، قبل أن يجبرها “التجمّل الأيديولوجي” أن تكون “أمًا حزبية”، يُحشر ابنها الصغير النبيل بين “حزبيين” بعيدين عن روحه.
ومع أن عاطف أبو سيف تعامل مع مأساة فلسطينية نموذجية، إجاباتها واضحة في أسئلتها، فإن

“وسّع أبو سيف وقائع الرواية زمنيًا مجسّرًا، إنشائيًا، المسافة بين النكبة، ووصول “السلطة الوطنية”، تجسيرًا لا معنى له، ولا جديد فيه”
“التراكم الكلامي” فرض عليه شرح إجابات لا تحتاج إلى الشرح. تحدّث عن معنى الماضي، و”فسّر”، نظريًا، معنى المستقبل والأمل، متناسيًا أن الأيديولوجيا الروائية، بالمعنى الموضوعي، تصدر عن العلاقات الفنية، ولا تحتاج إلى “دليل شارح” يضطهد القراءة.
يُستثنى من الإطالة القسرية فصل أخير عنوانه: “هوامش سردية”، أضاء، بحنين وكآبة، الإشارات الروائية: حكاية الطاولة “اليافاوية” التي تعود إلى عام 1930، العشاء الأخير الذي لمّ العائلة في “زمن غنائي” أغلقه كابوس، مآل العائلة التي بقيت في يافا، وساحة الحارة في مخيم توسّع أزقته الأحلام…
نسج الروائي حكاية مأساوية قوامها أم وابنها، وأَنْسَنَ أشياءها المتعددة بمتواليات حكائية تبني ذاكرة وطنية متوالدة، أسهم أبو سيف بالتذكّر فيها وحفظها روائيًا. ربما من المفيد التذكير بأن الأميركي إرنست هيمنغواي اختصر روايته “العجوز والبحر”، التي منح عليها جائزة نوبل، من ثمانمئة صفحة إلى مائة وعشرين، وأن عمل غسان كنفاني “رجال في الشمس”، الأكثر شهرة في تاريخ الرواية الفلسطينية، ليس أكثر من “قصة قصيرة طويلة”.

عنوان الكتاب: الجنة المقفلة المؤلف: عاطف أبو سيف

ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This