ماذا يحدث حين يصبح اللمس تابو؟ / لورا كروسيانيللي

 

اللمس هو الحاسة الأولى التي نواجه بها العالم، والحاسة الأخيرة التي تغادرنا ونحن على مشارف الموت. “يأتي اللمس قبل الرؤية، قبل الكلام”، تقول مارغريت آتوود في روايتها “القاتل الأعمى” (2000). “إنه اللغة الأولى والأخيرة، وهو يقول الحقيقة دائمًا”. تكويننا البيولوجي يثبت صحة ذلك. بعد حوالي ستة عشر أسبوعًا من الحمل، تصبح الأجنّة البشرية مغطاة بشعيرات ناعمة تُعرف باسم الزغب. ويعتقد بعض الباحثين أن من شأن هذه الشعيرات الدقيقة أن تعزّز الأحاسيس المبهجة التي يمنحها السائل الأمنيوسي للأم، وهو يغمر جلدنا برقّة، ليكون بمثابة مبشّرٍ بالشعور الدافئ والمطمئِن الذي سيستمدّه الطفل، ما إن يولد، من العناق.
لطالما كان اللمس الحاسة المفضّلة عندي؛ صديقي المخلص الذي أستطيع الاتكال عليه في رفع معنوياتي حين أشعر بالإحباط، أو في إشاعة البهجة حين أكون في مزاجٍ عالٍ. لكني، كإيطالية تعيش خارج بلدها منذ أكثر من عقد، عانيت كثيرًا من نوع من الجوع للمس، ما ترك نتائج غير مباشرة على مزاجي، وعلى صحتي، في العموم. يستخدم الناس في أوروبا الشمالية اللمس الاجتماعي أقلّ مما يفعل الناس في أوروبا الجنوبية. لكّل ذلك، ليس من المفاجئ، كما أدرك الآن، أنني أمضيت السنوات الأخيرة في دراسة اللمس من موقعي كعالمة.
يمرّ اللمس مؤخرًا بـ”فترة حظر”: إنه وقت عصيب بالنسبة إلى هذه الحاسة الأكثر أهمية بين الحواس. جعل وباء 2020 اللمسَ التابو الأكثر تحريمًا، إلى جانب السعال والعطاس على الملأ. ففي حين يمكن للذين يعانون من كوفيد 19 أن يفقدوا حاستي الشم والذوق، يبقى اللمس هو الحاسة التي تلاشت عند جميعنا تقريبًا، سواء أثبتت الفحوص إصابتنا أم لا، ظهرت علينا الأعراض، أم لم تظهر، أُدخلنا المستشفى، أم بقينا في منازلنا. اللمس في كلّ حال كان الحاسةَ التي تكبدت الثمن الأفدح.
لكن، إن كان التباعد الجسدي هو ما يحمينا، فهو أيضًا يقف حائلًا أمام العناية والرعاية. يتضمن الاعتناء بإنسان آخر، تقريبًا على نحو حتمي، لمسَه، ابتداءً بالاحتياجات الأساسية، كالاستحمام، والإلباس، والإنهاض، والمساعدة والمعالجة الطبيتين (أو ما يُشار له عادة باسم اللمس الأداتيّ)، وانتهاءً بالمبادلات اللمسية الأكثر عاطفيّة التي تهدف إلى التواصل، ومنح السلوى، وتقديم الدعم (أو ما يعرف باللمس التعبيري). تقترح البحوث في مجال المعالجة العظمية والعلاج اليدوي، حيث يعمل ممارسو ذلك النوع من العلاج عن كثب مع علماء الأعصاب على موضوع اللمس العاطفي، أن التأثير المفيد للعلاج بالتدليك يتجاوز إلى حد بعيد الحركات الفعلية التي يقوم بها المُعالج. وأن ثمة بالأحرى شيئًا خاصًا في الفعل ذاته الذي ينطوي على وضع المرء ليديه على جلد المريض. ما من عناية، إذًا، ما من علاج، من غير لمس.
جاءت مرحلة القحط الحالية في اللمس بعد فترة كان فيها البشر يصبحون أساسًا أكثر خوفًا من لمس واحدهم الآخر. وقد مكّنت التكنولوجيا من تحقيق هذا التباعد، إذ أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي المصدرَ الرئيسي للتفاعل الاجتماعي عند الأطفال والمراهقين. أظهر استبيان أجري مؤخرًا أن 95% من المراهقين يستخدمون هواتف ذكية، بينما يقول 45% منهم إنهم يبقون موصولين بشبكة الإنترنت (online) “بشكل دائم تقريبًا”.
يعود الارتياب بحاسة اللمس أيضًا إلى الإدراك العالمي المتزايد بأن اللمس قد يكون سلاحًا
“جاءت مرحلة القحط الحالية في اللمس بعد فترة كان فيها البشر يصبحون أساسًا أكثر خوفًا من لمس واحدهم الآخر”يستخدمه الرجال لفرض سلطتهم على النساء. فضحت حركة “أنا أيضًا” (#MeToo) المناهضة للتحرش كيف يُتوقع من النساء أن يذعنّ للمس غير اللائق كثمنٍ للحصول على أنواع معينة من الفرص. من ناحية أخرى، تم توجيه الأطباء، والممرضين، والمعلمين، والباعة، ليتجنبوا الإكثار من اللمس. مع هذا، تقترح الدراسات أن اللمس في الواقع يحسّن نوعية لقاءاتنا مع هؤلاء المهنيين، ويجعلنا نقيّم التجربة بإيجابية أكبر. على سبيل المثال، من المحتمل أن نعطي نادلًا يلمس كتفنا، عرضًا، أثناء أخذ الطلب، بقشيشًا أكثر سخاء مما نعطي لنادل يبقى بعيدًا.
ما يميّز حاسة اللمس، عند مقارنتها بالحواس الأخرى، هو سمة التبادلية فيها. ففي حين نستطيع أن ننظر من دون أن يُنظر إلينا، ليس من الممكن أن نلمس من دون أن نُلمَس في المقابل. أثناء الوباء، قال الأطباء والممرضون إن هذه الخاصية الفريدة للمس ساعدتهم في تواصلهم مع المرضى. فعندما لم يكونوا قادرين على الكلام، والابتسام، أو لم يكن من الممكن رؤيتهم على نحو جيد بسبب معدات الوقاية، كان في إمكان الخبراء الطبيين الاتكال دومًا على تربيتة على الكتف، أو إمساك يد، أو الضغط على ذراع، من أجل طمأنة المرضى وجعلهم يعلمون أنهم ليسوا في مفردهم. في وباء يُعتبر اللمس فيه ناقلًا مثبتًا للمرض، اللمس أيضًا، للمفارقة، جزء من العلاج. اللمس بالفعل هو الأداة الأساسية للتواصل الاجتماعي، ومن حسن الحظ أننا ولدنا مزودين بما يمكننا من الاستفادة منه الاستفادة القصوى.

نتائج الحرمان من اللمس

في التسعينيات، ظهرت موجة بحوث تبيّن النتائج الصادمة التي يتركها الحرمان من اللمس على التطور البشري. وأظهرت دراسات عدة أن أطفال دور الأيتام الرومانية، الذين بالكاد تم لمسهم في سنواتهم الأولى، يعانون لاحقًا من قصور في الجوانب الإدراكية والسلوكية، بالإضافة إلى فروق جسيمة في نموهم العقلي. في مرحلة الرشد، يُلاحظ أن البشر ذوي التواصل الاجتماعي القليل أكثر عرضة للموت المبكر مقارنة بالبشر ذوي العلاقات الاجتماعية القوية. كذلك، يصبح اللمس هامًا في وجه خاص مع تقدمنا في العمر: على سبيل المثال، ثبُتَ أن لمسة رقيقة تزيد كمية امتصاص الغذاء عند مجموعة من المسنين في دور الرعاية. حتى عندما لا نستطيع الرؤية، الاستماع، أو الحديث، كما اعتدنا، نستطيع، تقريبًا دائمًا، الاتكال على اللمس لاستكشاف العالم حولنا، والتواصل مع الآخرين، وتمكينهم من التواصل معنا.
اللمس العاطفي (Getty)
يقدم العلم اليوم تفسيرًا لكون اللمس هامًا إلى هذا الحد. يمكن للمسة على الجلد أن تقلّل من تسارع دقات القلب، وتخفّض ضغط الدم ومستويات الكورتيزول – عوامل ترتبط جميعها بالتوتر- عند الأطفال والبالغين. يسّهل اللمس أيضًا إطلاق الأوكسيتوسين؛ الهرمون الذي يعطي شعورًا بالهدوء، الاسترخاء، والتصالح مع العالم. في كل مرة نعانق فيها صديقًا، أو نحضن حيوانًا أليفًا، يتم إفراز الأوكسيتوسين في جسدنا، مانحًا إيانا ذلك الشعور بالارتياح. على هذا
“يصبح اللمس هامًا في وجه خاص مع تقدمنا في العمر: على سبيل المثال، ثبُتَ أن لمسة رقيقة تزيد كمية امتصاص الغذاء عند مجموعة من المسنين في دور الرعاية”النحو، يعزّز الأوكسيتوسين دافعنا للسعي نحو التواصل مع الآخرين والحفاظ على ذلك التواصل، ما يساعد بدوره في تطور الأدمغة البشرية ذات التوجه الاجتماعي في أساسها. يلعب الأوكسيتوسين أيضًا دورًا حيويًا في علاقتنا مع أنفسنا.
بالإضافة إلى ذلك، أثبتنا في مختبرنا مؤخرًا أنه يمكن للأوكسيتوسين أن يعزّز عمليات التكامل متعدد الحواس، أو ما يدعى بـِ”غِراء الحواس”؛ وهي الطريقة التي يقدم فيها العالم، عادة، نفسه إلينا، بوصفه صورة متماسكة، بدلًا من عدة مسارات متمايزة من بيانات الحواس. التكامل متعدد الحواس هو، بدوره، أساس إحساسنا بملكية الجسد؛ الشعور بأن جسدنا ملك لنا، والذي يعتبره معظمنا أمرًا مفروغًا منه. من أجل دراساتنا هذه، قمنا بدعوة مجموعة من الأشخاص إلى مختبرنا، واستحثينا عندهم “وهم اليد المطاطية”؛ خدعة مثبتة ينظر المشاركون فيها إلى يد مطاطية شبيهة باليد الحقيقية يجري لمسها في الوقت ذاته الذي يتم فيه لمس يدهم المخفية عنهم. بعد دقيقة تقريبًا من التحفيز اللمسي المتزامن، تختبر الغالبية العظمى من المشاركين شعورًا بالتوهم بأن اليد المطاطية هي يدهم، ويبدؤون بتجسيدها. وقد وجدنا أن تطبيق هذا التحفيز اللمسي ببطء، على نحو شبيه بالتمسيد، يعزز من توهم تجسيد اليد المطاطية. علاوة على ذلك، لاحظنا أن إعطاء المشاركين جرعة واحدة من هرمون الأوكسيتوسين، عن طريق الأنف، قبل الخدعة، يعزّز التجربة، مقارنة بإعطائهم عقارًا وهميًا. بكلمات أخرى، يمكن للمس العاطفي والأوكسيتوسين أن يعزّزا العملية التي تبقينا متصلين بجسدنا المادي.
اللمس هو الحاسة الأولى التي تُطوّر الجلد، أكبر الأعضاء البشرية، وتتم بواسطته. ونُعتبَر نحن البشر من الثدييات القليلة التي تولد سابقة لأوانها في مسار تطورها؛ بمعنى أن نظامنا الحركي غير مكتمل النمو، فنحن لا نستطيع أن نُطعم أنفسنا، أو ننظّم حرارة أجسادنا أبعد من حدّ معين، ما يعني أننا نعتمد على الآخرين لنبقى على قيد الحياة. بالنسبة إلى الطفل، تعتمد العناية به في المقام الأول على التواصل اللمسي و”أن يتم حمله”. وتشتمل كل النشاطات الأساسية على فعل لمس، مثل تبديل الحفاضات، والحصول على حمّام، والإطعام، والنوم، وبالطبع، الاحتضان. وحتى بعد أن ننجح في تخطي الأشهر القليلة الأولى في حياتنا، تبقى التفاعلات الاجتماعية اللمسية أساسية لتطورنا. على سبيل المثال، من المعروف أن اكتئاب ما بعد الولادة يترك آثارًا سلبية على الرضّع، إلا أنّ لمسة أمومية قد تترك تأثيرًا وقائيًا أيضًا. لهذا يمكن لتشجيع التبادلات اللمسية بين الأمهات المصابات بالاكتئاب وأطفالهن الرضّع أن يقلّل من النتائج السلبية التي قد تظهر لاحقًا عند الأطفال. من الهام أيضًا أن الفائدة هنا تبادلية: تزيد ملامسة الجلد للجلد بين الطفل والوالدين من مستويات الأوكسيتوسين عند الأمهات، الآباء، والأطفال، ما يمنحهم شعورًا بالارتياح، يعزز تطوير علاقة صحية، ويوطد التزامن في التفاعل بين الأهل والأبناء.
يرى العديد من علماء الأعصاب وعلماء النفس أننا نملك نظامًا مخصصًا لإدراك اللمس الاجتماعي العاطفي، وهو يختلف عن النظام الذي نستخدمه للمس الأشياء. ويبدو أن في وسع هذا النظام أن يتعرّف بصورة انتقائية على اللمس الشبيه بالتمسيد. يتم بعد ذلك معالجة هذا
“بالنسبة إلى الطفل، تعتمد العناية به في المقام الأول على التواصل اللمسي و”أن يتم حمله””اللمس في منطقة الإنسولا؛ وهي منطقة في الدماغ ترتبط بالمحافظة على إحساسنا بأنفسنا وإدراكنا لجسدنا. يُعتبر اللمس البطيء، الشبيه بالتمسيد، هامًا، ليس في بقائنا على قيد الحياة وحسب، بل في تطورنا الاجتماعي والإدراكي كذلك: يمكن أن يؤثر هذا اللمس، على سبيل المثال، في تعلمنا لكيفية التعرف على الأشخاص الآخرين وتمييزهم منذ عمر مبكر. في دراسة أجريت على أطفال رضّع بعمر أربعة شهور، ثبت أنه عندما يمنح الأهل تمسيدًا لطيفًا لأطفالهم، يصبح هؤلاء الأطفال قادرين على تعلّم تمييز وجه رأوه سابقًا، أفضل مما يفعل الأطفال الذي اختبروا تحفيزًا غير لمسيّ. يبدو، إذًا، أن اللمس الاجتماعي البطيء يعمل بوصفه تلميحًا لإيلاء انتباه خاص للمحفزات الاجتماعية، كالوجوه مثلًا.
بيد أن ما يهم بصورة خاصة في مرحلتي الرضاعة والطفولة ليس كمية اللمس الذي نتلقاه وحسب، بل طبيعته ونوعيته كذلك. في دراسة أجريناها حديثًا، أثبتُّ أنا وزملائي أن الرضّع يصبحون منذ عمر اثني عشر شهرًا قادرين على تبيّن الطريقة التي تلمسهم بها أمهاتهم أثناء النشاطات اليومية، في وقت اللعب مثلًا، أو أثناء التشارك في قراءة كتاب. في هذه الدراسة، لم تكن الأمهات يعرفن أننا مهتمون باللمس، ما أتاح لنا أن نحصل على تصور حقيقي عن تفاعلاتهم العفوية. ما يهم هنا أننا وجدنا أن قدرة الأمهات على فهم احتياجات أطفالهن تتُرجم إلى نوع من اللغة اللمسية: على سبيل المثال، الأمهات اللاتي كنّ أقلّ مواءمة، أو تجاوبًا، مع أطفالهن، كن يملن أيضًا إلى استخدام لمس أكثر خشونة ومحدودية. كذلك، يميل الأطفال إلى مبادلة الشعور، بمعنى أنهم كانوا أكثر ميلًا لاستخدام لمس عدواني تجاه أمهاتهم إذا كانت تلك هي الطريقة التي تم لمسهم بها.

اللمس لغةً

ليس من المبالغة الحديث عن اللمس بوصفه نوعًا من اللغة؛ لغة نتعلمها، كما اللغة المنطوقة، من خلال التفاعلات الاجتماعية مع أحبائنا، منذ المراحل الأولى من الحياة. نستخدم اللمس كل يوم لإيصال مشاعرنا، ولنخبر شخصًا آخر أننا خائفون، فرحون، واقعون في الحب، حزينون، مُثارون، وأكثر من ذلك بكثير. ونحن، بدورنا، بارعون جدًا في تفسير نوايا الآخرين ومشاعرهم استنادًا إلى الطريقة التي يلمسوننا بها. في دراسة أجريناها مؤخرًا، دعونا مجموعة من الناس إلى المختبر، وطلبنا منهم أن يكتشفوا المشاعر والنوايا التي يحاول المجرِّب إيصالها إليهم من خلال اللمس. وكان يتم إيصال اللمس بسرعات مختلفة: بطيء، مثل اللمس الذي يحدث عادة بين الآباء والأطفال، أو بين العشاق؛ أو سريع، وهو نوع اللمس الأكثر شيوعًا بين الغرباء. ووجدنا أن اللمس البطيء، الشبيه بالتمسيد، كان على الأرجح أكثر إيصالًا للحب، حتى عندما يكون من يقوم باللمس شخص غريب. في المقابل، لم يعزُ المشاركون أي معنى، أو مشاعر خاصة، للمس الذي كان يُوجَّه على عجل. ومن المثير للاهتمام أن المصابين بتلف دماغي في منطقة الإنسولا، يواجهون صعوبات في تمييز اللمس العاطفي، بالإضافة إلى اضطرابات في الإحساس بملكية الجسد؛ ما يدلّ على وجود مسار متخصص يصل بين الجلد وجزء محدد من الدماغ.
نحن نتبادل الإشارات اللمسية بوصفها رموزًا تواصلية، ليس من أجل بناء روابط اجتماعية وحسب، بل لتأسيس علاقات قوة أيضًا. في السياقات المهنية في الغرب، يستخدم الناس عادة قدرًا معينًا من الضغط على اليد أثناء مصافحة شخص يلتقونه للمرة الأولى. تعتبر المصافحة مؤشرًا إلى الأهليّة والثقة؛ نشعر بلمسة الشخص الآخر، ونبدأ بالتساؤل: “هل أثق به لما يكفي لأعرض عليه عملًا؟”، أو “هل يجب أن أسمح له بمجالسة أطفالي؟”. أظهرت إحدى الدراسات أن مصافحة قوية هي مؤشر رئيسي على النجاح في مقابلة عمل، ربما لأن المصافحة هي الأداة الأولى التي نردم بواسطتها الفجوة الجسدية بيننا وبين الآخر. تُستخدم المصافحة أيضًا لإبرام اتفاق، ولها من القوة ما يتمتع به توقيع، أو عقد. تشكّل الخطورة وقابلية الأذى المتأصلين في اللمس جزءًا مما يجعله يقوم بوظيفته كرابط اجتماعي؛ يُعتقد أن المصافحة هي بمثابة ضمان أن كلا الشخصين الذين يتصافحان لا يحملان أي أسلحة.
(Getty)
تؤثر لغة اللمس أيضًا على طريقة ارتباطنا بأنفسنا، وبأجسادنا، خلال فترة حياتنا، وما ينطوي عليه ذلك من تأثيرات عميقة على سلامتنا النفسية. في مجموعة أخرى من الدراسات، لاحظنا كيفية إدراك المصابين بفقدان الشهية العصبي للمس الشبيه بالتمسيد مقارنة بالأصحاء. فقدان الشهية العصبي هو اضطراب طعام شديد يتسم بإحساس المريض بجسده على نحو
“ليس من المبالغة الحديث عن اللمس بوصفه نوعًا من اللغة؛ لغة نتعلمها، كما اللغة المنطوقة، من خلال التفاعلات الاجتماعية مع أحبائنا، منذ المراحل الأولى من الحياة” مشوّه، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى انخفاض التفاعلات الاجتماعية. وقد حاولنا أن نعرف إذا كان إحساس المصابين، حسب وصفهم، بمتعة أقل جرّاء التفاعل الاجتماعي يرتبط بهذا الاضطراب. ووجدنا في دراستين أن المصابين بفقدان الشهية يجدون اللمس البطيء على الساعد، بواسطة فرشاة ناعمة، أقلّ متعة مما يراه الأصحاء المشاركون في التجربة. ما يثير الاهتمام أيضًا أننا وجدنا النمط نفسه من النتائج عند المتعافين من فقدان الشهية العصبي. يشير هذا إلى أن انخفاض القدرة على التمتع باللمس قد يكون سمة ثابتة أكثر منه حالة مؤقتة مرتبطة بسوء التغذية الحاد التي نلاحظه في فقدان الشهية العصبي. تدل هذه النتيجة، بالإضافة إلى نتائج عدة دراسات أخرى، على أن ثمة بالتأكيد صلة وثيقة بين اللمس الاجتماعي والصحة العقلية. وأننا، خلال حياتنا، نحتاج إلى اللمس لكي ننمو.
لكن، ماذا يحدث لفصاحتنا اللمسية حين يصبح اللمس تابو؟ في أكثر لحظات حياتنا ضعفًا، نصبح في حاجة إلى اللمس أكثر من أي وقت آخر. ومن كل ما نعرفه عن اللمس الاجتماعي، نجد أنه يجب أن يُعزَّز، لا أن يُمنع. نحن بحاجة إلى تمييز الفارق الدقيق في إدراك مخاطر اللمس، لكن تجنب اللمس كليًا سيكون بمثابة كارثة. لقد أعطانا الوباء الحالي لمحة عمّا سيكون عليه شكل حياتنا من دون اللمس. هذا الخوف من الآخر، من العدوى، من اللمس، أتاح للعديد منا أن يدركوا كم نفتقد تلك العناقات العفوية، والمصافحات، والتربيتات على الكتف. يترك التباعد الجسدي ندوبًا خفيّة على جلدنا. ومن اللافت للنظر أن معظم الناس أوردوا “عناق أحبتنا” كأحد أول الأشياء التي يريدون القيام به حال انتهاء الوباء.
اللمس حيوي جدًا، حدّ أن لغة الاتصالات الرقمية باتت أيضًا زاخرة بالاستعارات المستمدة من كلمة اللمس – Touch. فنحن نبقى على تواصل (‘keep in touch’)، ونقرّ بأن “اللفتة اللطيفة قد لمستنا”. وقد اقترح بعض الباحثين أنه يمكن للتكنولوجيا أن توطّد تواصلنا الجسدي مع الآخرين، عبر تحفيز أنواع جديدة من الارتباطات اللمسية بين الأشخاص بواسطة أدوات مثل بطانيات العناق، شاشات التقبيل، وأجهزة التمسيد. على سبيل المثال، يحاول مشروع بحثيّ في كلية لندن الجامعية أن يستكشف كيف يمكن للممارسات الرقمية، مثل “تسجيلات الإعجاب”، والرموز التعبيرية (الإيموجي)؛ وهي رموز تنقل الحالات العاطفية والاستجابات الاجتماعية، أن تمتد لتشمل التحكم عن بعد بالأقمشة والمواد. يمكن لشخصين بعيدين واحدهما عن الآخر أن يمتلكا جهازًا يكشف وينقل الاستجابة الحسية: على سبيل المثال، قد يصبح الحسّاس عندي ساخنًا وناعمًا حين يكون شريكي في الطرف الآخر من العالم متاحًا ويريدني أن أشعر بوجوده، أو قد يصبح، على العكس، باردًا وخشنًا حين يكون شريكي في حاجة إلى وجودي.
تنطوي هذه الأجهزة على كثير من الإمكانيات، لا سيما بالنسبة إلى البشر المحرومين من
“هل تُعتبر فكرة “إحياء اللمس” في الوضع الحالي خاصة بالشجعان والحمقى؟”اللمس، مثل المسنين، والناس الذين يعيشون لوحدهم، أو الأطفال في دور الأيتام. يعيش 15% من البشر عبر العالم لوحدهم، وبعيدًا عن أحبائهم أغلب الأحيان، ما يعني أن مزيدًا من الناس يموتون وحيدين أيضًا. فكم سيُحدث من فرق أن تتحقق إمكانية أن يكون المرء قريبًا ماديًا من آخر، حتى وهو بعيد.
مع ذلك، حريّ بتلك الأجهزة أن تكون مكمّلة لقدرة التبادل اللمسي بين الجلد والجلد، وليست بديلًا منها. فما من شيء يضاهي سحر اللحظة التي نكون فيها قريبين جسديًا من شخص آخر، والتي كثيرًا ما يكون فيها اللمس مصحوبًا مع سلسلة من الإشارات الحسية الأخرى، كالرائحة، والصوت، وحرارة الجسد. اللمس أقرب مكانيًا وزمنيًا من حيث أنه يعني “نحن قريبون واحدنا للآخر ونحن هنا الآن، معًا”. وعلى عكس الحواس الأخرى التي يمكن أن تصبح رقمية، مثل رؤية وجه شخص آخر، والتحدث إليه عبر برامج مثل Zoom، يتطلب اللمس أن نكون في المكان ذاته، في الوقت ذاته، مع شخص آخر. وأي صيغة مرقمنة للمس ستنقصها هذه المشاطرة الغنية للحظة معينة في الزمان والمكان، ولن تمنحنا إلا تجربة أكثر محدودية لما يمكن للعناق الحقيقي أن يقدمه. إذا كنت أستطيع أن أوقف المحادثة مؤقتًا، أو أنسحب من شخص يرسل لي عناقًا رقميًا، فسيبقى ذلك الجانب من اللمس الذي “نتشاطر فيه الإحساس مع آخر” غير ممكن.
السؤال اليوم: هل تُعتبر فكرة “إحياء اللمس” في الوضع الحالي خاصة بالشجعان والحمقى؟ لا أعتقد ذلك، والأدلة العلمية واضحة وبيّنة. نحن نخسر كثيرًا بحرمان أنفسنا من اللمس. إذ أننا نحرم أنفسنا من واحدة من أكثر اللغات تطورًا؛ نخسر فرص بناء علاقات جديدة، ناهيك عن أننا قد نُضعف الموجودة منها. وبجعلنا العلاقات الاجتماعية تتدهور، نخاطر أيضًا بالانفصال عن أنفسنا. يجب أن تكون حاجة البشر للمس واحدهم الآخر أولوية في تعريف “الوضع الطبيعي الجديد” في مرحلة ما بعد وباء كورونا. وغالبًا ما يكون عالمٌ أفضل على بعِد عناقٍ منا. لكلّ هذا، أطالب، بوصفي عالمة، وإنسانة قبل كذلك، بحق اللمس، وبالحلمِ بواقعٍ لا يبقى فيه أحد محرومًا من اللمس.

لورا كروسيانيللي: ولدت في إيطاليا، وانتقلت إلى لندن لتكمل دراستها وأبحاثها. حاصلة على شهادة الدكتوراة، قسم علم النفس، من جامعة هيرتفوردشاير، وكلية لندن الجامعية في المملكة المتحدة. حصلت عام 2020 على منحة أبحاث في برنامج ماري سكلودوفسكا – كوري، قسم علم الأعصاب، معهد كارولينسكا في ستوكهولم. باحثة مشاركة فخرية في قسم أبحاث علم نفس الصحة، وعلم النفس التربوي والسريري، في كلية لندن الجامعية. لها العديد من الأبحاث المنشورة لا سيما في مجال اللمس العاطفي، التكامل متعدد الحواس، الإحساس بملكية الجسد، والعلاقات بينها.
النص الأصلي:
https://aeon.co/essays/touch-is-a-language-we-cannot-afford-to-forget

ترجمة: سارة حبيب.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This